توفّرت لها فرصة المطالبة بحقوقها المالية المترتبة لها من الموروث النبوي ، وسنأتي على بيانه في المبحث الثاني .

منع الحقوق المالية للزهراء عليها السلام

أولاً : اغتصاب نحلة الزهراء عليها السلام :
ثم كان بعد انتهاك حرمة بيت الزهراء عليها السلام وإيذائها ، والاعتداء على وصيّ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام ، أن وضعت السلطة يدها على نحلة الزهراء في فدك ، لتصبح من مصادر بيت المال وموارد ثروة الدولة ، أو طعمةً لمن ولي الأمر بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
وفدك قرية بناحية الحجاز ، بينها وبين المدينة يومان ، فيها عين فوّارة ونخل كثير ، قد غرس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعضه بيده ، وهي أرض كانت لليهود ، فأفاءها الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم صلحاً سنة 7 هـ ، وذلك لمّا فرغ صلى الله عليه وآله وسلم من فتح خيبر ، قذف الله تعالى الرعب في قلوب أهل فدك ، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصالحوه على النصف ، وروي أنّهم صالحوه عليها كلها ، فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لاَنّه لم يوجف عليها المسلمون بخيلٍ ولا ركاب (1) .

أدلّة النحلة :
1 ـ ثبت من طرق الشيعة والعامّة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد منح فدك إلى ابنته الزهراء عليها السلام في حياته صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد روي عن علي أمير المؤمنين عليه السلام وابن
____________
1) راجع : تاريخ الطبري 3 : 15 . والكامل في التاريخ | ابن الأثير 2 : 221 . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 210 . وسنن أبي داود 3 : 143 | 2971 ـ باب في صفايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأموال . وفتوح البلدان | البلاذري : 43 . ومعجم البلدان | ياقوت ـ فدك ـ 4 : 271 .
( 160 )

عباس وأبي سعيد الخدري في تفسير قوله تعالى : ( وآت ذا القربى حقّه ) (1) أنهم قالوا : لمّا نزلت هذه الآية ، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام فأعطاها فدك (2) .
وروي ذلك عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين والباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام (3) .
2 ـ وممّا يدلُّ على أنّ فدك كانت بأيدي أهل البيت عليهم السلام ما جاء في كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى عثمان بن حنيف ، وكان عامله على البصرة ، قال عليه السلام : « بلى كانت في أيدينا فدك ، من كلّ ما أظلّته السماء ، فشحّت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين ، ونعم الحكم الله ، وما أصنع بفدك وغير فدك ،
____________
1) سورة الإسراء 17 | 26 .
2) الدر المنثور | السيوطي 5 : 272 . وشواهد التنزيل | الحسكاني 1 : 338 | 467 ـ 473 . ومجمع الزوائد | الهيثمي 7 : 49 ـ عن الطبراني . وكنز العمال 3 : 767 | 8696 . وميزان الاعتدال 3 : 135 | 5872 . ومقتل الحسين عليه السلام | الخوارزمي 1 : 71 . ولسان العرب | ابن منظور ـ فدك ـ 10 : 473 عن علي عليه السلام دون ذكر الأية . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 268 و 275 . وكشف الغمة | الاربلي : 476 . ومجمع البيان | الطبرسي 6 : 634 . وتفسير فرات الكوفي : 322 | 437 . وتفسير العياشي 2 : 287 | 50 . والشافي | المرتضى 4 : 90 و 98 . وتلخيص الشافي | الطوسي 3 : 121 .
3) الكافي | الكليني 1 : 543 | 5 . وعيون أخبار الرضا عليه السلام | الصدوق 1 : 232 | 1 . وتفسير فرات الكوفي : 239 | 322 و 323 | 439 و 440 . وتفسير العياشي 2 : 287 | 46 ـ 49 . وتفسير القمي 2 : 18 . والأحتجاج | الطبرسي 1 : 90 ـ 91 . والاختصاص | المفيد : 184 . والمناقب | ابن شهر آشوب 1 : 142 . وسعد السعود | ابن طاووس : 101 ـ 102 . والخرائج والجرائح | القطب الراوندي 1 : 112 | 187 . وكشف الغمة | الاربلي 1 : 476 . والتبيان | الطوسي 6 : 468 و 8 : 253 . ومجمع البيان | الطبرسي 8 : 478 عن سورة الروم آية ( 38 ) . وإعلام الورى | الطبرسي : 1 : 209 .

( 161 )

والنفس مظانّها في غدٍ جدث ، تنقطع في ظلمته آثارها ، وتغيب أخبارها . . . » (1) .
3 ـ وممّا يدلّ على ذلك قول الصديقة الطاهرة فاطمة عليها السلام بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أعطاها فدك مع شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وأُمّ أيمن لها عليها السلام ، وذلك بعد أن وضعت السلطة يدها على الأرض ، وأخرجت وكيلها منها ، ومطالبة الزهراء عليها السلام بالنحلة وشهادة أمير المؤمنين عليه السلام لها ، أمرٌ متواتر يعرفه الخاص والعام ، سنأتي على بيانه لاحقاً .
4 ـ ومما يدلّ على أنّ ذلك كان أمراً معروفاً شائعاً ، هو موقف عمر بن عبدالعزيز والمأمون في ردّهما فدك على ولد الزهراء عليها السلام لمّا تبيّن لهما أنّ الحقّ كان معها عليها السلام وأنّها عليها السلام كانت صادقة في دعواها .
أمّا عمر بن عبدالعزيز ، فقد كتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم : إذا ورد عليك كتابي هذا ، فاقسمها في ولد علي من فاطمة عليهما السلام والسلام . فنقمت بنو أُمية على عمر بن عبدالعزيز عمله هذا وعاتبوه فيه ، فقال لهم : انكم جهلتم وعلمتُ ، ونسيتم وذكرتُ ، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « فاطمة بضعة مني ، يسخطني ما أسخطها ، ويرضيني ما أرضاها » قالوا : فأن أبيت إلاّ هذا فأمسك الأصل ، وأقسم الغلّة ، ففعل (2) .
وفي رواية الجوهري أنّه قال لهم : قد صحّ عندي وعندكم أنّ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أدعت فدك ، وكانت في يدها ، وما كانت لتكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع شهادة علي عليه السلام وأُمّ أيمن وأُمّ سلمة ، وفاطمة عندي صادقة فيما تدّعي وإن لم تقم البيّنة ، وهي سيدة نساء أهل الجنة ، فأنا اليوم
____________
1) نهج البلاغة | صبحي الصالح : 417 | الكتاب 45 . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 208 .
2) شرح ابن أبي الحديد 16 : 278 . وتلخيص الشافي | الطوسي 3 : 128 .

( 162 )

أردّها على ورثتها . . . ولو كنت بدل أبي بكر وادّعت فاطمة كنت أصدّقها على دعواتها . فسلّمها إلى محمد بن علي الباقر عليه السلام وعبد الله بن الحسن (1) .
أما المأمون فقد جلس مجلساً مشهوراً ونصب فيه وكيلاً لفاطمة عليها السلام وآخر لاَبي بكر ، وجلس هو لسماع المناظرة والقضاء ، وحكم بردّ فدك إلى أولاد فاطمة عليها السلام بعد قيام الحجة ووضوح الأمر (2) .
وكتب كتاباً في الثاني من ذي القعدة سنة 210 هـ إلى عامله على المدينة قثم بن جعفر أمره فيه بتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين عليه السلام ، ومحمد بن عبدالله بن الحسين بن علي بن الحسين عليه السلام ، ومما جاء في الكتاب : قد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدك وتصدّق بها عليها ، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا اختلاف فيه بين آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . . . فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها ويسلّمها إليهم ، تقرباً إلى الله تعالى بإقامة حقّه ، وإلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتنفيذ أمره وصدقته (3) .
مطالبة الزهراء عليها السلام بالنحلة وموقف السلطة :
لما انتزعت السلطة حقّ الزهراء عليها السلام في فدك ظلماً وأخرجت وكيلها
____________
1) السقيفة وفدك | الجوهري : 146 . وكشف الغمة | الاربلي 1 : 495 .
2) الشافي | المرتضى 4 : 102 . وتلخيص الشافي | الطوسي 3 : 127 . والسقيفة وفدك | الجوهري : 104 . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 217 . والطرائف | ابن طاووس : 248 .
3) فتوح البلدان | البلاذري : 46 . ومعجم البلدان | ياقوت ـ فدك ـ 4 : 272 . والشافي | المرتضى 4 : 102 .

( 163 )

منها قهراً (1) ‌ ، اندفعت مَن يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها ، للمطالبة بحقها ، وقد ذكر كثير من المؤرخين أنّ فاطمة عليها السلام صرّحت بوجه أبي بكر بأنّ فدكَ ملك لها ، فردّ أبو بكر قولها ، وطلب منها البينة!! ، فأتت بأمير المؤمنين علي عليه السلام وأُمّ أيمن فشهدا لها ، واعتبر شهادتهما غير كافية فقال : قد علمت أنّه لا يجوز إلاّ شهادة رجلين أو رجل وأمرأتين (2) .
وعن هشام بن محمد الكلبي ، عن أبيه ، أنّ أبا بكر قال لفاطمة عليها السلام : إنّ هذا المال لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنّما كان مالاً من أموال المسلمين ، يحمل به الرجال ، وينفقه في سبيل الله (3) ، فأنكر كون فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قدمناه .
وروي من عدّة طرق أنّ أبا بكر أذعن أولاً لحقّ الزهراء عليها السلام في فدك بعد سماعه الشهود ، وقال لفاطمة عليها السلام : ما كنت لتقولين على أبيك إلاّ الحقّ ، فكتب لها فيها ، فخرجت فلقيت عمر ، فأخذ الكتاب وجاء إلى أبي بكر فقال : أعطيت فاطمة فدك وكتبت لها؟! قال : نعم . قال عمر : علي يجرُّ إلى نفسه ، وأُمّ أيمن امرأة ، فمزّق عمر الكتاب بعد أن بصق فيه ومحاه . فدعت
____________
1) راجع : الكافي | الكليني 1 : 543 | 5 . وعلل الشرائع | الصدوق : 191 | 1 ـ باب (151) . والاختصاص : 183 .
2) راجع : السيرة الحلبية 3 : 362 . ومعجم البلدان | ياقوت ـ فدك ـ 4 : 272 . والصواعق المحرقة | الهيتمي : 37 ـ الشبهة السابعة . وسنن النسائي 2 : 179 . وفتوح البلدان | البلاذري : 44 . وفاء الوفا | السمهودي 3 : 999 . والملل والنحل | الشهرستاني 1 : 17 ـ المقدمة الرابعة . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 220 . وكشف الغمة 1 : 478 .
3) شرح ابن أبي الحديد 16 : 214 و 225 .

( 164 )

فاطمة عليها السلام وقالت : « بقر الله بطنك كما بقرت صحيفتي » (1) .
وفي رواية سبط ابن الجوزي : أن عمر قال لاَبي بكر : ممّاذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى (2) ؟
ولا تعارض بين هذه الرواية وبين ما تقدم من أنّ أبا بكر منع الزهراء عليها السلام وطلب منها إكمال البيّنة ، ذلك لاَنّه كتب لفاطمة عليها السلام بفدك وعمر غير حاضر ، فلمّا حضر عمر وطعن بالشهود ، طالبها أبو بكر بالشاهد الآخر .
كما أنّ هذه الرواية لا تعارض خبر أبي بكر في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يورث ، لاَنّه كتب لفاطمة عليها السلام بفدك عندما طالبت بالنحلة لا بالميراث ، فلمّا طالبت بالميراث روى الخبر القاضي بمنع الميراث على ما سيأتي بيانه .
ولم يكتفِ عمر بالطعن في شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وأُمّ أيمن في ردّه لدعوى الزهراء عليها السلام ، بل إنّه زعم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسمها ، فقد روى الثقفي باسناده عن ابن عائشة ، قال : حدثني أبي ، عن عمّه ، قال : قالت فاطمة عليها السلام لاَبي بكر : إنّ فدك وهبها لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : فمن يشهد بذلك؟ فجاء علي بن أبي طالب عليه السلام فشهد ، وجاءت أُمّ أيمن فشهدت أيضاً ، فجاء عمر بن الخطاب وعبدالرحمن بن عوف ، فشهدا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسمها .
____________
1) راجع : شرح ابن أبي الحديد 16 : 234 و 274 . وتفسير القمي 2 : 155 و 326 . وتفسير العياشي 2 : 287 | 49 . والكافي | الكليني 1 : 543 | 5 . والشافي | المرتضى 4 : 97 . وتلخيص الشافي 3 : 124 ـ 125 . والاحتجاج | الطبرسي : 91 . والاختصاص | المفيد : 185 . وأعلام النساء | كحالة 4 : 118 . والتتمة في تواريخ الأئمة عليهم السلام | تاج الدين العاملي : 43 .
2) السيرة الحلبية 3 : 362 ، المكتبة الإسلامية ـ بيروت .

( 165 )

فقال أبو بكر : صدقت يا بنة رسول الله ، وصدق علي ، وصدقت أُمّ أيمن ، وصدق عمر ، وصدق عبدالرحمن بن عوف! وذلك أنّ مالك لاَبيك ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ من فدك قوتكم ، ويقسم الباقي ، ويحمل منه في سبيل الله ، فما تصنعين بها؟ قالت : « أصنع بها كما يصنع بها أبي » . قال : فلك عليَّ أن أصنع فيها كما يصنع فيها أبوك . قالت : « الله لتفعلنّ؟ » . قال : الله لاَفعلنّ . قالت : « اللهمَّ اشهد » (1) .
وهكذا صدّق جميع الشهود مع تباين الشهادتين ، وهو شيء عجيب!! ، في محاولة لاتخلو من المناورة السياسية ، ورجّح جانب عمر بن الخطاب ، ذلك لاَنّه لم يفِ للزهراء عليها السلام بشيءٍ ممّا قاله ، ولو كان فعل لما سخطت عليه حتى أنّها أوصت أن لا يحضر جنازتها ولا يصلي عليها ، وقد ارتحلت عليها السلام إلى جوار ربّها العزيز وهي غاضبة عليه وعلى صاحبه .

نحلة الزهراء عليها السلام في الميزان :
هناك عدة شواهد تدلُّ على مظلومية الزهراء عليها السلام في هذه المسألة وجور الحاكم وتماديه في ظلمها واغتصاب حقها ، وقد كان اللازم على سائر المسلمين أن يقفوا بوجه الظلم ، ولا يدعو ابنة نبيّهم تضطر للخروج أمام الصحابة للمطالبة بحقّها ، مما جرّ هذا الاغتصاب وظلم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى متابعة هضم حقوقهم من لدن السياسات المتعاقبة في الإسلام .
وسوف نقتصر على جملة من الشواهد الدالة على مظلومية الزهراء عليها السلام في شأن فدك :
____________
1) شرح ابن أبي الحديد 16 : 216 .

( 166 )

1 ـ بالرغم من أن فَدَكَ كانت في حيازة الزهراء عليها السلام وهي صاحبة اليد عليها ، فقد استولت السلطة عليها وأخرجت وكيلها وعمّالها منها ظلماً (1) .
2 ـ لقد شهد الله تعالى للزهراء عليها السلام بإذهاب الرجس عنها ، والطهارة من الدنس ، وقامت الدلالة على أنّها كانت صدّيقة ومعصومة من الغلط ، ومأموناً منها فعل القبيح ، ومن كانت هذه صفته لا يحتاج إلى بيّنة فيما يدعيه .
هذا مع أنّ أبا بكر كان يعلم أنّ لسانها يتجافى عن قول الباطل ، فقد شهد لها بالصدق (2) ، وأنّها لا تقول على أبيها صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ الحقّ (3) والمسلمون جميعاً يشهدون بذلك ، لكن أبا بكر بقي مصرّاً على مطالبة الزهراء عليها السلام بالشهود حتى بعد أن احتجّ عليه أمير المؤمنين عليه السلام بمحضر المهاجرين والأنصار وأكّد له أنّ الله تعالى شهد لفاطمة عليها السلام بالطهارة ، وأن ردّ شهادتها ردّ على الله (4) ، ولا يخلو ذلك من العنت والعدول عن جادة الصواب .
3 ـ لقد ثبت أنّ أبا بكر كان قد أعطى بعض الصحابة بمجرد الدعوى بالدَّين أو العِدَة ، دون أن يطلب منهم البيّنة ، ومن ذلك ما رواه البخاري في كتاب الشهادات ، بالإسناد عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه ، قال : لمّا مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء أبا بكر مالٌ من قبل العلاء بن الحضرمي ، فقال أبو بكر : من كان له على النبي صلى الله عليه وآله وسلم دَين ، أو كانت له قبله عِدَةٌ فليأتنا .
____________
1) راجع : الكافي | الكليني 1 : 543 | 5 . وعلل الشرائع : 191 | 1 ـ باب (151) . والاختصاص : 183 .
2) شرح ابن أبي الحديد 16 : 216 .
3) شرح ابن أبي الحديد 16 : 274 . وتلخيص الشافي 3 : 124 .
4) علل الشرائع : 191 | 1 ـ باب (151) . وتفسير القمي 3 : 156 . وكتاب سُليم : 100 . والاحتجاج | الطبرسي : 92 .

( 167 )

قال جابر : فقلت : وعدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا ، فبسط يديه ثلاث مرات . قال جابر : فعدّ في يدي خمسمائة ، ثمّ خمسمائة ، ثمّ خمسمائة (1) .
وروى ابن سعد في (الطبقات) عن أبي سعيد الخدري ، قال : سمعت منادي أبي بكر ينادي بالمدينة حين قدم عليه مال البحرين : من كانت له عِدة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فليأتِ ، فيأتيه رجال فيعطيهم ، فجاء أبو بشير المازني ، فقال : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا أبا بشير ، إذا جاءنا شيءٌ فأتنا ، فأعطاه أبو بكر حفنتين أو ثلاثاً ، فوجدها ألفاً وأربعمائة درهم (2) .
فلماذا إذن يطلب البينة من ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدة نساء أهل الجنة ، بل ويردّ دعواها مع قيام البيّنة على أنّ أباها صلى الله عليه وآله وسلم قد أعطاها فدك خلال حياته ، وليس هي من قبيل العِدَة التي لا يلزم أداؤها؟ ولماذا يصدّق جابر بن عبدالله وأبا بشير المازني في دعواهما دون أن يقدّما شاهداً واحداً يثبت صحة مدّعاهما؟ وهل إنّ جابراً وأبا بشير أتقى وأبرّ وأصدق في دعواهما من الصديقة الطاهرة فاطمة عليها السلام أم هي السياسة التي تجعل الحقّ باطلاً والباطل حقاً .
4 ـ لو سلّمنا أنّ الزهراء عليها السلام تحتاج كسائر المؤمنات الصالحات إلى بينة في إثبات دعواها ، فقد شهد لها أمير المؤمنين عليه السلام وحسبها أخو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصيّه وصدّيق الاُمّة الأكبر (3) وصالح المؤمنين (4) ومن قال فيه رسول
____________
1) صحيح البخاري 4 : 14 | 46 ـ باب من أقام البينة بعد اليمين . وسنن البيهقي 6 : 302 .
2) الطبقات الكبرى 2 : 318 . وكنز العمال 5 : 626 | 14102 .
3) راجع : سنن ابن ماجة 1 : 44 . والاستيعاب 4 : 170 . وأُسد الغابة 5 : 287 . وفضائل الصحابة | ابن حنبل 2 : 586 | 993 . والرياض النضرة 3 : 106 و 110 . وخصائص النسائي : 6 | 63 .
4) راجع : الدر المنثور | السيوطي 8 : 224 . وتفسير القرطبي 18 : 189 .

=


( 168 )

الله صلى الله عليه وآله وسلم : « عليٌ مع الحقّ والحقُّ مع علي ، يدور معه حيثما دار » (1) .
فكيف تردّ شهادته مع قيام البينة على عصمته عن الذنب وطهارته من الرجس؟
وشهدت لها مع أمير المؤمنين عليه السلام أُمّ أيمن ، وهي حاضنة رسول الله ومولاته ، وقد شهد لها بالجنة (2) ، وقال فيها : « أُمّ أيمن أُمّي بعد أُمّي » (3) وردّ شهادتها أيضاً ، فإذا كان مثل هؤلاء يجوز ردّ شهادتهم فعلى الإسلام السلام .
5 ـ لو سلّمنا أنّ شهادة علي عليه السلام كشهادة رجلٍ واحدٍ من عدول المؤمنين ، وأنّ أبا بكر وجد نقصاً في البينة ، فلم يتيقّن له الحقّ ، فهلاّ استحلف فاطمة عليها السلام ليكمل النصاب باليمين مع الشاهد ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مثل هذه المسائل (4) ، بدلاً من أن يردّ دعواها ملغياً شهادة علي عليه السلام وأمُ أيمن .
وخلاصة القول : لقد أُخذت فدك من أهل البيت قسراً وعنوة وظلماً وجوراً ، ودليل ذلك فضلاً عما قدمناه ، ما جاء في شرح كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الذي ذكرناه آنفاً ، قال عليه السلام : « فشحّت عليها نفوس قومٍ ، وسخت عنها نفوس آخرين » .
قال ابن أبي الحديد في شرحه : فشحّت ، أي بخلت ، وسخت : أي
____________
=
1) سنن الترمذي 5 : 633 | 3714 . ومستدرك الحاكم 3 : 124 . وتاريخ بغداد 14 : 321 .
2) كنز العمال 12 : 146 | 34416 .
3) كنز العمال 12 : 146 | 34417 .
4) راجع : مجمع الزوائد 4 : 202 . وكنز العمال 5 : ح 14498 ، و7 : ح 17753 .

( 169 )

سامحت وأغضت ، وليس يعني هاهنا بالسخاء إلاّ هذا ، لا السخاء الحقيقي ، لاَنّه عليه السلام وأهله لم يسمحوا بفدك إلاّ غصباً وقسراً ، ثم قال عليه السلام : « ونعم الحكم الله » الحكم : الحاكم ، وهذا الكلام كلام شاكٍ متظلّم (1) .
ويدلّ على ذلك أيضاً كلامه عليه السلام وهو ينفض غبار قبرها عليها السلام كالمناجي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « وستنبئك ابنتك بتضافر أُمّتك على هضمها ، فأحفها السؤال ، واستخبرها الحال ، هذا ولم يطل العهد ، ولم يخلُ منك الذكر » (2) .
ولو كان أبو بكر قد استولى على فدك عن حسن نية أو على اشتباه عرض له ، لكانت فاطمة عليها السلام قد أقنعته بالحجة والدليل ، ولما غضبت عليه وقاطعته حتى لقيت ربها ، وأوصت أن لا يحضر جنازتها ولا يصلي عليها ، وفي هذا دليل واضح على اعتقاد بضعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم واعتقاد عليّ المرتضى عليه السلام بأنّهم لم يشتبهوا بفدك قطّ ، وإنّما سوّلت لهم أنفسهم أمراً ، والله المستعان على ما يصفون .
أخيراً إنّ فاطمة عليها السلام لو أتت بقسامة من الشهود لردّ دعواها وعارضها بعشرات الشهود ، كما عارض شهادة علي عليه السلام وأُمّ أيمن بشهادة عمر وعبدالرحمن بن عوف ، وعارض دعواها بالارث بحديث (لا نورث) وأشهد عليه عمر بن الخطاب وأوس بن الحدثان وعائشة وحفصة (3) ، ذلك لاَنّ السلطة كانت مصرّة على انتزاع كامل حقوق عترة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم
____________
1) شرح ابن أبي الحديد 16 : 208 .
2) نهج البلاغة | صبحي الصالح ـ الخطبة (202) . والكافي | الكليني 1 : 459 . وشرح ابن أبي الحديد 10 : 265 .
3) قرب الاسناد | الحميري : 990 | 335 . وتفسير القمي 2 : 156 . والاختصاص | المفيد : 183 . وبحار الأنوار 29 : 156 | 31 .

( 170 )

لاَهداف تبتغيها سنأتي على بيانها لاحقاً .
أخرج الهيثمي عن الطبراني في (الأوسط) ، عن عمر بن الخطاب ، قال : لمّا قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جئت أنا وأبو بكر إلى علي عليه السلام فقلنا : ما تقول فيما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال : « نحن أحقّ الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم » . قال : فقلت : والذي بخيبر؟ قال : « والذي بخيبر » . قلت : والذي بفدك؟ قال : « والذي بفدك » . فقلت : أما والله حتى تحزّوا رقابنا بالمناشير فلا (1) .
وهذا في الواقع من جملة الأسباب التي أدّت بالحزب السياسي القرشي إلى تخوّفه من وصول الوصيّ إلى الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فحاولوا إبعاده وإضعافه بكلِّ وسيلة ومنها فدك .

ثانياً : حرمان الزهراء عليها السلام من الإرث :
لما دفعت الزهراء عليها السلام عن نيل حقّها في أرضها بفدك ، طالبت بها عن طريق الإرث ، فكان ميراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم من موارد النزاع بينها وبين أبي بكر ، فقد ذكرت كتب التاريخ والسيرة أنّ فاطمة عليها السلام أتت أبا بكر تطالبه بحقها من ميراث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فاعتذر إليها زاعماً بأنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » وأبى أن يدفع لها شيئاً .
روى البخاري ومسلم وغيرهما بالاسناد عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، أنها أخبرته : أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسلت إلى أبي بكر ، تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك ، وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « لا نورث ما تركنا
____________
1) مجمع الزوائد 9 : 39 .

( 171 )

صدقة ، إنّما يأكل آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المال » . وإنّي والله لا أُغيِّرُ شيئاً من صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عن حالها التي كانت عليها ، في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولاَعملنَّ فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً . فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك .
قال : فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر ، فلمّا توفيت دفنها زوجها عليُّ بن أبي طالب ليلاً ، ولم يؤذن بها أبابكر ، وصلَّى عليها علي (1) .
فسمّى تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم صدقةً ، وإذا كانت فدك وخيبر وفيء المدينة صدقة منذ زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فليس ثمة محلّ لروايته أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لايورث ، إذ لا ميراث حتى يحتاج إلى رواية مثل هذا الخبر .
أما قوله : (لاَعملنّ فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) فيريد به أنه سيجعلها لشؤونه الشخصيّة وحوائجه الخاصة ، يدلّ على ذلك حديث عائشة المروي في الصحاح ، قالت : أمّا صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة ، فدفعها عمر إلى علي والعباس ، وأمّا خيبر وفدك ، فأمسكهما عمر وقال : هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه ، وأمرهما إلى من ولي الأمر بعده ، فهما على ذلك إلى اليوم » (2) .
____________
1) صحيح البخاري 5 : 288 | 256 ـ كتاب المغازي ، باب غزوة خيبر . وصحيح مسلم 3 : 1380 | 1759 ـ كتاب الجهاد والسير ، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « لا نورث » . وسنن أبي داود 3 : 142 | 2968 ـ باب صفايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
2) صحيح البخاري 6 : 178 | 2 ـ كتاب الخمس . وصحيح مسلم 3 : 1382 | 54 ـ كتاب الجهاد والسير . وسنن أبي داود 3 : 143 | 2970 ـ باب في صفايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأموال . وسنن البيهقي 6 : 301 . ومسند أحمد 1 : 6 .

( 172 )

ويدلّ عليه ما رواه أبو داود عن أبي الطفيل ، قال : جاءت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر تطلب ميراثها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبو بكر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنّ الله عزَّ وجلَّ إذا أطعم نبياً طعمة ثم قبضه ، فهي للذي يقوم من بعده (1) .
وفي حديث أُمّ هانىء : أنّ أبا بكر قال لفاطمة عليها السلام : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنّما هي طعمة أطعمنيها الله حياتي ، فإذا متُّ فهي بين المسلمين (2) .
بقي أنّ حديث البخاري المتقدم يذكر أنّ الزهراء عليها السلام قد ودّعت الدنيا وهي ساخطة على أبي بكر ، ومعلوم أنّ فعل الزهراء عليها السلام وقولها لا يتجافى عن الحقّ ، لاَنّ الله تعالى يغضب لغضبها ويرضى لرضاها ، ولم تغضب فاطمة عليها السلام على أبي بكر بمجرد سماعها حديثه ، بل سخطت عليه بعد نزاع واحتجاج طويلين (3) ، حيث عارضت حديثه بالآيات العامة المشرّعة للتوارث بين المسلمين بما فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثمّ ذكرت الآيات الدالة على توريث الأنبياء ، كعيسى وداود وزكريا عليهم السلام ، وسيأتي ذلك في المبحث الثاني عند ذكر خطبتها عليها السلام .
____________
1) سنن أبي داود 3 : 144 | 2973 ـ باب في صفايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأموال . والرياض النضرة | المحب الطبري 1 : 191 . وسنن البيهقي 6 : 303 . ومسند فاطمة عليها السلام | السيوطي : 15 . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 219 .
2) فتوح البلدان | البلاذري : 45 . ومسند فاطمة عليها السلام | السيوطي : 13 . ونحوه في شرح ابن أبي الحديد 16 : 232 . والسقيفة وفدك | الجوهري : 117 عن مولى أُمّ هانيء .
3) راجع طرفاً من احتجاجاتها ومطالبتها عليها السلام بالارث في كشف الغمة | الأربلي 1 : 478 . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 219 . وفتوح البلدان | البلاذري : 44 .

( 173 )

حجيّة حديث لا نورث :
الملاحظ أنّ حديث عدم توريث الأنبياء الذي زعمه أبو بكر لا حجيّة له وأنّه مردود من عدة وجوه :
الأول : الحديث مخالف لصريح القرآن الكريم ، الذي نصّ على توريث الأنبياء عليهم السلام لعموم قوله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلَّ منه أو كثر نصيباً مفروضاً ) (1) وغيرها من آيات المواريث المطلقة (2) التي تشمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمن دونه من سائر البشر .
ونصّ القرآن الكريم على خصوص توريث الأنبياء بقوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام : ( فهب لي من لدنك ولياً * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربّ رضيّاً ) (3) ولا ريب أنّ الميراث في الاستخدام اللغوي يطلق على ما يصحّ أن ينتقل من الموروث إلى الوارث على الحقيقة كالأموال وما يجري مجراها ، ولا يستعمل في غيرها إلاّ مجازاً وتوسعاً ، وليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام بغير قرينة قطعية ودلالة واضحة .
ومنه قوله تعالى : ( وورث سليمان داود ) (4) وهي ظاهرة في الدلالة على المراد ، إذ إنّ اطلاق لفظ الميراث يقتضي أن يراد منه الأموال ومافي معناها .
____________
1) سورة النساء : 4 | 7 .
2) راجع : سورة النساء : 4 | 11 . وسورة الأنفال : 7 | 75 .
3) سورة مريم : 19 | 5 ـ 6 .
4) سورة النمل : 27 | 16 .

( 174 )

وسيأتي في خطبة الزهراء عليها السلام أنّها احتجت على أبي بكر بهذه الآيات التي لا تردّ ولا تكابر ، وكذلك احتجّ بها أمير المؤمنين عليه السلام لكن أبا بكر أبى إلاّ اللجاج والعناد والمكابرة وعدم الانصات لصوت الحقّ والعدل .
أخرج السيوطي عن ابن سعد ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : « جاءت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر تطلب ميراثها وجاء العباس بن عبدالمطلب يطلب ميراثه ، وجاء معهما علي عليه السلام ، فقال أبو بكر : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « لا نورث ما تركنا صدقة » وما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعول فعليّ . فقال علي عليه السلام : ( وورث سليمان داود ) (1) وقال زكريا : ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) (2) فقال أبو بكر : هو هكذا ، وأنت والله تعلم مثل ما أعلم . فقال علي عليه السلام : « هذا كتاب الله ينطق! » فسكتوا وانصرفوا » (3) .
الثاني : أنّه على تقدير صحته وعدم اختلاقه ، فهو من أخبار الآحاد ، فلا يجوز الأخذ بعموم ظاهره لمخالفته للكتاب الكريم ، وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول بما يخالف كلام الله عزَّ وجلّ .
هذا زيادة على رفض باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيدة نساء العالمين عليها السلام لما زعمه أبو بكر ، ولو كان صادقاً بزعمه ، لكانا عليهما السلام أولى الخلق بحقيقة ذلك الحديث ، مما يكشف عن اختلاقه ووضعه .
ولكن أنصاره حاولوا الكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنسبوه إلى آخرين أيضاً ، مع أنّ الثابت هو اختصاص أبي بكر به وتفرّده بنقله .
____________
1) سورة النمل : 27 | 16 .
2) سورة مريم : 19 | 6 .
3) مسند فاطمة عليها السلام | السيوطي : 17 .

( 175 )

قالت عائشة : إنّ الناس اختلفوا في ميراث رسول الله ، فما وجدوا عند أحدٍ من ذلك علماً ، فقال أبو بكر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة (1) .
قال ابن أبي الحديد : إنّ أكثر الروايات أنّه لم يروِ هذا الخبر إلاّ أبو بكر وحده ، ذكر ذلك معظم المحدثين ، حتى إنّ الفقهاء في اصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد . وقال شيخنا أبو علي : لا تقبل في الرواية إلاّ رواية اثنين كالشهادة (2) .
وقال السيد المرتضى رضي الله عنه : إنّ الخبر على كلِّ حال لا يخرج من أن يكون غير موجب للعلم ، وهو في حكم أخبار الآحاد ، وليس يجوز أن يرجع عن ظاهر القرآن بما يجري هذا المجرى ، لاَنّ المعلوم لا يُخَصّ إلاّ بمعلوم ، وإذا كانت دلالة الظاهر معلومة لم يجز أن يرجع عنها بأمر مظنون (3) .
وقال الشيخ الطوسي رحمه الله : إنّ هذا الخبر خبر واحد ، لم يروه إلاّ أبو بكر ، وخبر الواحد لا يجوز قبوله عندنا في موضع من المواضع ، ولو قبلناه لما قبلناه في تخصيص القرآن وترك عمومه (4) .
ولا ندري كيف تُقبل رواية الخصم متفرداً بحديث يناقض كتاب الله ويعارض النقل ، ولا تقبل شهادة فاطمة عليها السلام التي توافق الكتاب الكريم ولا تعارض النقل ، وهي الصديقة المطهّرة من الرجس؟! إلاّ أن يكون الخصم هو الحاكم ، وللحاكم أن يحكم بما يشاء ، والحقّ معه على أيّ حال .
الثالث : والذي يدلّ على ما تقدّم في الوجه الثاني أيضاً ، وهو يفضي إلى
____________
1) الصواعق المحرقة : 34 ، كنز العمال 7 : 226 و235 و236 و237 ، 11 : 475 و479 ، 12 : 488 ، منتخب كنز العمال 4 : 364 .
2) شرح ابن أبي الحديد 16 : 227 .
3) الشافي | المرتضى 4 : 66 .
4) تلخيص الشافي 3 : 137 ـ 138 .

( 176 )

نتيجة واحدة هي بطلان الحديث ، أنّ أمير المؤمنين عليه السلام والعباس عمّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأُمّهات المؤمنين لم يسمعوا بهذا الحديث ، حيث طالبوا بالارث حتى بعد وفاة أبي بكر ووفاة الزهراء عليها السلام .
فقد روي أنّ العباس رضي الله عنه وعليّاً عليه السلام جاءا عمر بن الخطاب يطلبان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1) ، وأنّ أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسلن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألن ميراثهن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وردّتهن عائشة (2) .
وعن الإمام الباقر عليه السلام ، قال : « جاءت عائشة إلى عثمان فقالت : أعطني ميراثي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقال لها : أولم تجيئي ومالك بن أوس النصري ، فشهدتما أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يورث ، حتى منعتما فاطمة ميراثها ، وأبطلتما حقّها ، فكيف تطلبين اليوم ميراثاً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟!
فتركته وأنصرفت ، وكان عثمان إذا خرج إلى الصلاة ، أخذت عائشة قميص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ قالت : إنّ عثمان قد خالف صاحب هذا القميص وترك سنّته
» (3) .
فهل يصح مع ذلك ماروي من أن عمر بن الخطاب ناشد عليّاً عليه السلام والعباس رضي الله عنه : هل تعلمان ذلك؟ ـ أي حديث منع الارث ـ فقالا : قد قال
____________
1) شرح ابن أبي الحديد 16 : 229 .
2) صحيح البخاري 7 : 268 | 7 كتاب الفرائض ـ باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « لا نورث » . وسنن أبي داود 3 : 45 | 2976 ـ كتاب الخراج والامارة والفيء . وسنن البيهقي 6 : 301 . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 223 .
3) الأمالي | المفيد : 125 | 3 . وكشف الغمة 1 : 479 .

( 177 )

ذلك (1) » فإذا كانا يعلمانه ، فكيف جاء العباس وفاطمة عليها السلام إلى أبي بكر يطلبان الميراث (2) ؟ وكيف جاء علي عليه السلام والعباس إلى عمر بن الخطاب يطلبان الميراث؟
فهل يصح أن يقال : إنّهما كانا يعلمان الحديث ، ثمّ جاءا يطلبان الارث الذي لا يستحقانه؟ أو أن عليّاً عليه السلام كان يعلم ذلك ثمّ يمكّن فاطمة عليها السلام أن تخالف قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتطلب مالا تستحقه ، وأن تخرج من دارها وتنازع أبا بكر ، وتكلمه بما كلمته دفاعاً عن حقها؟ مع ما لعلي عليه السلام من الزهد والعصمة والطهارة والذوبان في ذات الله والحبّ الشديد لاجراء أحكامه وسُنّة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، إنّ أهل البيت عليهم السلام أورع وأبرّ وأتقى من أن يطلبوا دنيا فانية أو عرضاً زائلاً ، خصوصاً وأن أمير المؤمنين قد ضرب أروع أمثلة الزهد في هذه الدنيا التي طلّقها ثلاثاً لا رجعة له فيها .
فهل يتصور عاقل بأنّه عليه السلام جاء ينازع المسلمين حقّهم وهو الذي عرف عنه تصلّبه في الحق إلى الدرجات القصوى حتى أن الحق لم يترك له صديقاً!!
وفي حديث مسلم عن مالك بن أوس بن الحدثان : أنّ عمر قال للعباس وعلي عليه السلام حينما جاءا يطلبان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فرأيتماه ـ أي أبابكر ـ كاذباً آثماً غادراً خائناً ، ثمّ قال لمّا ذكر نفسه : فرأيتماني كاذباً آثماً
____________
1) صحيح البخاري 7 : 267 | 5 ، كتاب الفرائض ـ باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « لا نورث » . وسنن البيهقي 6 : 299 . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 222 .
2) صحيح البخاري 7 : 266 | 3 كتاب الفرائض ـ باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « لا نورث » . وسنن البيهقي 6 : 300 . ومسند أحمد 1 : 10 . وتاريخ الطبري 3 : 208 . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 46 و 16 : 218 . ومسند فاطمة عليها السلام | السيوطي : 17 .

( 178 )

غادراً خائناً (1) . ورواه ابن أبي الحديد عن الجوهري بألفاظ أخرى (2) .
فكيف يران هذا الرأي ، ويحكمان هذا الحكم على أبي بكر وعمر في عملهما بأمر فدك وسائر إرث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهما يعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « لا نورث »؟! وعليه فلا تستقيم مطالبة الزهراء عليها السلام وأمير المؤمنين عليه السلام بإرث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ لعلمهما بكذب الخبر المانع للاِرث .
الرابع : لو صحّ صدور الحديث لوجب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبين لورثته أن تركته صدقة لكلِّ المسلمين ، وليس لهم حقّ المطالبة بالإرث بعده ، لئلا يتعرضوا لمواضع التهمة في المطالبة بما لا يستحقونه ، وليقطع دابر الفرقة والاختلاف .
وكيف يمكن أن نتصور أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشرّع حكماً يخالف نصوص القرآن الكريم ويخفيه عن جميع المسلمين حتى عن ألصق الناس به من ورثته الذين يتعلق بهم الحكم ، ولا يبلغه إلاّ لاَبي بكر وهو غير وارث؟ بل كيف يمكن أن نتصور أنّ أمير المؤمنين علياً عليه السلام وباب مدينة علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يجهل هذا الحكم ، وهو أقضى الاُمّة وأعلمها بالكتاب والسُنّة؟!
فهل يمكن أن يقال : إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم أن ورثته سيقسمون تركته من بعده وفقاً لاَحكام الشريعة؟ أو إنّه كان يعلم ذلك ولكن قصّر في تبليغ الأحكام والعياذ بالله ؟! وتلك علامات استفهام جوابها أنّ الحديث موضوع
____________
1) صحيح مسلم 3 : 1379 | 49 ، ورواه البخاري في الصحيح 7 : 267 | 5 وأبو داود في السنن 3 : 139 ، والبيهقي في السنن 6 : 299 بدون ذكر الألفاظ .
2) شرح ابن أبي الحديد 16 : 222 و 227 و 229 .

( 179 )

على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : ولو صحّ حديث أبي بكر ، لكان عليه أن يحرم جميع الورثة من أموال الرسول الخاصة به ، لكنّه ترك أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجرهن من غير بينة ولا شهادة تدلّ على الهبة أو التمليك ، ولم يُدخِل بيوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأثاثها في الأموال العامة ، فهل الحكم بعدم التوريث مختصاً بالزهراء عليها السلام ؟ أم هناك آية خصّت عائشة وحفصة وغيرهما وأخرجت بنت المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من الإرث؟ وليس ثمة آية إلاّ السياسة التي تجعل الحقّ باطلاً والباطل حقاً .
ولقد أوصى أبو بكر حينما حضرته الوفاة أن يُدفَن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي حجرته ، واستأذن لذلك من عائشة ، فلو كانت أمواله صدقه ، فإنّ حجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأموال العامّة ، وينبغي لاَبي بكر أن يستأذن من جميع المسلمين في ذلك ، فكأنه لم يصدق روايته .
وكان من استئثار عائشة ببيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير دفن أبي بكر وعمر في حجرته صلى الله عليه وآله وسلم ، أنّها منعت الإمام الحسين عليه السلام أن يدفن أخاه الحسن عليه السلام إلى جانب جدّه وركبت بغلة ، وخرجت تنادي : لا تدفنوا في بيتي من لا أُحبّ ، واصطفّ بنو هاشم وبنو أُميّة للحرب ، ولكن الإمام الحسين عليه السلام قال لها : « إنّه سيطوف بأخيه عليه السلام على قبر جده صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ يدفنه في البقيع ، ذلك لاَنّ الإمام الحسن عليه السلام أوصاه أن لا يهرق من أجله ولو محجمةً من دم » .
فقال ابن عباس رضي الله عنه : واسوأتاه يوماً على بغل ، ويوماً على جمل؟ وفي رواية : يوماً تجمّلت ، ويوماً تبغّلت ، وإن عشت تفيّلت .
فأخذه من الشعراء ابن الحجاج البغدادي مشيراً إلى استئثار عائشة بكل


( 180 )

بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون باقي نسائه ، فقال :

لكِ التسع من الثمن * وبــالكلِّ تـملكتِ
تـجمّلتِ تـبغّلـتِ * وإن شئت تفيّلتِ (1)

وقال الصقر البصري :
ويوم الحسـن الهـادي * علـى بـغلك أسـرعتِ
ومـايـست ومـانعتِ * وخـاصمـتِ وقـاتلتِ
وفي بيت رسـول اللـ * ــه بـالظلـم تحكّمتِ
هـل الزوجة أولى بالـ * ـمـواريث مـن البنتِ
لـك التسع مـن الثمـن * فبـالــكلِّ تـحكّمـتِ
تـجمّلـتِ تـبغّلــتِ * ولـو عشـت تفيّلتِ (2)

السادس : لو صحّ الحديث لانصرفت الصديقة الطاهرة فاطمة عليها السلام عن مطالبتها راضية مخبتة ، لكن المحقّق أنّ الزهراء عليها السلام غضبت على أبي بكر وعمر وهجرتهما بعد سماعها الحديث المفترى على أبيها العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وماتت وهي ساخطة عليهما (3) ، وأوصت أن تدفن ليلاً ، وأن
____________
1) الخرائج والجرائح | القطب الراوندي 1 : 243 .
2) المناقب | ابن شهرآشوب 4 : 45 .
3) صحيح البخاري 5 : 288 | 256 ـ كتاب المغازي . وصحيح مسلم 3 : 1380 | 1759 ـ كتاب الجهاد والسير . وسنن أبي داود 3 : 142 | 2968 ـ باب صفايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ومسند أحمد 1 : 6 و 9 . ومشكل الآثار | الطحاوي 1 : 48 . وسنن البيهقي 6 : 300 ـ 301 . والبداية والنهاية

=


( 181 )

لا يحضرا جنازتها ، ولا يصليا عليها ، وأن يعفى موضع قبرها ، فدفنها علي عليه السلام ليلاً ، وغيّب قبرها ، ولم يعلم بها أحداً منهما (1) .
وروي أن عليّاً عليه السلام سوّى حول قبرها سبعة قبور مزوّرة ، ورشّ أربعين قبراً كي لا يهتدوا إلى قبرها (2) . وذلك تعبير واضح كالشمس عن مظلوميتها عليها السلام وأنّها مدفوعة عن حقّها مسلوبة نحلتها ظلماً وعدواناً .
ومثل هذا لا تفعله الزهراء عليها السلام بمن هو مصيب في قوله وفعله لاَنّها عليها السلام لا تغضب لغير الحقّ ، وأن الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها ، فلا يصحّ أن يقال إنّ الزهراء عليها السلام غضبت لحكمٍ صدع به من لا ينطق عن الهوى أبوها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، فليس ثمّة أمرٌ أوجب موقفها ذلك ووصيتها إلاّ اتهام الراوي للخبر ، إذ لو كان مصيباً وصادقاً في دعواه ، لزم أن يكون غضبها لغير الحقّ والعياذ بالله .
السابع : لو صحّ صدور الخبر لما ناقض عمر بن الخطاب عمل صاحبه ، فقسم ميراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أزواجه ودفع صدقته بالمدينة إلى علي عليه السلام والعباس .
روى البخاري في كتاب المزارعة عن نافع ، قال : إنّ عبدالله بن عمر قال :
____________
=
5 : 249 . وتاريخ الطبري 3 : 202 . وجامع الاُصول 4 : 482 . وتاريخ المدينة | ابن شبّة 1 : 110 .
1) راجع : مستدرك الحاكم 3 : 162 . والعمدة | ابن البطريق : 390 ـ 391 . وروضة الواعظين | الفتال : 151 . وعلل الشرائع | الصدوق : 185 و 188 و 189 . وكشف الغمة | الاربلي 1 : 494 . والكافي | الكليني 1 : 458 . ومعاني الأخبار : 356 .
2) المناقب | ابن شهرآشوب 3 : 363 . والشافي | المرتضى 4 : 115 . وتلخيص الشافي | الطوسي 3 : 130 . ودلائل الإمامة | الطبري : 136 .

( 182 )

قسّم عمر خيبر ، فخيّر أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يُقطَع لهنّ من الماء والأرض ، أو يُمضى لهنّ ، فمنهنّ من اختار الأرض ، ومنهنّ من اختار الوسق ، وكانت عائشة اختارت الأرض (1) .
فهذه خيبر التي طالبت الزهراء عليها السلام بنصيبها منها كميراثٍ لها من أبيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وردّها أبو بكر ، جاء عمر فقسّمها في أيام خلافته على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ! فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يورث ، فلماذا ترث الأزواج ولا ترث البنت؟
وعن عائشة ، قالت : أمّا صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة ، فدفعها عمر إلى علي والعباس (2) ، فلو صحّ أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يورث ، وأنّ ما تركه صدقة للمسلمين ، فكيف يدفع عمر ذلك إلى علي عليه السلام والعباس؟ ولماذا لم يدفع رجال السلطة هذه الأموال في حياة الزهراء عليها السلام ، إنّها السياسة التي تطلبت أن يمنعوا حيث توجب المصالح تثبيت ركائز الدولة وتدعيم أركانها ، وأن يعطوا في وقت الرخاء والاستقرار وبسطة الفتوح .
الثامن : رويت بعض الأخبار التي تعارض حديث منع الإرث ، منها ما جاء في ( السيرة الحلبية ) عن سبط ابن الجوزي ، قال : إنّ أبا بكر كتب لفاطمة عليها السلام بفدك ، ودخل عليه عمر ، فقال : ما هذا؟ فقال : كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها . فقال : ممّاذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك
____________
1) صحيح البخاري 3 : 211 ـ باب المزارعة ـ بالشطر ونحوه .
2) صحيح البخاري 6 : 178 | 2 ـ كتاب الخمس . وصحيح مسلم 3 : 1382 | 54 ـ كتاب الجهاد والسير . وسنن أبي داود 3 : 143 | 2970 ـ باب في صفايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأموال . وسنن البيهقي 6 : 301 . ومسند أحمد 1 : 6 .

( 183 )

العرب كما ترى؟ ثم أخذ عمر الكتاب فشقّه (1) .
وواضح من الخبر أنّه كتب بفدك لفاطمة عليها السلام على أنها إرث من أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخالف رواية أبي بكر المانعة لتوريث الأنبياء .
ومنها ما رواه أبو الطفيل قال : أرسلت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر : أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم أهله؟ قال : لا ، بل أهله (2) ، إلى آخر الحديث وسيأتي .
قال ابن أبي الحديد : في هذا الحديث عجب ، لاَنّها قالت له : أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم أهله؟ قال : بل أهله ، وهذا تصريح بأنّه صلى الله عليه وآله وسلم موروث يرثه أهله ، وهو خلاف قوله : (لا نورث) (3) .
التاسع : لو صحّ الخبر لما قال أمير المؤمنين عليه السلام متظلّماً : « اللهمَّ إنّي استعديك على قريش ، فإنّهم ظلموني حقّي ، وغصبوني إرثي » (4) .
ولما قالت الزهراء عليها السلام في قصيدتها المشهورة :

تجهّمتنا رجالٌ واستخفّ بنا * لمّا فُقِدت وكلُّ الإرث مغتصبُ (5)

أخيراً فإنّ أرض فدك هي حقّ خالص لفاطمة عليها السلام لا يمكن المماراة فيه
____________
1) السيرة الحلبية 3 : 362 .
2) الرياض النضرة | المحب الطبري 1 : 191 . وسنن البيهقي 6 : 303 . ومسند أحمد 1 : 4 . وشرح ابن أبي الحديد 16 : 219 . ومسند فاطمة عليها السلام | السيوطي : 15 عن مسلم وأحمد وأبي داود وابن جرير .
3) شرح ابن أبي الحديد 16 : 219 .
4) شرح ابن أبي الحديد 10 : 286 .
5) سيأتي تخريجها في المبحث الثاني من هذا الفصل .