|
| أحنُّ لتربة بحمـى ( علي ) | * | يفوح بطيب نفحتهـا الرغام |
| وأشتاق المـرابع مـن ثراها | * | يطيب بهـا لمشتاق مقام (1) |
| مدينـة النجـف الغـرّاء يـا أُفقـا | * | يوحى ويا تربـة تحيـي بما خصبـا |
| كـم احتضنت وكـم خرّجت نابغـة | * | فـذاً وشيخـاً علـى أسفـاره حدِبـا |
| فـأنت مـدرسـة للعلـم جـامعـة | * | تقري العقول وترويهـا بما عذباً (2) |
قرأ عبد المنعم في بدايات دراسته على والده الذي عني بتربيته واهتم
بتنشئته تنشئةً دينية صالحة. وقد تركت هذه العناية الأبوية آثارها في توجيه
الصبي توجيها علمياً صحيحياً. الاّ انّ نعمة الأبوة لم تدم طويلاً على الصبي فقد
فجع بفقد والده وهو في سن الثانية عشرة ، فكفله عمه الشيخ علي (3) الذي أولاه
من عنايته وعطفه ما أولاه ، فكان يجمع ما بقي لأخيه من نتاج الأرض الزراعي
القليل ويدفعه الى والدة الصبي التي بذلت هي الأخرى جهوداً جبارة في تربية
ولدها عبد المنعم وتربية أشقائه في ظروف قاسية وحياة ضيقة صعبة.
وفي الخامسة عشرة من عمره يبلغ عبد المنعم منعطفاً تاريخياً هاماً من
مسيرة حياته. ففي هذه السن يلبس العمامة البيضاء ويصبح شيخاً روحانياً يشعر
وهكذا بدأت حياة الفرطوسي الفتى تأخذ مسيرها صوب تحمل
المسؤوليات الجسام ، والتعامل بموضوعية مع الواقع المر الذي فرض عليه وهو
في سن مبكرة. ولم تنل من عزيمة الفتى الصعاب التي كانت تعترض مسيرة حياته
والمشاكل التي كانت تحدق به من كل حدب وصوب. فقد واصل طريقه ـ بالرغم
من انشغاله بتوفير لقمة العيش ـ في طلب العلم وتحصيل المعارف من خلال
مثابرته واجتهاده في البحث والدراسة حتى بلغ القمة في التدريس واصبح في
وعي المجتمع النجفي ، وفي الحوزة العلمية « الفاضل الذي يعترف الجميع بعلمه
لاسيما علوم العربية التي كان مدرسها البارز الذي يتهافت عليه الطلاب هناك
ليستفيدوا من إحاطته الشاملة ، ومن أسلوبه الأدبّي المشرق (2) ».
ومع تقدمه في مجال العلم والمعرفة بدأ نجم الفرطوسي يتألق في سماء
الأدب وخاصة في محافل الشعر وحلبات الأدب التي كانت تقام دائماً وبدون
انقطاع في النجف. وبفضل موهبته الشعرية ونبوغه الخارق في ارتجال الشعر
ونظم القصيد تصدر الشاعر مجالس الأدب وتربع على عرش حلباته حتى أصبح
ينحدر الشيخ عبد المنعم من عشيرة ( آل فرطوس ) احدى العشائر العربية
العريقة في جنوب العراق. نزحت من الحجاز الى العراق في العهد العثماني لتسكن
في بداية الأمر في مناطق « الناصرية » ، وكان يرأسها أيام هجرتها الشيخ « غزي بن
فضل » الذي سكن في محلة « الفضل » من بغداد وأخذت عنه اسمها الحالي. ويبدو
انّ الحادث الذي راح ضحيته الشيخ « چليب » شيخ آل فرطوس ، إبّان العهد
العثماني دفع آل فرطوس الى التفرق ، فاتجهت مجاميع منها الى « البصرة » واُخرى
الى « العمارة » وبقي منها من بقي في « الناصرية (2) ».
وعشيرة آل فرطوس هي من عشائر « الغزي (3) » الطائية. وقد ذكر المؤرخ
عباس العزاوي انّ آل فرطوس فخذ من « الغزي » من « بني لام » بالعراق يسكن
في أراضي « العبد » في « الچبايش » ومنه في محافظة « العمارة » ، وفروعه : « آل
عطاس » ، و « البوزبارة » ، و « البوارسي » ، و « العبادة » ، و « آل سلمة (4) ».
ويشير العزاوي في موضع آخر الى انّ آل فرطوس فخذ من « آل خزيّم »
من « آل شبل » بالعراق. وقد عدّ بعضهم أصله من « خفاجة » وآخرون من
ومن المؤرخين من يعزو نسب الفرطوسيين الى « الظوالم » وهي عشيرة من
« فزارة » تتفرع الى : « العكش » ، و « الحسان » ، و « الهزي » ، و « الهديان » ، و
« المحايطة » ، و « الحمود » ، و « الشموط » ، و « الشنشول (2) ».
ومهما يكن من أمر فان الصحيح من نسب هذه العشيرة انّها تنتسب الى « آل
غزي » حسبما اكده الشاعر في مقدمة ديوانه حيث ذكر انّه من الفرع الذي يسكن
« العمارة (3) ». والى ذلك يشير المؤرخ جعفر آل محبوبة لدى حديثه عن اسرة
« آل الفرطوسي » في النجف حيث قال : «... جُلّ آل فرطوس يقطنون في
« العمارة » ومنها نزحوا الى بعض الانحاء الأخرى كـ « الناصرية » و « الشنافية »
وغيرهما من الأنحاء ولهم بيت مشهور في النجف معروف بهذه النسبة « آل
الفرطوسي ». نزحوا الى النجف في أواخر القرن الثاني عشر وهم من البيوت
العربية المحتفظة بمكانتها العلمية والمحافظة على سمعتها واعتبارها. أول من
هاجر من هذه الاسرة الى النجف جدها الأعلى الشيخ حسن على عهد الشيخ
صاحب كشف الغطاء » (4).
هو الشيخ حسن ابن الشيخ عيسى (1) ابن الشيخ حسن (2) الفرطوسي. قال
عنه الشيخ محمد حرز الدين : « فقيه عالم محقق ، اشتهر بالفقاهة وحسن الاستنباط
بين معاصريه. جليل القدر ، رفيع المنزلة معظماً عند الأكابر. صار مرجعاً للتقليد
في أواخر أيامه عند سواد العراق (3) ».
هاجر الى النجف الأشرف ، وتلمذ للشيخ مرتضى الأنصاري ، والشيخ
راضي النجفي ، والشيخ مهدي كاشف الغطاء ، والشيخ محمد حسين الكاظمي ،
والسيد المجدد الشيرازي (4).
له « الفقه الاستدلالي » شرح فيه كتاب شرائع الاسلام للمحقق الحلي. ألّف
منه تسع مجلدات ، من أول الطهارة الى آخر التيمم ، وأخرجه الى البياض ولداه
الشيخ علي والشيخ حسين في ثلاث مجلدات كبار وضخام (5). توفي في النجف
سنة 1321 هـ ، ودفن بايوان العلماء خلف الحرم العلوي الشريف (6).
هوالشيخ حسين الفرطوسي. كان من فضلاء عصره ورجال اسرته الأعلام.
هاجر الى سامراء وأقام فيها ما يقرب من عشر سنين. تلمذ فيها للشيخ باقر حيدر ،
والسيد محمد الاصفهاني ، وغيرهما من تلاميذ المجدد الشيرازي. وبعد وفاة السيد
المجدد عاد الى النجف وحضر بحث العلامة الشربياني ، والشيخ محمد طه نجف ،
والشيخ محمد كاظم الخراساني « صاحب الكفاية (1) ».
قال عنه الشيخ الطهراني : « هو من الفقهاء الصلحاء والأتقياء الأخيار ، رأيته
كثيراً وجالسته مراراً ، وكان يسافر الى قبيلته آل فرطوس في لواء العمارة كل عام
للهداية والارشاد ونشر الاحكام (2) ».
توفي سنة 1348 هـ ، ودفن في الصحن العلوي الشريف قرب مرقد السيد
الداماد بالقرب من ايوان العلماء ، وأعقب خمسة أولاد.
أعقب الشيخ حسين ـ والد الشاعر ـ خمسة من البنين ، أشهرهم الشاعر عبد
المنعم. أما أشقاء الشاعر فهم:
1 ـ الشيخ عبد الزهراء ، ولد سنة 1322 هـ ، وهو من أهل العلم والفضل.
حضر دروس أعلام عصره ، وقد توفي سنة 1372 هـ (3). رثاه الشاعر بقصيدة يقول
فيها :
| رَمَتـكَ فأردتكَ كـالأجدلِ | * | سهام المَنيَّـةِ فـي المقتـلِ |
| وما كنت أحسب أنّ الكميَّ | * | يروَّع من سطـوة الأعزل |
| وأن الرصينَ من الشاهقات | * | يـزلزل من نسمـة الشمأل |
| وأنّ الخضم من الزاخرات | * | يجفف مـن لفحة تصطلي |
| ولكنــه القـدر المستبـدّ | * | وصاعقة الأجل المنزل (1) |
2 ـ مجيد ، وهو شقيق الشاعر الذي أصيب بعطل في جهازه الذهني فأصبح
متخلفاً عقلياً. وقد أثّر ذلك في نفسية الشاعر وأثار في نفسه لواعج الحزن والأسى
وزاده لوعة وكآبة (2).
3 ـ جبار ، ولد سنة 1343 هـ ، وهو يصغر الشاعر بثماني سنين. توفي سنة
1361 هـ وهو في ريعان شبابه. ولجبار قصة اليمة مع أخيه الشاعر ، فقد زاره وهو
في « الكاظمية » عندما كان الفرطوسي مريضاً. وفي الليلة التي جاءه فيها أصيب
بالزائدة الدودية فاضطر الشاعر الى ادخاله المستشفى واجريت له عمليه جراحية
لم تكلل بالنجاح واذا به يموت وليس مع شاعرنا من يساعده مع ما به من
المرض (3).
وقد صوّر الشاعر هذا الحادث المروّع بقطعة نثرية تقطر حزناً والماً ، يقول
فيها : « صمت كئيب في مصرع رهيب ، عينان شاخصتان مغرورقتان بالدموع ، قد
ارتسم عليهما شبح الموت ، وأطبقت ظلمة اليأس فغار فيهما شفق الأمل ، بلبل
جريح أجهز عليه القدر فجمدت الحانه على شفتيه الذابلتين فأصبح جثة هامدة ،
شمعه تلفظ آخر نفس من الحياة وتودع أحلامها بالزفرات والحسرات هبّت عليها
وللشاعر قصيدة في رثاء أخيه جبار عنوانها « يا شقيقي » يقول في جملة
من أبياتها:| تشـاطر الحزن وجداً فيك والألما | * | قلبـي وطرفي ففاضا لوعة ودما |
| وعبَّـرت أدمعي مذ خانني قلمي | * | عـن الأسى فأبانت بعض ما كتما |
| وربمـا فُلَّ من عظـم المصـاب | * | فعـاد منطقة بالحـزن ملتجمـا |
| وأفصحت بجليـل الخطب معربة | * | عن الأسى أدمـع انسانها كُلما (2) |
4 ـ محمد حسين ، ولد في مدينة النجف سنة 1344 هـ من رجال القانون ،
وأحد الادباء المبدعين. قال عنه المؤرخ جعفر آل محبوبة : « أديب لوذعي ،
وشاعر مبدع يتفجر شعره حماساً وشعوراً ، متقد الذهن ذكي يحسن اللغة الفارسية
والأنجليزية والفرنسية اضافة الى لغته العربية (3) ».
قرأ في المدارس الحكومية ، وانتقل الى بغداد حيث اكمل دراسته في كلية
الحقوق. غادر العراق أواخر سنة 1951 م الى « سويسرا » وحصل على الدكتوراه
في القانون سنة 1957 م. وقبيل ثورة 14 تموز 1958 عاد الى العراق وعمل
محامياً حتى سنة 1966 م حيث غادر العراق نهائياً ولم تسنح له الفرصة بالعودة
ثانية. عمل ضمن الوفد الدائم لجامعة الدول العربية في « جنيف » ، وارتبط من سنة
1981 م بعقود مؤقتة مع مؤسسات الأمم المتحدة.
الّف في مجال تخصصه كتباً بالانجليزية ، وله ديوان شعر سبق ان نشر قسماً
منه في الصحف والمجلات ، اضافة الى البحوث القانونية والأدبية (1).
خلّف الشيخ عبد المنعم الفرطوسي ستة من البنين :
1 ـ عبد الرزاق ، وهو ولده الأكبر ، توفي سنة 1362 هـ وقد رثاه بقصيدة
عنوانها « وتر العواطف » يقول في مطلعها:| جريح ليس يصلحـه ضماد | * | وكيف به وقد رحل الفؤاد (2) |
2 ـ علي ، مات طفلاً إثر ضربة أصيب بها من أحد الأطفال عندما كان يمرح
في ملعب الطفولة ، وقد رثاه الشاعر بقصيدة لامية ، يقول في جملة من أبياتها :
| شفتاك فـي عـلٍ وفي نهـل | * | أشهى الى نفسي من العسـل (3) |
| يـاقوتتـان علـى فم عـذب | * | يفترُّ عن سمطين من خضل (4) |
| قـد ذابتا صهـرا على كبدي | * | وانبتَّ عقدهمـا مـن الغلل (5) |
وقد صدّر الشاعر قصيدته هذه بكلمة حزينة صوّر فيها عمق لوعته وفادح
المصيبة التي حلّت عليه ، يقول : « عينان هما مصباح الأمل ، شفتان هما منبع العسل ،
3 ـ الشيخ حسين ، ولد في مدينة النجف بمحلة « العمارة » سنة 1949م ،
درس في المدارس الرسمية ثم دخل الحوزة العلمية سنة 1961م. كان الساعد
الأيمن لوالده ، وكان يرافقه دائماً وخاصة بعدما فقد بصره. كتب عن أبيه « ملحمة
أهل البيت عليهم السلام » كاملة وعمل على طبعها ونشرها (2).
أمّا باقي أولاد الشيخ عبدالمنعم فهم : حيدر ، والشيخ حسن ، والمهندس
محمد (3) .
احتفظ الشيخ الفرطوسي لنفسه من الخصال الحميدة والسجايا القويمة
مالانجدها الاّ في سيرة السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم. فقد تجسدت في
شخصيته المثالية ، وسلوكه الاخلاقي الرفيع تعاليم الاسلام السمحاء وقيمه المثلى
المستوحاة من روح التربية القرآنية.
لقد كان؛ شديد التواضع مع سمو مكانته العلمية ، وكان « صاحب الخلق
الرفيع في ابتسامته المشرقة ، وفي احتضانه الشعوري للناس الذين يلتقيهم ، وفي
اقباله على محدثيه.. وفي الدقة الروحية في مراعاة شعورهم وعواطفهم.. وفي
تواضعه الذي يخجل كل إخوانه وتلامذته وعارفيه » (1).
وتواضع الشيخ لم يكن عن تكلف وتصنع ، فهو « مترسل إلى أبعد حد في
سيره وجلسته وتواضعه وحسن خلقه وميوعته الاجتماعية ، الميوعة التي حدته
على أن يساير نفراً تفوَّق عليه بجميع القوى والفضائل ، ولكنه لوداعته وعدم
شعوره بشخصيته ، أو بتعبير أصح نكرانه لذاته نكراناً غريباً حداه على هذه
المشايعة ، غير انه في الوقت نفسه احتفظ باتزان نفسي وعزة وإباء جعلته محترماً
في نفوس الناس وبالأخص في نفس من اطلع على غرائزه » (2).
والى جانب التواضع الذي عرف به ، كان ـ رضوان الله تعالى عليه ـ شديد
الإباء والانفة حتى انه كانت تهدى اليه الهدايا إعجاباً به وبشاعريته الاّ أنه لم يكن
يقبلها مع احتياجه الشديد اليها (3).
اضافة إلى ما سبق فقد كانت تعلوه رحمه الله هالة من الصفاء والهيبة ، وتتجسد في
سيماه البساطة المتناهية الى جانب الوقار والاتزان. وكان اذا حدّث تراه كالنسيم
الهادئ يدفع شراع المركب دون أن يغرق السفينة. وهو الى ذلك سريع البديهة ،
قوي الحافظة ، وافر العقل والنباهة ، حاد الفطنة والذكاء ، صادق في قوله وعمله.
كما وعرف الشيخ بحسن السيرة وطيب النفس ، والترفع عن الدنايا والزهد
شغل السفر حيّزاً من حياة الشاعر ومنذ سنيه الأولى. فما ان بلغ الخامسة
عشرة من عمره حتى أُلقي على كاهله مسؤولية ادارة عائلته وتنظيم حياته وحياة
اسرته. فكان يقصد باستمرار منطقة ريفية من ناحية « المجر الكبير » بجنوب
العراق لأستحصال نتاج الأرض التي كانت لهم في تلك المنطقة (1). وبعد أن بلغ
شأواً في العلم والمعرفة أخذ يتردد على تلك المناطق وخاصة أرياف « العمارة » و
« الناصرية » للوعظ والارشاد وتسلم الحقوق الشرعية.
واضافة الى واجبه الديني وعمله التوجيهي الذي كان يحتم عليه السفر الى
مناطق مختلفة من العراق ، وكذلك زياراته للعتبات المقدسة في كربلاء والكاظمية
وسامراء ، فانّ المناسبات الدينية والمهرجانات الأدبية التي كانت تقام بين الحين
والآخر في مدن مختلفة دفعته الى تحمل عبء السفر والمشاركة الفاعلة في إحياء
تلك المناسبات.
فمن تلك المناسبات التي ساهم فيها الشاعر بابداع شعري رائع ، الحفل
الذي أقامته الهيئة العلمية في كربلاء ليلة مولد الامام المهدي عليه السلام سنة 1369هـ
( 1950م ). وقد انشد الفرطوسي في هذه المناسبة قصيدة هي غاية في الروعة
والجمال ، يقول في جملة من أبياتها:
| عطّـرتُ باسمك هـذه الالحانا | * | ونشرتُ ذكرك مـن فمي قرآنا |
| وبعثت من شفتـي حين لثمتـه | * | قبساً ينيـر العقل والـوجدانـا |
| ورأيته في النفس حيـن طويته | * | بيـن الجـوانـح جنة وأمانـا |
| كحّلت جفنـي بالمنى في مولد | * | بالنـور كحل هذه الأجفانا (1) |
وتكثر رحلات الشيخ بمشاركته الفاعلة في المناسبات والحفلات. فمن
تلك المناسبات ، الحفل الذي أقيم في مدينة « الحلّة » عند افتتاح مستشفى آل
مرجان سنة 1376هـ ( 1957م ) (2). وكذلك الاحتفال البهيج الذي أقيم في « خان
الخنيني » بمدينة « البصرة » يوم العاشر من شعبان سنة 1383هـ ( 1964م ) بمناسبة
مولد الامام الحسين عليه السلام (3) ، وأيضاً المهرجان الذي أقيم في مدينة « كربلاء » في
مولد الامام علي عليه السلام ، سنة 1383هـ ( 1963م ) (4) ، وكذلك الحفلة التأبينية التي
اقيمت في مسجد براثا ببغداد بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاة الشيخ محمد
رضا الشبيبي سنة 1385هـ ( 1966م ) (5). وغيرها من الحفلات والمناسبات.
ولم تقتصر رحلات الشيخ على البلدان العراقية فقط بل كانت له عدة
رحلات الى خارج البلاد ، الاّ انّ طابع هذه الرحلات تختلف بعض الشيء عن
رحلاته الداخلية. فقد كانت رحلاته الخارجية غالباً للعلاج والاستجمام اضافة
الى زيارة العتبات المقدسة في تلك البلدان.
ففي سنة 1371هـ ( 1952م ) سافر الشيخ الى ايران لزيارة مرقد الامام
| تفجّـر أيّها الطـرفُ القـريحُ | * | بما يوحي لك القلـب الجـريحُ |
| وصغ من دمعك القانـي وقلبي | * | نشيـداً كـلُّ مـافيـه ينـوح |
| فما هـذا الجمود وكـل شيءٍ | * | أراه لـلعـواطـف فيـه روح |
| فهـذا مشهدٌ قـد كنت شجـواً | * | علـى ذكراه بـالنجوى تبـوح |
| وهذي القبةُ الحمـراءُ تكسـو | * | بروعتها العـواطفَ اذ تلـوح |
| وهذا مهبط الأمـلاك فاخشـع | * | على أعتابه ـ وهـو الضريح |
| وهـذي تربـةٌ في كـلّ حِينٍ | * | بطيب أبي الجواد لنا تفوح (1) |
وعندما حجّ الشيخ بيت الله الحرام سنة 1376هـ ( 1957م ) عرّج على
المدينة المنورة فزار مسجد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ومراقد ائمة أهل البيت عليهم السلام في
البقيع. وقد أثاره منظر البقيع كثيراً حتى قال عنه : « سكون رهيب في مشهد حزين
تستعرض منظره الكئيب بطرفك الباكي فيمد سحابة سوداء من الشجون على
عينيك ويفرق بموجة الأسى شفتيك وتتغلغل في أعماق نفسك من سورة الالم
زفرات تضيق بها الضلوع وتحترق الدموع. هذا هو مشهد البقيع التربة المقدسة
التي غربت وراء صعيدها الطاهر من شمس الرسالة بضعته الصديقة فاطمة
الزهراء عليها السلام وأربعة نجوم من سلالتها الطاهرة هم أئمة البقيع عليهم السلام » (2).
وفي سنة 1384هـ ( 1965م ) سافر الشيخ إلى « سويسرا » لعلاج بصره
فمكث مدة في العاصمة « جنيف » ثم انتقل الى مدينة « لوزان » لتلقي العلاج في
وفي أواخر السبعينات وإثر الأزمات السياسية التي شهدها العراق في تلك
الفترة غادر الشيخ العراق نهائياً وأقام في لبنان. وبعد مدة توجه الى « جنيف » في
« سويسرا » لمعالجة بصره حيث نزل عند أخيه الدكتور محمد حسين الفرطوسي
وذلك في سنة 1980م. مكث الشيخ ستة أشهر في « جنيف » قضاها بين العلاج
الطبي والانصراف الى التعبد وعقد المجالس العلمية. وبعد هذه الفترة انقطع أمله
بالتوصل الى أعادة بصيص من بصره فعزم على الرحيل الى بيروت والاقامة
هناك. وفي عام 1982م عاد الشيخ الى « جنيف » ثانية وبعدها قرر الانتقال الى
الامارات العربية المتحدة فأقام في « أبو ظبي » حتى أيامه الأخيرة (2).
عرف الشيخ الفرطوسي في الأوساط العلمية والمحافل الأدبية عالماً فاضلاً
وأديباً مبرزاً له اجتهاده المستدل ورأيه الصائب في المسائل العلمية والأدبية.
وبالرغم من شهرته كشاعر مرموق وأديب مبدع فانّ ذلك لم يفقده مكانته العلمية
ومنزلته الشامخة بين أساتذة الحوزة العلمية في النجف. فالشخصية العلمية التي
تمتع بها الفرطوسي استهوت الكثير من طلبة العلم وروّاد المعرفة. وقد تظافرت
أولاً : عامل البيئة
ولعامل البيئة الأثر الأعمق في تكوين شخصية الفرد وبلورة مواهبه
الفطرية. وقد شاء الله أنْ ينمي غرس الفرطوسي الموهوب في مدينة النجف التي
كانت ولا تزال جامعة علمية كبرى تخرّج منها غير واحد من عمالقة الفكر
وأساطين العلم والأدب. والمعروف انّ النجف لم تكن مهداً للعلم والمعرفة فقط بل
كانت أيضاً مؤسسة تربوية امتازت بأجوائها الروحية التي اقتبست أنوارها من
الإشعاع المعنوي لمرقد الامام علي عليه السلام.
وكان تأثر الفرطوسي بهذه الأجواء تأثراً واضحاً وعميقاً. فقد تجلّت في
شخصيته الفذة ملامح الايمان ، ومعالم الرسوخ في العقيدة ، والثبات على خطى
الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، ونهج الأئمة من أهل البيت عليهم السلام.
ثانياً : عامل الوراثة
ويأتي هذا العامل ضمن العوامل المحفّزة على اقتفاء آثار الآباء ، والسير في
خطاهم ، والتأسي بمآثرهم ، والسعي على امتثال نهجهم الذي سلكوه في طلب
العلم واقتباس المعرفة. وقد انعكس هذا العامل بكل ما يحمل من مؤثرات
ومحفزات على شخصية الفرطوسي ، وهو الذي ينتمي الى عائلة انحدر منها علماء
كثيرون عبر قرن من الزمن. فجد الشيخ الفرطوسي وهو الشيخ حسن كان من
العلماء الأعلام ومراجع الدين العظام. وامّا ابنه الشيخ حسين ـ والد الشاعر ـ
ثالثاً : عامل الفطرة
لقد مَنَّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ على الشيخ الفرطوسي بنعمة الذكاء المفرط ،
والذاكرة القوية. فقد كان رحمه الله يستظهر الدواوين الشعرية والكتب الأدبية بمدة
قصيرة. وفوق هذا انّه كان ينظم القصيدة الطويلة التي تتجاوز المئة بيت في ذهنه
وعن ظهر قلب ثم يصلح أبياتها وينشدها على الحضور ، ثم يعيدها مرات دون ان
يغفل عن بيت واحد منها (2).
والى ذلك أيضاً كان يناقش في مسائل تطرح عليه في الفقه والاصول
والصرف والنحو والمعاني والبيان دون مطالعة مسبقة ، فكان يبسط الكلام في تلك
المسائل ولا يترك شاردة ولا واردة في الموضوع إلاّ ويأتي بها كاملة.
أخذ الشيخ الفرطوسي مقدمات العلوم عن والده الشيخ حسين ، وكان قد
أتقن القراءة والكتابة في سن التاسعة على معلمه « الشيخ عطية » (3). وبعد وفاة
والده شمله عمه الشيخ علي بعنايته ورعايته الأبوية فحرص على تعليمه وتهذيبه.
وبعد ما أتم الشيخ دروسه في الآداب والعلوم العربية وغيرها من العلوم
أخذ يدرس سطوح الفقه واصوله حتى برع فيها وتقدم على أقرانه. وما ان أتمّ هذه
المرحلة حتى بدأ بالحضور في بحوث علمية خارجية في الفقه والاصول لكبار
علماء عصره.
وقد درس الشيخ طوال هذه المدة على أساتذة أجلاّء كان لهم الدور الفاعل
في إنماء مواهبه وتوجيهه توجيهاً صحيحاً نحو التقدم والكمال. ومن هؤلاء
الأساتذة الذين أخذ عنهم العلم وتلمذ لهم وأفاد منهم :
1 ـ السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني ( 1284 ـ 1365هـ )
وهو من العلماء الاعلام والفقهاء العظام. استقل بالزعامة الدينية والمرجعية
الكبرى وأصبح مفتي الشيعة في كافة الأقطار الاسلامية من غير منازع (1).
تابع الشيخ الفرطوسي الحضور في بحوث استاذه الامام الذي كان يؤثره
بمحبة خاصة ويخاطبه في رسائله اليه بـ « ولدنا العلامة الشيخ عبد المنعم.. » (2).
2 ـ السيد عبد الهادي الحسيني الشيرازي ( 1305 ـ 1382هـ )
من المجتهدين الأعلام. كان في عداد المراجع الذين انتهت اليهم أمور
التقليد بعد وفاة السيد أبي الحسن الأصفهاني. وبعد وفاة السيد البروجردي انتقلت
3 ـ السيد محسن الحكيم ( 1306 ـ 1390هـ )
زعيم الطائفة الشيعية في عصره ، وأحد أبرز مراجع التقليد والفتيا. « كانت له
الزعامة الدينية العامة ، والمرجعية الروحية المطلقة ، والرئاسة العلمية. قام بمشاريع
ومآثر خالدة ، وتصدى للتدريس والتأليف والامامة... ازدهرت الحوزة النجفية ،
ونشطت الحركة الفكرية في عهده » (2).
كان الشيخ الفرطوسي تربطه علاقة خاصة بالسيد محسن الحكيم ، فقد كان
من مريديه وخاصة أتباعه. وقد مدحه في أكثر من مناسبة ، من ذلك قصيدته
« ذكريات » التي يقول في بعض أبياتها:| أبـا المهدي أنـت لنا إمام | * | ومجد العلم مجـدك لا يُرام |
| أتتك طلائع الأحكام تسعى | * | لقائـدها وفي يـدك الزمام |
| فقدها حلقة من بعد اخرى | * | بغيـرك لا يتم لهـا انتظام |
| اذا ماروضة العرفان جفت | * | منابعهـا فانـت لها غمـام |
| وان رفعت أكاليل المعالي | * | فأنت لكلّ اكليـل وسام (3) |
4 ـ السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( 1317 ـ 1413هـ ).
من كبار مراجع التقليد ، وأساتذة الحوزة العلمية في النجف. توسّع في
تدريس العلوم الاسلامية ، وألقى محاضرات قيمة في الفقه والاصول والتفسير.
حضر الشيخ الفرطوسي بحوث السيد الخوئي في الأصول ، وكان يتشوق
كثيراً الى دروس استاذه ، وكان يذكره بأنه « منبع من العلم لا ينضب معينه ، يتحدر
من ذهن متفجر بالحكمة. وهبه الله من المعارف ما شاء ان يهبه لمثله من أوليائه
الأبرار » (2)..
5 ـ الشيخ مهدي الظالمي ( 1310 ـ 1359هـ ).
عالم فاضل من أساتذة الفقه والأصول ، وهو أيضاً شاعر جليل وأديب
مرموق. « كان مظهراً من مظاهر التقى والورع لم تشبه شائبة من رياء ولا تدجيل
كأنما هو على ثقة تامة من آخرته وما تفرضه عليه من طهر وصدق وايمان ، وكان
نمطاً عالياً من أنماط العلم والادب. ما عرف العارفون ضعفاً في تفكيره ، ولا
قصوراً في تعبيره ، ولا ثقلاً في روحه » (3).
درس الشيخ الفرطوسي على استاذه الشيخ الظالمي كتاب « كفاية الاصول »
للمحقق الخراساني. كما وأنجز أبحاثاً قيمة بإشرافه. وعند وفاته رثاه الشيخ
الفرطوسي بقصيدة لم يثبتها في ديوانه ، يقول في أبياتها الاولى:| أصـاب ناعيك قلب المجد فانصدعا | * | وأدرك الغـرض المقصود حين نعى |
| وأنفـذ السهم فـي قلبـي وحكمـه | * | في أضلعي فاستحالت أضلعـي قطعا |
| فصـرت أجمع هـاتي في يـد ويد | * | مسكـت فيها فـؤادي خوف أن يقعا |
| وعدت كالطائر المـذبوح قد علقت | * | في حبل نفسي مدى الآلام فانقطعا (4) |
6 ـ السيد محمد باقر الشخص الأحسائي ( 1316 ـ 1381هـ )
من المدرسين البارزين في الحوزة العلمية في النجف. كان على جانب من
التواضع والورع والخلق الرفيع والسلوك المتين. حاز على مرتبة الاجتهاد
والاستنباط ، وواصل التدريس حتى أصبح من أعلامه المبرزين (1).
درس الشيخ الفرطوسي على أستاذه الأحسائي كتابي « الرسائل »
و « المكاسب » للشيخ الأنصاري. وعند وفاة استاذه رثاه بقصيدة قال في جملة من
أبياتها :
| ايهاً حماة الشـرع لاربع العلى | * | ربعٌ ولا النجـوى يرتلهـا فـم |
| خمدت مصابيح الدراية منكـم | * | شعـلاً وغارت للهـداية أنجـم |
| خلت الكنـانة من بنيهـا بعدما | * | غبتـم وأنتـم للكنـانـة أسهـم |
| واريقت الصهباء من قدح العلى | * | فهوى وهـاهو هيكـل متحطـم |
| واُميتت الانغـام فاستولى على | * | أوتارها خـرس وصمت ملجـم |
| مـا قيمة الشبـح المجرد انّـه | * | عرض بغيـر الروح لا يتقـوم |
| فالعود بالنفحـات يعرف طيبه | * | والعود بالنغمـات اذ يترنم (2) |
ساهم الشيخ الفرطوسي بالاضافة الى نشاطه الأدبي في حقول معرفية
متنوعة جلّها في العلوم الدينية. فقد ألّف في مجال الفقه والأصول والمنطق والعلوم
1 ـ ديوان الفرطوسي : وهو في جزئين ، طبع للمرة الاولى في مطبعة الغري
الحديثة بالنجف سنة 1957 م ، وأُعيد طبعه ثانية سنة 1966م (1).
وقد عبّر الشاعر عن ديوانه بأنّه « إضمامة متناثرة من العواطف انسقها في
هذه الألواح ، وجمرات ملتهبة من الشعور أنثرها على هذه الصفحات هي جهود
نشاطي الأدبي وغرس خمسة وعشرين عاماً من حياة عواطفي. ولقد مرّ على
هذه الحياة الأدبية ربيع من الشعر كان الطموح الأدبي فيه بمنتهى الفتوة والنشاط
وثورة العاطفة كهجوم العاصفة. أتخيل شبح الزهرة فأصافحه واحلم بأغاريد
البلبل فأطارحه. أهب مع النسمة وأذوب في النغمة. أطرب لمنظر الوتر وأهيم في
بسمات القمر. يسحرني المنظر الرائع فلا اجتازه حتى اصفه واتحرى بنفسي
بواعث النظم لأقول الشعر وفي هذا الفصل الخصيب تجمعت أكثر زهرات هذا
الحقل وها انا اعرض قلبي وعقلي عليك حين اعرضها في هذه الألواح » (2).
ويبلغ عدد أبيات الديوان بجزئيه مع أبيات الإهداء 7385 بيتاً توزعت
على أكثر من مئة وثمانين قصيدة ومقطوعة شعرية. والديوان هو ليس جميع
منظوم الشاعر فقد اقتطف الشيخ الفرطوسي من نتاجه الشعري الضخم هذه
القصائد المثبتة في الديوان بينما تناثرت قصائده الاخرى في الصحف والمجلات
جمع الشاعر ديوانه بنفسه وكتب مقدمة له تناول فيها أدوار نشأته ومراحل
دراسته ، واوليات نظمه الى جانب آثاره العلمية. وقد قدّم الديوان في طبعته
الاولى محمد علي البلاغي صاحب مجلة « الاعتدال » النجفية. كما وقدمت جمعية
الرابطة الأدبية في النجف الديوان في طبعته الثانية.
نسق الشاعر ديوانه في سبعة أبواب :
الباب الأول : « من وحي العقيدة » ويشتمل على قصائده الدينية وأشعاره
الولائية لأهل البيت عليهم السلام.
الباب الثاني : « صور من المجتمع » (2) ويضم هذا الباب قصائد الشاعر
الوطنية والسياسية والاجتماعية التي أنشدها في مناسبات مختلفة.
الباب الثالث : « دروس » وهي مجموعة قصائد في الاخلاق والتوجيه
والآثار والعبر.
الباب الرابع : « في محراب الطبيعة » وهي قصائد وصفية صوّر فيها الشاعر
مشاهد الطبيعة وحياة القرية ومافيها من صور رائعة ومناظر خلابة.
الباب الخامس : « طلائع الآمال » وهي قصائد ترحيبية أنشدها الشاعر في
استقبال وفود العلم والادب ورجال الاصلاح والدين.
الباب السادس : « الحب والجمال » وهو حقل الشعر الوجداني الذي عبّر فيه
الباب السابع : « دموع وعواطف » وهي قصائد في رثاء رجال العلم والادب
ومن ارتبط بهم روحياً وعاطفياً.
علّق الشاعر على معظم قصائده تعليقات موجزة ذكر فيها الغرض من
انشادها ، وتاريخ نظمها ، والمناسبة التي القيت فيها. كما وشرح بعض المفردات
اللغوية وترجم للاعلام الواردة فيها.
2 ـ ملحمة أهل البيت عليهم السلام (1) : وهي ملحمة شعرية تقع في 28204 بيتاً
طبعت للمرة الاولى سنة 1397هـ ( 1977م ) في ثلاثة أجزاء وقد قدّمها السيد
محمد باقر الصدر. وفي سنة 1407هـ ( 1986م ) أي بعد وفاة الشاعر بثلاث سنين
طبعت الملحمة بكامل أجزائها الثمانية وقد قدم لجزئها الثامن السيد محمد حسين
فضل الله.
3 ـ الوجدانيات (2) : مجموعة شعرية لا تزال مخطوطة تحتوي على ألوان
وصفية وغزلية من شعر الفرطوسي.
4 ـ الفضيلة (3) : رواية شعرية من الأدب الحزين نظمها الفرطوسي في
ثمانين صفحة وبلغ عدد أبياتها ستمئة بيت. وأصل الرواية للكاتب الفرنسي
برناردين دي سان بيار ( 1737 ـ 1814م ) ونقلها الى العربية الأديب المصري
مصطفى لطفي المنفلوطي ( 1876 ـ 1924 م ). وقد فرغ الفرطوسي من نظمها سنة
1366هـ (4).
5 ـ أرجوزة شعرية في المنطق (1) :وهي منظومة في الاشكال والضابطة في
علم المنطق من « الحاشية » التي وضعها المولى نجم الدين عبدالله اليزدي المتوفى
سنة 981هـ على كتاب « تهذيب المنطق والكلام » لسعد الدين التفتازاني المتوفى
سنة 792هـ. وتقع الأرجوزة في مئتي بيت تقريباً (2).
6 ـ شرح موجز « لحاشية ملا عبد الله » في علم المنطق (3).
7 ـ شرح شواهد « مختصر المعاني » للتفتازاني (4) : وقد توسع الشيخ
الفرطوسي في شرحه على طريقة كتاب « معاهد التنصيص » لعبد الرحيم بن احمد
العباسي المتوفى سنة 963هـ ويقع الشرح في خمسين صفحة بالقطع الكبير ،
ويتضمن شرحاً للآيات الكريمة الواردة في المختصر مع اعرابها وتفسير الشاهد
فيها.
8 ـ شرح « كفاية الأصول » (5) : وهو الشرح الذي كتبه الشيخ الفرطوسي
على الجزء الاول من كتاب « كفاية الاصول » للشيخ محمد كاظم الخراساني
المتوفى سنة 1329هـ. ويقع هذا الشرح في ثمانمئة صفحة (6).
9 ـ شرح « الرسائل الأصولية » (7) للشيخ مرتضى الانصاري المتوفى سنة
1281 هـ. وهذا الشرح هو نتيجة المدة التي قضاها الشيخ الفرطوسي تحت اشراف
استاذه السيد محمد باقر الشخص.
10 ـ شرح « رسالة الاستصحاب » (1) من رسائل الشيخ مرتضى الانصاري
يقع في 1000 صفحة.
11 ـ شرح مقدمة البيع من كتاب « المكاسب » للشيخ مرتضى الانصاري
وصل به الى كتاب المعاطاة (2).
12 ـ شرح « المطالب » (3).
اتسع نطاق العمل الأدبي للشاعر وأخذ يتجه الى التنشيط والتفاعل أكثر
فأكثر منذ أن انتظم في « جمعية الرابطة الادبية ». وتعتبر الجمعية أول مؤسسة
تأسست للأدب في النجف بصفة رسمية. فقد تشكلت سنة 1351هـ وضمت اكبر
الأسماء الشعرية في العقد الثالث من القرن العشرين. ويُعد الشيخ الفرطوسي أحد
أعمدتها وواضعي لبناتها الأولى (4).
تبلورت فكرة الرابطة في ذهن الشاعر ، وأخذت تلقي بظلالها على معظم
نشاطاته وأعماله الأدبية ، حتى ان ديوانه الذي جاوز السبعة آلاف بيت يعد ثمرة
وكان الشيخ ممن يعول عليه في جميع المناسبات التي كانت تقيمها الجمعية
فكان شاعرها الذي يشدو باسمها ، والناطق بلسان أعضائها وخاصة في الحفلات
التكريمية التي كانت تقيمها الجمعية احتفاءً بالهيئات العلمية والأدبية الوافدة على
النجف كالحفل الذي أقامته الجمعية تكريماً للوفد العلمي الذي ترأسه الدكتور
حامد زكي عميد كلية الحقوق في مصر ، وكذلك حفلة تكريم الدكتور زكي مبارك
لدى زيارته للنجف ، وحفلات كثيرة اخرى (1).
ومن النشاطات الثقافية التي اضطلع بها الشاعر وبلغ فيها شأواً بعيداً ،
تدريسه العلوم الدينية والعربية ، وخاصة تخصصه في تدريس علم المعاني
والبيان (2) . فقد عرف الشيخ الفرطوسي اُستاذاً ماهراً ، ومدرساً بارعاً ضمّت
حلقات درسه عدداً غفيراً من طلاب العلوم الدينية الذين أصبحوا فيما بعد من
كبار العلماء وأعلام المجتهدين. وغالباً ما كانت تعقد مجالس بحثه ودرسه في
المسجد الهندي (3) ، بالاضافة الى دروسه الخاصة التي كان يشكّلها في داره.
ولمّا كان الشيخ الفرطوسي من الناشطين في حقل الثقافة والمعرفة ،
والمهتمين بأمر التدريس ونشر العلوم الدينية ، فإنّنا نجده قد طرق باب التأليف
والكتابة حتى برع فيه ، والّف كتباً قيمة انحصرت موضوعاتها في الفقه والاصول
والأدب والبلاغة والمنطق.