لـيـلـة الـميـلاد *

كان كسرى ابرويز ـ ملك الفرس ـ من أعظم سلاطين عصره ، وأكثرهم منعةً ونفوذاً ، وكان يحيط نفسه بهالةٍ من الأبهة والعظمة ، فكان يجلس في إيوانه وقد جمع فيه أجزاء عرش دارا (1) وكانت موشاةً بصور نجوم المجرة ، فإذا كان في مشتاه وضعت هذه الأجزاء يحيط بها ستار من أنفس الفراء تتدلى أثناءه ثريات من فضة وأخرى من ذهب ملئت بالماء الفاتر ، ونصب فوقها تاجه العظيم يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة مشدوداً إلى السقف بسلسلة من ذهب ، وكان يلبس نسيج الذهب ويتشح بحلي الذهب ، مما يلقي الهيبة في نفوس قواده ووزرائه وزواره إذا حضروا بين يديه .
وفي ذات يوم إرتجس (2) الإيوان ، ورأى كسرى رؤيا هالته وأفزعته ، فقد رأى في نومه أنه سقط من قصره ستة عشر شرفة ، فلما أصبح ، أفزعه ما رأى ، فصبر تشجعاً ثم رأى أن لا يكتم ذلك عن وزرائه ومرازبته (3) فلبس تاجه وقعد على سريره ، وجمعهم إليه ، فلما إجتمعوا أخبرهم بالذي بعث إليهم فيه .
____________
* : هذه القصة أخذت من : أخبار الزمان / المسعودي ص 117 وقصص العرب 1 / 84 وحياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم / 76 .
1 ـ أحد الملوك الأشداء قضى عليهم كسرى .
2 ـ ارتجس : إهتز .
3 ـ المرازبة جمع مرزبان : القائد الشجاع .

(32)

قال الموبذان (1) : عسى أن يكون خيراً ، وأنا ـ أصلح الله الملك ـ رأيت البارحة أن النيران قد خمدت وقلعت بيوتها وهلك سدنتها ، ورأيت إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها ، وقد أغمني ذلك .
وبينما هم كذلك ، إذ ورد عليه كتاب بخمود النار ، فازداد كسرى غماً إلى غمه ، والتفت إلى الموبذان قائلاً له : وأي شيء يكون هذا يا موبذان ؟ ـ وكان أعلمهم عند نفسه بذلك ـ .
قال الموبذان : ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء ـ أيها الملك ـ ولكن ارسل إلى عاملك في الحيرة يوجه إليك رجلاً من علمائهم ، فانهم أصحاب علم بالحدثان .
فكتب عند ذلك : « من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر ، أما بعد : فوجّه إلي رجلاً عالماً بما أريد أن أسأله عنه . » فوجه إليه النعمان عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة الغساني .
فلما قدم عليه ، قال له : أعندك علم بما أريد أن أسألك عنه . ؟
قال : ليخبرني الملك ، فان كان عندي منه علم ؛ وإلا أخبرته بمن يعلمه له ، فأخبره بما رأى ، فقال : علم ذلك عند خالٍ لي يسكن مشارف الشام ، يقال له سطيح (2) .
قال : فأته فاسأله عما سألتك ، وإئتني بجوابه .
ركب عبد المسيح راحلته حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت ، فسلم عليه وحيّاه ، فلم يجبه ؛ وكلمه ، فلم يرد عليه ! فقال :
أصَـمُّ أم يسمع غِـطـريـفُ الـيَمَـن * أم فَـادَ فـازْلـَمّ به شـأو الـعَنـَنْ (3)
يـا فـاصِل الخِطة أعـيت مـَنْ ومَـنْ * أتـاك شيخ الـحيِّ مـن آل سَـنَـنْ

____________
1 ـ الموبذان : للمجوس رئيسهم الديني .
2 ـ سطيح : من كهان العرب .
3 ـ فاد : مات . ازلم : ذهب مسرعاً . الشأو : المكان البعيد ، العنن : ما ينوب الانسان من العارض .

(33)

وأمـه مـن آل ذِئــب بـن حـَجَـن * أبيـضُ فـضفـاضُ الـرداء والـبَـدنْ
رسـولُ قَيْـلِ الـعُجم يسري للـوسَـنْ * لا يـرهبُ الـرعد ولا ريـبَ الـزمـنْ (1)
تجـوبُ بي الأرضَ عَـلَـنْـدَاةٌ شَـزَنْ * تـرفعـني وجـنٌ وتهـوي بـي وَجـَنْ (2)
حتى أتى عـاري الجـآجي والـقَطَـنْ * تـلفـه في الـريح بَـوْغـاء الـدِمـَنْ (3)

فلما سمع سطيح شعره ، رفع رأسه وقال :
عبد المسيح على جميل مُشيح (4) جاء إلى سطيح ، وقد أوفى على الضريح ، بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ، ورؤيا الموبذان ، رأى إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً ، قد إقتحمت في الواد وانتشرت في البلاد . ثم قال :
يا عبد المسيح ، إذا كثرت التلاوة ، وبعث صاحب الهراوة ، وفاض وادي السماوة ، وغاضت بحيرة ساوة ، وخمدت نار الفرس ، فليست الشام لسطيح شاماً يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات ، وكل ما هو أتٍ آت ، .
ثم قبض سطيح مكانه .
ونهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول :
شمّـِر فـانـك ما عُمـّرت شـِمّيـر * لا يُفـزعنّـَك تـفـريـقٌ وتغـييـر
إن يُمسِ ملك بني ساسـان أًفـرَطهـم * فـإن ذا الـدهـر أطـوار دهـاريـر
فـربمـا ربمـا أضحـوا بـمنـزلـة * تهاب صَـولَـهُـمُ أسـدٌ مهـاصيـر
منهـم أخـو الصرح بَهرامٌ واخوتُهـُم * وهُـرمُـزانٌ وسـابـورٌ وسـابـورٌ

____________
1 ـ القيل : الملك أو من هو دونه .
2 ـ علنداة : ناقة ضخمة طويلة . وشزن : فيها نشاط . الوجن : الأرض الغليظة الصلبة .
3 ـ الجآجي : ربما يقصد بها الإبل ، القطن : أسفل الظهر . البوغاء : التراب الناعم . الدمن : ما تدمن منه ، أي تجمع .
4 ـ مشيح : جادٌّ مسرع .

(34)

والـناس أولاد عَـلاَّتٍ فمـن عَـلمِـوا * أن قـد أقـَلَّ فمهجـورٌ ومحقـورٌ (1)
وهـم بنـو الأمِّ لـمـا أن رأوا نَشَبـاً * فـذاك بالغيب محفـوظ ومنصـور (2)
والخيـر والـشر مقرونـان في قَـرَنٍ * فـالخير مُـتَّبَـعٌ والـشر محـذوراُ
فلما قدم عبد المسيح على كسرى ، أخبره بقول سطيح .
فقال : إلى أن يملك منا ستة عشر ملكاً تكون أمور ويدور الزمان .
قالوا : ولما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارتج إيوان كسرى ، وسقطت منه أربع عشر شرفة ، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك مائة عام ، وغاضت بحيرة ساوة ، وكانت لا تغيض ، وفاض وادي السماوة بالماء . وان الرؤيا التي رآها كسرى والموبذان كانت في تلك الليلة .
وقد يجد القارئ في هذه القصة شيئاً من الغرابة يأخذه معها العجب ، ولكن حينما يعود الأمر لله سبحانه فيما يختص به أنبيائه وأصفيائه ، لا يبقى العجيب عجيباً ، ولا الغريب غريباً .
لقد كان هذا التغير الطارئ العجيب إشعاراً ببداية عهد جديد على الأرض ، يقوم على أسس العدل والحكمة ، كما كان إخطاراً يلوح لبداية انقراض العهود المظلمة ، وانتهاء مسيرة المدلجين في وهد الباطل .

الـبشـارة

مع هذه البداية الغريبة بدأت البشارة باقتراب الموعد وساعة الخلاص ، البشارة التي تحدث عنها المسيح عليه السلام ، ورسمت في الإنجيل ، وترجمها لنا القرآن .
« وإذ قال عيسى بن مريمَ يا بَني اسرائيل إني رسول اللهِ إليكم مصدّقاً لما بين
____________
1 ـ أولاد العلات : أولاد امهات شتى لرجل واحد .
2 ـ النشب : المال والخير .
3 ـ القرن : الحبل .

(35)

يديَّ من التوراة ومبَشِّراً برسولٍ يأتي من بعدي إسمه أحمد . . » الآية (1)
لقد تناقل الرهبان والموحدون هذه البشارة ، ودارت على ألسنتهم طيلة الفترة ما بين صعود المسيح إلى السماء ، ومبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد تحدثت كتب التأريخ القديمة عن ذلك ، بل إتفق المؤرخون على أن بعض الأحبار والكهان كانوا يعلمون ذلك .
وعلى سبيل المثال نذكر بعض الشواهد على هذا :
روي عن عبد المطلب أنه حين زار مع وفد من سادات قريش سيف بن ذي يزن لتهنئته بملك اليمن ، اختلى هذا الأخير بعبد المطلب وبشره بمولود لقريش في مكة يكون رسولاً إلى الناس أجمعين ، وأعطاه صفاته ، ولما وجد عبد المطلب هذه الصفات تنطبق على حفيده محمد صلى الله عليه وآله وسلم سجد لله شكراً على ذلك .
وقصة الراهب بحيرى الذي مر به أبو طالب ومعه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهم في طريقهم إلى الشام فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظاً شديداً ، وينظر إلى أشياء في جسده كان يجدها عنده من صفاته ، ثم نظر إلى كتفه فوجد فيه خاتم النبوة ، فتيقن أنه هو النبي الذي بشر به المسيح ، فأقبل إلى عمه أبي طالب ، فقال له :
ما هذا الغلام منك . ؟
قال : إبني .
قال بحيرى : ما هو بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً .
قال : فانه ابن أخي .
قال : فما فعل أبوه ؟
قال : مات وأمه حبلى به .
____________
1 ـ الصف ـ 6 .
(36)

قال : صدقت ، فارجع بابن أخيك إلى بلده ، واحذر عليه . . القصة (1) .
وقس بن ساعدة ، كان أحد المبشرين بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبرسالته ، وكان من عقلاء العرب وحكمائهم ، وهو القائل :

هل الـغيث معطي الأمن عند نزولـه * بحـال مسـيءٍ في الأمـور ومحسـن

وما قـد تـولى فهو فـات وذاهـب * فهـل ينفـعنـي لـيتـني ولـو أننـي

وكان قس في زمانه أكثر الناس عبادةً ، وأفصحهم خطابةً ، وكان كثيراً ما يذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويبشر الناس به ، وآمن به قبل مبعثه ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأل عن أخباره وترحم عليه ويقول : سيحشر قس أمةً وحده . (2)
ولقد كانت هذه البشارة تزداد شيوعاً كلما اقترب وقت مبعثه صلوات الله عليه وكان سلمان قد سمع هذه البشارة ، ووعاها قلبه فنبت حب محمد صلوات الله عليه في لحمه ودمه ، فكان أحد المنتظرين ، يترقب ساعة الخلاص لحظةً بعد لحظة ، ويوما بعد يوم وكلمة الراهب لا زالت ترن في أذنه :
« هذا آوان يظهر فيه نبي من العرب . . » .
لا يكاد سلمان يتذكر هذا ، حتى يتمنى لو أن الزمان يطوى له كي يلتقي بالرسول المرتقب صلوات الله عليه .
____________
1 ـ السيرة النبوية 1 / 165 ـ 166 بتصرف .
2 ـ حقائق الإيمان / 383 .

(37)

في طـريقة نحو الإسـلام

المحـنة

العبـوديـة

عتيـق الإسـلام




(38)



(39)

غادر سلمان الدير حاملاً بيده اللوح ، ووقف حائراً لا يدري كيف يصنع ولا أين يذهب ، إنه يريد أرض تهامة ، ولكن . . هو غلام ديراني ، وحياة الديرانيين تشبه إلى حد ما حياة أهل السجون لولا الفارق النفسي بينهما من حيث توطين النفس على الإقامة فيها اختياراً ، والشعور بالانفساح الروحي عند الخلوة لمناجاة الله سبحانه ، وإلا فكل شيء في الأديرة يخضع لقيود معينة ، الملبس فيها خاص وبشكل معين ، والمأكل فيها خاص ينحو نحو النباتية ، والزهد في الدنيا شرط ، فلا مال ولا عقار ، ولا شيء من مغريات الحياة ، بل على الداخل فيها أن يخرج من الدنيا وما فيها ـ هكذا كانت حياة الأديرة ـ وهكذا كان سلمان عندما كان ديرانياً .
والآن ، خرج من الدير ، فمن الطبيعي أن يخرج منه كما دخل صفر اليدين ، ويمكننا تصور حالته النفسية في ذلك الظرف العصيب ، فهو يريد أن يأكل ويريد أن يسافر ، ويريد أن يتعامل مع هذه الحياة كما يتعامل بقية الناس ، ولكن دون جدوى ، ففي الدير كانت له جراية تجرى عليه كما تجرى لصاحبه الراحل ، أما الآن فقد إنتهى كل شيء فها هو قد خرج وهو لا يملك درهماً ولا ديناراً ، فماذا يفعل الآن ؟
في زخم هذه الحيرة التي لفت سلمان كانت خيوط الأمل الأخضر تشرق في نفسه فتضيء له جنباتها . . إنه الأمل بلقاء النبي الموعود ، فلقد نبت حب محمد


(40)

صلى الله عليه وآله في قلبه كما ينبت العطر في أكمام الورود ، وتذكر في هذه الحال ما قاله له أستاذه الراحل من أنه « سيخرج نبي في أرض تهامة » وتساءل بينه وبين نفسه : من يدري ، فلعله قد خرج ؟ !
وأحس سلمان بموجةٍ من الفرح تغمره ، فاندفع منطلعاً نحو الطريق وإذا به يرى ركباً يقصدون أرض الحجاز . وأحس أنهم من ذوي الثراء والمكانة لما رأى من ترفهم وحسن مظهرهم ، وما معهم من الشياه والأغنام والأثاث والرياش ، وهنا بادرهم بالتحية ، فردوا عليه بمثلها ، ثم سايرهم قليلاً وفكر في أن يعرض عليهم ما في نفسه من الرغبة في مرافقتهم ؛ ولكن منعه من ذلك قصَرُ ذات اليد ، فما معنى أن يكون معهم ولا يشاطرهم في نفقة الطريق ؟ فعاد إلى نفسه ولم يتكلم بكلمة ، إنه لم يرض أن يكون عالةً على غيره ، يأخذ ولا يعطي ، فهذا شأن الساقطين في الحياة ، وبينما هو في غمرة تفكيره إذ لاحت له خاطرة ذكية أحس من خلالها بقرب الفرج ، حيث بدا له أن يعرض عليهم نفسه للخدمة في قبال أن يقوموا بنفقاته ، ورأى أن هذا أمر لا ضير فيه ولا مهانة ، بل هو شيء حسن ، فلم يتردد في ذلك وخاطبهم قائلاً :
« يا قوم ، اكفوني الطعام والشراب ، أكفكم الخدمة ! »
وكان طلباً محبباً لهم ، فالعرب أمة عرفت بالبذل والكرم والسخاء ، بل أحب شيء للعربي ضيافة الوافد وإكرامه ، فكيف بجماعة كل شيء لديهم وافر ، أتراهم يمتنعون عن قبول مثل هذا العرض بدون مقابل ؟ بالطبع لا . غير أنهم أدركو في سلمان أنه رجل عفيف لا يحتمل المن ، ولا هو من المتسكعين ، فلم يماطلوا معه بالسؤال والجواب لكي لا يحرجوه فأجابوه بقولهم : نعم .
سار سلمان معهم يخدمهم في رحلتهم تلك ويهيء لهم ما يحتاجون إليه ، فلما صار وقت الطعام « عمدوا إلى شاة ، فقتلوها بالضرب ، ثم أخذوا لحمها وجعلوا بعضه كباباً وبعضه شواءً » وجلسوا يأكلون ، أما هو فلم يعجبه هذا الأمر ، فجلس ناحيةً ولم يأكل ، ولفت انتباههم ذلك ، فقالوا له : كل .


(41)

لكنه أصر على موقفه الرافض ـ ولعل طريقة قتلهم للشاة لم تعجبه لأنها منافية لما جاء في الشرايع السماوية من شروط الذبيحة ـ وبقي ممتنعاً عن الأكل ، وفكر في جوابٍ يرضي به فضولهم ويدفع عنه لائمتهم . فقال لهم :
« إني غلام ديراني ، والديرانيون لا يأكلون اللحم ! »
ووجد خلاف ما كان يتوقع ، فالذي ظهر أن القوم يكرهون الأديرة والديرانيين والنصراى أجمعين ، وأنهم وثنيون أو يهود ، فرأوا وجوده بينهم مدعاةً لتعكير صفو عيشهم شأن ذوي العقول المتحجرة من المتعصبين ، فنهضوا إليه يؤدبونه .
يقول سلمان : « فضربوني ، وكادوا يقتلوني ! »
فقال أحدهم ـ وكأنه يختبر حقيقة أمره ـ : أمسكوا عنه حتى يأتيكم الشراب ، فانه لا يشرب . »

« الـمحنـة »

هذه هي المحنة بدأت تواكب سلمان من جديد تضعه على المحك ، المحنة التي يبتلي بها الله أصفيائه وأوليائه والمؤمنين ، فقد ورد في الحديث الشريف « أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل . » وما ذلك إلا ليعرفوا أنفسهم بأنفسهم ويدركوا مقدار ما هم عليه من الصدق مع الله والإخلاص له ، ولكي يعرف من سواهم أنهم لم يصلوا إلى أعلى المراتب إلا بالصبر على البلاء والتضحية في سبيل الله .
جاء الشراب ، فقالوا لسلمان : إشرب ، فأبى ولم يشرب وقال : « إني غلام ديراني والديرانيون لا يشربون الخمر . . »
وهنا لم يجدوا رداً على كلامه إلا بالضرب ، يقول : « فشدوا علي وأرادوا قتلي ! »


(42)

« فقلت لهم : لا تضربوني فاني أقر لكم بالعبودية ! فأقررت لواحد منهم ، فأخرجني وباعني بثلاثمائة درهم من رجل يهودي . »
وهكذا ضحى سلمان في سبيل الإيمان ، وما كان أغناه عن ذلك كله لو بقي في المكان الذي جاء منه ، لكنها الأمانة التي تلزمه أن يتابع سيره ويضحي بكل ما يقدر عليه في سبيل الوصول إلى الهدف الذي ينشده ، سيما وقد أدرك أن الأرض التي هو فيها الآن هي موطن ذلك النبي .
حين إشتراه اليهودي أخذ يسأله عن قصته وسلمان يحدثه بكل ما جرى له منذ أن ترك بلاد فارس ، وكيف أعتنق النصرانية وصار ينتقل من عند راهب إلى آخر ، ولم ينس أن يحدثه بما بشره به راهب الإسكندرية من أن زمان نبي من العرب قد اقترب وأنه قصد هذه البلاد رجاء أن يقيّض الله له اللقاء به ـ وهو يظن أنه بذلك سوف يثير عطفه عليه ـ لكن ما حصل كان عكس ذلك ، فما أن سمع اليهودي بذكر محمد حتى فقد صوابه وصمم في نفسه أن ينتقم منه ، فاليهود يقرأون في توراتهم ويسمعون من أحبارهم عن ظهور نبي يأتي بالحنيفية ـ دين إبراهيم ـ فكان بعضهم من المؤمنين ينتظر ذلك اليوم ، والبعض الآخر عمي عن الحق فأخذته العزة بالإثم ، وكان صاحبنا منهم ، فقال لسلمان بنبرةٍ تنم عن حقد وغضب : « واني لأبغضك وأبغض محمداً »
قال سلمان : ثم أخرجني خارج الدار وإذا رمل كثير على بابه ، فقال : والله يا روزبة ، لئن أصبحت ولم تنقل هذا الرمل كله من هذا الموضع لأقتلنك . !
وحار سلمان في أمره وهو يسمع تهديد سيده . فلم يدر ما يفعل ، وأنى له بنقل تلٍّ من الرمل في فترة قصيرة من الزمان ، وشعر أن الرجل يريد الإنتقام منه بإيجاد وسيلة لذلك .
قال : فجعلت أحمل طول ليلتي ، فلما أجهدني التعب رفعت يدي إلى السماء وقلت : يا ربي أنك حبّبتَ محمداً إليَّ ، فبحق وسيلته عجل فرجي ، وأرحني مما أنا فيه .


(43)

فبعث الله ريحاً قلعت ذلك الرمل من مكانه إلى المكان الذي قال عنه اليهودي ، فلما أصبح نظر إلى الرمل وقد نقل ، ودهش لما رأى وخيّل إليه أنه ضرب من السحر ، فقال مخاطباً سلمان :
يا روزبة ، أنت ساحر وأنا لا أعلم ، فلأخرجنك من هذه القرية لئلا تهلكها ! .
ونفذ اليهودي قوله ، فأخرجني فباعني لإمرأةٍ سَلمية ، فأحبتني حباً شديداً ، وكان لها حائط ( بستان ) فقالت : هذا الحائط لك ، كل منه ما شئت ، وتصدق بما شئت .
مكث سلمان مع هذه المرأة فترةً طويلة يدير لها شئون بستانها يسقي الزرع ، ويؤبّر النخل وما إلى ذلك بكل أمانةٍ واخلاص ، ويدعو الله بين الحين والحين بقرب الفرج واللقاء بالنبي الموعود صلى الله عليه وآله وسلم .
في هذه الفترة كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج بمكة يدعو الناس إلى الهدى والحق واتباع دين الله الذي ارتضى وسلمان لا يعلم بذلك ، وقدم النبي إلى المدينة ، وبينما كان سلمان في رأس نخلة إذ به يسمع رجلاً يقول لصاحبه : « أي فلان ، قاتل الله بني قيلة * مررت بهم آنفاً وهم مجتمعون على رجل بقبا قدم عليهم من مكة يزعم أنه نبي » قال : فوالله ما هو إلا أن سمعتها ، فأخذني القرُّ والإنتفاض ورجَفَت بي النخلة حتى كدت أن أسقط . . » لقد خرج محمد إذن ، وأين عنه أنا الآن ، واللوح لا زال معي ، ولكن ، العلامات الثلاث لا بد أن تكون فيه !
ويستمر سلمان في دعائه لله أن ييسر له اللقاء بمحمد ، فهو لا يستطيع الهرب عن مولاته ، لأن ذلك قد يعقد الأمور ويعطيه صفة ( الآبق ) الذي يستحق أنواع العقوبات في شريعة الجاهليين سيما إذا لحق بمحمد ، ففضّل التريث والتعقل في الأمر ، وتحيّن الفرص الملائمة في الوصول إليه ، لكنه بقي في دوامة من التفكير لا تهدأ ، وأستمر هكذا أيام .


(44)

قال : فبقيت في ذلك الحائط ما شاء الله ، فبينا أنا ذات يوم في الحائط وإذا بسبعة رهط قد أقبلوا تظلهم غمامة . ، فقلت في نفسي : والله ما هؤلاء كلهم أنبياء ، وإن فيهم نبيا .
لقد كان هؤلاء النفر هم : محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلي بن أبي طالب عليه السلام والحمزة بن عبد المطلب وعقيل ابن أبي طالب وزيد بن حارثة والمقداد ، وأبو ذر الغفاري . وكانت الصفات الظاهرية للرسول تميزه عما سواه ، فكان وسيم الطلعة ربعةً في الرجال ليس بالطويل البائن ، ولا بالقصير المتردد ، ضخم الرأس ، ذا شعر رجل شديدٌ سواده ، مبسوط الجبين فوق حاجبين سابغين منوّنَين متصلين ، واسع العينين أدعجهما تشوبُ بياضهما في الجوانب حمرة خفيفة وتزيد في قوة جاذبيتهما أهداب طوال حوالك ، مستوي الأنف دقيقه ، مفلج الأسنان كث اللحية ، طويل العنق جميله ، عريض الصدر ، رحب الساحتين ، أزهر اللون ، شثن الكفين والقدمين يسير ملقياً جسمه إلى الأمام ، إذا مشى كأنما ينحدر من صبب ، وإذا قام كأنما ينقلع من صخر ، وإذا التفت التفت جميعاً . نظر إليه سلمان ، فرآه مميزاً عن باقي أصحابه ، ولكن هذا لا يكفي ، المهم العلامات الثلاث : لا يأكل الصدقة ، ويأكل الهدية ، وفي كتفيه خاتم النبوة . . لقد حان وقتها . . ودخل الرسول ومن معه إلى ذلك البستان ، فجعل أصحابه يتناولون من حشف النخل ، والرسول يقول لهم : كلوا ولا تفسدوا على القوم شيئاً .
وهنا اغتنم سلمان الفرصة التي قيضها الله له ، والتي كانت بداية خلاصه والتحاقه بركب الاسلام ، فأقبل إلى مولاته مستميحاً إياها أن تهبه قليلاً من الرطب قائلاً : « هبي لي طبقاً من الرطب . »
وكانت المرأة كما ذكرنا تحبه حباً شديداً ، فقالت له : لك ستة أطباق !
قال : فحملت طبقاً فقلت في نفسي إن كان فيهم نبي فانه لا يأكل الصدقة ويأكل الهدية ، فوضعته بين يديه فقلت : هذه صدقة .


(45)

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلوا ، وأمسك هو وعليٌ وأخوه عقيل وعمه حمزة . (1)
فقلت في نفسي : هذه علامة !
فدخلت إلى مولاتي فقلت : هبي لي طبقاً آخر . . قالت : لك ستة أطباق !
فحملتُ طبقاً ووضعته بين يديه وقلت : هذه هدية .
فمدّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يده وقال : بسم الله ، كلوا ، ومدّ القوم جميعاً أيديهم فأكلوا ، فقلت في نفسي : هذه أيضاً علامة أخرى .
قال : ورجعت إلى خلفه وجعلت أتفقد خاتم النبوة ، فحانت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلتفاتة فقال : يا روزبة ؛ تطلب خاتم النبوة ! ؟ »
قلت : نعم .
فكشف عن كتفيه فإذا بخاتم النبوة معجون بين كتفيه عليه شعرات ! ، فسقطتُ على قدميه أقبلهما . . ونسي الراوي أن يقول : فأبلغته سلام الراهب ، وأعطيته اللوح ، وحدثته بما جرى لي .
وإلى هنا يكون سلمان قد وصل إلى هدفه الذي خرج من أجله ، ويبقى في هذه القصة لغز ربما حير كثيرين . . لغز الرهبان الثلاثة أو الأربعة الذين كانوا يوصون بسلمان إلى بعضهم البعض ، وآخرهم الذي قال له : « لا أعلم أحداً في الأرض على دين عيسى بن مريم . . ! » تُرى ، هل أن هؤلاء الرهبان كانوا قد أحتكروا الديانة المسيحية لأنفسهم ، فأين ملايين النصارى ومئات القسس وأين موقعهم من ذلك الدين ؟ سيما وأن النصوص الواردة في « إسلامه » تظافرت واتفقت على هذا المعنى .
الحق : أن أولئك الرهبان كانوا من الأبدال (2) الذين لا تخلو الأرض منهم ،
____________
1 ـ في شرح النهج 18 / 35 وقال : إنه لا تحل لنا الصدقة .
2 ـ الأبدال : قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم ، إذا مات واحد أبدل الله مكانه آخر . وورد =

(46)

أو أنهم كانوا من « أوصياء أوصياء المسيح » على حد تعبير البعض ، وبذلك يسهل علينا تقبل ما أورده كثير من المؤرخين من أن سلمان أدرك « وصي وصي عيسى » ، « أو أدرك بعض الحواريين . » .

« عتيـق الإسـلام »

بقيت مشكلة الرق ( المفتعل ) الذي تم بسبب أولئك القساة الذين صحبهم سلمان من الإسكندرية ، والذي يحول بينه وبين اللحاق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، سيما وأن هذه المرأة لن تتخلى عنه بسهولة ، وهنا تدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لينقذ سلمان من محنته القاسية فالتفت إليه قائلاً :
« يا روزبة ادخل إلى هذه المرأة وقل لها : يقول لك محمد بن عبد الله أتبيعيني له . ؟ »
نهض سلمان إليها وأبلغها مقالة النبي صلوات الله عليه ، وهو يظن أنها ستجيبه إلى طلبه وتبيعه بدراهم معدودات كما فعل معه أسياده السابقون ، وعندها سيتخلص من ربقة العبودية ويعيش حراً في دنيا الإسلام .
كان ما حصل هو العكس ، فالمرأة شديدة التعلق بهذا الفارسي ـ وربما لإخلاصه وأمانته ـ فهي لن تتخلى عنه بسهولة ، ومن جهة ثانية أن المساوم عليه هو محمد بن عبد الله النبي الذي يكرهه الوثنيون والمشركون والتي هي منهم ، فهي إذن تود إيذائه وتعجيزه وقهره لو استطاعت ، فكانت هذه المساومة من محمد فرصةً سانحة لذلك ، فوافقت على بيعه وشرطت شرطاً لا يمكن تحقيقه إلا إذا تدخلت العناية الإلهية . فقالت لسلمان :
« لا أبيعك إلا بأربعمائة نخلة ، منها مائتان صفراء ومنها مائتان حمراء . »
إنه طلب صعب ، فمن أين تجتمع هذه النخلات الأربعمائة بهذه
____________
= أيضاً : الأبدال قوم يقيم الله بهم الأرض وهم سبعون أربعون بالشام وثلاثون بغيرها ، لا يقوم أحدهم إلا قام مقامه آخر من سائر الناس ( مجمع البحرين مادة بدل ) .
(47)

المواصفات ؟ ، ولكن شاء الله أن تكون حياة هذا الفارسي مليئة بأسرار لا يعلمها إلا هو ، واختارت مشيئة سبحانه ان يكون لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم القدرة على تحقيق ما يعجز عنه البشر وأن تحصل على يديه خوارق تزيد المؤمنين بصيرة .
« فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أهون ما طلبت ! » ثم قال ، قم يا علي فاجمع هذا النوى كلّه ، فأخذه ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وغرسه . ثم قال إسقه ، فسقاه فما بلغ آخره حتى خرج النخل ولحق بعضه بعضاً .
والتفت رسول الله إلى سلمان قائلاً : ادخل إليها وقل : يقول محمد بن عبد الله هذا شيئك فاستلميه ، وسلمينا شيئنا .
قال : فدخلت عليها وقلت لها ذلك ، فخرجَت ونظرت إلى النخل ، فقالت :
والله لا أبيعك له إلا بأربعمائة نخلة صفراء ! .
لقد دهشت هذه المرأة لما رأت ، فها هو النخل أمام عينيها وقد صار فسيلاً ، يا لله ! هل هو السحر ؟ أم هو الإعجاز الذي يؤيد الله به أنبياءه ؟ وفي حالةٍ من الاضطراب لا توصف ، تراجعت عن كلامها ، أنها تريد النخل بأجمعه أصفر . وتدخلت العناية الإلهية مرةً ثانية حيث « هبط جبرئيل عليه السلام ومسح النخل بجناحيه فصار كله أصفر » .
فقال النبي لسلمان ، قل لها : إن محمداً يقول لك خذي شيئك وادفعي لنا شيئنا .
قال سلمان ، فقلت لها ذلك ، فقالت : والله لنخلة من هذه أحب إلي من محمد ومنك . !
فقلت لها : والله ليوم واحد مع محمد أحب إلي منك ومن كل شيء أنت فيه .
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتقني وسماني : سلمان .


(48)

ووردت في كيفية عتقه روايات أخرى .
منها : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له : كاتب صاحبك ، .
« يقول سلمان : فلم أزل بصاحبي حتى كاتبته على أن أغرس له ثلاثماية ودية ، وعلى أربعين أوقية من ذهب .
« فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أعينو أخاكم بالنخل بالخمس والعشر حتى اجتمع لي . فقال لي : نقر لها ولا تضع منها شيئاً حتى أضعه بيدي ، ففعلت » (1) « فغرسها رسول الله كلها بيده المباركة إلا واحدة غرسها عمر ، فأطعم كل النخل من عامه إلا تلك الواحدة ، فقطعها صلى الله عليه وآله وسلم ثم غرسها فأطعمت . » (2)
وبقي الذهب ، فبينما هو قاعد إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب أصابه من بعض المعادن ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ادع سلمان المسكين الفارسي المكاتب فلما دعي له ، قال : أد هذه .
قال سلمان ، فقلت : يا رسول الله أين تقع هذه مما علي ؟
وكان سلمان يقول : « أعانني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببيضة من ذهب ، فلو وزنت بأحد لكانت أثقل منه . » (3)
____________
1 ـ أسد الغابة 2 / 330 .
2 ـ شذرات الذهب 1 / 44 وفي شرح النهج 18 / 35 فقال رسول الله من غرسها ؟ قيل : عمر ، فقلعها وغرسها الخ . .
3 ـ أسد الغابة 2 / 330 .