وهذا القول وإن كان مستبعدا بحسب الظاهر إلآ أن إبطاله لا يخلو من
إشكال ، كما أن إثباته كذلك .
وقد استدلوا عليه : بأنه متحرك منتقل ، فإنه ينحدر من الشمس إلى
الأرض ، وينتقل من مكان إلى اخر ، والأعراض ليست كذلك .
وأجاب القائلون بعرضيته : بأنه ليس ثمة حركة وانتقال ، وإنما هو
حدوث ؛ فإن مقابلة الجسم الكثيف للمضيء معد لحدوث الضوء فيه ، والحركة
والانتقال محض توهم .
وسببه : أن حدوث الضوء في الجسم السافل لما كان بسبب مقابلته للجسم
العالي تخيل أنه انحدر من العالي إلى السافل.
وحدوثه في القابل لما كان تابعا لوضعه ومحاذاته للمضيء - بحيث إذا زالت
تلك المحاذاة إلى قابل آخر زال الضوء عن الأول وحدث في ذلك الآخر- ظن أنه
انتقل من الأول إلى الثاني .
واستدلوا على بطلان القول بجسميته : بأنه محسوس بحس البصر ،
فلو كان جسما [161 | ب] لكان ساتراً لما يحيط به ، وكان الأشد ضوءاً أشد
استتاراً .
واعترض عليه : بأن الحائل بين الرائي والمرئي إنما يستر المرئي إذا كان
كثيفا لعدم نفوذ شعاع البصر فيه أما إذا كان شفافا فلا ؛ فإن صفحة البلور تزيد
ما خلفها ظهورا وانكشافا ، ولذلك يستعين بها الطاعنون في السن على قراءة
الخطوط الدقيقة .
وأجيب عنه : بانه لو كان جسما لم تكن كثرته موجبة لشدة الإحساس بما
تحته ، لأن الحس يشتغل به ، فكلما كان أكثركان الاشتغال به أكثرفيقل
الاحساس بما وراءه ، ألا ترى أن تلك الصفحة إذا غلظت جدا أوجبت لما تحتها
سترا ، وأن الاستعانة بالرقيقة منها إنما هي للعيون الضعيفة لاحتياجها إلى جمع
**
وأقول : في هذا الجواب نظر ، فإن لهم أن يقولوا أن الملازمة ممنوعة ، فإن
بعض الأجسام الشفافة يوجب كثرتها وغلظها زيادة ظهور ما خلفها لحس البصر ،
ولهذا ترى الشمس والقمر وسائر الكواكب حال كونها قريبة من الأفق ، أعظم
منها حال كونها على سمت الرأس ، مع أنها وهي على الأفق ، أبعد عنا منها وهي
على سمت الراس بأزيد من نصف قطر الأرض ، كما لا يخفى على من له أدنى
تخيل ؛ وما ذلك إلا لأن سمك البخار وغلظه بين البصر والكوكب حال قربه من
الأفق أكثر مما بينهما حال كونه على سمت الرأس كما بين باستبانة الثاني من
ثالثة [171 | أ] كتاب الأصول .
وكذلك حال الصفحة من البلور ، فإنها إذا رقت جدا لم تؤثر في الإعانة
على قراءة الخطوط الرقيقة ، بل لا بد لها من غلظ يعتدّ به ، ومن ثم نرى
الطاعنين في السن ربما يستعينون بمضاعفتها على قراءة تلك الخطوط ، على أنه لا
يلزم من كون ازدياد ثخن البلور مؤديا إلى ستر ما وراءه أن يكون ازدياد ثخن كل
شفاف مؤديا إلى ذلك .
ألا ترى أن ثخن مجموع كرتي الهواء والنار والأفلاك التي تحت فلك الثوابت
تزيد على خمسة وعشرين ألف ألف فرسخ كما بينوه ، ومع ذلك لا تحجب أبصارنا
عن رؤية ما وراءها ، ولم لا يجوز أن لا تصل مراتب ثخن الضوء -على تقدير
جسميته - إلى حد يصير به عائقا عن الاحساس بما خلفه ؛ وأن يكون الضوء
بالنسبة إلى كل العيون بمنزلة الصفحة الغير الغليظة جدا من البلور بالنسبة إلى
عيون الطاعنين في السن .
فكما أن هذه لا تبصر الأشياء الصغيرة والخطوط الدقيقة إلا بتوسط تلك
الصفحة ، فكذلك تلك لا تبصر شيئا من الأشياء إلا بتوسط الضوء ، وكما أن
هذه لا تشغل البصر عن الإحساس بما وراءها فكذلك تلك . والله أعلم بحقائق
الاُمور .
لعله عليه السلام أراد بالظلم في قوله : «نور بك الظلم » الأهوية المظلمة ،
لا الظلمات أنفسها ، فإنها لا تتصف بالنور .
وتجويز كونه عليه السلام أراد ذلك مبني على أن الهواء يتكيف بالضوء ،
وهو مختلف فيه ، فالذين جعلوا اللون شرطا في التكيف بالضوء منعوا منه .
**
وأورد عليهم : أنا نرى عند الصبح ما يقارب الأفق مضيئا ، وما هو إلا
الهواء المتكيف بالضوء .
**
وأجابوا : بأن ذلك للأجزاء البخارية المختلطة به ، والكلام في الهواء
الصرف الخالي من الشوائب البخارية والدخانية القابلة للضوء بسبب كونها متلونة
في الجملة .
**
ورده الفخر الرازي : بأنه يلزم من ذلك أن الهواء كلما كان أصفى كان
الضوء الحاصل فيه قبل الطلوع وبعد الغروب أضعف ، وكلما كان البخار والغبار
فيه أكثر كان الضوء أقوى ؛ لكن الأمر بالعكس [171 | ب أ] (1) ، هذا كلامه ،
وللتأمل فيه مجال واسع .
واستدل في الملخص على استضاءة الهواء بأنه لو لم يتكيف بالضوء لوجب أن
نرى بالنهار الكواكب التي في خلاف جهة الشمس ؛ لأن الكواكب باقية على
ضوئها ، والحس لم ينفعل على ذلك التقدير من ضوء أقوى من ضوئها يمنع
والحق أن تكيف الهواء بالضوء في الجملة مما لا ينبغي أن يرتاب فيه فارادته
عليه السلام بالظلم الأهوية المظلمة لا مانع منه .
ويجوز أن يريد عليه السلام بالظلم الأجسام المظلمة سوى الهواء ، وهذا
أحسن ؛ لاستغنائه عن تجشم الاستدلال على قبول الهواء للضوء ، وسلامته عن
ثبوت الخلاف ، والله أعلم .
يمكن أن يكون مراده عليه السلام بتنوير الظلم إعدامها ، بإحداث الضوء
في محالها ، وهذا يبتني على القول بأن الظلمه كيفية وجودية ، كما ذهب إليه
جماعة ، وهذا الرأي وان كان الأكثر على بطلانه إلا أن دلائلهم على بطلانه ليست
بتلك القوة ، فهو باق على أصل الإمكان إلى أن يذود عنه قاطع البرهان ، فلو
جوز مجوز احتمال كونه أحد محامل كلامه عليه السلام لم يكن في ذلك حرج .
**
وأجود تلك الدلائل ما ذكروا من : أن الظلمة لو كانت كيفية وجودية
لكانت مانعة للجالس في الغار المظلم من رؤية من هو في هواء مضيء خارج
الغار ، كما هي مانعة له من إبصار من هو في الغار ، وذلك للقطع بعدم الفرق في
الحائل المانع من الإبصار بين أن يكون محيطا بالرائي أو بالمرئي أو متوسطا بينهما .
**
وربما منع ذلك بأنها ليست بمانعة ، بل إحاطة الضوء بالمرئي شرط للرؤية ،
وهو منتف في الغار ر [18 | أ] ، أو يقال : العائق عن الرؤية هو الظلمة (2) المحيطة
بالمرئي لا الظلمة المحيطة بالرائي ، أو الظلمة مطلقا .
وليس ذلك بأبعد مما يقال : شرط الرؤية هو الضوء المحيط بالمرئي ، لا
وقولهم : لا فرق في الحائل بين أن يكون محيطا بالرائي أو المرئي مسلم فيما
إذا كانت ذات الشيء مانعة من الإبصار ، لا فيما تكون مانعة بشرطه ، هكذا
أورده الشارح الجديد للتجريد (1) ، وهو كلام جيد لا غبار عليه .
**
وقال الفخر الرازي في المباحث المشرقية : الظلمة أمر عدمي ، لأنا إذا
غمضنا العين كان حالنا كما إذا فتحناها في الظلمة ، فكما أنا عند التغميض لا
ندرك شيئا ، فكذلك إذا فتحناها في الظلمة وجب أن لا ندرك كيفية في الجسم
المظلم ، ولأنا لو قدرنا خلو الجسم عن النور من غير انضياف صفة اخرى إليه
لم يكن حاله إلا هذه الظلمة ، ومتى كان كذلك لم تكن الظلمة أمرا وجوديا (2) .
إنتهى كلامه .
وأورد عليه : أنه كلام ظاهري إقناعي ، يتطرق إليه الخدش والمنع من
جوانبه ، ومثله في المقام البرهاني مما لا يصغى إليه .
توضيح حال :
أراد عليه السلام «بالزيادة والنقصان » زيادة نور القمر ونقصانه بحسب ما
يظهر للحس ، لأن الزيادة والنقصان حاصلان له في الواقع وبحسب نفس
الأمر ، لأن الأزيد من نصفه منير دائما ، كما بين في محله ، وأما زيادته في
الاجتماع ونقصانه في الاستقبال كما هو شأن الكرة الصغيرة المتنيرة من الكبيرة
حالتي القرب والبعد فليس الكلام فيهما ، إنما الكلام في الزيادة والنقصان المسببين
عن البعد والقرب ، المدركين بالحس .
**
وربما يتراءى لبعض الأفهام من ظاهر قوله عليه السلام : «وامتهنك
بالزيادة والنقصان »أن زيادة نور القمر ونقصانه المحسوسين واقعان بحسب الحقيقة ،
وحاصلان في نفس الأمر ، كما هو معتقد كثير من الناس ، وهذا وإن كان ممكنا
**
وقد نقل جماعة من المفسرين منهم الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي طاب
مثواه - عند تفسير قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا
نبيا)(2)-أن علم الهيئة كان معجزة له عليه السلام (3) .
ونقل السيد الطاهر ذو المناقب والمفاخر رضي الدين علي بن طاوس - قدس
الله روحه - في كتاب فرج المهموم في معرفة الحلال والحرام من علم النجوم قولا
بأن أبرخس وبطليموس كانا من الأنبياء ، وأن أكثر الحكماء كانوا كذلك ، وإنما
التبس على الناس أمرهم لأجل أسمائهم اليونانية (4) (5) . هذا ما نقله طاب
ثراه ، ولا استبعاد فيه (6) .
=
وكل من له أدن خوض في هذا العلم الشريف لا يرتاب في أن اصول
مطالبه متلقاة من الأنبياء صلوات الله عليهم ، ويحكم حكما قطعيا لا يشوبه شوب
شبهة بأن القوة البشرية لم تستقل بادراك خبايا حقائقه ولم تستبد باستنباط خفايا
دقائقه ، وأن ما وصل إليه أصحاب هذا الفن بأرصادهم الجسمانية مقتبس من
مشكاة أصحاب الأرصاد الروحانية سلام الله عليهم أجمعين .
لما كان نور القمر مستفادا من الشمس ، وكانت أعظم منه كما بين في
محله (1) ، كان الأكثرمن نصفه متسنيرا بضوئها دائما والأقل من نصفه مظلما
دائما ؛ لما ثبت في الشكل الثاني من مقالة أرسطرخس (2) فى جرمي النيرين ، من
انظرللجميع : مروج الذهب 1 : 50 و 2 : 152| طبقات الحكماء : 5 - 10 | عيون الأنباء في
طبقات الأطباء : 1 3 - 32/ البدء والتاريخ 3 : 12 و 3 : 8 | تاريخ الحكماء : 1 و 346 | تاريخ
مختصر الدول 70 ، 8 | تاريخ علم الفلك : متفرقة | مجمع ألبيان 3 : 519 | التفسير الكبير
21 : 233 تفسير القرطبي 11 / 117 | العراثس : 49 | الملل وألنحل 2 : 47 | فرج ألهموم :
22 | مفاتيح العلوم : 113 | البداية والنهاية 1 : 99 | الكامل في التاريخ 1 : 34 - 35 | شرح
حكمة الاشراق : 21.=
له ترجمة في تاريخ الحكماء : 70 | الفهرست للنديم : 330 | لغة نامه دهخدا «حرف الألف » :
1823 .=
واذا أدرنا مثلث «ب ك ج » على محور «ب ك » ألثابت إلى أن يعود إلى موضعه رسمت نقطة «ج »
دائرة على ألكرة ، وبكون «ب ج » في جميع المواضع مماسا للكرة ، فترى الكرة بمنزلة تلك الدائرة ،
ويكون المرئي منها أقل من نصفها لأن نصف الكرة ما يحويه «ح ج » ، «د ط» و «ج د» المرئي من
شعاعي «ب ج» ، «ك د» أقل منه وذلك ما أردناه . وإليك التخطيط :
أنظر كتاب المناظر : 10 ، منظر (كد) ضمن رسائل الخواجه نصير الدين الطوسي .
**
اذا اجتمع الشمس والقمر(1) صار وجهه المضيء إليها ، والمظلم إلينا ،
وتتطابق الدائرتان وهو المحاق ، فإذا بعد عنها يسيرا تقاطعت الدائرتان على حواد
ومنفرجات ، ويرى من وجهه المضيء ما وقع منه بين الدائرتين في جهة الحادتين
اللتين إلى صوب الشمس وهو الهلال .
ولا تزإل هذه القطعة تتزايد بتزايد البعد عن الشمس والحواد تتعاظم ،
وإلمنفرجات تتصاغر حتى يصير التقاطع بين الدائرتين على قوائم ، ويحصل
التربيع ، فيرى من الوجه المضيء نصفه ، ولا يزال يتزايد المرئي من المضيء
ويتعاظم انفراج الزاويتين الأوليين إلى وقت الاستقبال ، فتطابق الدائرتان مرة ثانية
ويصير الوجه المضيء إلينا وإلى الشمس معا ، وهو البدر .
ثم يقع التقارب فيعود تقاطع الدائرتين على المختلفات أولا ، ثم على قوائم
ثانيا ، وحصل التربيع الثاني (2) ، ثم يؤول الحال إلى التطابق فيعود المحاق ،
وهكذا إلى ما يشاء الله سبحانه .
**
تبيان :
لا يخفي أن حكمهم بأن نور القمر مستفادا من الشمس ليس مستندا إلى
مجرد ما يشاهد من اختلاف المتشكلات النورية بقربه وبعده عن الشمس ، فإن
هذا وحده لا يوجب ذلك الحكم قطعا ، بل لا بد مع ذلك من ضم أمور
اخر ، كحصول الخسوف عند توسط الأرض بينه وبين الشمس ، إلى غيرذلك
من الأمارات التي يوجب اجتماعها ذلك الحكم ، لجواز أن يكون نصفه مضيئاً
من ذاته ونصفه مظلما ، ويدور على نفسه بحركة مساوية لحركة فلكه .
فإذا تحرك بعد المحاق يسيرا رأيناه هلالا ، ويزداد فنراه بدرا ، ثم يميل
نصفه المظلم شيئا فشيئا إلى أن يؤول إلى المحاق .
**
أقول : وهذا هو مقصود ابن الهيثم (1) بلا شك ومرية ، لا ما ظنه صاحب
حكمة العين (2) حيث قال : زعم ابن الهيثم : أن القمر كرة يصفها مضيء
=
ثم قال : وهوضعيف ، وإلالما انخسف [20 |] في شيء من
الاستقبالات أصلا (1) ، انتهى كلامه .
وقد وافقه صاحب المواقف في هذا الظن قائلا : إن الخسوف يبطل كلام
ابن الهيثم (2) .
وهذا منهما عجيب ، وابن الهيثم أرفع شانا في هذا العلم من أن يظن
صدور مثل هذا عنه ، وكلامه ينادي بان قصده ما ذكرناه ، حيث قال : إن
التشكلات النورية للقمر لا يوجب الجزم بأن نوره مستفاد من الشمس ، لاحتمال
أن يكون القمركرة نصفها مضيء ونصفها مظلم ، ويتحرك على نفسه ، فيرى
هلالا ، ثم بدرا ، ثم ينمحق ، وهكذا دائما(3) انتهى كلامه ، وهو كلام لا
غبار عليه أصلا .
والعجب أن هذا الكلام نقله شارح حكمة العين (4) عنه ، ولم يتفطن لما
هو مقصوده منه ، فإياك وقلة التأمل .
لعلك تقول - عند ملاحظة قوله عليه السلام : «وامتهنك بالزيادة
والنقصان » -: أن حصول الإمتهان للقمر بنقصان نوره ظاهر ، فما معنى حصول
الامتهان له بزيادة النور ؟ فاقول فيه وجهان :
الأول : أنه لما كان أحد وجهيه مستنيرا بالشمس دائما ، وكانت زيادة نوره
إنما هي بحسب إحساسنا فقط ، وقد سخره الأمر الالهي لأن يتحرك في النصف
الأول من الشهر على نهج لا يزيد به المنير منه في كل ليلة إلا شيئا يسيرا ، لا
يستطيع أن يتخطاه ، ولا يقدر على أن يتعداه ، أثبت عليه السلام له الامتهان ،
بسبب إذلاله وتسخيره للزيادة على هذا الوجه المقرر ، والنهج الخاص . وقد شبه
بعضهم حال القمر ، في ظهور القدر المرئي منه شيئا فشيئا في النصف الأول من
الشهر إلى أن يصير بدرا ، ثم استتاره شيئا فشيئا في النصف الثاني إلى أن يختفي ؛
بما إذا أمر السيد عبده بان لا يكشف النقاب عن وجهه للناظرين إلا على التدريج
شيئا فشيئا في مدة معينة ، وأنه متى انكشف وجهه بأجمعه فليبادر في الحال إلى
ستره ، وارخاء النقاب عليه شيئا فشيئا إلى أن يختفي بأجمعه عن الأبصار .
الوجه الثاني : أن يكون مراده عليه السلام الامتهان [21 |] بمجموع
الزيادة والنقصان ، أعني التغير من حال إلى حال ، وعدم البقاء على شكل
واحد ، ولعل هذا الوجه أقرب ، وهو جار فيما نسبه عليه السلام إليه من
الامتهان بالطلوع والافول ، والإنارة والكسوف .
**
ويمكن أن يوجه امتهانه بالإنارة بوجه آخر ، وهو : أن يراد بها إعطاؤه النور
للغير - كوجه الأرض مثلا - لا اتصافه هو بالنور ، فان الإنارة والإضاءة كما جاءا
في اللغة لازمين فقد جاءا متعديين أيضا(1) ، وحينئذ ينبغي أن يراد بالكسوف
لما كانت الشمس ملازمة لمنطقة البروج ، وكانت أعظم من الأرض (1) كان
المستنير باشعتها أعظم من نصفها ، والمظلم أقل كما عرفت سابقا ،
**
وحصل
مخروط مؤلف من قطعتين ، ترتسم احداهما من الخطوط الشعاعية الواصلة بين
الشمس وسطح الأرض ، ويسمى مخروط النور والمخروط العظيم ،
**
والاخرى من
ظل الأرض وتسمى مخروط الظل ، والمخروط الصغير ، ويحيط به طبقة يشوبها
ضوء مع بياض يسير، ثم طبقة اخرى يشوبها مع ضوء يسيرصفرة ، ثم طبقة
أخرى يشوبها يسير حمرة ، وهذه الطبقات الثلاث تظهر للبصر في المشرق من
طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بهذا الترتيب ، وبعكسه بعد غروبها في المغرب ،
وقاعدة المخروط العظيم [22 |] على كرة الشمس منصفة بمنطقة البروج ، وسهمه
في سطحها ، وينتهي رأسه في أفلاك الزهرة عند كون الشمس في الأوج ، وفيما
دونه فيما دونها ، وقاعدة المخروط الصغير صغيرة على وجه الأرض ، وهي الفصل
المشترك بين المنير منها والمظلم ، وهذان المخروطان يتحركان (2) على سطح الأرض
كأنهما جبلان شامخان ، يدوران حولها على التبادل ، أحدهما أبيض ساطع ،
والاخر أسود حالك ، عليه ملابس متلونة ، ويتحرك الأبيض من المشرق إلى
المغرب ، وهو النهار لمن هو تحته ، والأسود بالعكس وهو الليل لمن هو تحته ،
فتبارك الله أحسن الخالقين .
وإذا توهمنا سطحا كريا مركزه مركز العالم ، يمر بمركز القمر وبالمخروط
الصغير فالدائرة الحادثة منه على جرم القمر تسمى صفحة القمر ، والحادثة على
سطح المخروط دائرة الظل ، ومركزها على منطقة البروج .
إذا لاقى القمر مخروط الظل في الاستقبال ، ووقعت صفحته كلها أو
بعضها في دائرة الظل ، انقطعت الأشعة الشمسية عنه كلا أو بعضا ، وهو
الخسوف الكلي أو الجزئي ، ولكون غاية عرض القمر - وهي خمسة أجزاء - أعظم
من مجموع نصفي قطري صفحته ودائرة الظل ، لم ينخسف في كل استقبال (1)
[23 | 11] ، بل إذا كان عديم العرض ، أو كان عرضه - وهو بعد مركزه عن مركز
دائرة الظل - أقل من نصفها(2)إذ لو كان مساويا لها ماس القمر محيط دائرة الظل
من خارج على نقطة في جهة عرضه ، ولم ينخسف ، وان كان أكثر فبطريق أولى ،
أما إن كان العرض أقل من النصفين انخسف أقل من نصف قطره إن كان
العرض الأقل أكبر من نصف قطر دائرة الظل ، ونصف قطره إن كان مساويا
له ، لمرور دائرة الظل بمركز الصفحة حينئذ ، وأكثر منه (3) إن كان أقل منه ،
وأكثرمن فضل نصف قطر دائرة الظل على نصف قطر القمر ، وكله (4) غير(5)
ماكث إن كان مساويا لفضل نصف قطر دائرة الظل على نصف قطر القمر ،
لمماسة القمر محيط الظل من داخل على نقطة في جهة عرضه ، وماكثا بحسب ما
**
وابتداء الانجلاء من شرقي القمر [23 |] ، كما أن ابتداء الخسوف
كذلك .
الأحوال المشهورة الحاصلة للقمر كثيرة ، فبعضها يشاركه فيها سائر
الكواكب ، كالإنارة والطلوع والأفول ونحوها ، وهي كثيرة ولا حاجة داعية إلى
ضبطها ، وبعضها امور تختص به لا توجد في غيره من الكواكب ، وقد اعتنى
أهل الهيئة بالبحث عنها ، وأشهرها ستة :
سرعة الحركة ، واختلاف تشكلاته النورية ، واكتسابه النور من الشمس ،
وخسوفه لحيلولة الأرض بينهما ، وحجبه لنورها بالكسف لها ، وتفاوت أجزاء
صفحته في النور وهو المسمى بالمحو .
وهذه الأحوال الستة يمكن فهمها من كلامه عليه السلام بعضها بالتصريح
وبعضها بالتلويح .
أما سرعة حركته واختلاف تشكلاته فظاهر ؛ وأما كسفه للشمس وخسوفه
فلما مر من حمل الكسوف في كلامه عليه السلام على ما يشمل الأمرين معا ؛ وأما
اكتسابه النور من الشمس فلدلالة اختلاف التشكلات مع الخسوف عليه .
فهذه الأمور الخمسة تفهم من كلامه عليه السلام على هذا النهج ، وبقي
الأمر السادس - أعني تفاوت أجزائه في النور- فإن في إشعار كلامه عليه السلام به
نوع خفاء ؛ ويمكن أن يومىء إليه قوله عليه السلام : «وامتهنك بالزيادة
**
فقد تضمن كلامه عليه السلام مجموع تلك الأحوال الستة المختصة
بالقمر ، وقد مر الكلام في الأربعة الاُول منها ، وبقي الكلام في الأخيرين
فنقول :
**
أما الكسوف :فهو ذهاب الضوء عن جرم الشمس في الحس كلا أو بعضا ،
لستر القمر وجهها المواجه لنا كلا أو بعضا ، وذلك عند كونهما بحيث يمرخط
خارج من البصر بهما ، إما مع اتحاد موضعيهما المرئيين ، أو كون البعد بينهما أقل
من مجموع نصفي قطريهما ، فلو تساويا ماسها ولا كسف ، وإن زاد الأول
فبالأولى ، فإن وقع مركزاهما على الخط المذكور كسفها كلها بلا مكث ، إن كان
قطراهما متساويين حسا ، ومع مكثه إن كان قطراها أصغر ، وبقي منها حلقة
نورانية إن كان قطرها أعظم ، وإن لم يقعا على ذلك الخط كسف منها بعضا أبدا
إلا إذا كان قطره أعظم حسا فقد يكسفها حينئذ كلا ، وربما يبقي منها حلقة
نورانية مختلفة الثخن أو قطعة نعلية إن كان قطره أصغر .
**
ولما كان الكسوف غير عارض للشمس لذاتها ، بل بالقياس إلى رؤيتها
بحسب كيفية توسط القمر بينها وبين الأبصار ، أمكن وقوعه في بقعة دون
أخرى ، مع كون الشمس فوق أفقيهما ، وكونه في احداهما كليا أو أكثر ، وفي
اخرى جزئيا أو أقل ، وابتداء الكسوف من غربي الشمس ، كما أن ابتداء
الانجلاء كذلك .
وأما محو القمر : - وهي الظلمة المحسوسة في صفحته - فأمره ملتبس ،
والآراء فيه متشعبة والأقوال متخالفة ، وابن سينا في الشفاء (1) أطنب في بيان
الأول : في وجهه المظلم ، تأدت إلى وجهه المضيء .
وأورد عليه : أنه لو كان كذلك لكانت أطرافه أشد ظلمة ، وأوساطه أشد
ضوءاً .
الثاني : أنها أجرام مختلفة مركوزة مع القمر في تدويره ، غير قابلة للإنارة
بالتساوي ، وهو مختار سلطان المحققين - قدس سره - في التذكرة (2) .
وأورد عليه : أن ما يتوسط بينه وبين الشمس من تلك الأجرام وكذا بيننا
وبينه في كل زمان ، ووضع شيء اخر لتحرك التدوير على نفسه ، فكيف يرى دائما
على نهج واحد غيرمختلف .
وقد يعتذر له : بأن التفاوت المذكور لا يحس به في صفحة القمر ، لصغرها
وبعد المسافة .
الثالث : أن الأشعة تنعكس إليه من البحار ،وكرة البخار- لصقالتها-
انعكاسا بينا ، ولا تنعكس كذلك من سطح الربع المكشوف لخشونته ، فيكون
المستنير من وجهه - بالأشعة النافذة إليه على الاستقامة ، والأشعة المنعكسة معا -
أضوء من المستنير بالأشعة المستقيمة والمنعكسة من الربع المكشوف ، وهذا مختار
صاحب التحفة (3) .
وأورد عليه : أن ثبات الانعكاس دائما على نهج واحد - مع اختلاف أوضاع
الأشياء المنعكس عنها من البحار والجبال في جانبي المشرق والمغرب - مستحيل .
واعتذر له بما اعتذر لأستاذه .
الرابع : إن سطح القمر لما كان صقيلا كالمرآة فالناظر يرى فيه صور
البحار ، والقدر المكشوف من الأرض ، وفيه عمارات وغياض وجبال ، وفي
البحار مراكب وجزائر مختلفة الأشكال ، وكلها يظهر للناظر أشباحها في صفحة
القمر ، ولا يميز بينها لبعدها ، ولا يحس منها إلآ بخيال ، وكما لا ترى مواضع
الأشباح في المرايا مضيئة ، فكذلك لا يرى تلك المواضع فيه براقة ، أو أنه يرى
صورة العمارات والغياض والجبال مظلمة كما هي عليه في الليل ، وصورة
البحار مضيئة، أو بالعكس فإن صورتي الأرض والماء منطبعان فيه ، كما أن الأرض
لكثافتها تقبل ضوء الشمس أكثر مما يقبله الماء للطافته ، فكذا صورتاهما ، وهذا
الوجه مختار الفاضل النيسابوري (1) في شرح التذكرة (2) [25 | أ] ومال إليه أستاذ
أستاذنا المحقق البرجندي (3) ، في شرح التذكرة أيضا (4) ، والإيراد والاعتذار كما