الخامس : أن أجراما صغيرة نيرة مركوزة في جرم الشمس ، أو في فلكها
الخارج المركز ، بحيث تكون متوسطة دائما بين جرم الشمس والقمر ، وهي مانعة
من وقوع شعاع الشمس على مواضع المحو من القمر ، وهذا الوجه للمدقق
الخفري (1) أورده في شرح التذكرة (2) ، ومنتهى الإدراك (3) واستحسنه .
وأقول : فيه نظر ، فإن تلك الأجرام إن كانت صغيرة جدا ، تلاقت
الخطوط الخارجة من حولها إلى القمر بالقرب منها ، ولم يصل ظلها إليه ، وإن كان
لها مقدار يعتد به بحيث يصل ظلها إلى جرم القمر فوصوله إلى سطح الأرض في
بعض الأوقات كوقت الاستقبال أولى ، فكان ينبغي أن يظهر على سطح الأرض
كما يظهر ظل الغيم ونحوه ، وليس فليس ، والله أعلم بحقائق الأمور .
ما مر من أن اكتساب النور من الشمس مختص بالقمر لا يشاركه فيه غيره
من الكواكب هو القول المشهور(4) ، وعليه الجمهور فإنهم مطبقون على أن أنوار
ما عداه من الكواكب ذاتية غير مكتسبة من الشمس ، واستدلوا على ذلك : بأنها
لو استفادت النور من الشمس لظهر فيها التشكلات البدرية والهلالية ، بالبعد
مجالس المؤمنين 2 : 233 | الكنى والألقاب 2 : 218 | هدية الأحباب : 151 | الذريعة 13 : 144 ت
479 و 4 : 409 ت 1805 .
وأقول : فيه نظر ، فإن القائل باستفادتها النور من الشمس ليس عليه أن
يقول بأن المستضيء منها إنما هو وجهها المقابل للشمس فقط ، ليلزمه اختلاف
تشكلاتها كالقمر ، بل أن يقول بنفوذ الضوء في أعماقها كالقطعة من البلور إذا
وقع عليها ضوء الشمس ، بان الناظر إليها من جميع الجهات يبصرها مضيئة
باجمعها ، فتبصر .
**
ثم إن صاحب التحفة أورد على الدليل المذكور : أن اختلاف التشكلات
إنما يلزم في السفليين لا في بقية الكواكب التي فوق الشمس ، لكون وجهها
المقابل لنا هو المقابل للشمس ، بخلاف القمر فيمكن أن يستفيد النور منها ولا
يظهر فيها التشكلات الهلالية بالقرب من الشمس (3).
وما يقال من أنه : يلزم انخسافها في مقابلات الشمس مدفوع بأن ظل
الأرض لا يصل إلى أفلاكها .
ثم إنه أجاب عن هذا الإيراد : بأن تلك الكواكب إذا كانت على سمت
الرأس ، غير مقابلة للشمس ، ولا مقارنة لها ، لم يكن وجهها المقابل لنا هو
المقابل لها بل بعضه ، ويلزم اختلاف التشكلات الهلالية .
ثم قال ، فإن قيل : إنما لا يرى شيء منها هلاليا لخفاء طرفيه ، لصغر
حجم الكوكب في المنظر ، وظهوره من البعد المتفاوت مستديرا .
قلنا [26 | أ] : لو كان كذلك لرؤي الكوكب في قرب الشمس أصغر منه
في بعدها هذا كلامه .
وأقول : فيه نظر ، فإن للخصم أن يقول : إنما يلزم ذلك لو وقعت دائرة
ولا يندفع هذا إلا إذا ثبت لقاطع الدائرتين على سطح الكوكب كما في
القمر ، ودون ثبوته خرط القتاد (1) .
**
ثم إن الذي ما زال يختلج بخاطري : أن القول بعدم الفرق بين القمر
وسائر الكواكب في أن أنوار الجميع مستفادة من الشمس غير بعيد عن الصواب ،
وقد ذهب إليه جماعة من أساطين الحكماء ، ووافقهم الشيخ السهروردي (2) حيث
قال في الهياكل : إن رخش - يعني الشمس - قاهر الغسق ، رئيس السماء ، فاعل
النهار ، صاحب العجائب ، عظيم الهيئة ، الذي يعطي جميع الأجرام ضوءها ،
ولا يأخذ منها (3). هذا كلامه .
وقد ذهب الشيخ العارف محيي الدين بن عربي (4) أيضا إلى هذا القول ،
=
ولي في هذا الباب رسالة مبسوطة فمن أرادها فليقف عليها(2).
*
*
**
قال مولانا وإمامنا عليه السلام [26 | ب] .
**
«سبحانه ما أعجب ما دبر في أمرك ، والطف ما صنع في
شأنك ، جعلك مفتاح شهر حادث لأمر حادث ، فأسأل الله ربي
وربك ، وخالقي وخالقك ، ومقدري ومقدرك ، ومصوري
ومصورك ، أن يصلي على محمد وآله ، وأن يجعلك هلال بركة لا
تمحقها الأيام ، وطهارة لا تدنسها الآثام ، هلال أمن من الأفات ،
وسلامة من السيئات ، هلال سعد لانحس فيه ، ويمن لا نكد معه ،
ويسر لا يمازحّه عسر ، وخير لا يشوبه شر ، هلال أمن وإيمان ،
ونعمة واحسان ، وسلامة واسلام» .
**
«سبحان» مصدر كغفران ، بمعنى التنزيه عن النقائص ، ولا يستعمل إلا
محذوف الفعل منصوبا على المصدرية ، فسبحان الله معناه تنزيه الله ، كأنه قيل
أسبحه سبحانا ، وابرؤه عما لا يليق بعزجلاله براءة .
قال الشيخ أبو علي الطبرسي طاب ثراه : أنه صار في الشرع علما لأعلى
مراتب التعظيم ، التي لا يستحقها إلا هو سبحانه ، ولذلك لا يجوز أن يستعمل
في غيره تعالى ، وإن كان منزها عن النقائص (1) .
**
وإلى كلامه هذا ينظر ما قاله بعض الأعلام : من أن التنزيه المستفاد من
سبحان الله ثلاثة أنواع :
**
[ أ ] : تنزيه الذات عن نقص الإمكان الذي هومنبع السوء .
**
[ب] : وتنزيه الصفات عن وصمة الحدوث ، بل عن كونها مغايرة للذات
المقدسة ، وزائدة عليها .
**
[جـ] : وتنزيه الأفعال عن القبح والعبث ، وعن كونها جالبة إليه تعالى
نفعا أودافعة عنه سبحانه ضررا كأفعال العباد [27 | أ].
**
و«ما» في قوله عليه السلام : «ما أعجب » إما موصولة ، أو موصوفة ، أو
استفهامية ، على خلاف المشهور في ما التعجبية.
وهي مبتدأ والماضي بعدها صلتها أو صفتها على الأوليين ، والخبر
محذوف ،أي الذي - أو شيء - صيره عجيبا أمر عظيم أو هو الخبر على الأخير .
**
و«ما» في «ما دبر» مفعول أعجب ، وهي كالأولى على الأوليين ، والعائد
المفعول محذوف ، والأمر والشأن مترادفان .
**
وفصل جملة «جعلك » عما قبلها للاختلاف خبرا وانشاء مع كون السابقة لا
محل لها من الإعراب .
**
و«الشهر» مأخوذ من الشهرة ، يقال : شهرت الشيء شهرا أي أظهرته
وكشفته ، وشهرت السيف أخرجته من الغلاف (1) وتشبيه الشهر في النفس بالبيت
المقفول استعارة بالكناية ، وإثبات المفتاح له استعارة تخييلية ، ولا يخفى لطافة
تشبيه الهلال بالمفتاح .
**
والجار - في قوله عليه السلام «لأمر حادث » - متعلق بحادث السابق ، أي أن
حدوث ذلك الشهر وتجدده لأجل إمضاء أمر حادث مجدد ، ويجوز تعلقه
بـ «جعل».
وتنكير «أمر» للإبهام وعدم التعيين ، أي أمر مبهم علينا حاله ، كما قالوه في
**
والفاء في «فاسال الله » فاء السببية ، كما في قوله تعالى : (
ألم تر أن الله
أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة
) (2) .
فإن ذلك الأمر المجدد الذي جعل تجدد الشهر لإمضائه فيه لما كان مبهما
صارإبهامه سببا لأن يسأل الله سبحانه أن يكون بركة وأمنا وسلامة ، وما هو من
هذا القبيل ، ولا يبعد أن تجعل فصيحة كما قالوه في قوله تعالى : (
فقلنا
اضرب بعصاك الحجر فانبجست
) (3) ، إما بتقدير شرط كما هو رأي
صاحب الكشاف ، أي [27 | ب] إذا كان كذلك فأسأل الله ؟ أو غير شرط ،
كما هو رأي صاحب المنهاج ، أي وهو مبهم فأسأل الله (4) .
والحق أن تصدير الشرط لاعتباره لا ينافي كون الفاء فصيحة ، وأن الناقل
واهم كما نبه المحقق الشريف في بحث الإيجاز والإطناب من شرح المفتاح .
عدوله عليه السلام في قوله : «فاسأل الله » عن الإضمار الذي هو مقتضى
الظاهر ، جريا على وتيرة الضمائر الأربعة السابقة ، أي الإظهار لعله للتعظيم ،
والاستلذاذ ، والتبرك ، وإرادة الوصف بما بعده إذ المضمر لا يوصف ، وقول
الكسائي ، بجواز وصف ضمير الغائب ضعيف ، وأما جعل ما بعده هنا حالا فلا
والكلام فيما يتعلق بلفظ الجلالة المقدسة تقدم مبسوطا في فواتح الشرح (1) .
**
وإضافة الرب» إلى ياء المتكلم من إضافة الصنعة إلى غير المعمول نحو كريم
البلد ، إذ الصفة المشبهة لاشتقاقها من اللازم لا مفعول لها ، لاضافتها اللفظية
منحصرة في إضافتها إلى الفاعل ، فلذلك جاز وصف المعرفة بها .
فإن قلت : المعطوف على النعت نعت ، واسم الفاعل أعني«خالقي» مضاف
إلى المفعول .
قلت : بعد تسليم أنه نعت حقيقة هو بمعنى الماضي ، فإضافته معنوية من
قبيل «ضارب زيد أمس » . وتسميتهم المضاف إليه حينئذ مفعولا نظرا إلى المعنى
لا إلى أن محله النصب ، كما إذا كان إسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال ، على
أنا لو قطعنا النظر عن كونه بمعنى الماضي لأمكن جعل مثل هذا من جزئيات
قاعدتهم المشهورة وهي أنه «يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل » كما قالوا في
نحو : «رب شاة وسخلتها» .
والمباحث [28 | أ] المتعلقة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله ، وتحقيق
تشبيهها في بعض الأدعية بم الصلاة على إبراهيم وآل إبراهيم ، والكلام في تحقيق
معنى الال واشتقاقه من آل يؤل ، وإيراد ما يرد على أن آل النبي صلى الله عليه
واله حقيقة هم الأئمة المعصومون سلام الله عليهم قد مر الكلام فيها في الفواتح (2)
فلا معنى لإعادته .
**
و«البركة» : النماء والزيادة في الخير ، ولعل المراد بها هنا الترقي في معارج
القرب ، ومدارج الا نس يوما فيوما ، فإن «من استوى يوماه فهو مغبون »(3) .
**
و«محق » : الشيء محقا أبطله ومحاه ، ومنه سميت الليالي الثلاث الأخيرة من
الشهر محاقا ، لمحق نور القمر فيها .
**
و «الطهارة» : النزاهة من الأدناس ، ويندرج فيها نزاهة الجوارح عن
الأفعال المستقبحة ، واللسان عن الأقوال المستهجنة ، والنفس عن الأخلاق
المذمومة ، والأدناس الجسمانية ، والغواشي الظلمانية ، بل النزاهة عن كل ما
يشغل عن الإقبال على الحق تعالى كائنا ما كان ، وذلك بخلع النعلين والتجرد
عن الكونين ، فإنهما محرمان على أهل الله تعالى .
**
و «الدنس » : الوسخ ، وتدنيس الآثام للطهارة القلبية ظاهر ، فإن كل
معصية يفعلها الإنسان يحصل منها ظلمة في القلب ، كما يحصل من نفس الإنسان
ظلمة في المراة ، فإذا تراكمت ظلمات الذنوب على القلب صارت رينا وطبعاً،
كما تصير الأنفاس والأبخرة المتراكمة على جرم المراة صدءً .
وإسناد المحق إلى الأيام ، والتدنيس إلى الآثام مجاز عقلي ، والملابسة في
الأول زمانية ، وفي الثاني سببية .
**
و «الأمن » : اطمئنان القلب ، وزوال الخوف من مصادمة المكروه .
**
و «السعد» والسعادة مترادفان ، وربما فسرا بمعاونة الأمور الإلهية الانسان
على نيل الخير ، ويضادهما النحس [28| ب] والشقاوة .
**
والمراد «بالنكد» عسر المعاش وضيقه ، أو تعسر الوصول إلى المطلب
الحقيقي، لما يعتري السالك من العوائق الموجبة لبعد المسافة ، وطول الطريق
والله أعلم .
أمثال ما تضمنه هذا الدعاء من سؤاله عليه السلام الطهارة الغير المدنسة
بالاثام ، والسلامة من السيئات ، والتوفيق للتوبة ، مع أنه عليه السلام معصوم
بل وقع مثل ذلك في كلام سيد المرسلين وأشرف الأولين والاخرين صلى
الله عليه وآله الطاهرين كما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال : (إني لاستغفر
الله وأتوب إليه في اليوم أكثرمن سبعين مرة)(3) وقد قلنا هناك : إن النبي صلى
الله عليه واله ، وكذلك المعصومين من عترته سلام الله عليهم ، لغاية اهتمامهم
باستغراق أوقاتهم في الإقبال على الله سبحانه ، والإعراض عما عداه ، وانجذابهم
بكليتهم إلى جنابه جل شأنه ، وترك ما سواه ، كانوا يعدون صرف لمحة من
اللمحات في الأشغال البدنية ، واللوازم البشرية من المأكل والمشرب والمنكح ،
وأمثالها من المباحات ، نقصا وانحطاطا ، ويسمون توجه البال في آن من الانات
إلى شيء من هذه الحظوظ الدنيوية إثما وعصيانا وذنبا، ويستغفرون الله تعالى منه .
وقد سلك على منوالهم ، واقتدى بأقوالهم ، وأفعالهم ، المتألهون والعرفاء
من أصحاب الحقيقة ، الذين نفضوا عن [29 | أ] ذيول سرائرهم غبار هذه
الخربة الدنية ، وكحلوا عيون بصائرهم بكحل الحكمة النبوية .
وأما نحن معاشر القاصرين عن الارتقاء إلى هذه الدرج العلية والمحجوبين
عن سعادة الاعتلاء على تلك المراتب السنية ، فلا مندوحة لنا عن جعل عظائم
ينبغي لنا إذا تلونا قوله عليه السلام : «هلال أمن من الافات » أن لا
نقصرها على الافات البدنية ، بل نطلب معها الأمن من الآفات النفسية أيضا ،
من الكبر والحسد ، والغل والغرور ، والحرص وحب المال والجاه ، وغير ذلك من
دواعي النفس وحظوظها ، ومشتهياتها البهيمية والسبعية ، فإن طلب الأمن من
هذه الآفات التي بمنزلة الكلاب العاوية والحيات الضارية الموجبة للهلاك الحقيقي
أهم وأحرى وأليق وأولى ، وقد قدمنا في الحديقة الأخلاقية من شرحنا هذا وهي
الحديقة العشرون في شرح دعائه عليه السلام في مكارم الأخلاق كلاما فيما يعين
على إلاحتراز عن هذه الافات ، وقلنا هناك : أنه لا يحصل الأمن التام منها إلا
بإخراج التعلق بالدنيا من سويداء الفؤاد ، وقلع هذه الشجرة الخبيثة من أرض
القلب ، فإنه ما دام الإقبال على الدنيا متمكنا في النفس ، لا يمكن حسم مواد
هذه الافات عنها رأسا ، بل كلما دفعتها وحسمتها عادت إلى ما كانت عليه أولا (1).
وقد شبه بعض أصحاب القلوب (2)ذلك بحال شخص عرض له مهم يحتاج
إلى فكر وتأمل تام ، فاراد أن يصفو وقته ، ويجتمع باله ، ليتفكر في هذا المهم ،
فجلس تحت شجرة ، واشتغل بالفكر فيه ، وكانت العصافير- وغيرها من
الطيور- تجتمع على تلك الشجرة ، وتشوش عليه فكره باصواتها وتكدر وقته ،
فأخذ خشبة وضرب بها الشجرة ، فهربت العصافير والطيور عنها ، ثم اشتغل
بفكره فعادت كما كانت فطردها مرة أخرى فعادت أيضا ، وهكذا مرارا فقال له
شخص : يا هذا،إن أردت الخلاص فاقطع الشجرة من أصلها فإنها ما دامت باقية
فإن العصافيروالطيور تجتمع عليها ألبتة .
**
وبعضهم شبه ذلك بقصة الكردي الذي قتل أمه ، كما يحكى أن شخصا
من الأكراد كانت أمه معروفة بعدم العفة وتدنس الأزار ، وكان الناس يعيرونه
بذلك وهو يتوقع الفرصة لحسم تلك المادة .
فدخل يوما إلى البيت فوجد معها رجلا يزني بها ، فشق بالسكين صدرها
واستراح من شنعتها .
فقال له أصحابه ومعارفه : يا هذا، إن قتل الرجل كان أولى من قتل الأم ،
فإنه أمرمستقبح !!
فقال : إني لو لم أقتلها كان يلزمني [30 | ] أن أقتل في كل يوم شخصا
جديدا ، وهذا الأمر لا يتناهى إلى حد .
وأنا قد نظمت قصة هذا الكردي في كتابي الموسوم بسوانح سفر الحجاز(1)؟
هكذا :
يمكن أن يراد بالإحسان : في قوله عليه السلام : «ونعمة وإحسان » معناه
الظاهري المتعارف ، والأنسب أن يراد به المعنى المتداول على لسان أصحاب
القلوب ، وهو الذي فسره سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وآله أجمعين ،
بقوله : (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )(2) .
**
وينبغي حينئذ أن يراد بالإيمان والإسلام في قوله عليه السلام : «هلال أمن
وإيمان ، وسلامة وإسلام » ، المرتبتان المعروفتان بعين اليقين ، وحق اليقين ، على
ما مر شرحه في الفواتح .
**
هذا ، وقد طلب عليه السلام الأمن في هذا الدعاء مرتين ، مرة مقيدا
بكونه من الآفات ، ومرة مطلقا ، وكذلك طلب السلامة مرتين مرة مقيدا بكونها
ويمكن أن يراد بالمطلقة سلامة القلب عن التعلق بغير الحق جل وعلا ، كما
قاله بعض المفسرين (1) في تفسيرقوله تعالى : (
يوم لا ينفع مال ولا بنون
[31 | ب] إلا من أتى الله بقلب سليم
)(2) .
**
وأما الأمن المطلق فلعل المراد به طمأنينة النفس بحصول راحة الأنس ،
وسكينة الوثوق ، فإن السالك ما دام في سيره إلى الحق يكون مضطربا غيرمستقر
الخاطر لخوف العاقبة ، وما يعرض في أثناء السير من العوارض العائقة عن
الوصول .
فإذا هبّ نسيم العناية الأزلية ، وارتفعت الحجب الظلمانية ، واندكت
جبال التعينات الرسمية ، تنور القلب بنور العيان ، وحصلت الراحة
والاطمئنان ، وزال الخوف ، وظهرت تباشير الأمن والأمان .
وهذان المقامان - أعني : مقامي الأمن والسلامة - من مقامات أصحاب
النهايات ، لا من أحوال أرباب البدايات ، وقد أشار إليهما مولانا وأمامنا أمير
المؤمنين عليه السلام الذي إليه تنتهي سلسلة أهل الحقيقة والعرفان سلام الله عليه
وعلى من ينتسب إليه في كلام له عليه السلام أورده السيد الرضي (3) رضي الله
عنه في نهج البلاغة ، وهو قوله عليه السلام في وصف من سلك طريق الوصول
=
ولعل السعد الذي لا نحس فيه ، واليمن [32 | ] الذي لا نكد معه ،
واليسر الذي لا يمازجه عسر والخير الذي لا يشوبه شر ، من لوازم هذين المقامين
وفقنا الله سبحانه مع سائر الأحباب للارتقاء إليهما بمنه وكرمه إنه سميع مجيب .
**
خطابه عليه السلام في هذا الدعاء بعضه متوجه إلى الهلال ، ومختص به ،
كقوله عليه السلام : «جعلك مفتاح شهر حادث » وقوله عليه السلام : «أن
يجعلك هلال بركة ، وهلال أمن ، وهلال سعد» .
**
وبعضه متوجه إلى جرم القمر ، كقوله عليه السلام : «وامتهنك بالزيادة
والنقصان » ، فإن الهلال وإن حصل له الزيادة لكن لا يحصل له النقصان .
**
وأما إطلاق الهلال عليه في ليلتي ست وعشرين ، وسبع وعشرين - كما ذكره
صاحب القاموس (1) - فالظاهر أنه مجاز كما مر(2) ، وعلى تقدير أن يكون حقيقة
فليس هوالمخاطب بذلك قطعا .
وكقوله عليه السلام «والإنارة والكسوف » فإن الكسوف لا يكون بشيء من
معنييه للهلال .
ويمكن أن قوله عليه السلام : «المتردد في منازل التقدير» مما يتوجه إلى جرم
القمر أيضا . لا الهلال لأن الجمع المضاف يفيد العموم ، والهلال - وان كان
يقطعها بأجمعها أيضا - إلا أن الظاهر أن مراده عليه السلام قطعها في كل شهر .
ثم لا استبعاد في أن يكون بعض تلك الفقر مقصودا بها بعض الجرم أعني
الهلال ، وبعضها مقصوداً بها كله .
ويمكن أن يجعل المقصود بكل الفقر كل الجرم ، بناء على [33 | ] أن يراد
من الهلال جرم القمر في الليالي الثلاث الأول ، لا المقدار الذي يرى منه مضيئا
فيها ، كما أن البدر هو جرم القمر ليلة الرابع عشر لا المقدار المرئي منه فيها .
وهذا وإن كان لا يخلو من بعد إلا أنه يصير به الخطاب جاريا على وتيرة
جعله عليه السلام مدخول «ما» التعجبية فعلا دالا على التعجب بجوهره ،
ينبىء عن شدة تعجبه عليه السلام من حال القمر ، وما دبره الله سبحانه فيه ،
وفي أفلاكه بلطائف صنعه وحكمته ، وهكذا كل من هو أشد اطلاعا على دقائق
الحكم المودعة في مصنوعات الله سبحانه فهو أشد تعجبا ، وأكثر استعظاما .
ومعلوم أن ما بلغ إليه علمه عليه السلام من عجائب صنعه جل وعلا ،
ودقائق حكمته في خلق القمر ، ونضد أفلاكه ، وربط ما ربطه به من مصالح
العالم السفلي ، وغير ذلك فوق ما بلغ إليه أصحاب الأرصاد ، ومن يحذو حذوهم
من الحكماء الراسخين بأضعاف مضاعفة ، مع أن الذي اطلع عليه هؤلاء - من
أحواله ، وكيفية أفلاكه ، وما عرفوه مما يرتبط به من أمور هذا العالم - أمور
كثيرة ، يحار فيها ذو اللبّ السليم ، قائلا :(
ربنا ما خلقت هذا باطلا
)(1) .
وتلك الأمور ثلاثة أنواع :
الأول : ما يتعلق بكيفية أفلاكه ، وعدها ونضدها ، وما يلزم من حركاتها
من الخسوف والكسوف ، واختلاف التشكلات [34 | أ] وتشابه حركة حامله
حول مركز العالم لا حول مركزه ومحاذاة قطر تدويره نقطة سوى مركز العالم ، إلى
غيرذلك مما هومشروح في كتب الهيئة .
الثاني : ما يرتبط بنوره من التغيرات في بعض الأجسام العنصرية ، كزيادة
الرطوبات في الأبدان بزيادته ، ونقصانها بنقصانه ، وحصول البحارين (2)
للأمراض ، وزيادة مياه البحار والينابيع زيادة بينة في كل يوم من النصف ألأول
وكذلك زيادة البقول والثمار نمواً ونضجاً عند زيادة نوره ، حتى أن المزاولين
لها يسمعون صوتا من القثاء والقرع والبطيخ عند تمدده وقت زيادة النور ، وكإبلاء
نور القمر الكتان ، وصبغه بعض الثمار ، إلى غيرذلك من الأمور التي تشهد بها
التجربة (1) .
قالوا : وإنما اختص القمر بزيادة ما نيط به من أمثال هذه الأمور بين سائر
الكواكب لأنه أقرب [34 | ب] إلى عالم العناصر منها ؛ ولأنه مع قربه أسرع
حركة فيمتزج نوره بأنوار جميع الكواكب ، ونوره أقوى من نورها ، فيشاركها
شركة غالب عليها فيما نيط بنورها من المصالح بإذن خالقها ومبدعها جل شأنه .
الثالث : ما يتعلق به من السعادة والنحوسة ، وما يرتبط به من الأمور التي
هو علامة على حصولها في هذا العالم ، كما ذكره الديانيون من المنجمين ، ووردت
به الشريعة المطهرة على الصاع بها أفضل التسليمات .
**
كما رواه الشيخ الجليل عماد الإسلام ، محمد بن يعقوب الكليني قدس الله
روحه ، في الكافي عن الصادق عليه السلام ، قال : «من سافر أو تزوج والقمر
في العقرب لم ير الحسنى»(2) .
وكما رواه أيضا في الكتاب المذكور عن الكاظم عليه السلام : «من تزوج في
محاق الشهر فليسلم لسقط الولد»(3) .
وكما رواه شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي طاب ثراه في
تهذيب الأخبار عن الباقر عليه السلام : «أن النبي صلى الله عليه وآله بات ليلة
فقالت له زوجته : يا رسول الله بابي أنت وأمي كل (1) هذا البغض ؟
فقال :لها : (ويحك هذا الحادث في السماء فكرهت أن [35 | أ]
وفي آخر الحديث ما يدل على أن المجامع في تلك الليلة إن رزق من جماعه
ولدا وقد سمع بهذا الحديث لا يرى ما يحب (2) .
ما يدعيه المنجمون من ارتباط بعض الحوادث السفلية بالأجرام العلوية إن
زعموا أن تلك الأجرام هي العلة المؤثرة في تلك الحوادث بالاستقلال ، أو أنها
شريكة في التاثير ، فهذا لا يحل للمسلم اعتقاده .
**
وعلم النجوم المبتني على هذا كفر والعياذ بالله ، وعلى هذا حمل ما ورد في
الحديث من التحذير من علم النجوم والنهي عن اعتقاد صحته .
وإن قالوا : إن اتصالات تلك الأجرام وما يعرض لها من الأوضاع علامات
على بعض حوادث هذا العالم مما يوجده الله سبحانه بقدرته وإرادته ؛ كما أن
وما روي من صحة علم النجوم ، وجواز تعلمه محمول على هذا المعنى ،
كما رواه الشيخ الجليل عماد الاسلام محمد بن يعقوب الكليني ، في كتاب الروضة
من الكافي ، عن عبد الرحمن بن سيابة (1) ، قال ، قلت لأبي عبدالله عليه
السلام : جعلت فداك إن الناس يقولون : إن النجوم لا يحل [35 | ب] النظر
فيها ، وهي تعجبني ، فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شيء يضر بديني ،
وإن كانت لا تضر بديني فوالله إني لأشتهيها ، وأشتهي النظر فيها .
فقال عليه السلام : «ليس كما يقولون ، لا تضر بدينك » .
ثم قال : «إنكم تبصرون في شيء منها كثيره لا يدرك ،وقليله لا ينتفع به ،
تحسبون على طالع القمر» .
ثم قال : «أتدري كم بين المشتري والزهرة من دقيقة» ؟ فقلت : لا والله .
قال : «أتدري كم بين الزهرة والقمر من دقيقة» ؟ قلت : لا والله .
قال : «أفتدري كم بين الشمس وبين السكينة(2) من دقيقة» ؟ قلت : لا
والله ما سمعته من أحد من المنجمين قط .
فقال : «أفتدري كم بين السكينة واللوح المحفوظ من دقيقة» ؟ قلت :