تاريخ العتبة
مراحل بناء وأعمار وتطوير العتبة العباسية المقدسة
شموخ المآذن والقباب الذهبية للمرقدين الطاهرين هي أول شيء تكتحل به عينا الزائر حين يصل إلى مشارف كربلاء المقدسة، فمرقد سيد الشهداء وأبي الأحرار الحسين بن علي (عليهما السلام) وأخيه وحامل لوائه أبي الفضل العباس (عليه السلام) هما درة المدينة وقلبها النابض بالحياة والثورة والإباء، وتذكير دائم باستمرار رسالة السماء الحقة رغم أنف الطغاة.
يقف الزائر أمام هذه المراقد الطاهرة ليستوحي منها معاني البطولة والإيثار والثبات على المبادئ الحقيقية التي جاء بها سيد المرسلين محمد (صلى الله عليه وآله) بعد أن تجسدت بأعلى معانيها في طف كربلاء وفي أعظم ملحمة عرفها التأريخ والتي ما كان للإسلام أن يستمر بحقيقته الناصعة لولاها، فاستحقت بذلك أن تكون تجسيدا لحقيقة أن (الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء)...
وعند ذلك الوقوف، تغرورق عينا الزائر بالدموع بعد تذكره لهول الفاجعة وعظم المصاب، حيث جرت عادة الكثير من الصالحين على الاتجاه في الزيارة أولاً إلى مرقد قمر بني هاشم وفخر عدنان أبى الفضل العباس (عليه الس
لام) باعتباره وزير أخيه الإمام الحسين (عليه السلام) وبابه، ومن أراد البيت أتاه من بابه...
وهكذا يؤدي الزائر مراسيم الزيارة له (عليه السلام) في مرقده حيث هو نفسه موضع استشهاده في العاشر من محرم الحرام من عام 61هـ، والذي يقع على مقربة من مشرعة الفرات، وفي مكان مستقل عن مدفن أنصاره ضدّ الباطل أهل بيت الإمام الحسين وأصحابه النجباء المستشهدين معه، والذين جُمعوا من قبل عشيرة بني أسد ودُفنوا بأمر وإشراف مباشر من الإمام السجاد علي بن الحسين (عليهما السلام)، في مكان واحد على مقربة أمتار شرق مرقد سيد الشهداء عليه السلام، حيث لم يتمكن أبناء تلك العشيرة من رفع الجسد المطهر لأبي الفضل العباس عليه السلام، ودفنه مع الشهداء - ومنهم ثلاثة من أشقائه - وذلك بسبب ما أصابه من ضرب السيوف وطعن الرماح وغيرها الكثير الذي جعل من الصعب أن يحمل الجسد المطهر دون أن يتضرر فأمر الإمام السجاد (عليه السلام) بإبقاءه في مكانه الذي وقع فيه عن جواده ليدفن فيه.
ويكاد لا يخلو هذا الاستقلال في الدفن من حكمة وأسرار للمتأمل، خاصة وأن ذلك استلزم أن يكون له (عليه السلام) شباك للضريح المقدس خاص به وعتبة مستقلة بكل تفاصيلها عن العتبة الحسينية المقدسة التي ضمت باقي الشهداء (رضوان الله) عليهم في جزء منها... وهكذا شِـُـيد صرحٌ شامخٌ من صروح الحق في دنيا الإسلام على مرقد أبي الفضل (عليه السلام)، صانعاً بذلك مجداً عظيماً ناله قبل ذلك صاحب المرقد مع المقام العالي والمنزلة الرفيعة عند الله عز وجل، فقد قال الامام السجاد (عليه السلام) في رواية عن زائدة ينقل فيها كلام السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) معه ( ... ولقد اخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة، وهم معروفون في أهل السماوات انهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء، لا يدرس اثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد اثره الا ظهورا، وأمره الا علوا)(1)وقال ابن طاووس في كتابه (الإقبال): (انهم أقاموا رسماً لقبر سيدٍ بتلك البطحاء يكون علماً لأهل الحق).
ومن أجل التعريف بالمراحل التأريخية التي مر بها مرقد أبي الفضل (عليه السلام) تعميرا وتطويرا، يجب أن ننوّه إلى أن كل من شيّد الروضة الحسينية المقدسة تولى تشييد الروضة العباسية المقدسة أيضاً حيث نال الأخيرة ما نال الأولى من إعمار ويكونان بذلك قد مرا بنفس مراحل إعادة البناء أو التطور تقريبا، ويذكر المؤرخون إن الذين قاموا بهذه الأعمال والتحسينات هم السلاطين والأمراء والمحسنون الميسورون، أما في السنوات الأخيرة التي تلت سقوط الطاغية في 9/4/2003م فقد حصل تغيير جذري شكّل مرحلة فاصلة عن المراحل السابقة من حيث الإعمار والتطوير وأساليبهما حيث عادت الشرعية إلى إدارة العتبة وأصبحت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف تشرف عليها، وقامت هذه الإدارة بأعمال التطوير والإضافات الكبيرة على العتبة وأصبحت الكوادر العراقية للعتبة هي من ينفذ مشاريعها و يشرف على المتبقي منها بينما كانت تلك الأعمال تجري قبل هذه المرحلة التأريخية من قبل كوادر خارج العتبة، عراقية كانت أو غيرها وعلى شكل مقاولات وما في ذلك الأمر من تأخير أحياناً وهدر لأموال العتبة بعكس فيما لو نُفّذت مباشرة من قبل كوادرها كما يحصل في ظل هذه الإدارة.
وفيما يلي سندرج المراحل التأريخية التي مر بها المرقد الطاهر من حيث إعادة البناء أو التطوير وستقسم وفقاً للقرون الهجرية، علماً أن ما سنطرحه في تلك الفقرات يندرج ضمنه البعض من الأعمال البسيطة في حجمها، وقد لا تعدو أحيانا تزيين المرقد بزخرفة ما أو تبديلاً لباب، أو جلب منفعة بسيطة للعتبة، بينما كانت فقرات الإعمار الخاصة بما بعد سقوط اللانظام الديكتاتوري حافلة بمشاريع كبيرة ومتوسطة وصغيرة فضلاً عن البسيطة مما ذكرناه آنفاً، مما يحتاج للإيفاء بحقّهِ كراساً مستقلاً، وإن هذه الفترة تـُعد فاصلاً تأريخياً لما سبقها- وكما ذكرناه آنفاً -، وربما يوازي حجم المشاريع التي جرت فيها ما جرى للعتبة قبلها خلال قرنين أو أكثر.

الهوامش
-------------
1- من حديث طويل نقله (كامل الزيارات)/ جعفر بن محمد بن قولويه: هامش ص 444، وإن لم يكن من أصل كتابه، كما ذكر ذلك عند نقله الحديث، العلامة المجلسي في بحار الأنوار - ج 45: ص 179 – 180.
المزيد
القرن الأول
القرن الثاني
القرن الثالث
القرن الرابع
القرن الخامس
القرن السادس
القرن السابع
القرن الثامن
القرن التاسع
القرن العاشر
القرن الحادي عشر
القرن الثاني عشر
القرن الثالث عشر
القرن الرابع عشر
القرن الخامس عشر
مراحل الهدم والعدوان على العتبة العباسية المقدسة
القتل وإرعاب الزائرين فيها والتخريب والاعتداء على منشآتها ورموز قداستها، سمات لازمت عتبات كربلاء المقدسة مذ وجدت لبناتها الأولى بعد انطواء الصفحة العسكرية من ملحمة الطف الخالدة في العاشر من محرم عام 61هـ، حتى عندما كانت تلك المراقد الطاهرة، مجرد شواهد بسيطة كتلك التي توضع للقبورالعادية.
والمتتبع لسلسلة الحوادث الكثيرة تلك، والتي مازالت مستمرة حتى هذا اليوم مع اختلاف في الأساليب، يؤشر إلى خوف الطغاة ومتـّبعي سُبُل الضلال، من هذه الرموز العظيمة التي طهرت هذه البلاد وأنارت طريق الأحرار فيه وفي غيره من بلاد المعمورة، والتي يبدوأنها تـُذّكِر من يعتدي عليها بخواء نهجه وبقرب زوال ظلمه، خاصة إن كان من الحكام، فيحاولون لأجل ذلك طمس معالمها وحجب شمس حقيقتها بغربال باطلهم، كما أنها في كل عصر - ولكونها الشاهد الحاضر- وقبل كل ذلك تحرض المظلومين على الثورة ضد الطغاة رغم قلة الناصر وضعف العدة وتبشرهم بالنصر ولو بعد حين.
كما أن شواهد التأريخ تؤكد هَوانَ الذين كانوا يظنون انهم بأعمال اعتد
ائهم هذه سيتمكنون من أن يطفئوا نور الله ليتمكنوا من تثبيت ملكهم وسلطانهم، فبئس ما فعلوا وكان الخزي والخسران نصيبهم الأوفر، وذلك تأييداً لما أكدته السيدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام) لمولانا الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) حيث قالت: «ينصبون علماً لقبر أبيك الحسين لا يدرس اثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والايام وليجتهدن ائمة الكفر واشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد اثره إلا ظهوراً وامره إلا علواً»(1)وكلامها له (عليهما السلام) أيضاً حيث قالت «لقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة وهم معروفون من أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة وهذه الجسوم المضرجة فيوارونها، وينصبون بهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام» إلى أن تقول «ثم يبعث الله قوماً من أمتك لا يعرفهم الكفار، لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية فيوارون أجسامهم ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء يكون علماً لأهل الحق وسبباً للمؤمنين إلى الفوز»(2)وقد يضيق المقام بذكر كل تلك الحوادث لو استطعنا إحصاءها منذ بدئها، لكننا سنحاول جاهدين ذكر ما أحصيناه منها (فما لا يدرك كله لا يترك جله) وسنقسم الحوادث وفق القرون الهجرية.
ولعل الفترة التي مضت على القبر المطهر من بعد ملحمة الطف إلى أواخر الدولة الأموية، كانت أهدأ دور مضى على الحائر لأنهم اكتفوا - حسب الظاهر – بما اقترفوه من جرائم وآثام لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، جرت كلها بحق الإمام الحسين واهل بيته واصحابه (عليهم السلام) في تلك الواقعة وما تلاها من عذابات السبي، مما حدا بعبد الملك بن مروان أن يكتب إلى عامله الحجاج بن يوسف الثقفي بقوله له:
جنبني دماء آل أبي طالب فإني رايت الموت استوحش من آل حرب حين سفكوا دماءهم، فكان الحجاج ممتثلاً لذلك الأمر، خوفاً من زوال ملكهم الطاغي لا خوفاً من الله!!!، متجنبين دماء آل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، ولهذا السبب أو لغيره لم تتعرض مراقد كربلاء المقدسة من الأمويين كما تعرض لها العباسيون بعد ذلك(3)، عدا أن أولئك أقاموا المخافر والمسالح المدججة بالعتاد والسلاح والرجال على أطراف كربلاء لمطاردة الزوار ومعاقبتهم بأقسى العقوبات من القتل والصلب والتمثيل بهم، وأكمل ذلك الدولة العباسية على إثر انقراض دولة الأمويين، فسن العباسيون أسوأ السنن بالتعرض للحائر المقدس، وهدمه وما حوله.

الهوامش
-------------
(1) مقطع من حديث طويل في كامل الزيارات: لابن قولويه ص 260- 266.
(2) المصدر السابق.
(3) بتصرف من: تأريخ كربلاء وحائر الحسين عليه السلام/ الدكتور عبد الجواد الكليدار: ص192-193.
المزيد
القرن الثاني
القرن الثالث
القرن التاسع
القرن الثالث عشر
القرن الخامس عشر
سدنة العتبة العباسية المقدسة
اهمية وجود منظومة إدارية تدير هذا المكان المقدس وتطوّر موجوداته وتديمها وتحفظها، وتنظم زيارة عشرات الملايين ممن يفدون إليه سنوياً (2)، فقد كان من الضروري وجود شخص على رأس هذا الهرم الإداري مهما كان هذا الهرم صغيراً وبسيطاً - كما هو الحال في السنوات الأولى لوجود المسجد حول المرقد الشريف(3)-وبسبب كون مراقد الأئمة وأولادهم (عليهم السلام) جميعاً ومنها مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) من الأوقاف العامة التي يرجع أمر ولايتها إلى الحاكم الشرعي كما ثبت بالأدلة النقلية، فإن تعيين شخص يديرها كوكيل منصوب من قبل الحاكم الشرعي لا من غيره أمر مفروغ منه، طالما أن قراراته تحتاج إلى أن تكون وفق الضوابط الشرعية التي لا تـُعرف إلا من خلال ذلك الحاكم، وقد مرت العتبة بفترات كان من يديرها تابعاً له، لكنها للأسف الشديد خلت في بعض سنوات القرنين الأخيرين من الشرعية في إدارتها بسبب تدخّل الحكومات الظالمة أو المحتلة في تعيين المتولي بلا رجوع للحاكم الشرعي الجامع للشرائط، ولكن ذلك ما حصل بعد 9/4/2003م عند زوال ا لديكتاتورية وسقوط الطاغية.
يسمّى الشخص الذي يدير كل عتبة بـ (الخازن) أو (السادن) سابقاً وتغيّر الإسم في 9/4/2003 إلى (لجنة إدارة الروضة) التي كانت لجنة تنفيذية فقط، وشـُكلت في كلٍ من العتبتين مؤقتاً من قبل ممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة في وقتها وبتخويل شفوي منه والذي كان المتولي الشرعي للعتبتين، حيث تصدت المرجعية للأمر بسبب أن الولاية الشرعية للعتبات المقدسة ترجع لها بحسب فقه أهل البيت (عليهم السلام)، فضلاً عن أن الأمر كان ملحاً ولا يمكن تأخيره تلافياً للفراغ الإداري المفاجئ والخطر في نفس الوقت الذي داهم البلاد بعد سقوط الطاغية ودخول المحتلين الأميركان إليها، إذ لا توجد جهة أكثر أمانة وشرعية من المرجعية الدينية لتتصدى له، إلى أن تشكلت بعد أسابيع من ذلك(اللجنة العليا لإدارةالعتبات المطهرة في كربلاء المقدسة) بشكل خطي من قبل المرجعيات الدينية الأربع في النجف الأشرف وبضمنها المرجعية العليا، فأصبحت اللجنة العليا المتولي الحقيقي لكلا العتبتين حيث عينت شخصاً أسمته (المشرف) في كل من العتبتين ليقوم بالمهام التنفيذية لما تقرره اللجنة فيهما، واستمرت في عملها إلى 20/7/2006م حيث صادقت المرجعية الدينية العليا على تعيين ( الأمين العام) للعتبة طبقاً للقانون الجديد الذي يدير العتبات المقدسة ذي الرقم (19) الصادر في أواخر2005م، وبذلك حَلَّ هذا العنوان محلَّ السادن أول الأمر، وسنتناول في هذا الفصل اسماء من تولوا سدانة الروضة العباسية المقدسة وتواريخ ذلك منذ القرن الحادي عشر الهجري.
ويلاحظ بان هناك فراغات في الزمن بين تواريخ انهاء السدنة السابقين لوظائفهم وبين تواريخ الآخرين الذين أعقبوهم في إشغال هذه الوظائف، ويرى بعض المؤرخين المتأخرين ان مردّ ذلك يرجع الى وفاة السادن مع التأخر في تعيين اوتنسيب اللاحق لحين حصول الاجراءات والخطوات لتعيين او تثبيت السادن الجديد، كما أن هناك فراغاً إدارياً في عموم الدولة العراقية حصل بعد 9/4/2003م وسيرد تفصيله لاحقاً، كما نود الإشارة الى ان سدانة الروضة العباسية المقدسة لم تكن في البداية والى وقت قريب مستقلة تماماً عن سدانة الروضة الحسينية المقدسة، وانما كانت تابعة او ملحقة بها، وفي سبيل تخفيف الاعباء عن سادن الروضة الحسينية المقدسة، كان الأخير ينيب عنه من يراه أهلاً وكفؤاً لادارة شؤون ومهام الروضة العباسية المقدسة (4).
كما أنه ليس هناك وثيقة مدوّنة تستقصي تاريخ سدانة الحائر الحسيني بعتبتيه، وأسماء السدنة منذ تشييد البناء على القبر الشريف، و بعبارة أدق منذ انهيار الحصار المسلح الذي فرضه الأمويون والعباسيون - ولو بشكل متفاوت - على المرقد الشريف، وذلك للتعتيم الإعلامي والحيلولة دون التزوّد الروحي من زيارة قبره الشريف، ويمكن اعتبار أن تاريخ السدانة من عام (132 هـ) حتى منتصف القرن العاشر الهجري كان غامضاً(5)، فتاريخ السدانة في هذه الحقبة لم يرد ذكره في المصادر التاريخية إلا عَرَضاً وفي أزمنة متباعدة، وجلّ ما نعرفه عن السدانة في وقتها المبكر أن أم موسى وهي نفسها أم (الخليفة) العباسي المهدي، قد صيرت على القبر خَدَمة يتولون شؤونه ويقومون بخدمته، وقد أجرت لهم راتباً معيناً، وحذا (الرشيد) حذوها في ذلك بادئ أمره، فكان هؤلاء أول سدنة رسميين للحائر الشريف(6) وهم طبعاً يتولون شؤون العتبتين المقدستين، ويرد أنّ السدانة ذكرت بصورة صريحة لأول مرة في كتاب (فرحة الغريّ) لابن طاووس، فعندما زار عضد الدولة فنا خسرو البويهي كربلاء سنة 371 هـ أجزل في العطايا لأهل كربلاء (كل طبقة على حدة) ومن جملة من أجزل له: الخازن والبواب على أيدي أبي الحسن العلوي وعلى يد أبي القاسم بن أبي عابد وأبي بكر بن سيار(7).
ومن المحتمل أن تكون سلطة الخازن (السادن) - كما سمي فيما بعد - في ذلك العهد مقصورة على الحماية بمرقد الإمام الحسين (عليه السلام) شؤون زواره، دون أن تمتد لتشمل المدينة ذاتها، والراجح أن يكون نقيب الأشراف هو الذي يتولى المهمة الأخيرة لكثرة عدد العلويين النازلين في البلدة الناشئة آنذاك(8)، وبعد احتلال بغداد من قبل المغول سنة 656هـ تبدأ الفترة المظلمة من تأريخ العراق، لندرة المصادر التي تتحدث عنها، فليست لدينا أية معلومات تتعلق بسدانة الروضتين الحسينية والعباسية المقدستين، ومن ثم فقد تولى الخازنية في أوائل القرن الثامن الهجري رجال من قبيلة بني أسد التي كانت تفرض هيمنتها على النواحي القريبة من البلدة، غير أن الرحالة (ابن بطوطة) يشير في رحلته (تحفة النظار) إلى أن نزاعاً نشب بين قبـيلتين علويتين هما آل فائز وآل زحيك في كربلاء، وبسبب هذا النزاع تخربت المدينة(9)، وتشير بعض المصادر إلى أن سبب النزاع هذا هو تولي نقابة الحائر وسدنة المشهد الحسيني، حيث إن السدانة كانت لآل فائز(10).
وفي منتصف القرن الثامن الهجري، كان المتولي لمرقد الإمام الحسين (عليه السلام) الشيخ محمد شمس الدين الحائري الأسدي، ويشير إلى ذلك الشهيد الثاني في إجازته التي كتبها في الحائر الحسيني، فهو من الرواة الثقات عند الإمامية ويروى عنه الحديث(11).
يقول الدكتور عماد عبد السلام رؤوف: وقد قدمت القبيلتان العلويتان اللتان كانتا تتوليان نقابة الأشراف بالتعاقب وهما آل فائز وآل زحيك معظم الرجال الذين تولوا منصب الخازنية، بيد أن ذلك لم يقض على استقلال المنصب، أو يقلل من صلاحياته الإدارية، لان الصيغة التي اتبعتها القبيلتان في التولية كانت كالآتي، تقوم إحدى القبيلتين بتولي مؤسسة النقابة، بينما تتولى الأخرى مؤسسة السدانة، ومن المحتمل أن تتبادل القبيلتان (أو ما انبثق عنهما من أُسَر) مواقعهما في تولي هذه المؤسسة أو تلك، إلا أن ذلك لم يكن يقضي على صيغة تقاسم السلطة الإدارية بينهما، ومن ثم اتسمت العلاقة بين المؤسستين غالباً، بنوع من التوازن في صلاحياتهما ونفوذهما.
ومن مظاهر قوة السدانة وتليها السلطة الفعلية في المدينة، أنها نجحت في تزعّم قوى المدينة الشعبية للدفاع عنها في أثناء غارات الوهابيين في السنوات (1216هـ - 1220 هـ)، وفي أثناء حملة محمد نجيب باشا سنة (1258 هـ) المعروفة بوقعة غدير دم، وخلال الفراغ الأمني والإداري الذي خلف سقوط اللانظام الديكتاتوري وغزو القوات الأميركية والمتحالفة معها للعراق في 9/4/2003م الموافق 7 صفر1424هـ، وبلغت هذه المؤسسة ذروة القوة حينما ضمت إليها نقابة الأشراف وحكومة البلد رسمياً في بعض تضاعيف العقد الرابع من ذلك القرن، ولكن القوة هذه تدهورت بسرعة بعد أن ضربت المدينة أثناء وقعة غدير دم واقتحامها، فتولى السدانة فيها لأول مرة منذ أكثر من قرنين رجال من اُسَر غير علوية أصلاً، واستمرت السدانة بأيديهم حتى نهاية الحكم العثماني وما بعده(12)، ولقد استمرت سدانة العتبتين موحدة الى عهد السادن السيد مرتضى السيد مصطفى ضياء الدين (آل ضوي) حيث سعى الأخير لفصل سدانة الروضة العباسية المقدسة عن سدانة الروضة الحسينية المقدسة وجعلها سدانة قائمة بذاتها اسوة بتلك السدانة، وقد تم له ذلك، حيث تم فصل السدانتين احدهما عن الأخرى وباتت كل واحدة تعمل ضمن المشهد المقدس الخاص بها والى هذا اليوم، عدا فترة الأشهر الثلاثة تقريباً التي أعقبت 9/4/2003م والتي كان السادن فيها هو ممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة ويقوم مقامه تنفيذياً لجنة إدارية في كل عتبة، أعقبتها ثلاث سنوات تقريباً والتي كانت السدانة فيها عبارة عن لجنة ثلاثية مكلفة من المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف تقوم بمهمة التولية الشرعية في كلتا العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية وتعين وكلاءً عنها في كل عتبة كمدراء تنفيذيّين لبرامجها التطويرية والإدارية باسم (المشرف)، وتم حل اللجنة عند تطور العمل وتحول كلاً من عضويها (بعد موت الثالث) إلى متولٍ شرعي منفصل عن الآخر سمي بالأمين العام في كل عتبة وبذلك عادت الاستقلالية في السدانة مرة أخرى في 20/7/2006م، اما اسماء من تولى سدانة الروضة العباسية كنائب او كممثل لسادن الروضة الحسينية المقدسة او مستقلاً عنه منذ أوائل القرن الحادي عشر الهجري حتى الآن على وجه الاختصار:
1- محمد بن نعمة الله، وكان خازناًعام (1025هـ) واستمر في عمله هذا حتى وفاته.
2- الشيخ حمزة السلامي(نسبة الى عشيرة السلالمة العربية العراقية) وذلك في عام 1091هـ والى ما بعد عام 1108هـ .
3- الشيخ محمد شريف الذي تولى السدانة بعد وفاة السادن السابق وكان سادناً عام 1161هـ وظل شاغلها حتى وفاته .
4- الشيخ أحمد الخازن وقد تولى اعباء السدانة بعد رحيل السادن السابق وقد توفّي في عام 1187هـ.
5- الشيخ علي بن عبد الرسول، وتولى السدانة عام 1187هـ واستمر في اداء مهام عمله الى ما بعد عام 1222هـ وحتى وفاته، وهو جد المرحوم الشيخ محمد علي محمود الكيشوان في الروضة العباسية المقدسة، وتعرف اسرته في الوقت الحاضر ببيت الشيخ، وتنتمي هذه الاسرة الى قبيلة جشعم العربية.
6- الشيخ عبد الجليل الكليدار، وقد تولى السدانة عام 1224هـ، وقد تم عزله من عمله لأسباب غير معلومة.
7- السيد محمد علي بن درويش بن محمد آل ثابت، ويرجع نسبه الى ثابت بن سلطان كمال الدين نقيب نقباء العراق في عام 957هـ، وهو الجد الاعلى لاسرة آل ثابت في كربلاء، وقد تولى السدانة في عام 1225هـ والى ما بعد عام 1229هـ.
8- السيد ثابت بن درويش وهو أخو السادن السابق، وكان سادناً في عام (1232هـ) والى ما بعد 1238هـ.
9- السيد حسين بن حسن بن محمد بن حسين آل ثابت، وهو الجد الأعلى لآل الوهاب، تولى السدانة بتأريخ 4 شوال سنة1240هـ اثر عزل السادن
السابق.
10- السيد وهاب السيد محمد علي بن عباس آل طعمة علم الدين، من آل طعمة، كان سادناً للروضة الحسينية المقدسة ثم تولى سدانة الروضة العباسية المقدسة سنة 1243هـ.
11- السيد محمد بن جعفر بن مصطفى بن أحمد آل طعمة الى نعمة الله بن طعمة علم الدين من آل فائز الموسوي ، وكان سادناً للروضة عام1250 هـ ولكن لفترة قصيرة .
12- السيد حسين بن حسن بن محمد علي بن موسى الوهاب، وقد تولى السدانة عام 1254 هـ بعد عزل السادن السابق، وقد بقي حتى عام 1256
هـ ، حيث اُعفي من منصبه وشغله وكالة السادن السابق حتى عام 1259 هـ ، حيث عاد السيد حسين الوهاب مرة اخرى لمنصب سدانة العتبة حتى عام 1265 هـ حيث عزل عن السدانة.
13- السيد سعيد بن سلطان بن ثابت بن درويش آل ثابت، تولى السدانة عام 1265هـ لفترتين، وهو من سلالة سلطان كمال الدين، تولى السدانة بعد عزل السادن السابق، وقد توفّي في عام 1285هـ.
14- وهو السيد حسين المشهور بـ «نائب التولية» من آل ثابت وهو نجل السادن السابق، تولى السدانة بعد رحيل والده، ولصغر سنه آنذاك، تولاها نيابة عنه السيد حسين بن السيد محمد علي آل ضياء الدين، الذي بقي فترة وتولى هو السدانة رسمياً بدل السيد حسين (نائب التولية).
15 ـ السيد حسين بن محمد علي بن مصطفى بن محمد بن شرف الدين بن ضياء الدين بن يحيى بن طعمة (الأول)، وهو من سلالة طعمة كمال الدين
الفائزي، وقد تولى السدانة في عام 1282 هـ وحتى وفاته في عام 1288 هـ.
16 ـ السيد مصطفى نجل السادن السابق، حيث خلف أباه في مهام السدانة بعد رحيله والذي تم هذا في اوائل عام 1289هـ ولبث في السدانة الى وقت وفاته في عام 1297هـ.
17 ـ السيد محمد مهدي بن محمد كاظم بن حسين بن درويش بن أحمد آل طعمة، وينتسب الى طعمة علم الدين الفائزي ولقد تولى السدانة عام 1297 هـ
وقد شغلها حتى عام 1298 هـ حيث عزل عنها.
18 ـ السيد مرتضى نجل السيد مصطفى والأخير هو السادن ذو التسلسل(15) آنفا للروضة العباسية المقدسة، وكان صغير السن عند توليه السدانة، فتولاها نيابة عنه السادن السابق، وعند عزله من قبل والي بغداد سنة 1298هـ، فتولاها بالنيابة عنه السادن الصغير السيد عباس السيد حسين آل ضياء الدين إلى بلوغه سن الرشد، وبقي فيها حتى وفاته سنة 1357هـ، وهو صاحب مشروع أسالة الماء في كربلاء المقدسة والذي حصل على امتياز خاص لاقامته من السلطة والتي كانت في عام 1357هـ المصادف 17/5/1938 .
19 ـ السيد محمد حسن آل ضياء الدين نجل السادن السابق ويعرف بـ (آغا حسن) وتولى السدانة بعد رحيل والده سنة 1257هـ، وانتقل إليه مشروع إسالة الماء، واستمر في إشغال السدانة لغاية وفاته في عام 1372هـ الموافق لعام 1952م.
20 ـ السيد بدر الدين آل ضياء الدين وهو الإبن الأكبر للسادن السابق وتولى السدانة بعد رحيل والده واستمر حسن السيد صافي آل ضياء الدين وكيلاً عنه في ادارة شؤون الروضة المقدسة.
21 - السيد محمد حسين بن السيد مهدي ال ضياء الدين وقد تولى السدانة عام 1402هـ واستمر في اشغالها حتى عام 1411هـ ـ 1991م، وقد أقاله النظام الفاشي البعثي باعتباره قد تعاون مع ثوار الانتفاضة الشعبانية ومشاركاً فيها.
22 ـ السيد مهدي فاضل الغرابي، وتولى السدانة في عام 1412 ـ 1991م بترشيح من حزب البعث الفاشي كونه أحد أعضائِهِ، والذي حكم العراق
طوال أربع عقود انتهت بسقوط نظامه في9/4/2003م الموافق 7من شهر صفر الخير1424هـ وانتهت معه فترة سدانة هذا السادن بعد هروبه خارج العراق.
23- ممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة الشيخ عبد المهدي عبد الأمير جدوع السلامي الكربلائي من 9/4/2003م الموافق 7 صفر1424هـ واستمر الحال كذلك لغاية تشكيل اللجنة العليا في 25جمادى الأولى 1424هـ حيث صدرت قبل تلك الفترة في 12 ربيع الأول 1424هـ فتاوى من المرجعيات الدينية في النجف الأشرف ترجع الولاية الشرعية للعتبات المقدسة إلى الحاكم الشرعي، فكان الشيخ الكربلائي يشرف على العتبتين المقدستين وتنفذ تعليماته الإدارية من خلال لجنة إدارية شكلها في كلٍ منهما، هي في العتبة العباسية المقدسة بإسم (لجنة إدارة الروضة العباسية المقدسة).
24- (اللجنة العليا لإدارة العتبات المطهرة في كربلاء المقدسة) والمكونة من أصحاب السماحة العلامة حجة الإسلام السيد محمد حسين الطباطبائي
قدس سره وسماحة حجة الإسلام العلامة السيد احمد جواد نور الصافي وحجة الإسلام العلامة الشيخ عبد المهدي عبد الأمير جدوع السلامي الكربلائي (دام عزهما)، وتشكلت اللجنة في 25جمادى الأولى 1424هـ وقد نصبت من قبل المرجع الديني الأعلى وأيدها باقي مراجع الدين العظام بتخويل خطي بعد ذلك، حيث صدر آخرها في شعبان من نفس العام، فتولت اللجنة المذكورة شؤون السدانة للعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، وقد خولوا عنهم للمباشرة بأعمال إدارة العتبة العباسية المقدسة كمدير تنفيذي وفق تعليمات اللجنة العليا المذكورة ما اصطلحوا عليه بـ (المشرف) وهو الحاج الأستاذ عبد الهادي عبد الجليل، والذي استمر في عمله لغاية 19/7/2006م، وهو تأريخ انتهاء ولاية اللجنة العليا على العتبتين المقدستين.
25- سماحة حجة الاسلام العلامة السيد أحمد جواد نور الصافي (دام عِزه) الذي تولى الأمانة العامة للعتبة في 20/7/2006م وما زال كذلك، وعُين أميناً عاماً بعد تطبيق القانون (19) لسنة 2005م الصادر من الجمعية الوطنية المنتخبة (البرلمان العراقي)، والذي أوجب موافقة المرجع الديني الأعلى للطائفة على تعيين الأمين العام لكل عتبة قبل صدور الأمر الإداري بتعيينه من قبل رئيس ديوان الوقف الشيعي (المساوي في منصبه لوزير الأوقاف والشؤون الدينية في الحكومات السابقة والذي يعين حالياً بتزكية من المرجع الديني الأعلى أيضاً وحسب القانون العراقي الحالي الخاص بهذا الأمر والصادر من مجلس النواب) وما زال السيد الصافي في منصبه لغاية كتابة هذا النص في 25/9/2013م، حيث في عهده رجعت سدانة العتبة العباسية المقدسة مستقلة عن سدانة العتبة الحسينية المقدسة بعد اندماجهما لثلاث سنوات وبضعة أشهر بعد 9/4/2003م بعدما كانتا منفصلتين.
الهوامش
-------------
(1)- راجع بشأن سدانة الروضة العباسية المقدسة كتاب ( مدينة الحسين عليه السلام) – السلسلة الأولى / محمد حسن مصطفى الكليدار آل طعمة - ج 1: ص 86 ـ 91، وتأريخ مرقد الحسين والعباس / السيد سلمان آل طعمة: ص 307-311 حيث أن أسماء السدنة هنا أخذت منه حتى عام 1411 هـ، وتم أخذ المعلومات الأخرى من كتاب العباس ..رجل العقيدة والجهاد / محمد علي يوسف الأشيقر: ص189-192.
(2)- وصلت أعداد الزائرين في الأعوام التي تلت سقوط الطاغية في 9/4/2003م إلى أكثر من (50) مليون سنوياً بحسب التقديرات الحكومية الرسمية، وهي في تزايد، فضلاً عن أن تحسن الوضع
الأمني في البلاد كفيل لا بزيادة العدد لملايين أخرى بل وبمضاعفته في السنوات القليلة القادمة وزيادة التنوع في جنسيات الزائرين التي وصلت إلى أكثر (750) ألفاً من أكثر من 70 جنسية في عام 2012م ومن بلدان مختلفة في آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا الشمالية.
(3)- باعتبار أن كبر العتبة بمرور الزمن وتزايد الزائرين الوافدين إليها وتطور الحياة وتغير الظروف المحيطة بها يضيف أعباءً جديدة على الإدارة فتزداد هيكليتها أو تقل تبعاً لذلك، وقد بلغ أكبر حجم للهيكلية الإدارية بعد 9/4/2003م حيث تطورت إلى نظام مؤسساتي متكامل فيه الأعمال الهندسية والخدمية والثقافية والتعليمية والإدارية والمالية وغير ذلك مما يلبي روح العصر ويوفر افضل الخدمات للزائرين، إذ لم تكن الهيكليات السابقة موجودة فعلاً إذا ما قيست بما هي عليه الآن، بل كانت عبارة عن تشكيل من الخدم الذين يقومون بخزن الهدايا والنذور ويقومون بالتنظيف، يرأسهم السادن، وارتبط به فيما بعد في العصر الحديث شعبة للكهرباء والتبريد فقط تقوم بخدمة العتبة، وهي هيكلية لم تكن متناسبة وأهمية العتبة المقدسة.
(4)- مدينة الحسين عليه السلام او مختصر تاريخ كربلاء – السلسلة الأولى/ السيد محمد حسن مصطفى آل الكليدار: ص86.
(5)- بتصرف عن الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة www.imamhussain.org وأخذت منه الفقرات التالية لهذه الفقرة إلى نهاية الفقرة الخاصة بالمصدر المرقم (4) في الصفحة التالية، والذي حُرر من قبل السيد علاء نصر الله.
(6)- تاريخ الطبري - ج10 / جرير الطبري: ص118 (طبعة لندن).
(7)- فرحة الغري/ السيد ابن طاووس: ص40.
(8)- الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق/ د.عماد عبد السلام رءوف : ص363.
(9)- تحفة النظار/ ابن بطوطة :ص111.
(10)- مجلة (الأقلام) - ج10 السنة الرابعة: ص124، مقالة (كربلاء في العهد المغولي الأيلخاني بقلم: السيد عادل عبد الصالح الكليدار).
(11)- مستدرك الوسائل- ج3/ للشيخ النوري.
(12)- الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق/ د. عماد عبد السلام رءوف: ص364.
المزيد
عودة الشرعية إلى إدارة العتبات بعد طول غياب
بعد سقوط اللانظام البائد في 9/4/2003م وخوف المؤمنين على عتبات العراق المقدسة عموماً بسبب الظروف والتداعيات التي رافقت إنهيار مؤسسات الدولة وغياب الأمن، وتكالب قوى الشر على العراق وخاصة من التكفيريين الذين وضعوا على رأس أولوياتهم تدمير تلك العتبات وقتل زوارها، وبسبب ما تتمتع به عتبات كربلاء المقدسة من خصوصية في نفوس الأحرار في جميع أنحاء العالم وليس فقط لدى المسلمين من أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وبسبب التركيز الأكبر من قوى الشر عليها، فقد تصدت ثلة من المؤمنين الأخيار من أهالي كربلاء المقدسة وبشكل طوعي لحمايتها وتأمين إنسيابية الزائرين إليها وتنظيم مواكب العزاء المزدلفة إلى صحنيها المطهرين، بعد وعيهم لتلك الأخطار، خاصة مع اقتراب موعد أكبر زيارة مليونية مخصوصة بعد تنفس العراقيين نسيم الحرية، ألا وهي زيارة الأربعينية، وكانت هذه الثلة تعمل بتوجيهات سماحة حجة الإسلام العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزه) الذي كان أيضاً يوجه المؤمنين في تسيير أمور المدينة المقدسة بنواحيها الأخ رى الإدارية والخدمية والأمنية وغيرها، وفعلاً نجحت أول زيارة مليونية بعد سقوط الطاغية وشكل نجاحها منعطفاً قلب حسابات الأعداء رأساً على عقب وجعلهم يعيدون ترتيب مخططاتهم وفق ما شاهدوه من تنظيم شعبي عجيب لشؤون زيارة تحتاج لإمكانات دولة مقتدرة فكيف بها وقد حصلت في ظروف اللادولة واللاأمن اللذين فرضهما الاحتلال الأميركي وبعد سقوط اعتى ديكتاتوريات العصر الحديث.
وبتسارع الأحداث ولضرورة أن تكون هناك إدارة لتلك العتبات تنظم أمورها وترعى زائريها، فقد تشكلت تلك الإدارة لكل عتبة بشكل شفوي من سماحة الشيخ الكربلائي وبإشراف مباشر منه دام عِزه في 25/4/2003م، ثم عززها بأمر تحريري صدر منه في 25/5/2003م، واصبح منذ سقوط الطاغية ولغاية تشكيل اللجنة العليا كمتولٍّ شرعي على العتبتين المقدستين ولفترة دامت حوالي 4 أشهر ونصف، كما إن إدارتي العتبتين كانت تسترشد برأي سماحة السيد أحمد الصافي دام عزه خلال تلك الفترة الحرجة، حيث تشكلت بعدها اللجنة المشرفة على إدارة العتبات المطهرة في كربلاء المقدسة من أصحاب السماحة العلامة حجة الإسلام السيد محمد حسين الطباطبائي(قدس سره) وسماحة حجة الإسلام العلامة السيد احمد الصافي وسماحة حجة الإسلام العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزهما) الذين مثلوا لجنة التولية الشرعية للعتبتين المقدستين، وبذلك عادت الشرعية المفقودة منذ نحو قرنين إليها، حيث حصلت اللجنة المذكورة على التخويل الخطي من المرجعية الدينية في النجف الأشرف ممثلة بأصحاب السماحة آيات الله العِظام، المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله) والمرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله) والمرجع الديني الشيخ محمد إسحاق الفياض (دام ظله) والمرجع الديني الشيخ بشير حسين النجفي (دام ظله)، إذ تشكل بموجب هذه التخويلات مجلسٌ لإدارة عتبات كربلاء المقدسة سُمّي بـ (اللجنة العليا لإدارة العتبات المطهرة في كربلاء المقدسة ) متمثلة بأصحاب السماحة المذكورين آنفاً، وهم بدورهم شكلوا هيكلية إدارية في كل عتبة في 24 رجب 1424هـ الموافق 21/9/2003م وأخرى لمنطقة بين الحرمين ثم أضفيت على هذه اللجنة الصبغة القانونية الحكومية بقرار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية( ضمن الحكومة المؤقتة والتي خلفها ديوانا الوقف الشيعي والسني فيما بعد) في 1/10/2003م وهكذا أصبح لكل منها مشرف يمثل رأس الهرم الإداري وأعضاء مجلس إدارة والذي يتم من خلاله توزيع المهام وإصدار التعليمات والضوابط الصادرة من الجهة المشرعة - والتي تعتبر المرجع في العمل - ومتابعة تنفيذها، وتكونت الهيكلية المستحدثة أيضاً من لجان تختص كلاً منها بقطاع من الأعمال يتبع لكل منها أقسام ومن ثم شـُعب تختص كلٌّ منها بعمل معين، حيث لم تكن هذه التشكيلات الخدمية والتطويرية موجودة أصلاً، فيما كانت تتم أعمال البناء والإعمار - على ندرتها قبل سقوط الطاغية - من قبل مقاولات وأعمال هندسية من خارج العتبة وأصبحت في ظل هذه الإدارة تتم بكوادر العتبة وتشرف الأخيرة على الأعمال التي تتم بكوادر خارجية عند الحاجة إليها.
وكانت اللجان العاملة المستحدثة في العتبة في ظل الإدارة الشرعية الجديدة وقبل تطبيق قانون إدارة العتبات المقدسة والمزارات الشيعية الشريفة ذي الرقم 19لسنة 2005م وذلك بتأريخ 20/7/2007م تتألف من: لجنة حماية ورعاية الروضة، لجنة المشاريع والصيانة، لجنة النذور والهدايا، لجنة الإعلام، لجنة السادة الخدم، وتتفرع عن تلك اللجان الأقسام التالية: الحماية الخارجية للروضة، نظافة الحرم، الحسابات، المخازن، المضيف، المفقودات، الإرشاد والتوجيه الديني.
وبعد تطبيق القانون المذكور وتأسيس أمانة عامة للعتبة المقدسة تم تقسيم الهيكل الإداري للعتبة المقدسة إلى أقسام بدل اللجان السابقة ثم شعب ووحدات، حيث تحولت بعض تلك اللجان إلى أقسام واُدمجت لجان مع أخرى وشُكّلت أقسامٌ جديدة تتلاءمُ والهيكلية المقرة في هذا القانون، واُنشِئتْ شـُعبٌ أخرى ووحدات تفرعت عن تلك الأقسام، لتتحول العتبة إلى خلية نحل يعرف كل فرد من أفرادها واجبه، ويعضد الآخرين، ليصلوا بالعتبة وخلال فترة قياسية وسط ظروف أمنية وسياسية معقدة إلى مرتبة متقدمة نسبياً من حيث التطور العمراني والثقافي والتبليغي والخدمي وغيره، بالقياس إلى مثيلاتها لو كانت بنفس الظروف، خاصة لو علمنا أن هذه الإدارة الفتية أنشأت الأغلبية الساحقة من تلك التشكيلات الخدمية بعد أن لم تكن، كالتعليمية والدينية والثقافية والإعلامية والهندسية بمختلف جوانبها وغير ذلك من التشكيلات، فلم يكن موجودا غير تشكيل التنظيف وتشكيل ينظم شؤون الكهرباء والتبريد التي كانت على جانب متواضع جدا وتحولت حالياً إلى مؤسسات خدمية وفنية وعلى قدر كبير من التطور والهيكلية الإدارية، في ظل هذه الإدارة التي ما زالت مع منتسبي العتبة تواصل جهادها، بل نستطيع القول أن الهيكل الإداري الحالي للعتبة قياساً بما قبل سقوط الطاغية هو كنسبة الوجود إلى العدم تقريباً، وإن إنجازات خمس سنوات لهذه التشكيلة من الأقسام وشـُعبها خلال خمس سنوات تلت سقوط الطاغية يعادل ما اُنجز في عدة قرون من قبل الإدارات السابقة.
وما زال العمل مستمراً من أجل جعل العتبة - وكما أرادتها المرجعية- منارات هدى وأعلاماً للورى فضلاً عما تقدمه لهم من تربية روحية ودينية سابقاً وحالياً، حين يقف الزائرون إجلالاً أمام من ضحّى من أجل الدين ممن ثوى فيها، فما زالت روحه ترعاهم وتقضي حوائجهم بشفاعتها لدى البارئ...
لذا فإن هذه المرحلة التأريخية المشرقة في تاريخ العتبة تمثل إنعطافة مهمة نحتاج للوقوف عندها ومعرفة ما تم استحداثه من نظام إداري متكامل يتشكل من أقسام وشعب ووحدات بعضها عبارة عن ورش وذلك لتستوعب الملاكات العراقية المتخصصة من منتسبيها، وتنضوي تحتها كل الاختصاصات من هندسية وتعليمية وثقافية وإعلامية وخدمية وطبية وغيرها، وعلى شكل مؤسسات خدمية.
المزيد