تاريخ العتبة
مراحل بناء وأعمار وتطوير العتبة العباسية المقدسة
شموخ المآذن والقباب الذهبية للمرقدين الطاهرين هي أول شيء تكتحل به عينا الزائر حين يصل إلى مشارف كربلاء المقدسة، فمرقد سيد الشهداء وأبي الأحرار الحسين بن علي (عليهما السلام) وأخيه وحامل لوائه أبي الفضل العباس (عليه السلام) هما درة المدينة وقلبها النابض بالحياة والثورة والإباء، وتذكير دائم باستمرار رسالة السماء الحقة رغم أنف الطغاة.
يقف الزائر أمام هذه المراقد الطاهرة ليستوحي منها معاني البطولة والإيثار والثبات على المبادئ الحقيقية التي جاء بها سيد المرسلين محمد (صلى الله عليه وآله) بعد أن تجسدت بأعلى معانيها في طف كربلاء وفي أعظم ملحمة عرفها التأريخ والتي ما كان للإسلام أن يستمر بحقيقته الناصعة لولاها، فاستحقت بذلك أن تكون تجسيدا لحقيقة أن (الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء)...
وعند ذلك الوقوف، تغرورق عينا الزائر بالدموع بعد تذكره لهول الفاجعة وعظم المصاب، حيث جرت عادة الكثير من الصالحين على الاتجاه في الزيارة أولاً إلى مرقد قمر بني هاشم وفخر عدنان أبى الفضل العباس (عليه الس
لام) باعتباره وزير أخيه الإمام الحسين (عليه السلام) وبابه، ومن أراد البيت أتاه من بابه...
وهكذا يؤدي الزائر مراسيم الزيارة له (عليه السلام) في مرقده حيث هو نفسه موضع استشهاده في العاشر من محرم الحرام من عام 61هـ، والذي يقع على مقربة من مشرعة الفرات، وفي مكان مستقل عن مدفن أنصاره ضدّ الباطل أهل بيت الإمام الحسين وأصحابه النجباء المستشهدين معه، والذين جُمعوا من قبل عشيرة بني أسد ودُفنوا بأمر وإشراف مباشر من الإمام السجاد علي بن الحسين (عليهما السلام)، في مكان واحد على مقربة أمتار شرق مرقد سيد الشهداء عليه السلام، حيث لم يتمكن أبناء تلك العشيرة من رفع الجسد المطهر لأبي الفضل العباس عليه السلام، ودفنه مع الشهداء - ومنهم ثلاثة من أشقائه - وذلك بسبب ما أصابه من ضرب السيوف وطعن الرماح وغيرها الكثير الذي جعل من الصعب أن يحمل الجسد المطهر دون أن يتضرر فأمر الإمام السجاد (عليه السلام) بإبقاءه في مكانه الذي وقع فيه عن جواده ليدفن فيه.
ويكاد لا يخلو هذا الاستقلال في الدفن من حكمة وأسرار للمتأمل، خاصة وأن ذلك استلزم أن يكون له (عليه السلام) شباك للضريح المقدس خاص به وعتبة مستقلة بكل تفاصيلها عن العتبة الحسينية المقدسة التي ضمت باقي الشهداء (رضوان الله) عليهم في جزء منها... وهكذا شِـُـيد صرحٌ شامخٌ من صروح الحق في دنيا الإسلام على مرقد أبي الفضل (عليه السلام)، صانعاً بذلك مجداً عظيماً ناله قبل ذلك صاحب المرقد مع المقام العالي والمنزلة الرفيعة عند الله عز وجل، فقد قال الامام السجاد (عليه السلام) في رواية عن زائدة ينقل فيها كلام السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) معه ( ... ولقد اخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة، وهم معروفون في أهل السماوات انهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء، لا يدرس اثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد اثره الا ظهورا، وأمره الا علوا)(1)وقال ابن طاووس في كتابه (الإقبال): (انهم أقاموا رسماً لقبر سيدٍ بتلك البطحاء يكون علماً لأهل الحق).
ومن أجل التعريف بالمراحل التأريخية التي مر بها مرقد أبي الفضل (عليه السلام) تعميرا وتطويرا، يجب أن ننوّه إلى أن كل من شيّد الروضة الحسينية المقدسة تولى تشييد الروضة العباسية المقدسة أيضاً حيث نال الأخيرة ما نال الأولى من إعمار ويكونان بذلك قد مرا بنفس مراحل إعادة البناء أو التطور تقريبا، ويذكر المؤرخون إن الذين قاموا بهذه الأعمال والتحسينات هم السلاطين والأمراء والمحسنون الميسورون، أما في السنوات الأخيرة التي تلت سقوط الطاغية في 9/4/2003م فقد حصل تغيير جذري شكّل مرحلة فاصلة عن المراحل السابقة من حيث الإعمار والتطوير وأساليبهما حيث عادت الشرعية إلى إدارة العتبة وأصبحت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف تشرف عليها، وقامت هذه الإدارة بأعمال التطوير والإضافات الكبيرة على العتبة وأصبحت الكوادر العراقية للعتبة هي من ينفذ مشاريعها و يشرف على المتبقي منها بينما كانت تلك الأعمال تجري قبل هذه المرحلة التأريخية من قبل كوادر خارج العتبة، عراقية كانت أو غيرها وعلى شكل مقاولات وما في ذلك الأمر من تأخير أحياناً وهدر لأموال العتبة بعكس فيما لو نُفّذت مباشرة من قبل كوادرها كما يحصل في ظل هذه الإدارة.
وفيما يلي سندرج المراحل التأريخية التي مر بها المرقد الطاهر من حيث إعادة البناء أو التطوير وستقسم وفقاً للقرون الهجرية، علماً أن ما سنطرحه في تلك الفقرات يندرج ضمنه البعض من الأعمال البسيطة في حجمها، وقد لا تعدو أحيانا تزيين المرقد بزخرفة ما أو تبديلاً لباب، أو جلب منفعة بسيطة للعتبة، بينما كانت فقرات الإعمار الخاصة بما بعد سقوط اللانظام الديكتاتوري حافلة بمشاريع كبيرة ومتوسطة وصغيرة فضلاً عن البسيطة مما ذكرناه آنفاً، مما يحتاج للإيفاء بحقّهِ كراساً مستقلاً، وإن هذه الفترة تـُعد فاصلاً تأريخياً لما سبقها- وكما ذكرناه آنفاً -، وربما يوازي حجم المشاريع التي جرت فيها ما جرى للعتبة قبلها خلال قرنين أو أكثر.

الهوامش
-------------
1- من حديث طويل نقله (كامل الزيارات)/ جعفر بن محمد بن قولويه: هامش ص 444، وإن لم يكن من أصل كتابه، كما ذكر ذلك عند نقله الحديث، العلامة المجلسي في بحار الأنوار - ج 45: ص 179 – 180.
المزيد
القرن الأول
القرن الثاني
القرن الثالث
القرن الرابع
القرن الخامس
القرن السادس
القرن السابع
القرن الثامن
القرن التاسع
القرن العاشر
القرن الحادي عشر
القرن الثاني عشر
القرن الثالث عشر
القرن الرابع عشر
القرن الخامس عشر
مراحل الهدم والعدوان على العتبة العباسية المقدسة
القتل وإرعاب الزائرين فيها والتخريب والاعتداء على منشآتها ورموز قداستها، سمات لازمت عتبات كربلاء المقدسة مذ وجدت لبناتها الأولى بعد انطواء الصفحة العسكرية من ملحمة الطف الخالدة في العاشر من محرم عام 61هـ، حتى عندما كانت تلك المراقد الطاهرة، مجرد شواهد بسيطة كتلك التي توضع للقبورالعادية.
والمتتبع لسلسلة الحوادث الكثيرة تلك، والتي مازالت مستمرة حتى هذا اليوم مع اختلاف في الأساليب، يؤشر إلى خوف الطغاة ومتـّبعي سُبُل الضلال، من هذه الرموز العظيمة التي طهرت هذه البلاد وأنارت طريق الأحرار فيه وفي غيره من بلاد المعمورة، والتي يبدوأنها تـُذّكِر من يعتدي عليها بخواء نهجه وبقرب زوال ظلمه، خاصة إن كان من الحكام، فيحاولون لأجل ذلك طمس معالمها وحجب شمس حقيقتها بغربال باطلهم، كما أنها في كل عصر - ولكونها الشاهد الحاضر- وقبل كل ذلك تحرض المظلومين على الثورة ضد الطغاة رغم قلة الناصر وضعف العدة وتبشرهم بالنصر ولو بعد حين.
كما أن شواهد التأريخ تؤكد هَوانَ الذين كانوا يظنون انهم بأعمال اعتد
ائهم هذه سيتمكنون من أن يطفئوا نور الله ليتمكنوا من تثبيت ملكهم وسلطانهم، فبئس ما فعلوا وكان الخزي والخسران نصيبهم الأوفر، وذلك تأييداً لما أكدته السيدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام) لمولانا الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) حيث قالت: «ينصبون علماً لقبر أبيك الحسين لا يدرس اثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والايام وليجتهدن ائمة الكفر واشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد اثره إلا ظهوراً وامره إلا علواً»(1)وكلامها له (عليهما السلام) أيضاً حيث قالت «لقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة وهم معروفون من أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة وهذه الجسوم المضرجة فيوارونها، وينصبون بهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام» إلى أن تقول «ثم يبعث الله قوماً من أمتك لا يعرفهم الكفار، لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية فيوارون أجسامهم ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء يكون علماً لأهل الحق وسبباً للمؤمنين إلى الفوز»(2)وقد يضيق المقام بذكر كل تلك الحوادث لو استطعنا إحصاءها منذ بدئها، لكننا سنحاول جاهدين ذكر ما أحصيناه منها (فما لا يدرك كله لا يترك جله) وسنقسم الحوادث وفق القرون الهجرية.
ولعل الفترة التي مضت على القبر المطهر من بعد ملحمة الطف إلى أواخر الدولة الأموية، كانت أهدأ دور مضى على الحائر لأنهم اكتفوا - حسب الظاهر – بما اقترفوه من جرائم وآثام لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، جرت كلها بحق الإمام الحسين واهل بيته واصحابه (عليهم السلام) في تلك الواقعة وما تلاها من عذابات السبي، مما حدا بعبد الملك بن مروان أن يكتب إلى عامله الحجاج بن يوسف الثقفي بقوله له:
جنبني دماء آل أبي طالب فإني رايت الموت استوحش من آل حرب حين سفكوا دماءهم، فكان الحجاج ممتثلاً لذلك الأمر، خوفاً من زوال ملكهم الطاغي لا خوفاً من الله!!!، متجنبين دماء آل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، ولهذا السبب أو لغيره لم تتعرض مراقد كربلاء المقدسة من الأمويين كما تعرض لها العباسيون بعد ذلك(3)، عدا أن أولئك أقاموا المخافر والمسالح المدججة بالعتاد والسلاح والرجال على أطراف كربلاء لمطاردة الزوار ومعاقبتهم بأقسى العقوبات من القتل والصلب والتمثيل بهم، وأكمل ذلك الدولة العباسية على إثر انقراض دولة الأمويين، فسن العباسيون أسوأ السنن بالتعرض للحائر المقدس، وهدمه وما حوله.

الهوامش
-------------
(1) مقطع من حديث طويل في كامل الزيارات: لابن قولويه ص 260- 266.
(2) المصدر السابق.
(3) بتصرف من: تأريخ كربلاء وحائر الحسين عليه السلام/ الدكتور عبد الجواد الكليدار: ص192-193.
المزيد
القرن الثاني
القرن الثالث
القرن التاسع
القرن الثالث عشر
القرن الخامس عشر
سدنة العتبة العباسية المقدسة (1)
لأهمية وجود منظومة إدارية تدير هذا المكان المقدس وتطوّر موجوداته وتديمها وتحفظها، وتنظم زيارة عشرات الملايين ممن يفدون إليه سنوياً(2)، فقد كان من الضروري وجود شخص على رأس هذا الهرم الإداري مهما كان هذا الهرم صغيراً ام بسيطاً(3).
ولكون مراقد الأئمة وأولادهم (عليهم السلام) جميعاً ومنها مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) من الأوقاف العامة التي يرجع أمر ولايتها إلى الحاكم الشرعي كما ثبت بالأدلة النقلية، فإن تعيين شخص يديرها كوكيل منصَّب من قبل الحاكم الشرعي لا من غيره أمر مفروغ منه، طالما أن قراراته تحتاج إلى أن تكون وفق الضوابط الشرعية التي لا تـُعرف إلا من خلال ذلك الحاكم، وقد مرت العتبة بفترات كان من يديرها تابعاً له، لكنها للأسف الشديد خلت في بعض سنوات القرنين الأخيرين من الشرعية في إدارتها بسبب تدخّل الحكومات الظالمة أو المحتلة في تعيين المتولي بلا رجوع للحاكم الشرعي الجامع للشرائط، وهذا ما جرى عليها حتى سقوط النظام الحاكم في العراق عام 2003م.

الهوامش
----
---------
(1) راجع بشأن سدانة الروضة العباسية المقدسة كتاب ( مدينة الحسين عليه السلام) – السلسلة الأولى / محمد حسن مصطفى الكليدار آل طعمة - ج 1: ص 86 ـ 91، وتأريخ مرقد الحسين والعباس(عليهما السلام) / السيد سلمان آل طعمة: ص 307-311 حيث أن أسماء السدنة هنا أخذت منه حتى عام 1411 هـ، وتم أخذ المعلومات الأخرى من كتاب العباس ..رجل العقيدة والجهاد / محمد علي يوسف الأشيقر: ص189-192.
(2) وصلت أعداد الزائرين في الأعوام التي تلت سقوط الطاغية في 9/4/2003م إلى أكثر من (50) مليوناً سنوياً بحسب التقديرات الحكومية الرسمية، وهي في تزايد، فضلاً عن أن تحسن الوضع الأمني في البلاد كفيل بزيادة العدد لملايين أخرى بل وبمضاعفته في السنوات القليلة القادمة وزيادة التنوع في جنسيات الزائرين التي وصلت إلى أكثر (750) ألفاً من أكثر من 70 جنسية في عام 2012م ومن بلدان مختلفة في آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا الشمالية.
(3) باعتبار أن توسع العتبة بمرور الزمن وتزايد الزائرين الوافدين إليها وتطور الحياة وتغير الظروف المحيطة بها يضيف أعباءً جديدة على الإدارة فتزداد هيكليتها أو تقل تبعاً لذلك، وقد بلغ أكبر حجم للهيكلية الإدارية بعد 9/4/2003م حيث تطورت إلى نظام مؤسساتي متكامل

المزيد
الكلدار
الكلدار : هذه الكلمة عرفت واشتهرت لصاحب الادارة والمفوَّض في إدارة العتبة المطهرة، وهي مصطلح عثماني قديم وسمي أيضا بـ (الخازن) أو (السادن) وهي نفس الصفة، وتكون مدعاة للفخر والتفاضل لكل من يحملها ويتسنمها ، وهذه لم تكن لأي شخص كان، بل هي متوارثة أباً عن جدٍّ من حيث انها صفة فخر للعائلة او القبيلة، كما هو الحال في امير الحج وعمارة المسجد الحرام منذ القدم، وتعاقبت هذه الأدوار بمرور الأيام والسنين حتى أصبحت حكراً لبعض من بيوتات كربلاء من السادة؛ كونهم احق بهذه السدانة من غيرهم من البيوتات او الأنساب وكان هذا عرفا سائدا في تلك الحقبة. واشترك في هذه الخدمة بعض من الأُسَر والبيوتات الكربلائية، وذلك اعتزازا وافتخارا بهذه المنصب كونهم (خَدَما) للزائر القاصد زيارة عتبات كربلاء المقدسة، وقد تقاسمت هذه الأدوار الأسر والعوائل، فاشتهرت كل واحدة بدورها وبالعمل الذي تقوم به، وأصبحت لهم شهرة طغت على شهرتهم وأسماء قبائلهم وعشائرهم، ومثال على ذلك بيت الكلدار وبيت الشماع وبيت قنديل وبيت الكيشوان وغيرها . وبعد تاريخ 9/4/2003، تم تشكيل لجنة لإدارة العتبة العباسية المقدسة، وقد تشكلت في كل من العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية مؤقتاً من قبل المرجعية الدينية العليا، والتي تصدت لهذا الأمر؛ كون الولاية الشرعية للعتبات المقدسة راجعة إليها بحسب فقه أهل البيت (عليهم السلام)، فضلاً عن أن الأمر كان ملحًّا ولا يمكن تأخيره تلافياً للفراغ الإداري المفاجئ وفي نفس الوقت الخطر الذي داهم البلاد بعد سقوط النظام الحاكم، إذ لا توجد جهة أكثر أمانة وشرعية من المرجعية الدينية العليا للتصدي لهذا الأمر ، إلى أن تشكلت بعد أسابيع من ذلك (اللجنة العليا لإدارة العتبات المطهرة في كربلاء المقدسة) بشكل خطّي من قبل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف ، فأصبحت اللجنة العليا المتولي الشرعي للعتبة المقدسة، حيث عيَّنت شخصاً بلقب (المشرف) في كل من العتبتين المقدستين؛ ليقوم بالمهام التنفيذية لما تقرره اللجنة فيهما، واستمرت في عملها منذ تسلُّم امر إدارة العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، كلا على حدة، وفصل الإدارتين واستقلال كل عتبة بإدارة خاصة بها حتى تأريخ 20/7/2006م ، حيث صادقت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف على تعيين (الأمين العام) للعتبة طبقاً للقانون الجديد الذي يدير العتبات المقدسة ذي الرقم (19) الصادر في أواخر سنة 2005م، وبذلك حَلَّ هذا العنوان محلَّ الكلدار أو السادن أول الأمر، وقد جرت العادة وتبعا لهذه الأنظمة والقوانين النافذة منذ سنوات على هذا النهج والدور في كربلاء المقدسة وإدارة وسدنة العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، وأصبح أمر إدارة هذه العتبات المقدسة والمزارات الشريفة بيد الحاكم الشرعي الجامع للشرائط دون الرجوع الى النظام الحاكم كما كان في السابق، لكن ضمن الأُطُر القانونية التي حدَّدها الدستور العراقي.
وبما ان الحديث يدور حول مرقد ابي الفضل العباس (عليه السلام) وعتبته المقدَّسة وادارتها وسدانتها، سنبين أسماء من تولوا سدانة هذه العتبة المقدسة التي ضمت جسد شخصية ضحت بكفيها وعينيها وروحها لإمامها المفترض طاعة، وبحسب تواريخ ذلك منذ القرن الحادي عشر للهجرة.
والملاحظ ان هناك فراغات في الزمن بين تواريخ انهاء السدنة السابقين لوظائفهم وبين تواريخ الآخرين الذين أعقبوهم في إشغال هذه الوظائف، وهذا يشير الى عدم التنسيق في فترة تسليم المهام بعد وفاة السادن رغم ان هذه الإدارة كانت تحت رعاية الأسرة الكلدار، كما أنه ليس هناك وثيقة مدوّنة تستقصي تاريخ سدانة الحائر الحسيني بعتبتيه، وأسماء السدنة منذ تشييد البناء على القبر الشريف، وبعبارة أدق منذ انهيار الحصار المسلح الذي فرضه الأمويون والعباسيون - ولو بشكل متفاوت - على المرقد الشريف، وذلك للتعتيم الإعلامي والحيلولة دون التزوّد الروحي من زيارة قبره الشريف، ويمكن اعتبار أن تاريخ السدانة من عام (132 هـ) حتى منتصف القرن العاشر الهجري كان غامضاً (5)، فتاريخ السدانة في هذه الحقبة لم يرد ذكره في المصادر التاريخية إلا عَرَضاً وفي أزمنة متباعدة، وجلّ ما نعرفه عن السدانة في وقتها المبكر أن أم موسى وهي نفسها أم الحاكم العباسي المهدي، قد صيرت على القبر خَدَمةً يتولون شؤونه ويقومون بخدمته، وقد أجرت لهم راتباً معيناً، وحذا (الرشيد) حذوها في ذلك في بدء أمره، فكان هؤلاء أول سدنة رسميين للحائر الشريف(6) وهم طبعاً يتولَّون شؤون العتبتين المقدستين، وأنّ السدانة ذكرت بصورة صريحة لأول مرة في كتاب (فرحة الغريّ) لابن طاووس، فعندما زار عضد الدولة (فنا خسرو البويهي) كربلاء سنة 371 هـ أجزل في العطايا لأهل كربلاء (كل طبقة على حدة) ومن جملة من أجزل له: الخازن والبواب على يد أبي الحسن العلوي وعلى يد أبي القاسم بن أبي عابد وأبي بكر بن سيار(7).

ومن المحتمل أن تكون سلطة الخازن (السادن) - كما سمي فيما بعد - في ذلك العهد مقصورة على حماية مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) وإدارة شؤون زائريه، دون أن تمتد لتشمل المدينة ذاتها، والراجح أن نقيب الأشراف هو الذي يتولى المهمة الأخيرة؛ لكثرة عدد العلويين النازلين في البلدة الناشئة آنذاك(8)، وبعد احتلال بغداد من قبل المغول سنة 656هـ بدأت الفترة المظلمة من تأريخ العراق، لندرة المصادر التي تتحدث عنها، فلم يشر أحد لمعلومات تتعلق بسدانة الروضتين المقدستين الحسينية والعباسية، ثم تولى الخازنية في أوائل القرن الثامن الهجري رجال من قبيلة بني أسد التي كانت تفرض هيمنتها على النواحي القريبة من البلدة، غير أن الرحالة (ابن بطوطة) يشير في رحلته (تحفة النظَّار) إلى أن نزاعاً نشب بين قبـيلتين علويتين هما آل فائز وآل زحيك في كربلاء، وبسبب هذا النزاع تخرَّبت المدينة(9)، وتشير بعض المصادر إلى أن سبب النزاع هذا هو تولي نقابة الحائر وسدنة المشهد الحسيني؛ حيث إن السدانة كانت لآل فائز(10).
وفي منتصف القرن الثامن الهجري، كان المتولي لمرقد الإمام الحسين (عليه السلام) الشيخ محمد شمس الدين الحائري الأسدي، ويشير إلى ذلك الشهيد الثاني في إجازته التي كتبها في الحائر الحسيني، فهو من الرواة الثقات عند الإمامية ويروى عنه الحديث(11).
يقول الدكتور عماد عبد السلام رؤوف: وقد قدمت القبيلتان العلويتان اللتان كانتا تتوليان نقابة الأشراف بالتعاقب وهما آل فائز وآل زحيك معظم الرجال الذين تولوا منصب الخازنية، بيد أن ذلك لم يقض على استقلال المنصب، أو يقلل من صلاحياته الإدارية؛ لان الصيغة التي اتبعتها القبيلتان في التولية كانت كالآتي: تقوم إحدى القبيلتين بتولي مؤسسة النقابة، بينما تتولى الأخرى مؤسسة السدانة، ومن المحتمل أن تتبادل القبيلتان (أو ما انبثق عنهما من أُسَر) مواقعهما في تولي هذه المؤسسة أو تلك، إلا أن ذلك لم يكن يقض على صيغة تقاسم السلطة الإدارية بينهما، ومن ثم اتسمت العلاقة بين المؤسستين غالباً، بنوع من التوازن في صلاحياتهما ونفوذهما.
ونشير هنا الى أسماء من تولى سدانة العتبة العباسية المقدسة كنائب او ممثل لسادن الروضة الحسينية المقدسة او مستقل عنه منذ أوائل القرن الحادي عشر للهجرة وحتى الآن على وجه الاختصار:-
1- محمد بن نعمة الله، وكان خازناً عام (1025هـ) واستمر في عمله هذا حتى وفاته.
2- الشيخ حمزة السلامي (نسبة الى عشيرة السلامي العربية العراقية، وهم نسبيّا من عشائر الخزرج الأزدية القحطانية) وذلك من عام 1091هـ والى ما بعد عام 1108هـ .
3- الشيخ محمد شريف الذي تولى السدانة بعد وفاة السادن السابق وكان سادناً عام 1161هـ وظل شاغلها حتى وفاته .
4- الشيخ أحمد الخازن وقد تولى اعباء السدانة بعد رحيل السادن السابق وقد توفّي في عام 1187هـ.
5- الشيخ علي بن عبد الرسول، وتولى السدانة عام 1187هـ واستمر في أداء مهام عمله الى ما بعد عام 1222هـ وحتى وفاته، وهو جد المرحوم الشيخ محمد علي محمود الكيشوان في الروضة العباسية المقدسة، وتعرف اسرته في الوقت الحاضر ببيت الشيخ، وتنتمي هذه الاسرة الى قبيلة جشعم العربية.
6- الشيخ عبد الجليل الكلدار، وقد تولى السدانة عام 1224هـ، وقد تم عزله من عمله لأسباب غير معلومة.
7- السيد محمد علي بن درويش بن محمد آل ثابت، ويرجع نسبه الى ثابت بن سلطان كمال الدين نقيب نقباء العراق في عام 957هـ، وهو الجد الاعلى لأسرة آل ثابت في كربلاء، وقد تولى السدانة في عام 1225هـ والى ما بعد عام 1229هـ.
8- السيد ثابت بن درويش وهو أخو السادن السابق، وكان سادناً في عام (1232هـ) والى ما بعد 1238هـ.
9- السيد حسين بن حسن بن محمد بن حسين آل ثابت، وهو الجد الأعلى لآل الوهاب، تولى السدانة بتأريخ 4 شوال سنة1240هـ اثر عزل السادن
السابق.
10- السيد وهاب السيد محمد علي بن عباس آل طعمة علم الدين، من آل طعمة، كان سادناً للروضة الحسينية المقدسة ثم تولى سدانة الروضة العباسية المقدسة سنة 1243هـ.
11- السيد محمد بن جعفر بن مصطفى بن أحمد آل طعمة يرجع نسبه الى نعمة الله بن طعمة علم الدين من آل فائز الموسوي ، وكان سادناً للروضة عام 1250هـ ولكن لفترة قصيرة.
12- السيد حسين بن حسن بن محمد علي بن موسى الوهاب، وقد تولى السدانة عام 1254 هـ بعد عزل السادن السابق، وقد بقي حتى عام 1256هـ ، حيث أُعفي من منصبه وشغله وكالة السادن السابق حتى عام 1259 هـ ، حيث عاد السيد حسين الوهاب مرة اخرى لمنصب سدانة العتبة حتى عام 1265هـ، حيث عزل عن السدانة.
13- السيد سعيد بن سلطان بن ثابت بن درويش آل ثابت، تولى السدانة عام 1265هـ لفترتين، وهو من سلالة سلطان كمال الدين، تولى السدانة بعد عزل السادن السابق، وقد توفّي في عام 1285هـ.
14- السيد حسين المشهور بـ «نائب التولية» من آل ثابت وهو نجل السادن السابق، تولى السدانة بعد رحيل والده، ولصغر سنه آنذاك، تولاها نيابة عنه السيد حسين بن السيد محمد علي آل ضياء الدين، الذي بقي فترة وتولى هو السدانة رسمياً بدل السيد حسين (نائب التولية).
15 ـ السيد حسين بن محمد علي بن مصطفى بن محمد بن شرف الدين بن ضياء الدين بن يحيى بن طعمة (الأول)، وهو من سلالة طعمة كمال الدين
الفائزي، وقد تولى السدانة في عام 1282هـ، وحتى وفاته في عام 1288هـ.
16 ـ السيد مصطفى نجل السادن السابق، حيث خلف أباه في مهام السدانة بعد رحيله في اوائل عام 1289هـ ولبث في السدانة الى وقت وفاته في عام 1297هـ.
17 ـ السيد محمد مهدي بن محمد كاظم بن حسين بن درويش بن أحمد آل طعمة، وينتسب الى طعمة علم الدين الفائزي ولقد تولى السدانة عام 1297 هـ، وقد شغلها حتى عام 1298 هـ، حيث عزل عنها.
18 ـ السيد مرتضى نجل السيد مصطفى، والأخير هو السادن ذو التسلسل الخامس عشر –آنف الذكر- للروضة العباسية المقدسة، وكان صغير السن عند توليه السدانة، فتولاها نيابة عنه السادن السابق، وعند عزله من قبل والي بغداد سنة 1298هـ، تولاها بالنيابة عنه السادن الصغير السيد عباس السيد حسين آل ضياء الدين إلى بلوغه سن الرشد، وبقي فيها حتى وفاته سنة 1357هـ، وهو صاحب مشروع إسالة الماء في كربلاء المقدسة والذي حصل على امتياز خاص لإقامته من السلطة والتي كانت في عام 1357هـ المصادف 17/5/1938 .
19 ـ السيد محمد حسن آل ضياء الدين نجل السادن السابق ويعرف بـ (آغا حسن) وتولى السدانة بعد رحيل والده سنة 1357هـ، وانتقل إليه مشروع إسالة الماء، واستمر في إشغال السدانة لغاية وفاته في عام 1372هـ الموافق عام 1952م.
20 ـ السيد بدر الدين آل ضياء الدين وهو الابن الأكبر للسادن السابق وتولى السدانة بعد رحيل والده، واستمر السيد حسن السيد صافي آل ضياء الدين وكيلاً عنه في ادارة شؤون الروضة المقدسة.
21 - السيد محمد حسين بن السيد مهدي آل ضياء الدين وقد تولى السدانة عام 1402هـ واستمر في اشغالها حتى عام 1411هـ ـ 1991م، وقد أقاله النظام الفاشي البعثي باعتباره متعاوناً مع ثوار الانتفاضة الشعبانية ومشاركاً فيها.
22 ـ السيد مهدي فاضل الغرابي، وتولى السدانة في عام 1412 ـ 1991م بترشيح من النظام الحاكم آنذاك، وانتهت مدة ادارته بسقوط النظام في 9/4/2003م الموافق 7 من شهر صفر الخير1424هـ وانتهت معه فترة السدانة.
23- لجنة إدارة العتبة العباسية المقدسة، ترأسها سماحة السيد أحمد الصافي (دام عزه).
24- (اللجنة العليا لإدارة العتبات المطهرة في كربلاء المقدسة) والمكونة من أصحاب السماحة العلامة حجة الإسلام السيد محمد حسين الطباطبائي
(قدس سره) وسماحة حجة الإسلام العلامة السيد احمد جواد نور الصافي وحجة الإسلام العلامة الشيخ عبد المهدي عبد الأمير جدوع السلامي الكربلائي (دام عزهما)، وتشكلت اللجنة في 25 جمادى الأولى 1424هـ وقد نصِّبت من قبل المرجع الديني الأعلى وأيَّدتها المراجع الدينية العظام الباقية بتخويل خطي ، فتولت اللجنة المذكورة شؤون السدانة للعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، وقد خولوا عنهم للمباشرة بأعمال إدارة العتبة العباسية المقدسة كمدير تنفيذي وفق تعليمات اللجنة العليا المذكورة ما اصطلحوا عليه بـاسم (المشرف) وهو الحاج الأستاذ عبد الهادي عبد الجليل، والذي استمر في عمله لغاية 19/7/2006م، وهو تأريخ انتهاء ولاية اللجنة العليا على العتبتين المقدستين.
25- سماحة حجة الاسلام العلامة السيد أحمد جواد نور الصافي (دام عِزه) الذي تولى الأمانة العامة للعتبة في 20/7/2006م ، حيث تم تعيينه أميناً عاماً بعد تطبيق القانون (19) لسنة 2005م الصادر عن الجمعية الوطنية المنتخبة (البرلمان العراقي)، والذي أوجب موافقة المرجع الديني الأعلى للطائفة على تعيين الأمين العام لكل عتبة قبل صدور الأمر الإداري بتعيينه من قبل رئيس ديوان الوقف الشيعي (المساوي في منصبه وزير الأوقاف والشؤون الدينية في الحكومات السابقة، والذي يعين حالياً بتزكية من المرجع الديني الأعلى أيضاً وحسب القانون العراقي الحالي الخاص بهذا الأمر والصادر من مجلس النواب) وبقي سماحة السيد الصافي في منصبه لغاية 21 ربيع الأول 1437هـ 2/1/2016 م، حيث أصدر رئيس ديوان الوقف الشيعي سماحة السيد علاء الموسوي - دام عزه- أمر تعيين المهندس محمد الأشيقر أميناً عامًّا لها، وهذا القرار اتخذ بعد أن اصدر مكتب المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني، تخويلاً خطيًّا يوم 19 ربيع الأول 1437 الموافق 31/12/2015 م بتنصيب ممثله في محافظة كربلاء المقدسة العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائيّ متولياً شرعيًّا للعتبة الحسينية المقدسة، وتنصيب ممثله العلامة الحجة السيد أحمد الصافي متولياً شرعيًّا للعتبة العباسية المقدسة.
حيث جاء التخويل الخطي هذا لخصوصية العتبتين المقدستين، وللمحافظة على المنجزات التي حققتها هاتين الشخصيتين، في تأسيس كيان إداري وفني لم يكونا موجودين قبل هذا التأريخ ، وكان نجاحه سبباً في اقامة مئات المشاريع الأمنية والثقافية والعلمية والتعليمية والعمرانية والخدمية والصناعية والزراعية والترفيهية للزائرين والمواطنين، وكان بالنتيجة سبباً وأساسا لسن القانون 19 لسنة 2005م، وبالتالي سيحافظ منصبهما الجديد على هذه المنجزات ويكمل مسيرة التطوير والبناء ضمن خططها الاستراتيجية.
26- السيد المهندس محمد الأشيقر أمين عام للعتبة العباسية المقدسة بعد انتهاء مدة ولاية الأمين العام السابق القانونية، وذلك طبقا لقانون إدارة العتبات المقدسة والمزارات الشيعية الشريفة في العراق المرقم 19 لسنة 2005م، والقانون 57 المنظم لعمل ديوان الوقف الشيعي، وفي التأريخ نفسه عُيِّن عضو مجلس إدارة العتبة الحسينية المقدسة السيد جعفر الموسوي أميناً عامًّا لها، بعد أن وافق عليهما زعيم الطائفة المرجع الديني الأعلى سماحة السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف) .
حيث إن القانون أعلاه رهن في المادة الرابعة منه تعيين أمناء عتبات العراق المقدسة والأمانة العامة للمزارات الشيعية الشريفة بموافقة زعيم الطائفة - وهي عبارة وردت في نص القانون- ووصفته بأنه المرجع الديني الأعلى وقد عرَّفه القانون بأنه (أحد مراجع النجف الأشرف الذي تقلده غالبية الشيعة في العراق )، حيث تم سن القانون وأصبح نافذا بعد نشره في جريدة الوقائع العراقية في الايام الاخيرة من عام 2005 طبقا للدستور الذي صادق عليه الشعب العراقي في 15/10/2005م.
وقد كتبت مسودة القانون (19) من قبل خبراء في القانون، وتحت اشراف المرجع الديني الأعلى؛ كونه المخول بأحكام الوقف وفقا للشرع وللدستور العراقي النافذ.

الهوامش
-------------

(5) بتصرف عن الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة www.imamhussain.org وأخذت منه الفقرات التالية لهذه الفقرة إلى نهاية الفقرة الخاصة بالمصدر المرقم (4) في الصفحة التالية، والذي حُرر من قبل السيد علاء نصر الله.
(6) تاريخ الطبري - ج10 / جرير الطبري: ص118 (طبعة لندن).
(7) فرحة الغري/ السيد ابن طاووس: ص40.
(8)- الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق/ د. عماد عبد السلام رؤوف : ص363.
(9)- تحفة النظار/ ابن بطوطة :ص111.
(10)- مجلة (الأقلام) - ج10 السنة الرابعة: ص124، مقالة (كربلاء في العهد المغولي الأيلخاني بقلم: السيد عادل عبد الصالح الكليدار).
(11)- مستدرك الوسائل- ج3/ للشيخ النوري.
المزيد
تأريخ فك ارتباط إدارتي العتبتين المقدستين
بيَّنت لنا المصادر التاريخية ان إدارة المرقدين ورعايتهما من قبل السادن او المشرف عليها هو في الروضة الحسينية المقدسة، واما في الروضة العباسية فهو ممثل عنه او نائب، وهذه الحالة استمرت منذ القرن الأول حيث كان الاسم الفخري لهذه المهمة هو (الكلدار) للمرقدين الرشيفين، ومقره في الروضة الحسينية مستقبلاً الوجهاء والرحالة والملوك والسلاطين، وهذا ما لمسناه من الوثائق او النفائس المهداة الى المرقدين الشريفين، وهذه السدانة كانت لها قوة فاعلة تليها السلطة الفعلية في المدينة للحفاظ والدفاع عن أمن المدينة المقدسة، ونجحت في تزعم قوى المدينة الشعبية للدفاع والذود عنها بوجه ما تعرضت اليه المدينة من الغارات الوهابية في السنوات ( 1216هـ- 1220هـ) وكذلك اثناء حملة نجيب باشا سنة 1258هـ، المعروفة بـ(وقعة غدير دم) وبلغت هذه المؤسسة ذروة القوة حينما ضمت إليها نقابة الأشراف وحكومة البلد رسمياً في بعض تضاعيف العقد الرابع من ذلك القرن، ولكن القوة هذه تدهورت بسرعة بعد أن ضربت المدينة أثناء وقعة غدير دم واقتحامها، فتو لى السدانة فيها لأول مرة منذ أكثر من قرنين رجال من أُسَر غير علوية أصلاً، واستمرت السدانة بأيديهم حتى نهاية الحكم العثماني وما بعده (12)، ولقد استمرت سدانة العتبتين المقدستين موحدة حتى عهد السادن السيد مرتضى السيد مصطفى ضياء الدين (آل ضوي) حيث سعى الأخير لفصل سدانة الروضة العباسية المقدسة عن سدانة الروضة الحسينية المقدسة وجعلها سدانة قائمة بذاتها اسوة بتلك السدانة، وقد تم له ذلك، حيث تم فصل السدانتين، وباتت كل واحدة تعمل ضمن المشهد المقدس الخاص بها والى هذا اليوم، عدا فترة الأشهر الثلاثة تقريباً التي أعقبت 9/4/2003م والتي كان السادن فيها هو ممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة ويقوم مقامه تنفيذياً لجنة إدارية في كل عتبة، أعقبتها ثلاث سنوات تقريباً والتي كانت السدانة فيها عبارة عن لجنة ثلاثية مكلفة من المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف تقوم بمهمة التولية الشرعية في كلتا العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية وتعيِّن وكلاء عنها في كل عتبة كمدراء تنفيذيّين لبرامجها التطويرية والإدارية باسم (المشرف)، وتم حل اللجنة عند تطور العمل وتحول كلٍّ من عضويها (بعد موت الثالث) الى متولٍّ شرعي منفصل عن الآخر سمي بالأمين العام في كل عتبة، وبذلك عادت الاستقلالية في السدانة مرة أخرى في تاريخ 20 /7 /2006م.

الهوامش
-------------
(12)- الأسر الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق/ د. عماد عبد السلام رؤوف: ص364.
المزيد
عودة الشرعية إلى إدارة العتبات بعد طول غياب
بعد سقوط نظام الحكم في العراق في 9/4/2003م وخوف المؤمنين على عتبات العراق المقدسة عموماً بسبب الظروف والتداعيات التي رافقت انهيار مؤسسات الدولة وغياب الأمن، وتكالب قوى الشر على العراق لاسيما التكفيريين الذين وضعوا على رأس أولوياتهم تدمير تلك العتبات وقتل زوارها، وبسبب ما تتمتع به عتبات كربلاء المقدسة من خصوصية في نفوس الأحرار في جميع أنحاء العالم من المسلمين وغيرهم ، وبسبب التركيز الأكبر من قوى الشر عليها، فقد تصدت ثلة من المؤمنين الأخيار من أهالي كربلاء المقدسة وبشكل طوعي لحمايتها وتأمين انسيابية الزائرين إليها وتنظيم مواكب العزاء المزدلفة إلى صحنيها المطهرين، بعد وعيهم تلك الأخطار، خاصة مع اقتراب موعد أكبر زيارة مليونية مخصوصة بعد تنفس العراقيين نسيم الحرية، ألا وهي زيارة الأربعين الإمام الحسين (عليه السلام)، وكانت هذه الثلة تعمل بتوجيهات المتصدين لهذا الأمر كل من سماحة السيد أحمد الصافي والشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزهما) واللذين كانا يوجهان المؤمنين في تسيير أمور المدينة المقدسة الإدارية والخدمية والأمنية وغيرها، بعد أن كانت تعاني من عدم بالاستقرار والفراغ الأمني وانتشار الفوضى في ذلك الوقت، وفعلاً نجحت هذه الجهود التي بذلوها في أول زيارة مليونية بعد سقوط الحكم، وشكل نجاحها منعطفاً قلب حسابات الأعداء رأساً على عقب وجعلهم يعيدون ترتيب مخططاتهم وفق ما شاهدوه من تنظيم شعبي عجيب لشؤون زيارة تحتاج لإمكانات دولة مقتدرة، فكيف بها وقد حصلت في ظروف اللادولة واللاأمن اللذين فرضهما الاحتلال الأميركي وبعد سقوط اعتى ديكتاتوريات العصر الحديث.
وبتسارع الأحداث ولضرورة أن تكون هناك إدارة لتلك العتبات تنظم أمورها وترعى زائريها، فقد تشكلت تلك الإدارة لكل عتبة بشكل شفوي من قبل المتصدين لإدارة امور العتبتين كسماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي والسيد أحمد الصافي وبإشراف مباشر منهما وذلك في 25/4/2003م،وأصبحت عاملة منذ سقوط نظام الحكم في العراق ولغاية تشكيل لجنة عليا متكفله بالتولية الشرعية على العتبتين المقدستين ولفترة دامت حوالي 4 أشهر ونصف، حيث تشكلت بعدها اللجنة المشرفة على إدارة العتبات المطهرة في كربلاء المقدسة من أصحاب السماحة العلامة حجة الإسلام السيد محمد حسين الطباطبائي(قدس سره) وسماحة حجة الإسلام العلامة السيد احمد الصافي وسماحة حجة الإسلام العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزهما) الذين مثلوا لجنة التولية الشرعية للعتبتين المقدستين، وبذلك عادت الشرعية المفقودة منذ نحو قرنين إليها، حيث حصلت اللجنة المذكورة على التخويل الخطي من المرجعية الدينية في النجف الأشرف ممثلة بأصحاب السماحة آيات الله العِظام، المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله) والمرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله) والمرجع الديني الشيخ محمد إسحاق الفياض (دام ظله) والمرجع الديني الشيخ بشير حسين النجفي (دام ظله)، إذ تشكل بموجب هذه التخويلات مجلسٌ لإدارة عتبات كربلاء المقدسة سُمّي بـ (اللجنة العليا لإدارة العتبات المطهرة في كربلاء المقدسة ) متمثلة بأصحاب السماحة المذكورين آنفاً، وهم بدورهم شكلوا هيكلية إدارية في كل عتبة في 24 رجب 1424هـ الموافق 21/9/2003م وأخرى لمنطقة ما بين الحرمين الشريفين ثم أضفيت على هذه اللجنة الصبغة القانونية الحكومية بقرار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية(ضمن الحكومة المؤقتة والتي خلفها ديوانا الوقف الشيعي والسني فيما بعد) في 1/10/2003م .وهكذا أصبح لكل منها مشرف يمثل رأس الهرم الإداري وأعضاء مجلس إدارة والذي يتم من خلاله توزيع المهام وإصدار التعليمات والضوابط الصادرة من الجهة المشرعة - والتي تعتبر المرجع في العمل - ومتابعة تنفيذها، وتكونت الهيكلية المستحدثة أيضاً من لجان تختص كل منها بقطاع من الأعمال يتبع لكل منها أقسام ومن ثم شـُعب تختص كلٌّ منها بعمل معين، حيث لم تكن هذه التشكيلات الخدمية والتطويرية موجودة أصلاً، فيما كانت تتم أعمال البناء والإعمار عن طريق مقاولات وأعمال هندسية من خارج العتبة، وأصبحت في ظل هذه الإدارة تتم بكوادر العتبة وتشرف الأخيرة على الأعمال التي تتم بكوادر خارجية عند الحاجة إليها.
المزيد
العتبة العباسية المقدسة في ظل الإدارة الجديدة
بعد ان تم عرض المراحل التاريخية للسدانة وكذلك الحالات التي مرت بها فترات متعددة لهذه المدينة وتطورها وما مرت به العتبات المقدسة في العراق والتي من ضمنها العتبة العباسية المقدسة، فقد شهدت تزايداً في اعداد الزائرين والوافدين اليها من جميع البقاع، ونتيجة لهذا وتبعاً للظروف المحيطة بها جراء هذه الزيادة في اعداد الزائرين اضافت أعباء جديدة على الإدارة مما أدى الى زيادة هيكليتها الإدارية بمرور الأيام، حيث بلغ اكبر حجم لهذه الهيكلية بعد ان صدر قرار تشكيل اللجنة العليا لإدارتها ومن ثم قرار تعيين الأمين العام لها المتمثل بسماحة السيد احمد الصافي وبهذه الإدارة تطورت واصبحت نظاماً مؤسساتياً متكاملاً فيه الأعمال الهندسية والخدمية والثقافية والتعليمية والإدارية والمالية وغير ذلك مما يلبي احتياجات العصر ويوفر افضل الخدمات للزائرين، إذ لم تكن الهيكليات السابقة موجودة فعلاً إذا ما قيست بما هي عليه الآن، بل كانت عبارة عن تشكيل من الخدم الذين يقومون بخزن الهدايا والنذور والتنظيف، يرأسهم السادن، وارتبط به ف يما بعد في العصر الحديث شعبة للكهرباء والتبريد فقط تقوم بخدمة العتبة، وهي هيكلية لم تكن متناسبة وأهمية العتبة المقدسة.
وهنا كانت اللجان العاملة المستحدثة في العتبة في ظل الإدارة الشرعية الجديدة وقبل تطبيق قانون إدارة العتبات المقدسة والمزارات الشيعية الشريفة ذي الرقم 19لسنة 2005م وذلك بتأريخ 20/7/2007م تتألف من: لجنة حماية ورعاية الروضة، ولجنة المشاريع والصيانة، ولجنة النذور والهدايا، ولجنة الإعلام، ولجنة السادة الخدم، وتتفرع عن تلك اللجان الأقسام التالية: الحماية الخارجية للروضة، نظافة الحرم، الحسابات، المخازن، المضيف، المفقودات، الإرشاد والتوجيه الديني.

وبعد تطبيق القانون المذكور وتأسيس أمانة عامة للعتبة المقدسة تم تقسيم الهيكل الإداري للعتبة المقدسة إلى أقسام لتحل محل اللجان السابقة ثم شعب ووحدات، حيث تحولت بعض تلك اللجان إلى أقسام وأُدمجت لجان مع أخرى وشُكّلت أقسامٌ جديدة تتلاءمُ والهيكلية المقرة في هذا القانون، واُنشِئتْ شـُعبٌ أخرى ووحدات تفرعت عن تلك الأقسام، لتتحول العتبة إلى خلية نحل يعرف كل فرد من أفرادها واجبه، ويعضد الآخرين، ليصلوا بالعتبة- وخلال فترة قياسية وسط ظروف أمنية وسياسية معقدة- إلى مرتبة متقدمة نسبياً من حيث التطور العمراني والثقافي والتبليغي والخدمي وغيره، بالقياس إلى مثيلاتها لو كانت بنفس الظروف، خاصة لو علمنا أن هذه الإدارة الفتية أنشأت الأغلبية الساحقة من تلك التشكيلات الخدمية بعد أن لم تكن موجودة، كالتعليمية والدينية والثقافية والإعلامية والهندسية بمختلف جوانبها وغير ذلك من التشكيلات، فلم يكن موجودا غير تشكيل التنظيف وتشكيل ينظم شؤون الكهرباء والتبريد التي كانت على جانب متواضع جدا وتحولت حالياً إلى مؤسسات خدمية وفنية وعلى قدر كبير من التطور والهيكلية الإدارية، في ظل هذه الإدارة التي ما زالت مع منتسبي العتبة تواصل جهادها، بل نستطيع القول أن الهيكل الإداري الحالي للعتبة قياساً بما قبل هذا الوقت هو كنسبة الوجود إلى العدم تقريباً، وإن إنجازات خمس سنوات لهذه التشكيلة من الأقسام وشـُعبها خلال خمس سنوات تلت سقوط نظام الحكم يعادل ما اُنجز في عدة قرون من قبل الإدارات السابقة.
وما زال العمل مستمراً من أجل جعل العتبة - وكما أرادتها المرجعية- منار هدى وعلماً للورى فضلاً عما تقدمه لهم من تربية روحية ودينية سابقاً وحالياً، حين يقف الزائرون إجلالاً أمام من ضحّى من أجل الدين ممن ثوى في هذه الارض، فما زالت روحه ترعاهم وتقضي حوائجهم بشفاعته لدى البارئ...
لذا فإن هذه المرحلة التأريخية المشرقة في تاريخ العتبة تمثل انعطافة مهمة تستحق الوقوف عندها ومعرفة ما تم استحداثه من نظام إداري متكامل يتشكل من أقسام وشعب ووحدات، بعضها عبارة عن ورش وذلك لتستوعب الملاكات العراقية المتخصصة من منتسبيها، وتنضوي تحتها كل الاختصاصات الهندسية والتعليمية والثقافية والإعلامية والخدمية والطبية وغيرها، وعلى شكل مؤسسات خدمية.
المزيد