وتفرق الناس هاربين إلى دورهم ، وقد حفظت بذلك الدماء ، وصنت البلد الحرام من ان تراق فيه الدماء ، وتزهق فيه الأنفس ، ودخلت مكة ، وانا مطرق برأسي إلى الأرض تواضعاً لله على ما أكرمني من الفتح (2) واعطيت الراية لسعد بن عبادة وأمرته أن يدخل مكة امامي ، فأخذ سعد الراية ، وقد تذكر
فلما سمعت بذلك تأثرت لأني جئت إلى صيانة الأخلاق ، وإلى نشر الفضائل فأمرت علياً أن يصل إليه ، وان يأخذ الراية من يده ، ويدخلها إدخالاً رفيقاً إلى مكة فكانت راية الفتح بيد علي ، وقد اعددته بذلك لقيادة المسلمين ، ودخلت البيت الحرام وفيه ثلاثمائة وستون صنماً ، فصعدت على منكب علي الاحطمها فرايته لا طاقة له على النهوض بي ، فنزلت عنه ، ثم نهضت به فأخذ يكسر الأصنام ، ويرمي بها إلى الأرض ، وانا اتلو قول الله تعالى : « جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا » (1) .
ودخلت كلمة الاسلام إلى مكة المكرمة ، وقضى بذلك الله على قوى الشرك والإلحاد .
وبعد ان فتح الله نصره عليَّ وعلى المسلمين اضطربت الجزيرة العربية ودخلها الرعب والفزع لفتح مكة التي هي حصنها المنيع ، ومأوى جبابرة العرب ، وطغاتها ، فاجتمعت هوازن بقيادة مالك بن عوف النضري ، واجتمعت معها نصر وجشم كلها ، وصعد بن بكر ، وناس من بني هلال ، ولما علمت امرهم سرت إليهم قبل ان يسيروا الي ، وخرجت إليهم بعشرة آلاف من المهاجرين والأنصار ، وخرج معي من قريش الفان دفعهم إلى ذلك حبهم للأنتصار ، وان ينفضوا عنهم غبار الذل ، واندفع بعضهم بدافع الطمع بالغنائم والإسلاب .
وانحدرت بالجيش في عماية الصبح في واد اجوف من اودية تهامه لأصيب من هوازن غرة قبل ان يأخذوا حذرهم ، وكانوا قد سبقونا إلى الوادي ، وقد كمنوا لنا في شعابه ، وإحنائه ومضايقه ، وتهيئوا للحرب ، فما راع المسلمين إلا انثيال
« لا تنتهى هزيمتهم دون البحر . . »
وقال كلدة بن حنبل :
« ألا بطل السحر اليوم !! »
وطلبت من عمي العباس أن ينادي بين المسلمين لترجع إليهم حوازب أحلامهم ويثوبوا إلى الرشاد فصاح عمي .
« يا معشر الأنصار ، يا معشر أصحاب السمرة . . »
فأجابوه بالتلبية ، وانكفئوا راجعين ، وكان من أشد المحاربين في صفوف المشركين رجل من هوازن ، وهو صاحب رايتهم وكان على جمل فأهوى اليه على عرقوب جمله فوقع على عجزه ، ووثب إليه رجل من الانصار فضربه على نصف ساقه فسقط على الارض صريعاً يتخبط بدمه .
ولم تطل الهزيمة بالمسلمين ، بل أتم الله نصره ، وأيد المسلمين بجنود لم يروها ، وكانوا لهم عوناً ونصيراً .
وانتهت المعركة ، وقد ساهم فيها علي مساهمة فعالة ، فقد أبلى فيها بلاءً حسناً ، وقد لمع نجمه ، وتحدث الناس عن عظيم جهاده ، وكثرة جهوده .
وينبري شاعر المحشر الشيخ الازري فيصف الموقعة ، ويذكر بطولة علي ، فيقول :
| ومـن الـمهـتـدي بيـوم حنيـن | * | حيـن غـاوى الـفرار قـد أغواهـا |
| حيث بعض الرجال تهرب من بيـ | * | ـض المواضي ، والبعض من قتلاها |
| حيث لا يلـتوي الـى الالف إلـف | * | كـل نفـس أطاشهـا مـا دهـاهـا |
| مـن سقاهـا في ذلك اليوم كأسـاً | * | فـايضـاً بـالـمنون حيـن رواهـا |
| أعجب الـقوم كثـرة الـعد منهـا | * | ثم ولـت والـرعب حشو حشـاهـا |
| وقفـوا وقفـة الـذلـيـل وفـروا | * | مـن أسود الـثرى فـرار مهـاهـا |
| وعـلـي يلقـى الألـوف بقـلـب | * | صـور اللّـه فيـه شكـل فنـاهـا |
| إنمـا تـفضـل الـنفـوس بجـد | * | وعـلـى قـدره مـقـام عـلاهـا |
وفي السنة التاسعة للهجرة نزلت سورة براءة فأرسلت بها علياً الى مكة ليبلغها عني ، لأن التبليغ عن الله مهمة كبرى لا يقوم بها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ، وكان ابو بكر أميراً على الحج ، فأسرع اليه علي ، ونحاه عن مكانته وتولى هو القيام بهذه المهمة الكبرى ، وقد أدى رسالة الله ، فقال رافعاً صوته :
« وبراءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين » .
ثم التفت إلى الملأ ، وكانوا في منى مجتمعين ، فقال لهم :
« أيها الناس ، إنه لا يدخل الجنة كافر . ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . ومن كان له عند رسول الله عهد فهو لمدته » .(1)
وخبأ نجم الكفر ، وأصابه الأفول ، وقد انحسمت روح الشرك .
وقامت فتنة باليمن ، وابى أهلها النزول على حكم الله ، وقد نبذوا الاسلام ، وقد أوفدت إليهم خالد بن الوليد ، وقد مكث خالد فيهم ستة أشهر فلم يستطع أن يصنع شيئاً ، فأرسلت علياً ، فقفل خالد ، وقد أخفق في اداء مهمته ، ولما انتهى إليهم علي اتجه الى قبيلة همدان ، فصلى بهم ، وقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ، وقرأ عليهم كتابي فأسلمت همدان كلها في يوم واحد ، ودخلوا في دين الله أفواجاً ، وأصبح الشرك سُبّة بينهم ، وكتب إليهم بنبأهم فداخلني من السرور والابتهاج ما لا يعلم به إلا الله ، وسجدت شكراً لله تعالى على ما منحني به من النصر ، ولم تدخل همدان وحدها في حضيرة الإسلام وإنما تبعتها قبائل وقبائل ، وقد زاد ذلك في عزة الإسلام وفي علو شأنه .
لقد كان تأثير الإمام على همدان تأثيراً عميقاً فقد رأوا في هديه هديي ، وفي سلوكه سلوكي ، ولم يؤثر عليهم خالد لأنه جافي في طريق الوعظ ، وسنن الهدي والرشاد .
وقد تأثرت همدان تأثيراً بالغاً بالإمام ، وانطبع حبه في نفوسها ومشاعرها ، وعرفت هذه الاسرة الكريمة بالولاء والحب له ، فوقفت إلى جنبه في جميع مغازيه وحروبه ، وكان يقول لهم علي : « أنتم درعي ورمحي » .
ولما فرغ علي من اداء مهمته قفل راجعاً إلى مكة ليلتقي بي ، ويتأهب لحجّة الوداع .
ولما كانت السنة العاشرة للهجرة . كانت حجّة الوداع أمرني ربي أن آخذ له البيعة من عموم المسلمين ، وأن أفرض ولايته على القريب والبعيد ، فأخذت له البيعة . وكان ابو بكر من السابقين الى مبايعته ، ومن المبادرين الى التسليم عليه بإمرة
| ونـجـم مـاذا جـرى يـوم خـم | * | تـلـك أكـرومـة أبـت أن تضـاهـا |
| ذاك يـوم مـن الـزمـان أبـانت | * | مـلـة الـحـق عــن مـقـتـداهـا |
| كـم حـوى ذلك الـغدير نجومـاً | * | مـا جـرى أنجـم الـدجى مجـراهـا |
| إذ رقـى منبـر الـحدائـج هـاد | * | طـاول الـبـيعـة الـعلى بـرقـاهـا |
| مـوقـفـاً لـلأنـام فـي فلـوات | * | وعـرات بـالـقيض شـوى شـواهـا |
| خـاطبـاً فيهـم خطـابـة وحـي | * | يـرث الـديـن كـلـه مـن وعـاهـا |
| أيـهـا الـنـاس لا بقـاء لـحـي | * | آن مـن مـدتـي أوان انـقـضـاهـا |
| إن رب الـورى دعـانـي لـحـال | * | قبـل أن يخـلـق الـورى اقـضـاهـا |
| أن أولـي عـليكـم خيـر مـولـى | * | كـلـمـا اعتـلـت الأمـور شفـاهـا |
| سيـداً مـن رجـالـكـم هـاشميـاً | * | صـافـحتـه العلـى فطـاب شـذاهـا |
| فـتفـكـرت فـي ضمـائـر قـوم | * | وهـي مطـويـة عـلـى شـحنـاهـا |
| وتـطـيـرت مـن مـقـالـة قـوم | * | قـد عـلا بـابـن عـمـه وتـبـاهـا |
| فـأتـتنـي عـزيمـة مـن إلـهـي | * | أوعـدتـنـي إن لـم ابـلـغ مطـاهـا |
| فـهـدانـي لـلـتـي هـي اهـدي | * | وحـبـانـي بـعصـمـة مـن اذاهـا |
| انها النـاس حـدثـوا الـيـوم عنـي | * | ولـيبـلـغ ادنـى الـورى اقصـاهـا |
| كـل نفـس كـانت تـرانـي مولـى | * | فـل تـر الـيـوم حـيـدراً مـولاهـا |
| ربـي هـذه امـانـة لـك عـنـدي | * | والـيـك الأمـيـن قــد أداهــــا |
| وال مــن لا يـرى الـولايــة إلا | * | لـعـلـي وعــاد مـن عـاداهــا |
| فـأجـابـوا بــخ بــخ وقـلـوب | * | الـقوم تغلـي علـيَّ مغالـي قـلاهـا |
| لـم تسعهـم إلا الإجـابـة بالـقول | * | وإن كـان قصـدهـم مـا عـداهـا |
| قـل لـمن أوَّل الـحديث سفـاهـا | * | وهـو إذ ذاك لـيس يأبـى السفـاهـا |
| أتـرى ارجـح الـخـلائـق رأيـا | * | يمسـك الناس عـن مجـاري سراهـا |
| راكـبـاً ذروة الـحـدائـج ينبـي | * | عـن أمور كـالشمس رأد ضحـاهـا |
وتنال هذه المقطوعة الرائعة إعجاب الجميع ، وثناءهم ، ويباركون له على هذا الشعور الفياض .
وبعدما أدلى النبي صلى الله عليه وآله بمواهب وصيّه ، وخليفته من بعده ، يسود صمت رهيب على أهل المحشر ، فينبري ابو بكر مدافعاً عن نفسه يقول :
يا رسول الله ، لقد أجمعت الأمة على انتخابي خليفة من بعدك ، واميراً ، ولم يسعني ان أخالف الاجماع ، وأشق عصى المسلمين فأجبتهم الى ما أرادوا ، خوفاً من حدوث الفتنة بين المسلمين .
ويحاسبه النبي صلى الله عليه وآله على كلامه ، فيفنّد دعوى الاجماع ، ويقول له :
هل ان المنتخبين لك معصومون من الخطأ ؟ ، ومنزهون من الغل والحسد ؟
وهل أشركتم في انتخابك عترتي الطاهرة التي اذهب الله عنها الرجس ، وطهرها تطهيراً ؟
وهل دعوت لبيعتك عشيرتي الأقربين عمي العباس وابنائه وعبد الله بن جعفر الطيار ، وسائر بني هاشم ؟
وهل دعوت أصحاب البصيرة في الدين ، أمثال سلمان الفارسي والمقداد ، وابي ذر ، وعمار بن ياسر ، وحذيفة بن اليّمان ، وابي دجانة ، وأضرابهم من المؤمنين والسابقين للاسلام ؟
فأين الاجماع ؟ وهل يكتب الاجماع الصفة الشرعية بعد أن تخلف عنه عيون المؤمنين ، ووجوه المسلمين ؟
اين الاجماع الذي حصل ، وقد قهرت المسلمين على البيعة وأجبرتموهم على
هل يجوز أن تسمي البيعة بالقهر إجماعاً ، وقد خرجت الى الأزقة ومعك بنات عرشك عمر بن الخطاب ، وابو عبيدة ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وعويم بن ساعدة تتخبطون الناس كمن مسه مس من الشيطان فتزعمون الناس على البيعة لك بالتهديد تارة وبالضغط أخرى .
واذا كان الاجماع عندك سبباً في مشروعية الخلافة فلم عدلت عنه ، واستبددت بمفردك بتعيين عمر بن الخطاب خليفة لك من بعدك ؟
ويدين النبي صلى الله عليه وآله أبا بكر بجملة من أعماله التي ارتكبها ، وهي :
ولم تقتنع يا أبا بكر بتقمصك للخلافة ، وغصبك لعلي حقه ، وانما حملت علياً على البيعة لك فقد أوعزت الى حزبك ان يحملونه قسراً ، فانطلق عمر بن الخطاب وبشير بن عويم ، وأسيد بن الحضير ، وعويم بن ساعدة ، ومعن بن عدي ، وابو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى ابي حذيفة ، وخالد بن الوليد ، وقنفذ بن جذعان فهجموا على علي داره ، وفيها بضعتي ، وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام ، وقد جاء عمر بقبس من النار ليحرق بيت الوحي ، وخزان العلم ، ومعدن التقوى والايمان ، وهجم عمر على الدار وهو مغيظ محنق يصيح بأعلى صوته :
« والذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنها على من فيها . . »
فتراجع قوم من المسلمين ، ونددوا بمقالته ، وحذروه من عقوبة الله وسخطه قائلين له :
« إنّ في الدار فاطمة » .
فصاح بهم غير مكترث :
« وإن ، وإن » (1) .
وطالعتهم حبيبتي وبضعتي ، وقد علاها الرعب ، استولى عليها النزع والذهول قائلة :
« لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم تركتم رسول الله صلى الله عليه وآله جنازة بأيدينا ، وقطعتم أمركم بينكم لم تستأثرونا ، ولم تردوا لنا حقاً . . »
وتقطعت القلوب ، وذابت نفوس القوم أسى حينما سمعوا بضعتي الولهى ، وهي تستغيث وتستجير ، فأسرع عمر اليك يحفزك على الوقيعة بأخي ووصيي وباب مدينة علمي قائلاً لك :
« ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ؟ »
فأرسلت قنفذاً خلفه فأبى من الحضور ، فانطلق صاحبك عمر ومعه جلاوزته الى بيت الامام فقرع الباب ، واقتحم على الاسد عرينه فأخرجوه ملبباً بحمائل سيفه يهرول ، والزهراء خلفه تعدو وتستغيث قائلة :
« يا أبتِ يا رسول الله . . . ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن ابي قحافة !! ؟ » .
وجاءوا بعلي فأوقفوه أمامك ، وهو مهدور الكرامة ، مهان الجانب ، وأنت على منبري ، فالتفت اليه قائلاً : | وقـولـة لـعلـي قـالـهـا عمـر | * | أكـرم بسامعهـا أعظـم بملـقيهـا |
| حـرقت دارك لا أبقى عليـك بهـا | * | إن لـم تبايع وبنت المصطفى فيهـا |
| مـا كان غير أبـي حفص بقائلهـا | * | أمـام فـارس عدنـان وحـاميهـا |
فقال لك : وإن لم أفعل ؟
فألتفتَ إليه حزبك ، وعلى رأسهم عمر قائلين له :
« والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك . . »
وتناسوا مواقفه المشكورة ، ودفاعه المنير عن الاسلام ، وقد صمت علي برهة من الزمن فنظر إلى القوم فاذا ليس له معين ، ولا ناصر فقال بصوت حزين النبرات :
« إذاً تقتلون عبد الله ، وأخا رسوله !! »
فاندفع ابن الخطاب راداً عليه :
« أما عبد الله نعم ، وأما أخو رسوله فلا »
وتناسى عمر ان أمير المؤمنين أخي ، وباب مدينة علمي ، وخير من خلّفته في أمتي ، والتفت اليك يحثك على الإيقاع به ، وعلى قتله قائلاً لك :
« ألا تأمر فيه بأمرك ؟ »
وحاذرت من وقوع الفتنة ، ومن اندلاع نيران الثورة فقلت :
« لا أكرهه ، ما كانت فاطمة الى جانبه » .
وأطلقت سراحه ، فراح يهرول إلى قبري ، وهو يبكي أمرّ البكاء ، ويستنجد قائلاً :
« يا بن أم . . إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني » لقد استضعفتموه ، واستوحدتموه ، واستبحتم حرمته ، وما راعيتم مقامه ، ومكانه مني ؛ وقفل راجعاً الى بيته وهو كئيب حزين ، يسامر الهموم ، والآلام .
يا أبا بكر لم منعت ابنتي فاطمة فدكاً ، وقد كنت منحتها إياها في حياتي ، فرددتها ، وطالبت منها البينة ، فأتتك بأوثق بينّة وباصدق شهود ، وأعدلهم
وأنت تعلم بطهارتهم ، وصدق شهادتهم ، لأنهم من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيراً ، وقد سمعت مني الشيء الكثير مما قلته في حقهم ، فقد شبهتهم بسفينة نوح ، وجعلتهم عُدلاء للذكر الحكيم ، أليس ذلك كافياً في توثيقهم وتزكيتهم .
مضافاً لذلك فان ابنتي هي صاحبة اليد ، فلا تطالب بالبينة ، وانما تطالب بها أنت .
ورددت شهادة السيدة أم أيمن وقد شهدت لها بالجنة وهب أنك لم تقنع بالبينة على ثبوت نحلتها ، فلم لا تكون ميراثاً ؟ وقد شرع الله في الميراث أحكاماعامة في كتابه فلم يستثن منها أحداً نبياً أو غير نبي ، قال تعالى : « يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين » (1) وقال تعالى فيما اقتص من خبر زكريا « فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا » (2) وقال تعالى : « وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله » (3) فهذه الآيات الكريمة شاملة للأنبياء وغيرهم .
وقد رويت عني حديثاً لم أفه به ، فقلت لبضعتي إن أباك قال : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة . وما كان لنا فهو لولي الأمر من بعدنا يصرفه في الكراع والسلاح .
فهل أنت يا أبا بكر أعلم بعموم القرآن وخصوصه مني ومن بضعتي ، ووصيي علي ، وإذا قلت ذلك أفهل أخصك به وحدك ، ولا أعلم به عترتي وأهل بيتي حتى لا يحدث بينهم نزاع أو شقاق في مواريثي .
إنك من دون شك تعلم بعدم صحة ذلك ، وأنت مطمئن به ، ولكن غرضك من ذلك شل نشاط علي ، ودك كيانه محاذراً أن يكون له مال فتكثر أعوانه ، وتقوى شوكته ، فيدفعك عن مركزك ، ويرجع إليه حقه الغصيب .
ويقوم الأزري ودموعه تتبلور على وجهه ، وقد ثارت كوامن آلامه فيخاطب الجماهير قائلاً :
| أيهـا النـاس أي بنـت نبـي | * | عـن مـواريثـه أبـوهـا زواهـا |
| كيف يـزوي تراثـي عتيـق | * | بـاحـاديث مـن لدنـه أفتـراهـا |
| هذه الكتب فاسألوهـا تروهـا | * | بـالـمـواريث نـاطقـاً فحواهـا |
| وبمعنـى يوصيكـم الله أمـر | * | شـامل للـعـبـاد فـي قـرباها |
| كيف لـم يوصنا بـذلك مولا | * | نـا وتيمـا مـن دوننا أوصـاهـا |
| هـل رآنا لا نستحق اهتـداءً | * | واستحقـت تيـم الهدى فهـواهـا |
| أم تراه اضلنـا فـي البرايـا | * | بعـد علـم لكي نصيـب خطاهـا |
| انصفوني من جائرين اضاعا | * | ذمـة المـصطفى وما رعيـاهـا |
| وانظروا في عواقب الدهر كم | * | امست عتاة الرجال مـن صرعاها |
| ما لكم قد منعتمـونا حقـوقاً | * | اوجـب اللّـه فـي الكتـاب اداها |
| وحذوتم حذو اليهـود غـداة | * | اتخـذوا العجـل بعد مـوسى إلها |
ويسود الحزن والبكاء على الجميع ، ويلتفت النبي إلى ابي بكر قائلا له :
يا أبا بكر هل من البر والإحسان ان تخرج بضعتي ووديعتي فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وهي ثكلى قد نخب قلبها الحزن على فراقي ، واذاب فؤادها الأسى حزناً عليَّ ، فتخرجها من بيتها تتهادى بين ثلة من نساء قومها فتوقفها
« أنت أعزّ الناس عليّ فقراً ، وأحبهم إليّ غنى ، لكني لا أعرف صحة قولك ، فلا يجوز أن أحكم لك » .
فأتتك بالشهود من الثقات فرددت شهادتهم .
هل كنت لا تعرف صحة قولها ، وهي سيدة نساء العالمين ، وهل تراها مع بينتها من أهل الزور والعدوان ؟ « كلا بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ، والله المستعان على ما تصفون » .
ولما أدعتك ميراثها ولم تورثها ، وأخذت تقابلها بمعسول القول لأجل كسب رضاء الجماهير فقلت لها :
« يا بنت رسول الله ، والله ما خلق الله خلقاً أحب عليّ من رسول الله أبيك ، ولوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك . والله لئن تفتقر عائشة أحب إلي من أن تفتقري ، أتريني أعطي الأبيض ، والأحمر حقه ، وأظلمك ؟ وأنت بنت رسول الله ، إن هذا المال لم يكن للبنين ، وإنما كان مالاً من أموال المسلمين ، يحمل به النبي الرجال ، وينفقه في سبيل الله ، فلما توفى وليته كما كان يليه . . . »
إنها لم تطالبك من أموال المسلمين ، فإنها أعلم بأحكام الله من غيرها ، وإنما جاءت تطالب ميراثها ، ومنحتها ، وقد ردت عليك ابنتي وقد ملأ الأسى قلبها فقالت لك :
« والله لا كلمتك أبداً » .
فرددت عليها :
« والله لا أهجرنك أبداً » .
ولما يئست من الناصر والمعين قالت لك :
« والله لأدعون عليك » .
قلت لها : « لأدعون الله لك » .
وكان الأجدر بك أن تربأ بوحيدتي من الفشل في موقفها ومن الخيبة في دعواها ، فتعطيها فدكاً من غير محاكمة فإن للامام أن يفعل ذلك بولايته العامة ، وما قيمة فدك في سبيل هذه المصلحة . ودفع هذه المفسدة .
لقد منعت يا أبا بكر سهم ذي القربى ، وقد نصَّ الله عليه في كتابه قال تعالى : « وما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير » .
وكنت اختص بسهم من الخمس ، واخص بني هاشم بسهم آخر ، وقد جعل الله الخمس حقاً شرعياً لأربابه المذكورين في الآية ، وحذر الطامعين عن صرفه عنهم وذلك بما وصفهم بعدم الإيمان بالله .
ولما التحقت بالرفيق الأعلى منعت بني هاشم من الخمس ، وجعلتهم كغيرهم من المسلمين (1) .
وقد ارسلت اليك سيدة نساء العالمين بضعتي فاطمة تسألك ان تدفع لها ما بقي من خمس خيبر ، فأبيت ان تدفع إليها منه شيئاً ، فتألمت واحاط بها الشجى والحزن ، فوجدت عليك ، وهجرتك في المدة التي عاشتها بعدي ، وقد
ويعتذر ابو بكر ، ويقر بأنه قد ارتكب شططاً تجاه بضعة النبي وريحانته فيقول :
بلى يا رسول الله إننا قد اخطأنا ، واسأنا إلى وديعتك وبضعتك فاطمة ، فانطلقت انا وعمر ، واستأذنا عليها فأبت أن تأذن لنا ، وذلك لعظيم وجدها علينا ، واستأذنا مرة اخرى فأبت ان تأذن لنا ، فسرنا إلى علي ، والححنا عليه أن يستأذن لنا عليها ، فقبل علي ذلك ، وتناسى اخذنا لحقه واستبدادنا بالأمر دونه ، ودخل على فاطمة فترجاها في ان تسمح لنا بزيارتها ، فقبلت ، ودخلنا عليها ، فسلمنا عليها فلم تجب ، وتقدمنا فقعدنا امامها ، فأشاحت بوجهها عنا ، ورحنا نلحق في الرجاء ان تمنحنا رضاها ، وأن تجعلنا في حل مما وقع منا من تفريط تجاهها ، فقلت لها :
« يا حبيبة الرسول . . والله إن قرابة رسول الله احب إلي من قرابتي ، وانك أحب إلي من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات ابوك اني مت ، ولا ابقى بعده . . أفتراني أعرفك واعرف فضلك وشرفك ، وامنعك حقك ، وميراثك من رسول الله . . » .
« لا نورّث ما تركناه فهو صدقة » .
فخاطبتني فاطمة ، واشركت معي في الخطاب عمر بن الخطاب .
« أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله تعرفانه ، وتعملون به » .
أجبتها أنا وصاحبي .
« نعم » .
فراحت تقول لنا بفؤاد مكلوم ، ونفس مُترعة بالألم والجزع .
« نشدتكما الله . . ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي . فمن أحب فاطمة فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة ، فقد أسخطني » .
اجبنا مؤمنين بقولها ، ومصدقين لما سمعناه منك في حقها قائلين :
« أجل قد سمعنا ذلك من رسول الله » .
فرمقت وجهها وكفيها الى السماء وراحت تقول في حرارة وألم ممض .
« فإني أُشهِد الله ، وملائكته إنكما أسخطتماني ، وما أرضيتماني ولئن لقيت رسول الله لأشكوكما إليه . » (1)
وغادرنا الدار ، وقد خبا أملنا في رضا بضعتك ، وعلمنا مدى الغضب الذي أثرناه في قلبها ، ومدى السخط الذي بئنا به .
أما عمر فقد عاوده ثانية ندمه على ما فرّط في حقها فثاب الى الدمع يلوذ به ، عساه أن يلهمه الراحة .
وأما أنا فقد أحسست كأنما الدنيا قد ضاقت عليَّ حتى لا أرى فيها مقاما ، وكرهت بعد ذلك الموقف أن يصيبني من الحياة شيء أو أصيب منها ، وبحسبي أن استطيع الانطواء على نفسي في داري لاعالج همي بعد أن حرمت رضا فاطمة
يا أبا بكر ان ذلك كان من خداعك ، وفذلكتك ، إنك إن أخذت فدكا من فاطمة ، ومنعتها من الخمس والفيء كان ذلك بحجّة شرعية فلا موجب للاعتذار ، ولا وجه لجزعك وجزع صاحبك ، ولكنك من دون شك أردت ان توهم على المسلمين بأنك نلت رضا فاطمة لتضفي على خلافتك ثوباً شرعياً ، لكن سيدة النساء لم يخف عليها أمرك فقابلتك بالغضب ، ولم تمنحك الرضا ، وقد عززت ذلك بوصيتها إلى أمير المؤمنين أن يواري جثمانها في غلس الليل البهيم حتى لا تحضر جنازتها والصلاة عليها ، حتى يستبين ذلك لجميع أمتي في جميع مراحل تأريخها ، وقد بوركت هذه الخطة الرشيدة فإنها لم تدع لك ولا لحزبك مجالا في الاعتذار ، وقد بقيت وصمة عليك لا تمحى ، ولاتنسى .
يا أبا بكر : كان عليك أن تعلم ان فدك لم يكن لها أية أهمية ، عند بضعتي ، فانها قد نهجت نهجي وعاشت مطبوعة بطباعي ، وسارت على منوالي في العزوف عن عرض الدنيا ، ونشب الحياة ، ولكنها أرادت في واقع الحال ارجاع الخلافة إلى أمير المؤمنين عليه السلام ليسير بين المسلمين بسيرة قوامها العدل الخالص ، والحق المحض ، وحتى يستبين هدي الاسلام ، وتعم رحمته ، ونوره جميع ارجاء الارض ، ولكنها الاطماع ، وحب الدنيا قد صدتكم عن وعي ذلك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
يا أبا بكر : لقد فرض الله تعالى سهما من الزكاة للمؤلفة قلوبهم .
قال تعالى : « انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم » (1)
وقد دلت هذه الآية بوضوح على أن للمؤلفة قلوبهم سهما وحصة في الزكاة ، وقد كنت أجريها عليهم ، وقد اعطيت بعض أصنافهم من سدس الخمس الذي يرجع لي ، وقد استمرت سيرتي على ذلك حتى لحقت بالرفيق الأعلى ، ولم أعهد الى أحد من بعدي باسقاط هذا السهم ، ولكنك لما وليت الامر جائتك المؤلفة قلوبهم لاستيفاء سهمهم جريا على عادتهم . . فكتبت لهم بذلك ، فذهبوا الى خليفتك عمر ليأخذوا حصتهم منه ، فعرضوا عليه كتابك فخرقه ، وقال لهم : لا حاجة لنا بكم فقد أَعز الله الاسلام ، وأغنى عنكم ، فان اسلمتم وإلا فالسيف بيننا وبينكم ، فهرعوا اليك ، وهم يتعثرون برداء الفشل والذل فقالوا لك :
« أأنت الخليفة أم هو ؟ » .
فقلت لهم : بل هو إن شاء الله تعالى (2) .
وأمضيت فعل عمر ، واستقر الأمر لديكما على ذلك ، فاية غاية وفائدة قد جنيتها من تلاعبك بنص كتاب الله ، وهو اجتهاد منك في قِبال النص ، وهو من دون شك تغيير وتصرف في احكام الله .
يا أبا بكر :
يا خليفة المسلمين
أهكذا يكون التمسك بالاعوان والانصار ، والمحسوبين ؟
أهكذا تعمل الحزبية ؟!!
ما يوم البطاح ؟
فقد انتهكت فيه كرامة الاسلام ، واستُحِل فيه ما حرمه الله ، واستبيحت أعراض المسلمين ودمائهم ، وأموالهم ، لقد ارتكب خالد كل موبقة واثم مع مالك بن نويرة التميمي .
كان مالك في بني تميم هامة الشرف ، وعرنين المجد ، ومن تضرب الامثال بفتوته نجدة ، وكرما ، وحفيظة ، وشجاعة ، وقد قيل فيه « لا فتى إلا كمالك » .
وهو من أرداف الملوك أسلم ، وأسلم بنو يربوع باسلامه : ووليته على صدقات قومه ، ثقة به واعتماداً عليه .
ولما أنتقلت الى دار الحق أبى النزول على حكمك في أمر الزكاة وغيرها ، ولم يكن ذلك منه عن ارتياب في الدين ، أو شق لعصا الطاعة بين المسلمين ، ولا لابتغاء فتنة ، وانما كان باحثا عن تكليفه الشرعي في ذلك ليؤديه حسب ما شرع الله ورسوله ، فقد عرف أني نصبت عليا خليفة على المسلمين ، ودللتهم عليه ، وقد سأل عن ذلك فقيل له الامر يحدث بعده الامر فاترعت نفسه بالشكوك من حكومتك .
بهذا لا بسواه تريث مالك في دفع الزكاة باحثاً عن براءة ذمته فيمن يدفعها إليه ، ولم يكن منكراً للزكاة ، ولا ممن يستحل ماحرم الله .
فبم استحللت دمه ، وأبحت لخالد بن الوليد أن يغدر به ويسفك دمه .
لقد زحف اليهم خالد فلما دنا منهم أذن مؤذن خالد ، وأقام للصلاة فاقتدى به مالك مع قومه ، وبعد الفراغ من الصلاة خفوا على أسلحتهم وشدوا وثاقهم ، وجيء بهم أسرى إلى خالد ، وكانت فيهم زوجة مالك ليلى بنت المنهال ، وكانت من أشهر نساء العرب بجمالها ، فافتتن بها خالد ، وقد تجادل في الكلام
ـ اني قاتلك .
ـ أو بذلك أمرك صاحبك ؟
ـ والله لأقتلنك .
وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري حاضرين ، فكلما نهيا خالدا في أمره فلم يستجب لقولهما ، فالتفت مالك قائلا « إبعثنا الى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا فقد بعثت إليه غيرنا ممن جرمه أكبر من جرمنا » .
وألّح عبد الله بن عمر وأبو قتادة بأن يبعثهم اليك فأبى خالد ، وقال : لا أقالني الله إن لم أقتله ، وأوعز الى ضرار بن الازور الاسدي شارب الخمر ، وصاحب الفجور (1) أن ينفذ حكم الاعدام في مالك ، وعرف مالك أن السبب في اصرار خالد على قتله فتنته بزوجته ، فقال له :
ـ هذه ـ وأشار الى زوجته ـ هي التي قتلتني .
ـ بل الله قتلك برجوعك عن الاسلام .
ـ إني على الاسلام .
فلم يعتن بذلك ، وقام الجلاد الاثيم فأطاح برأس مالك وتركه جثة هامدة يتخبط بدمه ، وانبرى الى زوجته فبنى بها في تلك الليلة ، وفي ذلك يقول أبو نمير السعدي :
| ألا قـل لحـي أوطئـوا بالسنـابـك | * | تطـاول هـذا الليل مـن بعـد مـالـك |
| قضـى خـالـد بغيـا عليه لعُـرسه | * | وكـان لـه فـيهـا هـوى قبـل ذلـك |
| فأمضى هـواه خالـد غيـر عاطف | * | عنـان الـهـوى عنهـا ولا متمـالـك |
| وأصبـح ذا أهـل وأصبـح مالـك | * | علـى غيـر شيء هالك في الهـوالـك |
| فمـن للـيتامـى والأرامـل بعـده | * | ومـن للرجـال المعـدمين الصعـالـك |
| أصيبـت تميـم غثهـا وسمـينهـا | * | بفارسهـا المرجـو سحب الحوالـك (1) |
وجعل رأسه اثفية القدر ، ولم يكتف بذلك وأنما سبى النساء المسلمات واستباح ما حرم الله من أموالهم وفروجهم ، وكنت اعلنت للملأ وأنت من بينهم مراراً وتكراراً بحرمة الدماء والاموال ، والأعراض ، وكان آخر تصريح لي في منى ان قلت :
« إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم ، وأعراضكم كحرمة يومكم في شهركم هذا ، في بلدكم هذا » .
ولما قفل خالد راجعاً الى يثرب دخل المسجد في عدة الحرب مرتاداً قباءاً له عليه صدأ الحديد ، وقد غرز في عمامته اسهما فثار في وجهه عمر ونزع الأسهم من رأسه ، وحطمها وهو يقول :
« قتلت أمرءاً مسلماً ثم نزوت على أمرأته ، والله لأرجمنك بالاحجار . . »
ومشت الرعدة في أوصاله ، فدخل عليك ، وقص عليك قصته مع خالد ، فهدأت روعه ، وعفوت عنه ، فانطلق اليك عمر قائلاً :
« إن خالداً قد زنى ، فاجلده » .
فرددت عليه قائلا له :
« إنه تأول فاخطأ »
فقال لك :
« إنه قتل مسلماً »
فلم تعتن بكلامه ، وقلت له :
« ما كنت لأغمد سيفاً سله الله عليهم . . » (2)
بأي كتاب أم باية سُنّة ساغ لك تعطيل الحدود ، والعفو على المجرمين .
ما ذنب أولئك المسلمين الذين قتلهم خالد صبراً ، وسبى ذراريهم ، فهل اكتسبوا إثماً او اقترفوا جرماً ، ألم يعلن مالك ، وقد شهر عليه السيف بأنه مسلم ، ومؤمن بما جئت له من عند الله ، وقد قلت : « لا يحل دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله ، وإني رسول الله إلا باحدى ثلاث ، النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة . » (1)
ومتى كان خالد سيفا من سيوف الله أفي هجومه عليَّ يوم بيَّتُ علي على فراشي ، أم في واقعة أُحد ، حينما هجم على المسلمين فأوسع فيهم قتلا ؟
وهل أن سيف الله تنهتك به حرمات المسلمين ، وينزو على المرأة المسلمة وهي في عدتها .
إن اعراضك عن خالد وتأويلك لجريمته انما كان جزاءاً له على مسارعته لبيعتك في سقيفة بني ساعدة ، وارغامه الناس على ذلك ، وسوقه عليا بالعنف لأخذ البيعة منه ، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون .
لقد نبذت يا أبا بكر أمري ، وتأولت قولي فتخلفت عن جيش أُسامة ، وقد كنت مهتما به إهتماماً بالغاً ، فقد عبأته بنفسي ، وعقدت اللواء بيدي ، وقد عبأتك ووجوه المهاجرين والأنصار ، وقلت لاسامة :
« اغزو باسم الله ، وقاتل من كفر بالله »
ولم يرهف عزيمتك هذا الاهتمام ، والتشديد ، فرحت تحكم قواعد سياستك ، وتضع المخططات لصرف الخلافة عن أهل البيت .
لقد كنت أريد أن تخلو منكم عاصمتي حتى يصفو الأمر من بعدي لعلي بسهولة ، فشعرتم بذلك فتأخرتم عن الألتحاق بالجيش مخافة أن يتم الامر بعدكم لعلي فيصعب عليكم حل الخلافة وإِحداث الشغب والنزاع .
وهكذا نبذت أنت وحزبك قولي ، والقيتم الأمة في شر عظيم ونسفتم جميع المخططات التي وضعتها لسعادة الامة ونجاحها .
وعهدت يا أبا بكر بالخلافة من بعدك الى عمر ، كأنها ملك لك وأنت تعهد بها إلى من شئت وقد زعمت أني تركت الامة بلا خليفة لانه اصلاح لها ، فلماذا لم تتركها أنت من بعدك كذلك لتختار هي من تشاءه من المسلمين ، وهل لك الوالية عليهم حتى تُعين صاحبك .
لقد نسيت او تناسيت عهدي بالخلافة إلى علي ، ثم من بعده الى الأئمة من ولده فإنهم سفن النجاة ، وعدلاء الذكر الحكيم . لا يضل من تمسك بهما ، ولا يهتدي الى الحق من لم ينهج في الدين نهجهما ، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، وقد جعلت العترة أمانا لأهل الأرض من العذاب ، وشبهتهم بسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق وهوى و كباب حِطة من دخله غفر له .
فقد أبعدت عترتي ، وتأولت النصوص الصريحة التي أوجبت لهم الحق بالخلافة من بعدي .
ويسكت أبو بكر ، ولا يجد مجالا للدفاع عن نفسه ، فقد دانه النبي صلى الله عليه وآله بما قدم له من الحقائق التي لا مجال للشك فيها وبهذا ينتهي المطاف عن حديث ابي بكر .