« ما بال الصداق وبيت المال انهما جهلا فينبغي للامام أن يردها إلى السنّة » .
وقد سئل عن السنّة في ذلك فأجاب « الصداق بما استحل من فرجها ، ويفرّق بينهما ، ولا جلد عليهما ، وتكمل عدتها من الأول » (1) .
ومن أحكامك التي تتصادم مع الشريعة الاسلامية حكمت على امرأة حبلى قد اقترفت جريمة الزنا فأمرت برجمها ، فدخل عليك علي فقال :
ـ لأي شيء ترجم هذه ؟
ـ ارتكبت جريمة الزنا .
فأنكر عليك ذلك ، وأفتى بما أنزل الله فقال :
« إن كان لك سلطان عليها ، فما لك سلطان على ما في بطنها » .
ولما رأيت الحق في جانبه قلت :
« كل أحد أفقه مني » (2) .
ومن غريب أمرك خفاء أحكام الصلاة عليك فقد صليت المغرب فلم تقرأ في الركعة الأولى فاتحة ، وقرأتها مرتين في الركعة الثانية (3) . وقد أردت بذلك قضاءها ، وهي من الأجزاء التي لا تقضى وإنما اللازم سجدتا السهو .
ومن احكامك التي خالفت بها السنة حكمت بالرجم على مجنونة قد زنت فأخذتها الجلاوزة لاقامة الحد ، فاجتاز عليهم علي فسألهم عن أمرها فأخبروه فأمر بارجاعها إليك ، وقال لك :
« أما تذكر ان رسول الله صلى عليه وآله قال : رفع القلم عن ثلاث : عن الصبي حتى يبلغ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المعتوه حتى يبرأ . وان هذه معتوهة بني فلان لعل الذي أتاها ، أتاها وهي في بلائها فخله سبيلها » .
فجعلت تكبر ، وامرت باطلاق سراحها (1) .
ومن غريب ما حكمت به أنّك قد حكمت برجم امرأة ولدت لستة أشهر فرد عليك علي حكمك ، وقال لك : إن الله تعالى يقول : « وحمله وفصاله ثلاثون شهراً » وقال تعالى : « وفصاله في عامين » فالحمل ستة أشهر والفصال في عامين ، فتركت رجمها ، وقلت « لولا علي لهلك عمر » (2)
ومنعت المسلمين من المغالات في المهور فقلت : ألا لا تغالوا في صداق النساء فإنه لا يبلغن عن أحد ساق أكثر من ساقه رسول الله أو سبق اليه ، الا جعلت
ـ أكتاب الله أحق أن يتبع أو قولك ؟
ـ بل كتاب الله تعالى فما ذاك ؟
ـ نهيت الناس أن يغالوا في صداق النساء ، والله تعالى يقول في كتابه « وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً » .
فاعترفت على نفسك بالجهل وقلة الفقه فقلت : « كل أحد أفقه من عمر » (1) ومع اعترافك هذا كيف تتقدم للقضاء وللحكم بين الناس ؟ .
ولما ورد الناس من المدن والقرى ، قلت ما ترون في حد الخمر فقال لك عبد الرحمن بن عوف أرى أن تجعله كأخف الحدود ، فجعلت الجلد ثمانين (2) .
إن من يكون خليفة على المسلمين ، وممثلاً لي لابد أن تكون له دراية باحكام الشرع ، ومعرفة بشؤون الدين .
ومن الأمور التي تجافي الشرع أنك أخذت الدية بغير وجه مشروع وذلك في قصة أبي خراش الهذلي ، فقد أتاه نفر من أهل اليمن قدموا عليه حجاجاً فأخذ قربته ، وانطلق نحو الماء في ظلام الليل ليستقى لهم الماء ، وقبل أن يصل اليهم نهشته حية ، فأقبل مسرعاً حتى أعطاهم الماء ، وقال : اطبخوا شاتكم ، وكلوا ،
ولما انتهى إليك خبره غضبت غضباً شديداً وقلت : لولا أن تكون سنّة لأمرت أن لا يضاف يمان أبداً ، ولكتبت بذلك الى الآفاق ، وكتبت إلى عاملك باليمن أن يأخذ النفر الذين نزلوا على أبي خراش فيأخذ منهم الدية ، وينكل بهم جزاء لفعلهم (1) فبأي وجه استحق هؤلاء النفر التنكيل ، وبأي وجه أخذت الدية منهم .
ومن الأمور التي خالفت بها السنّة اقامتك الحد ثانياً على ولدك عبد الرحمن فقد أقام عمرو بن العاص عليه الحد حينما شرب الخمر في مصر ، وذلك بمحضر من أخيه عبد الله فلما بلغك ذلك كتبت الى ابن العاص أن يحمله على قتب بغير وطأ وأن يشدد عليه ، فأرسله إليك بالحالة التي أمرته فيها ، وقد كتب إليك باقامته الحد عليه ، وبعث بالكتاب مع ولدك عبد الله فلما انتهى إليك وهو لا يستطيع المشي لمرضه ، وإعيائه ، وأبصرته أمرت باحضار السياط ، فقال لك عبد الرحمن بن عوف : أنه قد اقيم عليه الحد ، وشهد بذلك اخوه عبد الله فلم تلتفت إليه ، واخذت السياط ، وجعلت تضربه وهو يستغيث ، ويقول :
« انا مريض ، وانت والله قاتلي » .
وبعد ان اقمت عليه الحد حبسته شهراً فمات (2) فبأي وجه اقمت عليه
وخفي عليك ما يقرأ في صلاة العيدين فأرسلت الى ابي واقد الليثي تسأله بأي شيء كنت اقرأ في مثل هذا اليوم (1) وهل يليق بمن تصدى منصب الخلافة ان يخفى عليه ذلك ، الم تكن تصليها معي ، فكيف قد عزبت عنك .
الى غير ذلك من الموارد التي جهلتها ، ولا يصح ان يرتقي منصب الامامة والخلافة ، من لا دراية له باحكام الاسلام وفقهه .
ويستعرض النبي صلى الله عليه وآله بعد هذا الى بعض الشؤون الاخرى التي سار عليها عمر في ايام حكومته وهي :
لقد بعثني الله رحمة للعالمين ، فقد بنيت شريعتي على توطيد الاخلاق وعلى الرحمة ، ونشر الدعوة والاطمئنان بين الناس ، وقد هدمت بسلوكي سياسة العنف والارهاق فقد جائني اعرابي ، وحينما رأى هيبتي ارتعدت اوصاله ، فزجرته ، وقلت له :
« انما انا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد » .
ولما دخلت الى مكة فاتحا دخلت وانا مطرق برأسي كأن قريش هي التي
وبلغ من عظيم خوفك في النفوس أن امرأة تقدمت إليك فقالت :
« يا أبا عقر حفص الله لك » (1) .
وبعثت خلف امرأة تسألها عن أمر ، وكانت حاملاً فلشدة خوفها منك القت ما في بطنها فأجهضت به جنيناً ميتاً ، وقد استدعيت أكابر الصحابة في ذلك فأشاروا أنه لا شيء عليك إنما أنت مؤدب ، فانبرى احدهم إليهم يفند فتواهم في المسألة قائلاً لك :
« إن كانوا راقبوك فقد غشوك ، وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطأوا ، عليك غرة يعني عتق رقبة » (2) .
ومن ذلك تشددك على جبلة ، وقد فرح المسلمون باسلامه وباسلام من معه ، وقد حضر الموسم معك فبينما يطوف في البيت إذ وطأ ازاره رجل من فزارة فحله ، فلطمه جبلة ، فاستدعيت الفزاري ، وأمرت جبلة ان يُقِيده من نفسه أو يرضيه ، وقد شددت عليه في ذلك وضيقت عليه غاية التضييق حتى نفد صبره فخرج عن دين الاسلام ، وتنصر هو وقومه ، وقد احتفى بهم هرقل ، وأسدى عليهم من النعم والتكريم فوق ما يتصورونه ، وكان جبلة مع ذلك يبكي أمر البكاء وأشده على ما فاته من الاسلام وهو يقول :
| تنصـّرت الأشراف مـن أجل لطمـة | * | ومـا كان فيهـا لـو صبـرت لهـا ضـرر |
| تكـنـفنـي منهـا لـجـاج ونخـوة | * | وبعـت لهـا الـعيـن الـصحيحـة بالـعور |
| فيا ليت أمـي لـم تلـدني ولـيتنـي | * | رجعت إلـى القـول الـذي قـال لـي عمر |
| ويا ليتني أرعـى المخـاض بقفـرة | * | وكـنـت أسـيراً فـي ربـيعـة أو مضـر |
وقد أردت ان تقوده في أول بادرة تبدرمنه ببرة الصغار (1) . محاولاً بذلك إذلاله، وتحطيم عِزّه ، وسحق كرامته (2) وكان الأجدر بك ان تريه سماحة الاسلام ، وكرامته فتسترضي الفزاري ليعفو عنه ، ولا تجعله يخرج عن حظيرة الاسلام ، ان عنفك ، وشدتك ، وإهانتك له أوجب ارتداده ، وانقلاب عن عقيدته .
ومن ذلك إهانتك لسعد بن أبي وقاص ، فإنك لما رأيته يشق الجموع ليصل اليك نزلت عن راحلتك ، وأوسعته ضرباً بدرتك قائلاً له :
« إنك لم تأخذك هيبة السلطان » .
وبلغ من عظيم شدتك ، وارهاقك للناس ان ابن عباس لم يستطع أن يجهر برأيه في جواز المتعة ، وحليتها الا بعد وفاتك .
وقد وصف شدتك ، وقسوتك عثمان بن عفان بقوله : « لقد وطئكم ابن الخطاب برجله ، وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه فخفتموه » . أهكذا العنف ، والشده ، ولك كثير من امثال هذه البوادر .
إن سياستي المالية التي سرت عليها توزيع المال على مستحقيه من دون ان افضّل احداً على احد ، فقد ساويت بين القريب والبعيد لم افضّل احداً على احد
وقد استدعى فرض نظام العطاء تصنيف الناس بحسب قبائلهم واصولهم فنشط النسابون لتدوين الأنساب ، وتصنيف القبائل بحسب اصولها ، وقد تحددت معالم الرابطتين العدنية واليمانية ، وتحددت معالم الأصول القبلية .
وكان لهذا التدوين اثره في تمسك القبائل بانسابها ، وتعصبها لنسبها ، واعتزازها به ، وميلها الى من تربطها بها رابطة القربى ، فأدس ذلك من طريق غير مباشر إلى ظهور الروابط القبلية وشيوع المعارف النسبية ، واعقب ذلك ظهور العصبية في صورها المختلفة .
وإني قضيت على هذه الأمراض التي تنخر في جسم المجتمع ، وابدت جميع العنعنات العنصرية ، وقد ادت سياستك هذه الى ظهور تلك النزعات بجميع الوانها البغيضة .
كنت تحاسب عمالك في كل سنة وهو حسن الا انك كنت تشاطرهم أموالهم فقد دعيت عاملك على البحرين أبا هريرة فقلت له :
« علمت أنه استعملتك على البحرين ، وانت بلا نعلين ، ثم بلغني أنك ابتعت أفراساً بالف وستمائة دينار ؟ » .
فقال لك :
« كانت لنا أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت » .
فأجبته : إني قد حسبت لك رزقك ، ومئونتك وهذا افضل فاد .
فرد عليك قائلاً :
ـ ليس لك ذلك .
ـ بلى والله اوجع ظهرك .
ثم قمت اليه بالدّرة ، فضربته حتى أدميته ، فقال :
« ائت بها ، وأحتسبها عند الله » .
فأنكرت عليه قائلاً : ذلك لو اخذتها من حلال ، واديتها طائعاً أجئت من اقصى حجر البحرين ، يجبي الناس لك لا لله ، ولا للمسلمين ما رجعت بك أميمة (1) إلا لرعية الحمر (2) وقد شاطرة جميع عمالك حتى اخذت منهم نعلا ، وتركت لهم نعلا ، ونسوق اليك بعضهم :
1 ـ سمرة بن جندب .
2ـ عاصم بن قيس .
3 ـ مجاشع بن مسعود .
4 ـ جزء بن معاوية .
5 ـ الحجاج بن عتيك .
6 ـ بشر بن المحتفز .
7 ـ ابو مريم بن محرش .
8 ـ نافع بن الحرث .
9 ـ عاصم بن قيس .| أبلـغ أميـر الـمؤمنيـن رسالـةً | * | فـأنت أميـن الله فـي النهـي والأمـرِ |
| وأنـت أميـن اللّـه ومـن يـكـن | * | أميناً لـربِّ العـرش يسلـم له صـدري |
| فلا تـدعن أهل الرَّساتيق والقـرى | * | يسيغـون مـال الله فـي الأدم والـوفـرِ |
| فاُرسل إلى الحجـّاج فاعرف حسابه | * | وأرسل إلـى جـزءٍ وأرسل إلـى بشـرِ |
| ولا تنسيـنَّ النـافعيـن كلـيهمـا | * | ولا ابن غـلاب مـن سراة بنـي نصـرِ |
| ومـا عاصم منهـا بصغـر عيابـه | * | وذاك الـذي في السوق مـولى بني بـدرِ |
| وأرسل إلى النعمان واعرف حسابـه | * | وصهـر بني غـزوان إنّـي لـذو خبـرِ |
| وشبـلا فسله المـال وابن محـرَّش | * | فقـد كـان في أهـل الـرّساتيق ذا ذكـرِ |
| فقـاسمهُـم أهـلـي فـداؤك إنّهـم | * | سيرضـون إن قاسمتهـم منك بـالشطـرِ |
| ولا تـدعـونـي للـشهـادة إنّنـي | * | أغيـب ولـكـنّي أرى عجـب الـدهـرِ |
| نؤوب إذا آبـوا ونغـزوا اذا غـزوا | * | فأنّـى لهـم وفـرٌ ولـسنـا أولـي وفـرِ |
| اذا الـتاجـر الـداري جـاء بفـارة | * | مـن المسـك راحت في مفارقهم تجري (1) |
وعلى أثر ذلك شاطرتهم اموالهم ، واخذت نصفها ، والمؤاخذة عليك في ذلك .
ان هذه الأموال التي حصلوا عليها ان كانت سرقة من بيت المال فإنّ الواجب إرجاعها باسرها ، ولا وجه للمشاطرة أصلاً ، كما إنّ اللازم اقصاؤهم عن الحكم نظراً لثبوت فسقهم ، وعدم حريجتهم في أخذ أموال المسلمين بغير حق ، ولكنك لم تعزل أحداً منهم سوى بعضهم ، وان كانت الأموال قد اكتسبوها بوجه مشروع كالتجارة ، ونحوها فإنّ اللازم عدم جواز اخذها إذ لا يحل أخذ مال امرئ مسلم الا برضاه ، وقد أخذتها منهم بالقسر والإكراه .
كنت في كل سنة تحاسب عمالك ، وتشاطرهم أموالهم سوى معاوية تتواتر
« ذاك كسرى العرب » .
متى كان هذا الصعلوك كسرى العرب ، فقد كان في أيامي مهان الجانب محقر الكيان ، قد أذله الاسلام ، وحطم شأنه .
وغريب أمرك في موالاتك وحبك له مع اني قد لعنته ، ولعنت أباه (1) . وقد جاءتني امرأة تستشيرني في زواجه ، فنهيتها ، وقلت لها :
إنه صعلوك ، وقد حذرت منه المسلمين فقلت : « أذا رأيتم معاوية على منبري فاضربوا عنقه (2) » .
وكان اللازم عليك ان لا تستعمله والياً على الشام وتستعمل رجلاً من خيار المسلمين ممن تتوفر فيه النزعات الخيرة والمثل الكريمة ليقوم بتهذيب المسلمين ، ونشر روح الثقة والفضيلة في نفوسهم .
ولو لا تسديدك له ، ونزعك عنه قميص العار والخزي لما امكنه ان يعمل في الشام عمل من يريد الملك والسلطان ، وقد ذاكرك في موضوعه جماعة من خيار الصحابة ، وعرفوك بخروجه عن جادة العدل ، ولبسه للديباج والحرير واستعماله للذهب ، وغير ذلك فامتعضت وزجرتهم ، ونهيتهم عن ذمّه فقلت :
« دعونا من ذم فتى من قريش ، من يضحك في الغضب ، ولا ينال ما عنده من الرضا ، ولا يؤخذ من فوق رأسه الا من تحت قدميه » (3) .
لماذا هذا التسديد ؟ !!
لماذا هذا الحب ؟ !!
ولم تكتف بهذا كله ، وانما نفخت فيه روح الطموح ، ودفعته الى الخلافة
لماذا شدت بمعاوية دون بقية عمالك ؟
كيف ساغ لك أن تهدد أعضاء الشورى بسطوته ؟
لقد مهدت له الخلافة ، وعبدت له الطريق ليكون حاكماً في أمتي ، وقد أسفرت الأحداث الرهيبة التي توالت على أمتي عن مصير الخلافة إلى هذا الباغي ، فإنه حينما استتب له الأمر ، حكم بسياسة العنف والبطش فقتل خيار المسسلمين ، وطارد المصلحين ، فقتل سبطي وريحانتي الإمام الحسن فدس إليه سماً قاتلاً على يد زوجته جعدة بنت الأشعث ، وقتل حجر بن عدي ، وهو من أكابر أصحابي في تقواه وورعه ، وفرض سب وصيي علي ، وأهل بيتي على المنابر ، وتتبع شيعتهم تحت كل حجر ومدر فاشاع فيهم القتل ، والتنكيل (2) .
لولا تأميرك إليه على الشام ، وتأييدك له ، ومبالغتك في تسديده . لما حدث في الاسلام ما حدث ، وما جرى على المسلمين ما جرى من النكبات والويلات ، وانتهاك الحرمات ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
واكتفيت بأخذ الخلافه من علي ، وتقمصك لحقه ، فقد رحت تثير عليه الاحقاد ، وتوغر عليه الصدور ، فقد دخل عليك ، ومعك جماعة من الموتورين الذين وترهم الاسلام بسيف علي ، فقلت لاحدهم هذا قاتل عمك ، وقلت لآخر هذا قاتل أخيك ، وقلت لثالث هذا قاتل ابيك ، وهكذا اخذت تذكرهم بما صنعه الامام بآبائهم واخوانهم واقربائهم في سبيل اقامة هذا الدين ، فانبرى إليك علي فقال لك : مالك تثير عليَّ احقاد قوم قد وترهم الاسلام ، فإنّي لم أصيب منهم ما أصبت إلا من أجل الاسلام وإعلاء كلمة الله .
إن الضغائن التي أثرتها على علي كانت من دون شك منبثقة عن كراهيتك له ، وكنت تغمر في دخائل نفسك حقداً عارماً على أهل بيتي ، وكنت تبالغ في عدائهم فقد جائتني أم هاني بنت أبي طالب فقالت : يا رسول الله ان عمر بن الخطاب لقيني فقال لي : إن محمداً لا يغني عنك شيئاً ، فغضبت ، وقمت خطيباً فقلت :
« ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي ، وان شفاعتي لتنال بين حاء وحكم » (1) .
يا أباحفص لقد نشأت في قريش وهي أفصح قبائل العرب وأبلغها وأفقهها في اللغة ، ولكنك قد خفي عليك الكثير من مفردات الألفاظ ، ولم تفقه كنايات العرب وأسوق اليك جملة منها :
1 ـ كنت جالساً بين أصحابك فتلوت قوله تعالى : « فانبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً » (2) والتفت إلى أصحابك فقلت لهم :
« هذا كله قد عرفناه فما الأب ؟ » .
ثم قلت : ( هذا لعمر الله التكلف فخذوا أيها الناس بما بُين لكم فاعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه ) (3) .
لقد خفيت عليك كلمة ( الأب ) وهي المرعى ، والكلأ ، الذي لم يزرعه الناس مما تأكله الأنعام .
2 ـ إن قوماً أخبروك أن رجلاً يسأل عن تأويل مشكل القرآن فقلت اللهم مكني منه ، فبينما أنت تتناول الطعام إذ جاء الرجل فانتظرك إلى أن فرغت فقال لك :
« يا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى : « والذاريات ذرواً فالحاملات وقراً » . فقمت اليه ، وقد حسرت عن ذراعيك ، فلم تزل تجلده حتى سقطت عمامته ، وقلت له : والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك ، ثم أمرت ان يلبسوه ثيابه ، ويحملوه على قتب ، ويخرجوه الى بلاده ، وأمرته ان يخطب في قومه ويقول : إن صبيّنا ابتغى العلم فاخطأه ، وقد ألبست الرجل ثوب العار حتى هلك ، وكان سيداً في قومه (1) .
فبأي شيء استحق الجلد والضرب ، والتوهين ؟ أليس الاسلام دين العلم ، والفضل ؟ !!
ألم آمر بالعلم ، وأحثهم على التعلم ، قد جعلت طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ؟ !!
3 ـ وجاءك رجل فسألك ما الجوار الكنَّس ؟ فطعنته بمخصرة معه حتى ألقيت عمامته ، وقلت له : والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقاً لأنحيت القمل عن رأسك (2) .
إذا كنت بهذه الصفة ، فكيف احتللت مقامي مع وجود من هو أفضل منك ، وهو علي الذي هو باب مدينة علمي الذي خصصته بكل مكرمة ، وحبوته بكل فضيلة .
4 ـ وخفي عليك المراد من الكنايات العربية التي يفتهمها من له أدنى تتبع في كلام العرب فقد جاءتك امرأة تشكو زوجها اليك ، قائلة :
« إن زوجي يصوم النهار ، ويقوم الليل » .
فلم تفهم المقصود من كلامها فرددت عليها قائلاً :
« نعم الرجل زوجك » .
فنبهك رجل في مجلسك على الغاية من كلامها قائلاً لك : إنها تشكو من زوجها في أمر مباعدته إياها عن فراشه ، فطلبت منه ان يحكم بينهما (1) .
إذ اللازم على من يتعدي لمنصب الأمامة والحكم بين الناس أن يعرف أساليب الكلام ، وأفانين الحديث ليصلح للقضاء والحكم .
4 ـ وسألت رجلاً عن حاله فقلت له : كيف أنت ؟ فقال لك :
« إنه ممن يحب الفتنة ، ويكره الحق ، ويشهد على ما لم يره » .
فأمرت به الى السجن ، وكان علي حاضراً فأمر برده ، وقال لك : إنه صدق في قوله ، فقلت له كيف صدقته ؟ قال : إنه يحب المال والولد ، وقال الله تعالى : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) ، ويكره الموت ، وهو الحق ، ويشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وهو لم يره فعند ذلك أمرت باطلاقه وطفقت تقول في علي :
« الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء » (2) .
5 ـ وخفيت عليك أوضح كلمة في كتاب الله وهي كلمة الحرج في قوله تعالى :
« ما جعل عليكم في الدين من حرج » فقلت ادعو لي رجلاً من بني مدلج فلما دعي لك قلت له : ما الحرج فيكم ؟ فقال لك : الضيق (3) .
6 ـ وقرأت قول الله تعالى : « الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم » (4) .
فتحيرت في معنى كلمة الظلم فسالت أبي بن كعب فقلت له :
« أينا لم يظلم ؟ »
فأوضح لك معنى الكلمة ، وبيَّن لك المقصود منها قائلاً :
« يا أمير المؤمنين : إنما ذلك الشرك ، أما سمعت قول لقمان لابنه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم » (1) . إلى غير ذلك من الأمور التي جهلتها من لغتك فلم تفهم معانيها ولا المقصود منها ، وقد اضطررت بأن تعلن للملاء أن لا يسألوك عما لم يكن ، معتذراً بأن الله قد بين ما هو كائن (2) ، والسبب في ذلك عدم علمك ودرايتك ، وقد تحاملك الناس فلم يسألوك عن شيء .
إن المنع عن تدوين ما أُثر عني من السنن والأحكام قد سبب للمسلمين المضاعفات السيئة ، وأخلد لهم الفتن والمصاعب ، وجرَّ لهم الويلات والخطوب فقد كثر الوضع عليّ ، وكثرت الأحاديث الموضوعة التي شوهت معالم الدين ، وقد نسبوا إلي من الأقوال ما لم أفد بها .
لقد عمد أبو بكر إلى جميع بعض الأحاديث فأحرقها (3) ولما آل الأمر اليك استشرت عامة الصحابة في تدوين ما أُثر عني فأشار عليك عامتهم بذلك وحبذوه لك ، ولبثت مدة تفكر في الأمر ثم عدلت عنه ، وقلت :
« إني قد ذكرت لكم من كتاب السنن ما قد علمتم . ثم تذكرت فإذا اناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً فأكبوا عليها ، وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا أُلبس كتاب الله بشيء أبداً ، ثم تركت ذلك وعدلت عنه (4) وهو تعليل غير وثيق لأن حديثي لا يشذ عن كتاب الله ، ولا يخالفه ، وليس تدوينه موجباً لهجر القرآن الكريم ولا مستلزماً للإعراض عنه ، ولو أنك بادرت الى ذلك لصنت المسلمين من الأختلاف ، ولسددت باب الوضع ، فقد عمد ( كسرى العرب ) معاوية بن أبي سفيان إلى لجان تفتعل الأحاديث ،
« إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنما ولي الله وصالح المؤمنين » (1) .
وروى سمرة بن جندب ان الآية الكريمة وهي « ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد » (2) انها نزلت في علي ، وقد أخذ عوض ذلك الشيء الكثير من بيت مال المسلمين (3) وقد كان أبو هريرة في طليعة الوضاعين فقد روى المئات من الأحاديث عني ، وفي الكثير منها خروج على حكم المنطق والعقل ، ونسبها لي ، وكذلك المغيرة بن شعبة ، وعمرو بن العاص ، وغيرهم من الوضاعين وقد نسوا قول الله تعالى في كتابه الكريم « إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكافرون » (4) . وجافوا قولي : « من كذب عليَّ متعمداً ليحل حراماً ، أو يحرم حلالاً ، أو يضل الناس بغير علم فليتبوء مقعده من النار » (5) .
بلى والله لقد سمعوا ذلك ، ولكن حليت لهم الدنيا ، وراق لهم زبرجها ، فانطلقوا وراء شهواتهم وملاذِّهم ، وعمدوا إلى الكذب والإغراء ، والتضليل في سبيل مصالحهم الضيقة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وعلى أي حال لقد كان منعك من تدوين أحاديثي موجباً إلى رزية الأمة ومحنتها في جميع مجالاتها العقائدية ، فلو كان الحديث مدوناً ، ومحفوظاً لما تمكن الوضّاعون والمنحرفون عن دينهم من الكذب عليّ ، ومن افتراء الحديث وأنت قد شددت على المسلمين في رواية الحديث عني ، فقلت لهم :
« جرِدوا القرآن ، ولا تفسروه ، وأقلّوا الرواية عن رسول الله ، وأنا شريككم » (1) .
فلماذا منحت المسلمين من رواية حديثي ؟
ولماذا صددتهم عن تدوين سنّتي ؟
وقد منح الاسلام الحرية التامة لكل مواطن ، فجعل له حرية القول والعمل والسكن ما لم يجاف أحكام الله ، ولكنك لما آل اليك الأمر فرضت الحصار على صحابتي فلم تسمح لهم بمغادرة يثرب ، ولم تتركهم وشأنهم في السفر إلى أي بلد أحبوه .
ما هو السبب في ذلك ؟
ماهي الدواعي التي حفزت إلى ذلك ؟
إن الحاكم في الإسلام الذي يرتدي ثوب النيابة عني يجب عليه أن يمثل سيرتي وهديي ، وسلوكي بين الناس ، أفهل رأيتني أني فرضت الإقامة الجبرية في عاصمتي على أحد من أصحابي حتى تفعل ذلك ، ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون ، وهو المستعان على ما تصفون .
وأذكرك في أيام حياتي حينما دهمتنا قوى الشرك والالحاد ، في واقعة أحد ، فقد انهزمت ، وكذلك فررت من واقعة خيبر ، وقد كنت بعثت قبلك أبا بكر فرجع بالجيش منهزماً وبعثت بعدكما علي بن أبي طالب ففتح الله على يده ، ورجع بالغنائم والأسرى .
وقد جاء النص صريحاً عن الفرار عن الزحف قال تعالى : « يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ورسوله ومأواه جهنم وبئس المصير » (1) .
وعجب المسلمون بتعبد ذي الثدية واجتهاده فحدثني عن أمره جماعة من أصحابي ، وبينما نحن في حديثه إذ أقبل فقال المسلمون :
هو هذا ، فقلت لهم :
« انكم لتخبروني عن رجل في وجهه سفعة (2) من الشيطان » .
وأقبل ذو الثدية فلم يسلم ، فانكرت عليه أمره ، وقلت له :
« أنشدك الله ، هل قلت حين وقفت على المجلس ما في القوم أفضل مني أو خير مني ؟ » .
( نعم ) .
ثم انصرف ذو الثدية ، وقد أعلمني ربي بأنه سيكون رأس المارقة في الإسلام ، فأردت استنصال شأفته فندبت المسلمين إلى قتله فانبرى اليه أبو بكر ، فوجده يصلي فقال :
« سبحان الله أقتل رجلاً يصلي ؟ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن قتل المصلين » .
لقد أغترَّ أبو بكر بصلاته ، وخشوعه ، ولم يذعن لقولي في قتله ، وأقبل أبو بكر فقلت له :
( ما فعلت ؟ )
« كرهت أن أقتله وهو يصلي » .
فندبت المسلمين مرة أخرى الى قتله فقلت لي : أنا له يا رسول الله ، وانطلقت اليه فوجدته واضعاً جبهته على الأرض فقلت :
« أبو بكر أفضل مني فلم يقتله » .
وجئت إلي فأخبرتني بعدم قتلك له ، فندبت المسلمين إلى قتله فانبرى إليه علي ، فلم يظفر به فأخبرني بذلك فقلت : « لو قتل ما أختلف من أمتي رجلان » (1) .
لقد خدعك ذو الثدية ، كما خدع صاحبك أبا بكر فآثرت ذلك على أمري وقد كشفت الأحداث من بعدي أمر هذا الانسان الغريب ، فقد كان داعية ضلال ، وصاحب بدع وأهواء ، قد عمل على فساد أمر المسلمين وتصديع وحدتهم وشملهم .
ولما نزلت الآيات التي حرم الله فيها الخمر شربتها وأنت غير معتن بالتحريم ، وقد شججت رأس عبدالرحمن بن عوف وجلست وأنت ثمل تنوج على قتلى بدر وتنشد شعر الأسود بن يعفر تقول :
| وكـأن بـالقـلـيـب قـلـيـب بـدر | * | من الـفتيـان والـعـرب الكـرام |
| أيـوعـدنـي ابـن كبشـة ان سنحيـى | * | وكـيـف حـيـاة أصـداء وهـام |
| أيـعجـز أن يـرد الـمـوت عـنـي | * | ويـنشـرني إذا بُلـيت عضامـي |
| ألا مـن مـبـلـغ الـرحمـن عـنـي | * | بـأنـي تـارك شهـر الـصيـام |
| فـقـل للّـه يـمنـعـنـي شـرابـي | * | وقـل للّـه يمنـعنـي طعـامـي |
ولما بلغني ذلك خرجت وأنا مغضب أجر ردائي وكان بيدي شيء فضربتك به ، فقلت أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله ، فنزل قوله تعالى :