يوجّه النبي صلى الله عليه وآله خطابه الى عائشة ، وهو حزين النفس قائلاً لها بنبرات تقطر أسى .
يا أم المؤمنين ! .
يا من حفظت أربعين ألف حديث ! .
لماذا خرجت على أخي ووصيي ، وباب مدينة علمي ، وأبي سبطيّ ، ومن هو مني بمنزلة هارون من موسى ؟ !
هل استأثر علي بأموال المسلمين حتى يصلح لك الخروج على حكومته ؟
هل منح أحداً من أقربائه وابنائه بشيء من خزينة الدولة حتى يكون لك وجه في الخروج عليه ؟
كيف جاز لك أن تخرجي من بيتك ؟ وتقودين الجماهير والعساكر الى حرب عالمِي ، وقد قلت في حقه : « ان حربه حربي وسلمه سلمي » .
لقد تناسيت قول الله تعالى لنسائي : « يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفاً ، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى (1) » .
كيف ساغ لكِ الخروج من بيتك ، لحرب علي وقتل ابنائك ، فقد قتل منهم يوم الجمل الأكبر في البصرة ثلاثة عشر الف من ابنائك وتابعيك فيهم طلحة والزبير ، واستشهد من اولياء علي وشيعته حوالي الألف .
يا عائشة ما كنت تريدين بخروجك هذا ؟
أتريدين الله ورسوله والدار الآخرة ؟
أتريدين الأجر والثواب الذي أعده الله للمحسنات من نسائي إذ يقول تعالى : « وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإنّ الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً » (1) .
هل كنت تظنين أن بينك وبين الله هوادة فيبيح لك ما حرم على العالمين ؟ وقد ضاعف تعالى العقاب على نسائي إذا اقترفن إثماً أو أتين بفاحشة قال تعالى : « يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا » (2) .
هل رأيت أن خروجك على علي ، وشق عصا المسلمين عبادة لله ، وقنوتا له ولرسوله ، فعملت عملاً صالحاً كما قال تعالى : « ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقاً كريماً » (3) .
هل أردتِ بخروجكِ أن تمثلين التقوى والورع ، وتستأثرين بالعمل الصالح دون بقية نسائي حتى تكونين كما قال الله تعالى في كتابه : « يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن أتقيتن » (4) . فهل خروجك على علي من التقوي والصلاح ؟
يا عائشة : هل رأيت قيادتك للجيوش سرادقاً ضربه عليك طلحة والزبير ليصوناك عن تبرج الجاهلية الاولى ، وتكونين بذلك نصب أمر الله ونهيه إذ يقول تعالى : « وقَرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله(5) » .
أحسبت ان الزوجية تمنعك من عذاب الله ونقمته إذا حِدت عن طاعة الله ، وقد أنذرك تعالى وحفصة على أن لا تتكلا على الزوجية لأنها لا تنفع الطالحة وقد ضرب لكما مثلاً بامرأة نوح ، وامرأة لوط وامرأة فرعون قال تعالى . « ضرب الله مثلاً للذبن كفروا أمرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين ، وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله » (1) وقد خّلد الله امرأة نوح وامرأة لوط في عذابه وبنى لامرأة فرعون بيتاً كريماً في فردوسه فإنه ليس بين الله وبين أحد هوادة ، وانما جعل الميزان لرضاه والفوز بجنانه هو العمل الصالح فأي شخص يتقي الله ، ويعمل للآخرة فقد أعد له منزلا كريماً ، ومن حاد عن طريقه ، وسلك غير طريق الله فهو ممن حلّت به نقمة الله وعذابه .
ياعائشة : أنت اعرف الناس بمنزلة علي عندي فهو أخي ، ووليي ، ووارثي ، ووصيي ، وإنّه مني بمنزلة هارون من موسى ، وقد سمعت قولي فيه : « اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله » .
وسمعت قولي فيه : « رحم الله علياً اللهم ادر الحق معه حيث دار » .
ورأيتني انظر الى علي وفاطمة فقلت فيهم « انا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم (2) » .
ورآني أبوك وانا متكىء على قوس عربية ، وقد نصبت خيمة فيها علي وفاطمة والحسنان فقلت فيهم : « معشر المسلمين انا سلم لمن سالم أهل الخيمة ، وحرب لمن حاربهم ، وولي لمن والاهم ، لايحبهم الا سعيد الجِد ، طيب المولد ، ولا يبغضهم الا شقي الجِد رديء الولادة (3) » .
وقلت فيه : « من سرّه أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن التي غرسها ربي فليوال علياً ، وليوال وليه ، وليقتدي بأهل بيتي من بعدي فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهمي وعلمي ، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي(1) » .
يا عائشة لم يخف عليك شيء من فضل علي ، وأنت صاحبة الذكاء المفرط التي كنت تحفظين عني أربعين الف حديث ، وأنت صاحبة المكانة المرموقة في المجتمع الاسلامي ، وقد توفيت عن تسع زوجات ، ولم تكن واحدة منهن يرجع اليها الشيخان في الفتيا غيرك ، وكان عمر وعثمان يرسلان اليك فيسألانك عن السنن ، ولم يفضل عمر واحدة من نسائي عليك ، وقد فرض لأمهات المؤمنين عشرة آلاف ، وزادك عليهن الفين ، وقال : إنها حبيبة رسول الله .
يا عائشة : ألم تسمعِ منّي النص القاطع ،
والبيان الصريح في خلافة علي
من بعدي ، وذلك حينما كنت في الدار وأنت وأم سلمة معي إذ جاء أبوك ومعه صاحبه عمر فطرقا الباب ، فقمت مع أم سلمة إلى الحجاب . . فلما أذنت لهما وسلّما عليَّ صار يحدثان عما جاءا به قائلين :
« يا رسول الله لا ندري قدر ما تصحبنا . فلو أعلمتنا من نستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزع ؟ »
فرميت ببصري الى بعيد وقلت لهما :
« أما اني أرى مكانه » .
وتوقعا أن ادلهما عليه ، فهززت برأسي متأسفاً عليهما وقلت :
« لو فعلت لتفرقتما عنه كما تفرق بنو اسرائيل عن هارون بن عمران » .
فغضا طرفيهما ، وخرجا لا يلويان على شيء ، وقد عرفا من أعني ، وذلك لما سبق مني غير مرة ما قلته في علي من تشبيهه بهارون في محنته وبلائه ، فقد قلت فيه : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » .
فَبرِحتِ الستر متسائلة عنه لتُشبعي فضولك فقلتِ :
« من كنتَ مُستخلفاً عليهم ؟ » .
فاجبتك « إنَّه خاصف النعل » .
فخرجنا جميعاً وفي ظل سمرة ، وجدنا علياً يخصف نعله ويصلي .
يا أم المؤمنين .
يا صاحبة الجمل الأدبب .
هبي أن عاطفتك غلبت عقلك ، ونزوتك أمالت رشدك ، فنصّبت من نفسك قائداً أعلى للأوباش والرعاع ، والغوغاء وأصحاب المطامع ، والجشعين ، والانتهازيين ، فخرجت دارك الذي أمرك الله أن تقري فيه ، لحرب إمامك وشق عصا الطاعة .
فأي ثمرة وسوست لك نفسك باقتطافها ؟
هل طمعت أن تكوني خليفة المسلمين ، وأميرة للمؤمنين ؟
أم انك أردت أن تحلّي عقدة في نفسك ، وتبردي غلّة يطفىء إوارها الدم المهراق الذي صبغ وجه البسيطة ، وكوّن بركانا وغدرانا ، وقد تبعثرت على الارض أشلاء الابرياء وأطرافهم حتى تكونت منها تلالا .
أم أنكِ اردتِ ان يكون لك جوقاً يطربك من عويل اليتامى ، ونوح الأيامى ، وأنين الجرحى .
ما غايتك بانتداب امهات المؤمنين للخروج معك لحرب علي الذي هو أخي ووصي وابو سبطيّ .
هل اردت ان تجعلي منهن وزيرات لبلاطك ؟
هل اردت ان تكسبي خروجك قدسية ، وحربك مشروعية ؟
لقد انطلقت إلى المرأة الصالحة أم المؤمنين أم سلمة ، لتغريها بالخروج معك ، وقد تناسيت أنها من صالحات النساء ، وانها ممن تعرف منزلة علي ، وقربه مني ، وقد تمنت أن تشهر سيفاً لنصرته ، وتقود جحفلاً من المؤمنين لتقطع عليك وعلى صحبك درب الفتنة الكبرى ، وتدفعكم عنه بقوة الحديد ، ولكنها قد قرت في بيتها إمتثالاً لأمر الله .
وقد كتبت إلى علي من مكة تخبره بتمرد طلحة والزبير واشياعهم وأنّهم يحاولون أن يخرجوك معهم ، لحربه ، وقد جعلوا شعارهم الذي يهتفون به ، ويبررون به موقفهم أن عثمان قد قتل مظلوماً وأنهم يطالبون بدمه ، والله كافيهم بحوله وقوته ، وأنه لولا ما نهانا الله عن الخروج ، وأنت لم ترضى به ، لم أدع الخروج معك ، والنصرة اليك ، وقد بعثت اليك بابني وهو عدل نفسي عمر بن أبي سلمة يشهد مشهدك .
وعند عودتها إلى المدينة قابلت علياً وهي تبكي أمرّ البكاء قائلة له : لولا أني أعصي الله عزّ وجلّ ، وأنك لا تقبله لخرجت معك .
فكيف رأيت أن تغريها وتخدعيها بالخروج إلى حرب وصيي وأخي وقلت لها :
يا بنت أبي أمية : أنت أول مهاجرة من أزواج النبي ، وأنت أكبر أمهات المؤمنين ، وكان رسول الله يقسم لنا في بيتك ، وكان جبرئيل أكثر ما يكون في بيتك .
ولم يخف على أم سلمة خداعك فقالت لك :
« لأمرّ ما قلتِ هذه المقالة ؟ » .
فصارحتيها بما أنطوت عليه نيتك قائلة لها :
« إن القوم استتابوا عثمان ، فلما تاب قتلوه صائماً في الشهر الحرام ، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ، ومعي الزبير وطلحة . . فاخرجي معنا لعل الله يصلح هذا الأمر على أيدينا » .
فانبرت اليك أم سلمة تسدي اليك بالنصح ، وتزيف منطقك قائلة :
« إنت كنت بالأمس تحرضين على قتل عثمان ، وتقولين فيه اخبث القول ، وما كان اسمه عندك إلا نعثلا ، وإنّك تعرفين منزلة علي عند رسول الله أفأذكرك ؟
ـ نعم .
ـ أتذكرين يوم اقبل رسول الله ، ونحن معه . . . حتى اذا هبط من
فقلت أتيتهما وهما يتناجيان ، فقلت لعلي : ليس لي من رسول الله إلا يوم من تسعة أيام ، أفما تدعني يابن أبي طالب ويومي ؟ فاقبل رسول الله عليَّ وهو محمر الوجه غضباً ، فقال : إرجعي وراءك والله لا يبغضه أحد إلا وهو خارج من الإيمان ، فرجعت نادمة ساخطة .
ـ نعم أذكر ذلك .
ـ أو أذكرك .
ـ نعم .
ـ كنت أنا وأنت مع رسول الله فقال لنا : أيتكن صاحبة الجمل الأدب (1) تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط ؟ فقلنا نعوذ بالله وبرسوله من ذلك ، فضرب على ظهرك ، فقال : إياك أن تكونيها يا حميراء .
ـ نعم أذكر ذلك .
ـ أو أذكرك .
ـ نعم .
وساقت لك حديث خصف النعل فأقررت به فقالت لك بعد ذلك : فأي خروج تخرجين بعد هذا ؟
وتبالغ أم سلمة في نصحك وإرشادك إلى طريق الحق والصواب فتقول لك :
يا عائشة : إن عمود الاسلام لا يستتب بالنساء إن مال ، ولا يرأب بهن إذا صدع . هاديات النساء غض الأطراف ، خضر الأعراض . . .
ما كنت قائلة لرسول الله لو عارضك باطراف الفلوات والجبال . على قعود من الابل من منهل
فأعرت كلامها أذناً صمّاء ، واندفعت وراء عواطفك وميولك وأنت تفرقين وحدة الأمة ، وتسعّرين نار الحرب والفتن بين المسلمين .
يا عائشة هبي أنك نسيت أو تناسيت كلما أنزل الله في كتابه بخلافة علي ، وولايته ، وما جاء في سنّتي من إمامته وفضله فهلا ذكرك نباح كلاب الحوأب فأرجعك إلى رشدك فقد حذرتك من أن تكوني أياها يا حميراء .
هلا أرجعك إلى الصواب خطبة علي عندما أراد الخروج إلى البصرة ، وقد فنَّد فيها معاذيرك ، ومعاذير طلحة والزبير ، ويعلى بن أمية فقد قال :
« إن الله فرض الجهاد ، وجعل نصرته وناصره . وما دنيا ولا دين إلا به ، وإني بُليت بأربعة : أدهى الناس وأشقاهم طلحة ، وأشجع الناس الزبير ، وأطوع الناس في الناس الزبير ، وأسرع الناس إلى فتنة يعلى بن أمية . . والله ما أنكروا عليَّ شيئاً منكراً ، ولا استأثرت بمال ، وملت بهوى . . وإنّهم ليطلبون حقاً تركوه . . ودما سفكوه ، ولقد ولو دوني . . ولو كنت شريكهم في الانكار لما أنكروه . . وما تبعه عثمان إلا عندهم ، وإنهم لهم الفتنة ، بايعوني ونكثوا بيعتي ، ما استأنسوا بي حتى يعرفوا جوري من عدلي وإني لراض بحجة الله عليهم ، وعلمه فيهم ، وإنّي مع هذا لداعيهم ، ومعذراً إليهم ، فإن قبلوا فالتوبة مقبولة ، والحق أولى من صرف إليه ، وإن أبوا أعطيتهم حد السيف ، وكفى به شافياً من باطل وناصراً ، والله إن طلحة والزبير وعائشة يعلمون أني على حق وهم مبطلون » .
وقد أمعن علي باسداء النصح لكِ ولصاحبيك طلحة والزبير ، فقد كتب لكم كتاباً عندما قارب البصرة يوضح لكم السبيل ، ويقطع عليكم المعاذير وقد جاء فيه .
« من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى طلحة والزبير وعائشة سلام عليكم . . .
وأنت يا طلحة يا شيخ المهاجرين . وأنت يا زبير يا فارس قريش لو دفعتما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد الاقرار .
وأنت يا عائشة فإنّكِ خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً ثم تزعمين ( أنك تريدين الاصلاح بين المسلمين ) .
فخبريني ما للنساء وقود الجيوش والبروز للرجال ، والوقوع بين أهل القبلة وسفك الدماء المحترمة ؟ . . ثم إنك طلبت على زعمك دم عثمان . وما أنت وذاك ؟ وعثمان من بني أمية وأنت من تيم . . ثم بالأمس تقولين في ملأ من أصحاب رسول الله : ( اقتلوا نعثلاً فقد كفر ) ثم تطلبين اليوم بدمه فاتقي الله وارجعي إلى بيتك واسبلي عليك سترك والسلام . . » .
وقد أقام عليكم الحّجة ولم يدع لكم وليجة تنفذون منها ، فهلا استجبت لمنطق العدل ، ولنت نفسك من الدخول في هذه الفتنة فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وتقوم السيدة عائشة فتدافع عن نفسها ، محاولة أن تبرر خروجها وحزبها لعلي قائلة :
يا رسول الله بأبي أنت وأمي ، أنت تعرف مكانتي بين المسلمين ، ومالي من المنزلة العظيمة عندهم ، وإني لم أخرج مفسدة وإنما خرجت لطلب الاصلاح .
لقد خرجت مطالبة بدم الشهيد الذكي عثمان فقد قتلوه في الشهر الحرام بعد ما استتابوه ، وخلص من ذنوبه ، فلم يسعني أن أسكت ، وأترك الدم مباحاً ، وعلي قد آوى قتلته ، ولم يقتص منهم ، وأنت تعلم ما في نفسي من العقد النفسية
وانا معترفة بما ذكرته وادليته عليَّ ، وليس لي مجال للانكار والشك في ذلك .
وينبري النبي صلى الله عليه وآله لتنفيذ مزاعم عائشة فيقول لها : إن عثمان قد سعى لحتفه بظلفه ، واجهز على نفسه فقد هيأ الأسباب المؤدية إلى قتله ، اليس هو الذي نفى الصحابي العظيم ابا ذر الذي هو شبيه عيسى بن مريم في ورعه وتقواه ؟ اليس هو الذي كسر ضلع المقري الصالح عبد الله بن مسعود ؟ اليس هو الذي ضرب الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر حتى اوجد فتقاً في بطنه .
الم يؤثر بني امية بالسلطة والمال ، فاجاع الناس ليتخموا ، واذل المسلمون ليعلوا ، ويتطاولوا فلم تأخذه في سبيلهم ملامة اللائمين ، ولا ثورات الثائرين ، فقد افتتح في ايامه ارمينية فأخذ الخمس كله ، ووهبه للوغد الأثيم مروان بن الحكم ، واعطى سوق تهروز في المدينة للحارث ابن عمه ، واقطع مروان فدكا ، وهو يعلم انها ملك لسيدة النساء فاطمة ، وحمى مراعي المدينة عن مواشي المسلمين إلا عن مواشي بني امية ، واعطى ابن ابي سرح جميع ما افاء الله على المسلمين من فتح افريقيا .
ان هذه العوامل هي التي اطاحت بعثمان وسببت قتله وانت تعلمين ذلك ، وتعلمين كيف ثار عليه خيار صحابتي وانت بالذات كنت من الموقدين لنار الثورة في النفوس فكيف تطالبين بدمه وتزعمين انه قتل مظلوماً ؟ ؟ !! .
يا رسول الله إنهم استتابوه حتى ماصوه من ذنوبه موصة الثوب ثم عدوا عليه فقتلوه فلذا خرجت مطالبة بدمه .
وينبري صلى الله عليه وآله إلى تفنيد مزاعم عائشة فيقول لها : أنت المسؤولة أولاً وبالذات عن مقتل عثمان فأنت أول من أمال حربه ولولاك لما تعدى الأمر من حصره إلى قتله ، ولم يجرأ أحد على إراقة دمه وهتك حرمته .
لقد كنت خلال السنوات الست من حكمه تفيضين عليه ألواناً من القداسة ، وتخلعين عليه بروداً من الكرامة ، فكنت تنتحلين الأحاديث بتفضيله على أبيك وعمر ، فقد رويت عني أنه استأذن أبو بكر عليَّ فأذنت له فقضيت حاجته ، وهو معي في المرط ثم خرج فاستأذن عمر فأذنت فقضيت حاجته ، وأنا على تلك الحال ، ثم خرج فأستأذن عليَّ عثمان فأصلحت على ثيابي وجلست فقضيت حاجته ثم خرج فقلت لي ـ حسب زعمك ـ يا رسول الله استأذن عليك أبو بكر وعمر وأنت على حالك ، فلما استأذن عليك عثمان أرخيت عليك ثيابك ، فقلت لك : يا عائشة ألا استحي من رجل والله إن الملائكة لتستحي منه .
هكذا كان عثمان عندك محاطاً بالعناية ، والإجلال والتكريم ، ولكن في السنوات الست الأخيرة من حكمه وقع الخلاف والشقاق بينكما فسجّرت نار الفتنة عليه وألهبت العواطف ، واثرت الاحقاد والأضغان عليه ، ويعود السبب في ذلك إلى أنه قطع الألفين الزائدين لك على مرتبات أمهات المؤمنين فجعلك عثمان أسوة بهن ، وقد تدرج بذلك الخلاف بينكما ورفعت علم المعارضة لا لسبب ديني وإنما هو لأمر مادي محض .
لقد تزعمت الفئة المعارضة له وأصبحت ملجأ للساخطين على حكومته ، وقِدتِ
وكنت تطاردينه بالمعارضة والتنديد وتأتين بقميصي وتنشرينه وتنادين رافعة صوتكِ :
« يا معشر المسلمين هذا جلباب رسول الله لم يبل وقد أبلى عثمان سنّته . . » .
فقال عثمان وقد ضاقت به الأرض : « ربي اصرف عني كيدهن إن كيدهن عظيم » .
ولما رأيت إجماع المسلمين على قتله قلت له :
« أي عثمان خصصت بيت مال المسلمين لنفسك وأطلقت أيدي بني أمية على أموال المسلمين ، ووليتهم البلاد ، وتركت امة محمد في ضيق وعسر ، قطع الله عنك بركات السماء ، وحرمك خيرات الأرض ولولا أنك تصلي الخمس لنحروك كما تنحر الابل . . » .
فقرأ عثمان عليك قول الله تعالى « ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل آدخلا النار مع الداخلين » .
وقد اشتد الخلاف بينكما حينما أصدرت فتياك الصريحة بقتله وكفره ، وقد انتشرت فتياك بين المسلمين انتشار النار بالهشيم .
وبعد هذا فكيف تدّعين أنك خرجت مطالبة بدمه ؟ !! .
إن كنت على حق . فلم لم تهبِّ لنجدته ، ونصرته حينما أحاط به الثوار ، وقد جاءك مروان بن الحكم ، وزيد بن ثابت مستنجدين بك لنصرة عثمان والذب عنه ، فتنكّرت لزيد ، وقابلتيه بأغلظ القول قائلة له :
« ما منعك ، يا بن ثابت ، ولك الأساريف قد أقطعكها عثمان وأعطاك عشرة آلاف دينار » .
ثم نهرت مروان وقلتِ له :
« أتراني في شك من صاحبك والذي نفسي بيده لوددت أنه الآن في غرارة من غرائري مخيط عليه فألقيه في البحر الأخضر » .
وهرع إليك مرة ثانية مروان بن الحكم ، ومعه عبد الرحمن بن عتّاب بن أسِيد رسولين عن عثمان لتصدين عنه الثوار فقالا لك :
« لو أقمت فلعل الله يدفع بك عن هذا الرجل ؟ » .
وقال لك مروان :
« يدفع لك عثمان بكل درهم أنفقتيه درهمين » .
فرددت عليه بقولك :
« قد قرنت ركائبي ، وأوجبت الحج على نفسي » .
وبعد هذا كيف تدعين أنه قتل مظلوماً ؟ وقد بذلت جميع جهودك في الإطاحة بحكمه فقلتِ لابن عباس لما خرج من المدينة إلى مكة أميراً على الحج من قبل عثمان قلت له :
« يا بن عباس أنشدك الله ، فإنّك أعطيت لساناً أزعبلا أن تخذل عن هذا الرجل ، وإياك أن ترد عن هذا الطاغية ، وأن تشكك فيه الناس ، فقد بانت لهم بصائرهم ، وأنهجتِ ، ورفعت له المنار ، وتجلبوا من البلدان ، وقد رأيت ابن عبيد الله قد اتخذ على بيوت المال ، والخزائن مفاتيح ان يسير بسيرة ابن عمه أبي بكر . . » .
فقال لكِ ابن عباس ، وقد عرف غايتك :
« يا امه لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلا الى صاحبنا » .
فالتعت من قوله وانبريت فزعة قائلة له :
« إِ يهاً عنك ، لست أريد مكابرتك ، ولا مجادلتك » .
ولما بلغكِ مقتل عثمان ، وأنت في مكة دخلك موجات من السرور والأفراح ، وضربت قبتك في المسجد الحرام ، وقلت :
« أبعده الله ، قتله ذنبه ، وأقاده الله بعمله ، بعداً لنعثل وسحقاً . . إِيهاً ذا الاصبع ، إِيهاً أبا شبل ، إِيهاً ابن عم ، فكأني انظر الى اصبعه وهو يبايع . . يا معشر قريش لا يسؤِنكم مقتل عثمان كما أساء احيمر خدود قومه ، ان أحق الناس بهذا الأمر لذي الاصبع » .
وخرجت من مكة الى يثرب ، فلما انتهيت الى سرف (1) لقيك عبيد بن ابي سلمة ، وكان قادماً من يثرب فاستعجلتِ قائلة له :
ـ مهيم (2) .
ـ قتلوا عثمان .
ـ ثم صنعوا ماذا ؟
ـ اجتمعوا على بيعة علي فجازت بهم الامور الى خير مجاز فانهارت أعصابك وخارت قواك ، وبلغ بك الحزن الى قرار سحيق ، وهتفتِ وانت حانقة مغيظة ، وبصرك يشير الى السماء ثم ينخفض فيشير الى الأرض قائلة :
« ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لابن أبي طالب ، قُتل عثمان مظلوماً والله لأطلبن بدمه » .
فذهل عبيد من منطقك الرخيص المتنافض ورد عليك باستهزاء وسخرية قائلاً :
« ولم ؟ فوالله إن اول من أمال حرفه (3) لأنتِ ولقد كنتِ تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر . .
فقلت له :
« إنهم استتابوه ثم قتلوه ، وقد قلت وقالوا ! وقولي الاخير خير من قولي الأول . . » .
وهل كنت حاضرة حينما استتابوه ، وهل لك دراية بكيفية توبته .
| منـك البـداء ومنـك الـغيـر | * | ومنـك الـريـاح ومنـك المطـر |
| وانـت أمـرت بقتـل الإمـام | * | وقـلـت لـنـا إنـّه قـد كـفـر |
| فـهبنـا أطعنـاك فـي قتلـه | * | ولـم تنـكسف شمسنـا والـقمـر |
| وقـد بايـع النـاس ذا تـدرؤ | * | يـزيـل الـشبـا ويقيـم الصعر (1) |
| ويـلبـس للـحرب أثـوابهـا | * | وما مـن وفي مثـل من قـد غـدر |
فأعرضت عنه وانصرفت راجعة الى مكة مكة تثيرين الأحقاد ، وتلهبين نار الثورة في النفوس ، وتدعين الى نقض بيعة علي .
يا أم المؤمنين ما أدهاك كيف استطعت ان تبرئي القتلة طلحة والزبير ونفسك من دم عثمان ، وتجعلين القاتل مطالباً بثأر القتيل ؟
ولم تجد عائشة بداً من الاعتراف بزيف اعتذراها بالمطالبة بدم عثمان ، وقد ادلت بالأسباب الواقعية التي دفعتها الى إعلان التمرد على حكومة الامام فتقول :
يا رسول الله تعلم اني امرأة قوية العاطفة شديدة الغيرة ، ضعيفة الارادة ، كثيرة الانفعال ، وقد غلبت عاطفتي عقلي ، فسلكت غير الجادة ، وصممت على الانتقام من علي ، وذلك لأمور وهي :
1ـ اني لا أنسى ما أبداه من رأي عند انتشار حديث الإفك فقد أشار عليك بطلاقي ، وفكاكي عنك وقد أثار كوامن الحقد والبغضاء في نفسي ، واني لأكن له في أعماق قلبي من البغض والعداء له ما لا يعلم به إلا الله ، وكلما
2 ـ إنه مما هيج غضبي عليه شدة غيرتي على خديجة أم فاطمة زوجه ، فإني طالما كنت أقول : ما غرِت على امرأة كما غرت على خديجة ، وذلك لكثرة ذكرك لها ، وثنائك عليها ، وعندما كنت تذكرها أقول لك :
« ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيراً منها » فيتغير وجهك تغييراً ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي فتقول لي :
« ما أبدلني الله خيراً منها ، آمنت بي إذ كفر بي الناس ، وصدقتني أذ كذبني الناس ، وواستني بمالها أذ حرمني الناس ، ورزقني منها الولد ، وقد حرمته من غيرها » .
وقد دفعني حبك العارم لخديجة على كراهيتها وكراهية ابنتها التي هي أعز الناس عندك .
إنه ليس شيء أدعى لإثارة حقد المرأة من أن تجد أحداً أثيراً عند زوجها ، ومقدماً عليها ، فقد دعتني طبيعة المرأة إلى ما قدمت عليه .
3 ـ ومما كان يواري نار غضبي على علي حبك له ولا بنتك فاطمة فقد كانا يقاسماني ثلثي أوقاتي . . وكان على عريم أبي القديم ، ومنازعة سلطانه ، فلذا كانت خلافته من أثقل الأمور عليَّ ولم أستطع على أن أسكن جام غضبي عليه .
4 ـ وكنت أتوقع أن ترجع أُبّهة الخلافة والسلطان إلى ابن عمي طلحة ، حتى يؤثرني بالمال ، والجاه ، ويجعل كلمتي هي الفصل في جميع شؤون الخلافة والحكم فلذا شدت به وكانت دعوتي له .
5 ـ إني عارفة بسيرة علي وواقعه ، وهو من دون شك لا يرى لي ميزة على غيري من نساء المسلمين ، وإنه يساوي في العطاء بيني وبين غيري ، فليس عنده أحد أثيراً ولا مقدماً .
وان سياسته لا أطيقها فلذا ثرت عليه ، وأعلنت التمرد على حكومته .
ويعلن النبي صلى الله عليه وآله إنكاره على عائشة فيقول لها : لقد سمعنا دفاعك ، وهو عار من المنطق ، وليس لتمردك أي مبرر ، فقد اسلت الدماء ، وهتكت الأعراض وأضعت الأموال ، وأيتمتِ الأطفال ، ورملت النساء ، وأوقعت الفتنة بين المسلمين ، فقد أعقب تمردك حرب صفين ، والنهروان .
وما ذنب علي حتى يستحق عندك هذا الجفاء ، وتحملين له في طيات نفسك هذا البغض والعداء .
أي عائشة لقد ظللت عن الرشاد في كراهيتك لعلي فما الذي حداك إلى التشفّي وإظهار المسرة بعد مقتله فقد سجدت شكراً لله وأنشدت :
أي عائشة ما الذي حداك أن تمنعين سبطي الأول وريحانتي الإمام الحسن من الدفن في جواري ، وقد كان ذلك من أغلى أمانيه وأعزّها ، فقد خدعك شياطين بني أمية فأخرجوك من دارك التي أمرك الله أن تقري فيه ، وأركبوك بغلة شهباء ، وأنت تنادين بلا اختيار .
« لا تدخلوا بيتي من لا أحب !! إن دفن الحسن في بيتي لتجز هذه ـ وأومأت إلى ناصيتك » (1) .
وقد احتف بك بنو أمية ، وهم مدججون بالسلاح يريدون الفتنة بين المسلمين ، وعلى رأسهم مروان بن الحكم وهو ينادي :
« يارب هيجاء هي خير من دعة ، أيدفن عثمان بأقصى المدينة ويُدفن الحسن عند جده لا كان ذلك أبداً . . »
وما علمت أن كلامك سيؤدي إلى إراقة الدماء ، وإلى تفريق صفوف
يا عائشة : متى كان بيتي بيتك أبنحلة أم بميراث ملكتيه ؟ فلماذا منع ابوك فاطمة من التصرف في فدك ، وزعم اني قلت :
« نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً . . » .
إن كنت تملكتيه بالميراث فما هو مقدار حصتك منه ، إنه تسع من الثمن من نفس البناء دون الأرض لأن الزوجة لا ترث من الأرض شيئاً ، وكان الباقي وهو السبعة اثمان الباقية مع جميع الأرض لابنتي فاطمة ، فحصتك من مجموع السهام واحد من اثنين وسبعين سهماً ، وكذلك تكون نسبة سهام ضراتك ، وتكون حصة الزهراء ثلاثة وستين سهماً .
ولماذا لا تحبين ريحانتي وسبطي الأول الم تسمعِ اني قلت في حقه « اللهم اني احبه واحب من يحبه » (1) .
وقلت : « اللهم إن هذا ابني ، وانا احبه فأحبه ، واحب من يحبه » (2) .
وقلت : « من سره ان ينظر الى سيد شباب اهل الجنة فلينظر الى الحسن » (3) .
وقلت فيه : « الحسن ريحانتي من الدنيا » (4) .
يا عائشة : الم تسمع ذلك مني فلماذا لا تحبيه ، وتحقدين عليه ؟ وحلت بينه ، وبين الدفن في جواري ، فلو كان لموسى بن عمران ولد أما كان يدفن مع ابيه ، والأمر لله وهو الحاكم العدل الذي لا يجوزه ظلم ولا اعتداء معتدي .
يا عائشة أسوق اليك بعض مخالفاتك لي وهي كما يلي :
ومن غريب امرك تشكيكك برسالتي ، وذلك حينما اغضبتك فقد جابهتيني
وتعلمين اني في جميع ادوار حياتي لم اجد ، ولم اظلم ، ولم اخرج عن موازين العدل ، وقد هاجمتيني الى ابيك فقلتِ لي « يا رسول الله اقصد » (2) فلطمك ابوك على خدك حتى سالت الدماء من انفك وذلك لجرأتك عليَّ (3) .
وغررت اسماء بنت النعمان الجونية ، ومكرت بها انت وصاحبتك حفصة ، عندما تزوجتها فقد دخلت عليها تخضبيها ، وحفصة تمشطها ، فقالت احداكن لها « ان النبي يعجبه من المرأة اذا دخلت ان تقول له : ( اعوذ بالله منك ) فاتخذت ذلك نصيحة وحباً لها ، فلما دخلت عليها بادرتني بذلك القول فقلت لها : « عُذت بمعاذ » وخرجت فالحقتها باهلها فماتت كمداً وحزناً (4) .
ونسبت الإفك والزور الى ابني ابراهيم وامه ، وذلك حينما دخلت عليك بولدي ابراهيم ، وكان يشبهني ، فسألت عن ذلك ، فقلت : ما رايت شبهاً ، وقد برأ الله ابراهيم وامه على يد أمير المؤمنين عليه السلام (5) .
وتظاهرت انت وضرتك حفصة عليَّ فكشف الله سركما بقوله :
« وان تظاهرا عليه فإنّ الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة
يا عائشة ما عذرك ، وما كنت تبغينه من الاجتهاد بالراي والتأوّل لكتاب الله وسنّتي ، وهي كثيرة منها اتمامك الصلاة الرباعية في السفر ، وقد شرع الله قصرها ، فلم تعن بذلك ، فقد صليتيها اربع ركعات (2) فما هي الفائدة التي جنيتيها من التلاعب باحكام الله ، اتريدين ان تكوني نبيّة ، وصاحبة شرع ، ومؤسسة احكام ؟ ؟
فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وهو تعالى الحاكم بين عباده بالحق والعدل ، وينتهي بذلك المطاف حديث عائشة ، ونستمع الى شكوى علي .
ويقوم صاحب الحق المغتصب أمير الله في أرضه ، وحجته على عباده سيد الوصيين ، وإمام المتقين الإمام أمير المؤمنين فيرفع شكواه إلى الحاكم العدل القوي القاهر الذي لا يجوزه ظلم ظالم ، ويسود الصمت على جميع أهل المحشر فيلقي الإمام
خطبته الشقشقية :
« أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة ، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلُّ القطب من الرّحى ، ينحدر عني السيل ، ولا يرقى إليّ الطَّير ، فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً ، وطفقت أَرتئي بين أن أصول بيد جذَّاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه . . فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى أرى تراثى نهباً . . حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده ، وتمثل بقول الأعشى :
فيا عجبا !! بيناهو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته . . لشدّ ما تشطّرا ضرعيها فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسّها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها فصاحبها كراكب الصعبة ، إن أشنق لها خرم ، وأن أسلس لها تقحّم ، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس ، وتلّون واعتراض ، فصبرت على طول المدّة ، وشدة المحنة ، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم . . فيالله وللشورى متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النضائر لكني أسففت إذ أسفّوا ، وطرت إذ طاروا ، فصغى رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن ، إلى أن قام ثالث القوم
يا رسول الله :
لقد طافت الأزمات بعد فقدك ، وتتابعت عليَّ المحن والآلام فقد انتهكت كرامتي ، والصقت خدي بالتراب ، فلم ترع حرمتي ، ولم يلحظ مقامي ، وأجمعت قريش على حربي كما أجمعت على حربك .
لقد جحد القوم بيعة الغدير ، وتنكّروا جميع ما أوصيتهم به من الود لعترتك والحب لها ، فلم تمض ثلاثة أيام على وفاتك وإذا بالقوم يحملون قبساً من النار يريدون حرق بيتي وفي البيت بضعتك فاطمة ، وأخرجوني كما يقاد البعير المغشوش لبيعة أبي بكر ، وخرجت خلفي بضعتك وهي تتعثر بأذيالها قد علاها الأسى والحزن ، فأنقذتني من شرهم ، ونجّتني من مكرهم .
يا رسول الله :
لقد لاقينا بعدك من الهوان والأسى ما لا يعلم بفضاعته ومرارته إلا الله ، فقد تقمص الخلافة شرار الخلق من بني أمية وبني العباس فصبّوا على عترتك ألواناً قاسية من المحن والنكبات ، فقد تقطعت اوصال سبطك الحسين على صعيد
وأخذت المصائب والمحن تتابع على عترتك فبين مسموم وبين سجين يطاردهم الرعب والفزع والخوف كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر .
وسيلقون عليك يا رسول الله سجلاً حافلاً من مصائبهم ورزاياهم ويتحدثون إليك عن أليم المصاب وفاجع الخطب الذي حل بهم فأحفهم السؤل واستخبرهم الحال فستجد قلوبا مروعة ، ونفوساً مفجوعة فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد وعند الساعة ما يخسر المبطلون .
وينهي الإمام خطابه ، وينظر في شكايته الحاكم المطلق الذي لا يجوزه ظلم ظالم ليوفي كل نفس جزاء ما عملت « اليوم تجزى كل نفس ما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب » .