الاَحكام الشرعية الفرعية : إمّا عبادات كالصوم والصلاة ، أو معاملات .
والمعاملات : إمّا أن تكون عقوداً مثل البيع والشراء ، أو ايقاعات
كالطلاق والعتق ، أو أحكاماً مثل الحدود والتعزيرات .
ومع كون التقية من الفروع الشرعية بلا خلاف ، إلاّ أنّ فقهاء العامّة لم
يفردوا لها عنواناً باسم التقية في كتبهم الفقهية ، وإنّما بحث معظمهم
مسائلها في قسم العقود من المعاملات ، وتحديداً في كتاب الاِكراه .
والسبب في ذلك ، هو علاقة التقية بالاكراه مع دخول كل منهما في أغلب
الفروع الشرعية . وهذا السبب ليس كافياً في الواقع ، فالشهادات مثلاً مع
بل ، وثمّة إشكال آخر على بحث مسائل التقية تحت عنوان الاكراه ؛
لما مرّ سابقاً من انتفاء الاكراه في بعض أقسام التقية ، ولهذا ترك بعضهم
مسائلها موزعة على مواردها في أغلب الاَبواب الفقهية .
ومن هنا صار بحث التقية فقهياً بحثاً مضنياً يتطلب الرجوع إلى أبواب
الفقه كافة ، بغية الوقوف على مسائلها ، وهو ما حاولنا القيام به ، مع مراعاة
الاختصار باجتناب الاطالة ما أمكن ، والاكتفاء بالاَهم دون المهم ، والبعد
عن كلِّ ما فيه من غموض أو تعقيد .
وقد ارتأينا تقسيم مسائلها على غرار التقسيم الفقهي السائد لفروع
الاحكام ، مسبوقاً بما اتصل منها بركن الرسالة الاَعظم : الاِيمان بالله تعالى
ورسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ، أو بالاَخلاق والآداب العامّة كما في مداراة الناس
ومعاشرتهم بالحسنى ، كما سنبينه قبل ذلك التقسيم ، وعلى النحو الآتي .
أولاً : افتاء فقهاء العامّة بجواز التقية في لب العقيدة وجوهرها :
ويدل عليه أمور :
1 ـ قولهم بجواز تلفظ كلمة الكفر بالله تعالى والقلب مطمئن بالايمان ،
عند الاكراه عليها (1).
=
وقد مرّ في دليل الاجماع أكثر من تصريح لهم بالاجماع على ذلك .
2 ـ تجويزهم سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حال التقية (1).
3 ـ تجويزهم أيضاً السجود إلى الصنم في مالو أُكره المسلم عليه (2).
وإذا كان كل هذا جائزاً عندهم في حال التقية ، فمن باب أولى جوازها
عندهم في سائر أصول العقيدة ، بل وفي سائر فروعها أيضاً . وكيف ينال
المسك وتسلم فأرته ؟
ثانياً : افتاؤهم بجواز التقية في الآداب والاخلاق العامّة :
ويدل عليه قول الشيخ المراغي : «ويدخل في التقية مداراة الكفرة ،
والظلمة ، والفسقة ، وإلانة الكلام لهم ، والتبسم في وجوههم ، وبذل المال
لهم لكف أذاهم ، وصيانة العرض منهم ، ولا يُعد هذا من الموالاة المنهي
عنها ، بل هو مشروع» (3).
ولعلّ في مداراة الفرقة الوهابية لسائر المسلمين في عدم تهديم قبر
=
175 ، ط2 ، دار الكتاب العربي ، بيروت | 1402 هـ . وأحكام القرآن | محمد بن ادريس الشافعي 2: 114 ـ 115 ، دار الكتب العلمية ، بيروت | 1400 هـ . والمغني | ابن قدامة الحنبلي 8 : 262 ، ط1 ، دار الفكر ، بيروت | 1404 هـ .
ثالثاً : افتاؤهم بجواز التقية في العبادات :
ونكتفي بأهم العبادات التي جوزوا التقية فيها وقس عليها ما سواها .
1 ـ جواز التقية في الصلاة خلف الفاسق :
مرّ سابقاً عن ابن قدامة الحنبلي قوله : «لا تجوز الصلاة خلف المبتدع
والفاسق في غير جمعة وعيد ، فيصليان بمكان واحد من البلد ، فان من
خاف منه إن تَرَكَ الصلاة خلفه ، فإنّه يصلي خلفه تقية ثم يعيد الصلاة» .
2 ـ جواز ترك الصلاة تقية :
اتفق المالكية والحنفية والشافعية على جواز ترك الصلاة المفروضة في
مالو أُكره المسلم على تركها (1).
3 ـ جواز الافطار في شهر رمضان تقية :
صرّح المالكية والحنفية والشافعية بعدم ترتب الاثم على من أفطر في
شهر رمضان تقية بسبب ضغط الاكراه عليه (2).
4 ـ الافتاء العجيب بشأن الافطار المتعمد قبل الاكراه عليه :
ومن الفتاوى العجيبة الداخلة في دائرة التقية عند الاحناف ، ما رواه
5 ـ سقوط الكفارة عمن جامع امرأته كرهاً في شهر رمضان :
قال الفرغاني : «لو أُكرِه الرجل على أن يجامع امرأته في شهر رمضان
فلا كفارة عليه ويجب القضاء» (2).
رابعاً : افتاؤهم بجواز التقية في المعاملات :
القسم الاَول ـ العقود :
وتقتصر على بعض مسائله وهي :
1 ـ جواز التقية في البيع والشراء : تصح التقية فيهما بلا خلاف بين
المالكية والحنفية(3)، كما صححها غيرهم كالظاهرية (4).
2 ـ جوازها في الوكالة : صرّح القرطبي المالكي ـ كما مرَّ في تقية
أصحاب الكهف ـ بالاتفاق على صحة توكيل الانسان حال التقية ، فراجع .
3 ـ جوازها في الهبة : وهي أيضاً مما تصح فيه التقية عند المالكية
القسم الثاني ـ الايقاعات :
ونكتفي منها بالصور الآتية :
1 ـ جواز التقية في الطلاق : لو طلق الاِنسان زوجته تقية بسبب الاكراه ،
فهل يصح الطلاق ، أو لا يصح ، بمعنى : هل يقع الطلاق تقية أو لا ؟
اختلفوا في ذلك على قولين ، أحدهما الوقوع ، والآخر عدمه .
فمن اجاز طلاق المكره ، هم : أبو قلابة ، والشعبي ، والنخعي ،
والزهري ، وأبو حنيفة ، وصاحباه ، قالوا : لاَنّه طلاق من مكلّف في محل
يملكه ، فينفد كطلاق غير المكره .
وأما من ذهب إلى عدم وقوع مثل هذا الطلاق ؛ لاَنّه وقع تقية بلا رضا
الزوج فهم : أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وعمر بن الخطاب ، وعبدالله بن
عباس ، وابن الزبير ، وجابر بن سمرة ، وعبدالله بن عبيد بن عمير ،
وعكرمة ، والحسن البصري ، وجابر بن زيد ، وشريح القاضي ، وعطاء ،
وطاوُس ، وعمر بن عبدالعزيز ، وابن عون ، وأيوب السختياني ، ومالك ،
والاوزاعي ، والشافعي ، واسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، صرّح بكل هذا
ابن قدامة الحنبلي واختار القول الثاني (2).
وهو الصحيح الذي عليه المالكية (1)والشافعية (2)والحنبلية (3)، كما
اختاره بعض فقهاء الاحناف (4).
2 ـ جوازها في العتق : تجوز التقية فيه عند المالكية (5)، وغيرهم (6)،
مع عدم ترتب آثارها بمعنى عدم وقوع العتق في حال التقية ، لحصوله من
غير رضا المُعتِق .
3 ـ جوازها في اليمين الكاذبة : لو حلف انسان بالله كاذباً ، فلا كفارة
عليه إن كان مكرهاً على اليمين ، وله ذلك تقية على نفسه ، وتكون يمينه
غير ملزمة عند مالك والشافعي وأبي ثور ، وأكثر العلماء على حد تعبير
النووي الشافعي ، واستدل بحديث : «ليس على مقهور يمين» (7).
أقول : صرّح بهذا الشافعي ونسبه إلى عطاء بن أبي رياح (8)وقد افتى
به غير واحد من فقهاء المالكية (9)ونقل القرطبي عن ابن الماجشون : إنّه
لا فرق في ذلك بين ان تكون اليمين طاعة لله تعالى ، أو معصية ، وإنه
وقد كان مالك بن أنس يقول لاَهل المدينة في شأن بيعتهم للطاغية
المنصور العباسي : إنكم بايعتم مكرهين ، وليس على مكره يمين (3)
يحثهم بهذه الفتيا على الخروج مع إبراهيم بن عبدالله بن الحسن للثورة
على المنصور .
1 ـ جواز التقية في حكم الاَطعمة والاَشربة المحرمة : أفتى القرطبي
المالكي بجواز التقية في شرب الخمر (1)، وقالت الحنفية : تجوز التقية إذا
كان الاقدام على الفعل أولى من الترك ، وقد تجب إذا صار بالترك آثماً ،
كما لو أُكرِه على أكل لحم الميتة أو أكل لحم الخنزير ، أو شرب الخمرة (2).
وهذه المحرمات المذكورة تجوز كلّها إن كان المتقي باتيانها مكرهاً عليها
بغير القتل ، وأما لو كان الاكراه عليها بالقتل ، فقد صرّح الشافعية بوجوبها (3).
وقال ابن حزم الظاهري : «فمن أكره على شرب الخمر أو أكل الخنزير
أو الميتة أو الدم أو بعض المحرمات ، أو أكل مال مسلم أو ذمي ، فمباح له
أن يأكل ويشرب ولا شيء عليه لاَحد ولا ضمان» (4).
وقد عرفت أن التقية في شرب الخمر ممنوعة عند فقهاء الشيعة ما لم
يصل الاكراه الى حد القتل .
2 ـ جوازها في الزنا : إذا أكره الرجل على ارتكاب هذه الجريمة ، واتقى
على نفسه بارتكابها فهل يسقط الحد عليه أو لا ؟
اختلفوا على قولين :
أحدهما : سقوط الحد عنه ، وهو قول القرطبي المالكي (1)، وابن
العربي المالكي (2)، والفرغاني الحنفي (3)، وابن قدامة الحنبلي (4)، وابن
حزم (5) ، وقال أبو حنيفة : يسقط الحد إن كان الاكراه من السلطان ، وإلاّ
حُدّ استحساناً (6).
والآخر : إقامة الحد على الزاني تقية ويغرّم مهرها ، وهو قول مالك بن
أنس ، والشافعي ، وقال أبو حنيفة لا يجب المهر (7).
وأما لو استكرهت المرأة على الزنا ، فلا حدّ عليها ، قولاً واحداً (8).
3 ـ جوازها في الدماء : تقدم أن أهل البيت عليهم السلام صرّحوا بأنّ التقية إنّما
شرعت لحقن الدم ، وإنّه إذا بلغت التقية الدم فلا تقية ، وبهذا أفتى فقهاء
الشيعة اقتداءً بأهل البيت عليهم السلام . وقد وافقهم على هذا من فقهاء العامّة مالك
بن أنس (9).
وهو ظاهر المذهب المالكي ، قال ابن العربي المالكي : «قال علماؤنا :
فقال أبو حنيفة : يصح الاكراه على القتل ، ولكن يجب القصاص على
المكره ، دون المأمور .
وقال أبو يوسف : يصح الاكراه على القتل ولا يجب القصاص على
أحد ، وكان على الآمر دية المقتول في ماله في ثلاث سنين (3)!!
واعترف بهذا الكاساني الحنفي ، قائلاً : «والمكرَه على القتل لا قصاص
عليه عند أبي حنيفة وصاحبه محمد ، ولكن يعزر القاتل ، ويجب
القصاص على المكرِه .
وعند أبي يوسف لا يجب القصاص لا على المكرِه ولا على المكرَه ،
وإنّما تجب الدية على الاَوّل» (4).
وقد اعتذر السرخسي الحنفي عن أبي يوسف عن فتياه العجيبة هذه ،
فقال : «وكان هذا القول لم يكن في السلف ، وإنّما سبق به أبو يوسف
واستحسنه» (5).
أقول : ومن فروع هذه المسألة عند أبي حنيفة وصاحبه محمد بن
الحسن الشيباني ، أنه يجوز للرجل أن يتقي في قتل أبيه ، ولا يحرم من
ميراثه .
قال الفرغاني الحنفي : «لو أُكرِه الرجل على قتل موروثه بوعيد قتل
فَقَتَل ، لا يحرم القاتل من الميراث ، وله أن يقتُل المُكرِه قصاصاً لموروثه
في قول أبي حنيفة ومحمد» (1).
والخلاصة ، إنّ المذهب الحنفي يجوز التقية في الدماء !! وهو أحد
قولي الشافعي (2).
4 ـ جوازها في قطع الاَعضاء : تصح التقية في قطع أعضاء الاِنسان ، ولا
قصاص في ذلك لا على الآمر ولا على المأمور، بل تجب الدية عليهما معاً
من مالهما عند أبي يوسف(3)!!
والاَعجب من كلِّ هذا ، جوازها في قطع الاَعضاء تبرعاً من غير اضطرار أو
إكراه !!!
إنّه لو أكرَه السلطان رجلاً على أن يقطع يدَ رجُلٍ فقطعها ، ثم قطع
يدَه الاُخرى ، أو رجله تطوعاً من غير اكراه من السلطان ، وإنّما قطعها
اختياراً ، فهل يجب عليه القصاص فيما قطعه مختاراً أو لا ؟
الجواب : لا قصاص عليه ، ولا على السلطان ، بل تجب عليهما الدية
5 ـ جوازها في هتك الاَعراض !! : ومن فتاوى العامّة المخجلة حقاً
تجويزهم التقية على الاِنسان في هتك عرضه وشرفه وناموسه ، وعليه أن
يقف ذليلاً وبكل نذالة وهو يرى الاعتداء على شرفه ولا يدفع عنه شيئاً !
ففي الجامع لاَحكام القرآن للقرطبي المالكي أنّه إذا أُكرِه الاِنسان على
تسليم أهله لما لا يحلّ ، أسلمها ، ولم يقتل نفسه دونها ، ولا احتمل أذية
في تخليصها (2).
6 ـ جوازها في قذف المحصنات : تجوز التقية في قذف المحصنات
عند الجصاص الحنفي (3)، وقد زاد على ذلك السرخسي ، جواز الافتراء
على المسلم تقية (4).
7 ـ جوازها في اتلاف مال المسلم : جوّز الحنفية والشافعية وغيرهم
التقية في اتلاف مال المسلم لمن يُكرَه على ذلك ، ولا ضمان عليه وإنّما
الضمان على من أكرهه (5).
=
وأطلق الاِمام الزيدي أحمد بن يحيى بن المرتضى القول باباحة مال
الغير بشرط الضمان في حال التقية (1).
8 ـ جوازها في شهادة الزور : صرّح السيوطي الشافعي بجواز شهادة
الزور عند الاكراه عليها ، فيما لو كانت تلك الشهادة في اتلاف الاموال (2).
كلمة أخيرة عن سعة التقية في فقه المذاهب الاَربعة :
لقد تركنا الكثير جداً من المسائل التي جوّز فيها فقهاء العامّة التقية بغية
للاختصار ، كتجويزهم التقية مثلاً في : الصدقة ، والاقرار ، والنكاح ،
والاجارة ، والمباراة ، والكفالة ، والشفقة ، والعهود ، والتدبير ، والرجعة ـ
بعد الطلاق ـ والظهار ، والنذر ، والايلاء ، والسرقة ، وغيرها من الفروع
الشرعية (3) ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات. ومن هنا قال
المالكية : «الاكراه، إذا وقع على فروع الشريعة لا يؤخذ المكره بشيء»(4).
وأوسع من هذا المعنى ما صرّح به موسى جار الله التركماني
بقوله:«والتقية هي : وقاية النفس من اللائمة والعقوية ، وهي بهذا المعنى
من الدين ، جائزة في كلِّ شيء» (5).
=
وأما لو كان الاكراه غير ملجيء وهو ما كان التهديد فيه بما دون القتل فللمكرَه أن يتقي في المثال أيضاً بشرط الضمان .
وقال أيضاً : «التقية في سبيل حفظ حياته ، وشرفه ، وحفظ ماله ، وفي
حمايته ، حق من حقوقه واجبة على كلِّ أحد إماماً كان أو غيره» (1).
وبهذا وغيره مما مرّ في فصول هذا البحث يتضح أنّه لا مجال لاَحد في
النقاش بمشروعية التقية في الاِسلام ، ولا مجال لانكارها بحال من
الاَحوال ، وان انكارها مرض طبعت عليه قلوب المنافقين ، والحمد لله
ربِّ العالمين .