اذن يظهر من هذه الامور ومن خلال عدة احاديث مأثورة ان الأفلاك والموجودات ما خلقت لولا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « يا احمد لولاك لما خلقت الافلاك » وهذه العبارة مطابقة لمضمون كثير من الاحاديث الولائية سواء كانت من كتب الخاصة أو العامة . وبعبارة أخرى لتوضيح المطلب :
أولاً : حينما نسأل ، لماذا خلق الله الكون « الافلاك » ؟ فإن الجواب يأتي من القرآن الكريم وهو أن الله خلق الكون والحياة من أجل الإنسان ، لأنه قال : ( ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ... ) ، وقال : ( وسخر لكم الشمس والقمر ... وسخر الليل والنهار ) وسخر كل شيء في السموات ، وكل شيء في الأرض ، وسخرها في خدمة الإنسان ، لأنه حينما يقول : سخرها ، فإن ذلك يعني أنه جعلها ، في خدمة الإنسان مسخرة له ، يتصرف بها كيف يشاء ... مثل تسخير القمر ، والبحر للانسان ، فمن القمر ، ننتفع بالضوء ، ومن البحر ننتفع بالماء ... وكما ان القمر يحمل السفن الفضائية على ظهره ، كذلك البحر يحمل السفن الشراعية على ظهره أيضاً .
إذاً : فالجواب على السؤال المتقدم : لماذا خلق الله الافلاك والكون ، والحياة ؟
أقول : الجواب ، خلقها من أجل الإنسان ، كما صرح بذلك القرآن الكريم ، في أكثر من مائة آية كلها تؤكد المعنى ، وتصب اهتماما في هذا الجانب ، بكلمة : سخر ... وجعل .. الخ .
وثانياً : نسأل ، لماذا خلق الله الإنسان ؟ ويأتي الجواب من القرآن أيضاً : إنه للعبادة ، ( وما خلقت الجن ، والانس إلاّ ليعبدون ) (2) .
(1) راجع حديث الكساء الشريف .
(2) سورة الذاريات : الآية 56 .
والعبادة لاتتحقق إلاّ بشروط ، ومن أهم تلك الشروط :
(أ) معرفة الطريق . وكشف الوسيلة .. ووجود القائد ، لأنه من دون القائد ، لا يمكن الإنطلاق في اتجاه صحيح ، ولذلك صار القائد ، الإمام المعصوم .. ومعنى ذلك : أن فقدان القائد ، يعني فقدان العبادة ، وإذا فقدت العبادة ، انتفت الحكمة من وجود الإنسان ، واذا انتفت الحكمة من وجود الإنسان ، ولم يعد لوجود الافلاك معنىً ، لأن الافلاك انما وجدت بوجود الإنسان الذي يعبد الله ، ولذلك عندما تقوم الساعة ، وينتهي دور الإنسان في الحياة ، فإن الكواكب ، والنجوم ، والافلاك كلها تتمزق شذر مذر ، وينتهي دورها : وحملت الأرض والجبال ، فدكتا ، دكة واحدة ، ويقول : ( ويسألونك عن الجبال ، فقل ينسفها ربي نسفاً ) (1) ويقول القرآن الكريم : ( إذا السماء انشقت ) . ( وإذا النجوم ..) .
وعليه فمن كل ما تقدم ، نخرج بالنتيجة التالية : وهي أن الله سبحانه ـ لولا الحبيب المصطفى ـ لم يخلق الكون ، ولا الافلاك .. ولأنّ هذه الحكمة ، لا تسقط بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما تستمر الحكمة ، من خلال الأئمة الطاهرين عليهم السلام أجمعين .
وعلى هذا الأساس كان خلق السماوات والأرض وما بينهما لاجل الإنسان وليعبد الله تعالى بعد معرفة الإنسان بان الله تعالى خلقه بقدرته لذلك وانه سيبعثه يوم القيامة لتجزى كل نفس بما كسبت ومن الضروري الذي ثبت في محله ان الذين الذي رضى به الله تعالى واتمه واكمله لعباده هو الذي قال فيه تعالى ـ ( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ) .
هذا هوالدين القيم الذي ارسل به رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ( بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ) ، فظهر مما ذكرنا اجمالا معنى قوله « لولاك ما خلقت الأفلاك » وذلك لكونه سيد المرسلين وخاتم النبيين ، ورسولا إلى الناس جميعا بهذا
« فغاية الخلق هو الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما هو الصادر الأوّل ـ لقاعدة الأشرق كما في الفلسفة ـ وقد ورد في الخبر الشريف ـ كما تقدم ذلك ـ أول ما خلق الله نور محمد فهو العلة التامة بعد علة العلل وهوالله سبحانه (1) .
أي يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لولا أمير المؤمنين علي بن ابي طالب لما خلقتك ، وربما يظهر من هذا الكلام بعض التشويه لمن ليس له الباع الطويل لفهم ودراية احاديث أهل البيت عليهم السلام ، ولكن بأبسط تأمل وتدقيق في معاني هذا الكلام ينحل لنا هذا اللغز الحير ، فالرواية التقدمة في علة خلق الموجودات تبين ان لولاهم ما خلقتك يا آدم ، أي ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام مشتركين في نفس الأمر لكون الإمام علي هو نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكما عبرت عنه آية المباهلة « انفسنا » فلا يتوهم المتوهمين في عدم تأويل وبيان هذا الأمر وتوجد نكته مهمة في هذا المقام متعلقة بأسرار البسملة ليست بقابلة للتقرير والتحرير ، حيث قيل في هذا المقام ان الوجود ظهر من باء بسم الله الرحمن الرحيم وكما ورد ذلك في الاحاديث المأثورة عن أهل بيت العصمة وقيل « بالباء ظهر الوجود وبالنقطة تميز العابد عن المعبود » . وقال أمير المؤمنين ومولى الموحدين علي عليه السلام « والله ! لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من « شرح » باء بسم الله الرحمن الرحيم » . وقال ايضاً « انا النقطة تحت الباء » لانه كنقطة بالنسبة إلى التعين الأوّل الذي هو النور الحقيقي المحمدي لقوله ـ أي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ـ « أول ما خلق الله نوري المسمى بالرحيم » ولقوله « أنا وعلي من نور واحد » لأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالباء وعلي عليه السلام كالنقطة تحتها ، لأنّ الباء لا تعين إلا بالنقطة ، كما أن النبي لا يتكمل إلا بالولاية ، ومن هنا كان لولا علي لما خلقتك يا رسول الله فأفهم تعغنم والله الهادي إلى
(1) راجع فاطمة ليلة القدر : 14 .
اذن العلة التامة كما قلنا في كمالاتها وصفاتها التي هي مظهر لاسماء الله وصفاته هو رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الإنسان الكامل والمخلوق الاتم ـ محمد صلى الله عليه وآله وسلم ـ لابد لمثل هذه العلة النورانية والكلمة الالهية التامة من معلول يشابهه ويناسخه لقانون العلة والمعلول كما هو ثابت في الفلسفة والحكمة المتعالية ويكون عندئذ هو نفسه وهو أمير المؤمنين اسد الله الغالب علي بن ابي طالب عليه السلام ومما يدل على ذلك هو آية المباهلة ، فيظهر من هذا كله معنى ولولا علي لما خلقتك .
وذلك لكو فاطمة عليها السلام أم ابيها فهي جمعت الكمالات المحمدية وكانت مظهراً للصفات الربوبية وهي بقية النبوة ولولاها لما قام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم للدين عمود ولا أخضر له عود بنورها زهرت السماوات العلى .
وكذلك كونها ام الأئمة . وهي الوعاء الطاهر لذرية النبي صلى الله عليه و آله وسلم ، وهي الكوثر الذي لا ينقطع عطاؤه ... ومنها الامتداد العلوي لأئمة أهل البيت عليهم السلام ، فاذا عرفنا ذلك أدركنا عظمة الزهراء وحكمة وجودها لأنّ صلاح العالم كله انما يكون وينطلق من ابناءها ويكفي دليلا على ذلك ، ان يكون صلاح العالم ، واصلاح الدنيا اليوم ، بواحد من ابناء فاطمة عليها السلام وهو الإمام المهدي عليه السلام يقول الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه و آله وسلم « المهدى من ولد فاطمة » .
اذا فإن فاطمة الزهراء ، هي الصديقة الكبرى ، وهي الكوثر المتدفق بالعطاء ، وهي
ومن هنا جاء في تعريف فاطمة ، أنها ليلة القدر .. وأن الذي يعرف حقها ، وقدرها يدرك ليلة القدر ، ويستوعب مفهوم هذه الليلة العظمية التي نزل فيها القرآن هدى للناس ، وبينات من الهدى والفرقان ، ولا يتحقق هذا المعنى من وجود الهداية ، والبينات إلاّ بوجود الأئمة المعصومين ، من أبناء فاطمة ... (1) .
والنتيجة هي : أنه لولا فاطمة ، لما كان هناك حكمة من وجود الاسلام ، وعلى هذا الاساس ، دون هذا المنطلق ، تنتفي حكمة البعثة ، وإذا لم يبعث النبي ، لم يوجد الوصي ، وهكذا نجد أن هذه المسألة على عمقها ، فإنها واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار ، ولذلك جاء هذا الحديث القدسي ، جامعا ، معبراً ، قال : « يا أحمد ـ لولاك ، لما خلقت الافلاك ، ولولا علي لما خلقتك ولولا فاطمة ، لما خلقتكما ... » .
| أدمت خشـــاشة فــاطم الامــها | * | مـذ ضـم والدهـا العـظيم رغــامها |
| ودت غــداة بــفقده قــد اثكـلت | * | لو زادهــا مـن قـبل ذاك حـمامـها |
| تــبكي ومــا بكت الفـوائد مـثلها | * | مـــولى تــضن بــمثله ايــامها |
| كــم كـابدت مـحنا تـنوء بـحملها | * | هـمم الرجـال ويشـتكي ضـرغامـها |
| ام الأئـمة بــنت مـن بــلغ الذرى | * | مـجدا أظــلما تــخفي أعـــلامها |
| بـالله كــيف تـضام زجـراً بـعدما | * | مــدح الاله لهــا وبــان مــقامها |
| شلت يـد مـدت إلى حـرم الهــدى | * | كـانت تــعنفها وخــاب مـرامـها |
| شــاءوا مــذلتها بـظعن مـحمدٍ | * | فـعدا عــلى بـيت النـبي لئـــامها |
| تــباً لمــن قـاد الهـجوم لبـيتها | * | بـــعد النــبي ومـــاثناه كـلامها |
| تـباً لمـن أمــر اللـعين بـضربها | * | فـازداد مــن الم السـياط سـقامــها |
| تـباً لغــاصبها وكــاسر ضـلعها | * | حــتى يـــتم له بــذاك نــظامها |
| وجـــنينها لا تــذكرن جــنينها | * | فــبذكره عـــيني يــزول مـنامها |
| ولعينيها بكت المــلائك فـى السـما | * | وكــذا امـير المــؤمنين امـــامها |
| لهـفي عـليها مـذ قـضت وبـجنبها | * | أســد الاله وقــد ابــيح ذمــامها |
| قـد قـيد الصـبر الجـميل حسـامه | * | وبـحده كــل الامــور ( حسـامها ) |
من المواضيع المهمة التي اخذت حيزاً كبيراً في العقائد الشيعية هي مسألة الولاية التكوينية حيث كانت بين النفي والاثبات عند بعض علماء الكلام ، وسوف نتطرق إلى اثباتها على ضوء الكتاب الكريم والسنة الشريفة ، وينبغي أولا وقبل كل شيء بسط الكلام في معرفتها وبيان معناها وحدودها الشرعية التي أثبتها الباري عزوجل للانبياء والأوصياء بما فيهم خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطيبين الطاهرين فالولاية المطلقة التي كانت للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته انما كانت على جميع اصناف المخلوقين من الجهاد والنبات والحيوان والإنسان والملائكة ، وبتعبير ادق الولاية هي باطن النبوة المطلقة ، وصاحبها هو الموسوم بالخليفة الاعظم وقطب الاقطاب والإنسان الكبير ، وآدم الحقيقي المعبر عنه بالقلم الاعلى والعقل الأوّل والروح الاعظم وإليه اشير في الحديث الشريف الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « أول ما خلق الله نوري وكنت نبياً وآدم بين الماء والطين » وإليه استند كل العلوم والاعمال ، وإليه ينتهي جميع المراتب والمقامات نبياً كا أو ولياً ، ورسولاً كان او وصياً
وقد قال بعض الأعلام في هذه الولاية (1) : فحقيقة الولاية الرتق والفتق في المولى عليه ما بإمساكه عما عليه وجربه فيما له .
وبعبارة أخرى : استحقاق تربية المملوك : لكونه أولى به من نفسه ، فهو اسم له تعالى باعتبار أولويته بخلقه من أنفسهم ، ثم إن هذه الولاية منشأها هو احتواء الولي للمولى عليه قادراً على الاستبداد به ، الذي هو حقيقة الملك فهو الولاية الحقيقية ، وإما منشأها الخلافة من المولى الحقيقي ؛ لكونه متعالياً عن مجانسة مخلوقاته وجليلاً عن ملائمة كيفياتهم ، فينصب الخليفة لتربية المملوكين ماهو يتسحقه منهم عليه ؛ لحفظ
(1) هو العلامة المحقق السيد حسن الهمداني في رسالته في شرح الاسماء الحسنى : 103 .
مثلاً من لوازم ولايته تعالى على العباد بذل مالهم ، ووقف أنفسهم عليه تعالى ، وتفديتهم انفسهم واولادهم فلما كان غنياً عن ذلك ، ومنزها عما هو من صفات المخلوقين ، وكان عباده لا يظهر صدقهم وحقيقة عبوديتهم إلا بأمثال ذلك من لوازم العبودية ، فنصب الخليفة لمثل هذه اللوازم ؛ لأن ترتبها عليه والعباد ملتزمون بها فقال : ( انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون ) فالرسول والمؤمنون إنما هم خلفاؤه تعالى في الولاية لا شركاؤه تعالى أن يكون له ولي من الذل عواً كبيراً .
اقول : لقد بين من خلال قوله هذا حقيقة الولاية التكونية بالوجه العقلي ، مع اختصاص الولاية الحقيقية لله تعالى بنحو لا ينقدح في ذهن أحد فيه غلو والشرك .
وقال بعض العارفين (1) : اعلم أنه لما اقتضت الكلمة الالهية الجامعة لجميع الكلمات ، المشتملة على الاسماء الحسنى والصفات العليا بسط مملكة الايجاد والرحمة ، ونشر لواء القدرة والحكمة باظهار المملكات ، وايجاد المكونات ، وخلق الخلائق ، وتسخير الامور وتدبيرها ، وكانت مباشرة هذا الامر من الذات القديمة الأحدية بغير واسطة بعيدة جداً . والاحسن ان يقال : واقتضت الحكمة الازلية عدم مباشرة الامور بذاته المقدسة ، بل اقتضت الوساطة ؛ كما أشير إليه في بعض الاخبار ، وذلك لأنّ التعبير المذكور ربما يعطي عدم امكان المباشرة بلا واسطة ، مع انه لا ريب في امكان ذلك له تعالى بقدرته ، نعم لا بالمباشرة الحسية بل بالقدر والخلق لكل شيء حين لزومه بلا واساطة فتدبر تفهم ، لبعد المناسبة بين عزة القدم وذلة الحدوث (2) .
فقضى سبحانه بتخليف نائب عنه في التصرف والولاية والحفظ والرعاية ، فلا محالة له وجه له القدم يخلف عنه في التصرف ، وخلع عليه خلع جميع أسمائه وصفاته ، ومكنه في مسند الخلافة بالقاء مقادير الامور إليه واحالة الجمهور عليه . فالمقصود من وجود العالم أن يوجد الإنسان ، الذي هو خليفة الله في العالم ، فالغرض من الاركان
(1) صاحب كتاب هداية المسترشد : 226 .
(2) شرح الزيارة الجامعة : 1 | 305 .
وقال في الفرق بين النبوة والولاية : اعلم أن النبوة وضع الآداب الناموسية والولاية كشف الحقائق الالهية ، فان ظهر من النبي تبين الحقائق فهو بما هو ولي ، فان كل نبي ولي ولا عكس ، لان النبي كمرآ لها وجهان : وجه إلى الخلق ، ووجه إلى الخلق ، فولايته من وجهه إلى الحق ، ونبوته من وجهه إلى الخلق .
وقيل : النبوة وضع الحجاب ، والولاية رفع الحجاب ؛ لأنّ دفع الفساد أهم في نظر النبي ، وهو لايتأتى إلاّ بوضع الحجاب .
وفي شرح الصحيفة السجادية على منشيها آلاف الثناء والتحية ماملخصه : الولي فعيل : بمعنى المفعول ، وهو من يتولى الله أمره كما قال تعالى : ( وهو يتولى الصالحين ) (1) وقيل : بمعنى الفاعل أي الذي يتولى عبادة الله ، ويوالي طاعته من غير تخلل معصية ، وكلا الوصفين شرط في الولاية .
وقال المتكلمون : الولي من كان آتيا بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ، وبالأعمال الشرعية ، والتركيب يدل على القرب ، فكأنه قريب منه تعالى لاستغراقه في أنوار معرفته وجمال جلاله .
وقيل في بيانه : الولي من يتولي الله تعالى بذاته أمره ، فلا تصرف له اصلا اذ
(19) الأعراف : 196 .
(1) وهو الملا عبدالرزاق الكاشاني على مافي عقائد الإيمان .
وأما الثاني : فكالمعجزات التي صدرت عنهم فانها تحكي حقيقة ولايتهم التكوينية وهي أكثر من أن تحصى وقد ذكر كثيراً منها السيد السند السيد هاشم البحراني رضى الله عنه في كتاب مدينة المعاجز ، فراجع .
وهكذا القران الكريم ايضاً فانه سبحانه وتعالى بين فيه غالباً ولاية أولياته بأفعالهم الغريبة التي أقدرهم الله عليها ، وكما سيأتي بيان ذلك .
* الولاية التكوينية يمكن أن تعرف بأنها : القدرة والقابلية على التصرف في التكوينات مطلقا من قبل النبي والأوصياء عليهم السلام وبأذن الله تعالى وليست بالاستقلال
ومن المعلوم أن المستفاد من الآيات والاحاديث هو : أن أول الموجودات قرباً حدوثاً وبقاءً بالنسبة إليه تعالى هو أرواح محمد وآله الطاهرين الأئمة المعصومين عليهم السلام .
فلذا هم المظاهر الاتم لصفاته وافعاله تعالى ، فكل موجود كان أتم وأكمل في المظهرية فهو أكبر من آية وعلامة ودليلاً عليه تعالى ، وحيث لا أقرب إليه تعالى ولا أتم في المظهرية منهم عليهم السلام فهم الآية الكبرى .
ولذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والوصي عليه السلام : « مالله آية أكبر مني » وجهة كونهم أتم المظاهر ؛ لكونهم أقرب الموجودات إليه تعالى ، ولأنّ علمه تعالى وقدرته ونوره أكثر ظهوراً فيهم عليهم السلام وذلك لانهم الاسماء الحسنى .
ففي كتاب التوحيد من الكافي ، في باب النوادر باسناده عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عزوجل : ( ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها ) (2) قال : نحن والله الاسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلاّ بمعرفتنا (3) .
وشرحه الاجمالي ما قاله الصادق عليه السلام ففيه في ذلك الباب باسناده عن مروان ابن صباح قال : قال أبو عبدالله عليه السلام : ان الله خلقنا فأحسن خلقنا ، وصورنا فأحسن صورنا ، وجعلنا عينه في عباده ، و لسانه الناطق في خلقه ، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة ، ووجهه الذي يؤتى منه ، وبابه الذي يدل عليه ، وخزانه في سمائه وأرضه ، بنا أثمرت الاشجار ، وأينعت الثمار ، وجرت الانهار ، وبنا ينزل غيث السماء ، وينبت عشب الأرض ، وبعبادتنا عبدالله ، ولولا نحن ما عبدالله ، هكذا غيره من الاحاديث الأخر .
ولازم ذلك هو أن آثار القدرة وآثار العلم فيهم عليهم السلام أكثر ظهوراً مما ظهر من غيرهم ، ومن المعلوم أن قدرته تعالى هي النافذة في الاشياء والمتصرفة فيها ، بل لا وجود لغيره تعالى مطلقا إلاّ بالقدرة ، فحينئذ لازمه أن قدرتهم هي قدرة الله الظاهرة فيهم عليهم السلام النافذة في الاشياء بإذنه تعالى ، فهم بهذا المعنى أولياؤه تعالى أي المتصرفون بإذنه في الوجود ، وهذا معنى الولاية التكوينية (1) .
وعلى أساس هذا البيان الذي قدمناه في معنى الولاية وتعريف الولاية التكوينية ، وكلام القوم فيها ، سوف يكون بحثنا في مقامين :
المقام الأوّل : امكان وقوع الولاية التكوينية .
المقام الثاني : الولاية التكوينية لفاطمة عليها السلام .
اختلف العلماء الاعلام في امكان الولاية التكوينية ووقوعها في ثلاث أقوال :
1 ـ فمنهم من قال لا وجود للولاية التكوينية في القرآن ولا يوجد دليل واحد يدل عليها ، واستدل على ذلك بان القرآن الكريم نفسه يؤكد على ان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يملك من أمره شيئاً إلاّ ماملّكه الله بشكل طاريء ... وايضاً الأنبياء لا يملكون ان
(1) شرح الزيارة الجامعة : 326 .
2 ـ القول الثاني يقول بامكان هذه الولاية التكوينية للانبياء والأوصياء ولكن اختلف في وقوعها أو عدم وقوعها .
3 ـ والقول الاخير يقول بامكان هذه الولاية وانها وقعت في المحيط الخارجي واستدل هذا الاخير بعدة أدلة قدمها لكي تكون له برهان على مصداقية هذه المسألة . وقبل أن مختار أي الاقوال هو الصحيح ؟ لابد لنا من الوقوف مع المصدر الأوّل الذي أمرنا الله تعالى بالرجوع إليه والذي هو ( تبياناً لكل شيء ) والذي نعتبره اهم مصادرنا التي نستدل به على كثير من القضايا بل كل الوقائع وهو القران الكريم .
اقول : لابد لنا من استنطاق القرآن الكريم ليخبرنا عن امكان هذه المسألة وامكان وقوعها في الخارج ، وعليه لابد من ان نوضح مسألة مهمة قبل الدخول في بحث القرآن الكريم لاثبات هذه القضية ، وهي ان كل مانقوله في شأن هذه الولاية التكوينية ولمن ثبتت له نقول انما تكون بالتبع لا بالذات ولا بالاستقلال فانه لا يوجد من يقول من العلماء بأنه هذه الولاية انما تكون بالذات كلا والف كلا فان كل من قال بها انما يقول هي بالذات وبالاصل لله تعالى وبالتبع وبالتفرع للانبياء والأوصياء عليهم السلام فلابد لنا ونحن نقف مع هذا البحث المهم أن نتذكر في كل استدلالاتنا هذا الاصل أي انها بالتبع لابالذات .
السؤال المطروح الآن هو : هل توجد آيات قرآنية تدل على امكان هذه الولاية او بتعبير ادق على وقوع هذه الولاية التكوينية ؟ والجواب : جاء في لسان القرآن الكريم عدة آيات مباركة تدل على امكان وقوعها بل انها وقعت لكثير من الأنبياء ، وليس هذا مجرد قول من دون دليل او برهان علمي يصدق هذه المسألة بل لتوضيح الأمر لابد لنا ان نقف مع هذه الايات لكي نعرف مدى دلالاته على هذه المسألة ومنها :
* قوله تعالى : ( ... أنّي اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً
فالمستفاد من هذه الآية هو نسبة الخلق إلى غير الله تعالى كما يشعر به قوله تعالى ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) حيث الله هو الخلق الحقيقي ، وفي هذه الآية نسب الله تبارك وتعالى الخلق إلى عيسى عليه السلام وعليه هذه التصرفات التي صدرت من عيسى عليه السلام واثبتها القرآن الكريم انما هي كانت منصبة على التكوينات مثل خلق الطير أي جمع اجزاءه وكذلك ابراء الاكمة والابرص الذين هم في خلقتهم خلل تكويني ، والاعظم من هذا كله هو احياء الموتى ، وهل هذا إلاّ في دلالة كبيرة على عظمه الأنبياء وعلى الولاية العظيمة التي اعطاها الله تبارك وتعالى لهم والتي نعبر عنها بالولاية التكوينية أي الولاية العظيمة التي اعطاها الله تبارك وتعالى لهم والتي نعبر عنها بالولاية التكوينية أي التصرف في التكوينيات ، على ان قوله تعالى « بأذن الله » الذي تكرر في الآية المباركة مرتين سيق للدلالة على ان صدور هذا التصرف التكويني عبر الآيات الباهرات للعقول من عيسى عليه السلام انما كان مستنداً إلى الله تعالى من غير ان يستقل عيسى عليه السلام بشيء من ذلك وانما كرره تكراراً يشعر بالاصرار منه تعالى بالوهيته استدلالا بالايات المعجزة الصادرة عنه ، ولذا كان يقيد كل آية يخبر بها عن نفسه مما يمكن ان يضلوا به الخلق والاحياء بأذن الله . وفي ذلك يقول العلامة السيد الطباطبائي في تفسيره الميزان وظاهر قوله : أني أخلق لكم « الخ » ان هذه الايات كانت تصدر عنه صدوراً خارجيا لا ان الكلام مسوق لمجرد الاحتجاج والتحدي ، ولو كان مجرد قول لقطع العذر واتمام الحجة لكان من حق الكلام ان يقيد بقيد يفيد ذلك كقولنا : ان سألتم او اردتم او نحو ذلك . على ان ما يحكيه الله سبحانه من مشافهته لعيسى يوم القيامة يدل على ان وقوع هذه الايات أتم الدلالة ، قال : ( اذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ـ إلى ان قال ـ واذ تخلق من الطين كهيئة الطير بأذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بأذني وتبريء الاكمة والابرص بأذني واذ تخرج الموتى ) (2) . ومن هنا يظهر فسد ماذكره بعضهم : أن قصارى ما تدل عليه الآية ان الله سبحانه جعل في عيسى بن مريم هذا السر ، وان احتج على