(1) الحشر : آية 6 ـ 7 .
(2) ج 1 | ص 476 .
(3) 2 | 287 ح 50 .
(4) 1 | 435 ح 5 ، البرهان : 3 | 264 ح 3 .
(5) 6 | 411 .
(6) 239 | ح 323 ، 322 | ح 437 .
(7) عيون أخبار الرضا : 1 | 233 ضمن ح 1 ، البرهان : 2 | 415 ح 2 ، غاية المرام : 323 ح 219 ، نور الثقلين : 5 | 275 .
ولكن القوم لم يتحملوا أن تكون فدك خالصة لأهل بيت النبوة بل شحت عليها أنفس القوم ، وإلى ذلك أشار الإمام علي عليه السلام في رسالته لابن حنيف : « بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أضلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين ونعم الحكم الله » (1) ، والذي يظهر من جميع الروايات الواردة في المقام : إن فدك كانت فيئاً أفاءها الله على نبيه خاصة دون المسلمين لانه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، فأنزل الله تعالى : ( وآت ذي القربى حقه ) فقال صلى الله عليه وآله وسلم لجبرائيل عليه السلام ومن ذا القربى ؟ وما حقه ؟ : أعط فاطمة فدكاً ، فأعطاها حوائط فدك ، ومالله ولرسوله فيها فدعا حوائط فدك ، وما الله ولرسوله فيها فدعا حسناً وحسيناً وفاطمة عليهم السلام وقال لها عليه السلام : إن الله قد أفاء على أبيك فدكاً ، واختصه بها ، فهي لي خاصة دون المسلمين ، أفعل بها ما أشاء . وقال : كان لأمك خديجة على أبيك مهر وأنّ أباك قد جعل فدك لك بذلك .
أقول : يظهر من هذا الكلام أنّ مسألة المهر الحاضر للزوجة يكون في ذمة الرجل في حالة عدم دفعه بعد وفاة الزوجة ولابد من أعطاءه للورثة الذين هم أبناء الزوجة لذا كانت فاطمة وريثة أمها خديجة في مهرها فأعطاها فدك في قبال ذلك ، هذا مانستفيده من خلال الرواية وقال صلى الله عليه وآله وسلم : نحلتكها لتكون لك ولولدك من بعدك فخذيها ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : أكتب لفاطمة نحلة من رسول الله .
وبالجملة فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاها حقها بأمر الله فدكاً ، فكانت لها من الله تعالى وقد جعلها في حياته لها نحلة ، وأشهد على ذلك أمير المؤمنين وأم أيمن . وقالت فاطمة عليها السلام : لست أحدث فيها حدثاً وأنت حي ، أنت أولى بي من نفسي ومالي لك ثم قالت في احتجاجها عليها السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم : هذا كتاب رسول الله أوجبها لي ولولدي دون احتجاجها عليها السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم : هذا كتاب رسول الله أوجبها لي ولولدي دون المؤمنين ، وعلى كل فليس في الروايات في تعيين من له فدك ، ذكر على أو ما يشعر بأن فدكاً له وهو أول الأئمة ، أو لخصوص الأئمة من ولد الحسين عليه السلام ، أو للامامة ومن يتصدى لها ، بل هي عطية ونحلة وهبها وأعطاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام لذي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم ، وهم فاطمة وولديها الحسن والحسين عليهم السلام كما
(1) نهج البلاغة : 417 ضمن كتاب : 45 .
| ثمّ قالت فنحلة لي مـن والدي | * | المــصطفى فــلم يـنحلاها |
| فأقامت بـها شـهوداً فـقالوا | * | بــعلها شـاهد لهـا وابـناها |
| لم يجيزوا شهادة ابني رسول | * | الله هادي الانـام إذ نـاصباها |
وردت عدة أحاديث وروايات أثبتت حقيقة واضحة البرهان (1) جليلة البيان وهي أنه لما بويع أبو بكر ، واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار ، بعث إلى فدك وأخرج وكيل فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها ، فجاءت فاطمة عليها السلام مستعدية فطالبها بالبينة ؛ فجاءت بعلي والحسنين صلوات الله عليهم وأم أيمن المشهود لها بالجنة ، فرد شهادة أهل البيت عليهم السلام بجرّ النفع وشهادة أم أيمن بقصورها عن نصاب الشهادة ثم أدعتها على وجه الميراث ، فغضبت عليه وعلى عمر فهجرتهما ، واوصت بدفنها ليلاً ، لئلاً يصلّيا عليها فاسخطا بذلك ربّهما ورسوله ، واستحقا اليم النكال ، وشديد الوبال ، ثم لما انتهت الإمارة إلى عمر بن عبد العزيز ردّها على بني فاطمة عليهم السلام ، ثم انتزعها منهم يزيد بن عبدالملك ، ثم دفعها السفاح الى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام ، ثم أخذها المنصور ، ثم اعادها المهدي ، ثم قبضها الهادي ، ثم ردها المأمون لما جاءه رسول بني فاطمة ، فنصب وكيلاً من قبلهم وجلس محاكماً فردها عليهم ، وفي ذلك يقول دعبل الخزاعي :
| أصبح وجه الزمان قد ضحكا | * | بــرد مأمـون هـاشماً فـدكا |
أما أن فدكاً كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمما لا نزاع فيه ، وقد أوردنا من رواياتنا وأخبارنا للمخالفين مافيه كفاية ونزيده وضوحاً بما رواه في جامع الأصول : مما أخرجه من صحيح « أبي داود » عن عمر ، قال :
إنّ أموال بني النضير مما أفاء الله على رسول مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة قرى عرينة وفدك عرينة وفدك وكذا وكذا ينفق على أهله منها نفقة سنتهم ، ثم يجعل ما بقى في السلاح والكراع عدة في سبيل الله وتلا : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ) الآية .
وروي أيضاً : عن مالك بن أوس قال : كان فيما احتج به عمر أن قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث صفايا : بنو النضير ، وخيبر ، وفدك ، إلى آخر الخبر .
وروى ابن أبي الحديد : قال أبو بكر : حدّثني أبو زيد عمر بن شبّه ، قال : حدثنا حيان ابن بشير ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : أخبرنا ابن أبي زائدة (1) ، عن محمد ابن إسحاق ، عن الزهري ، قال : بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا ؛ فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحقن دماءهم ويسيرهم ، ففعل ، فسمع ذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك ، وكانت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ، لانه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب « قال » : قال أبوبكر : وروى محمد بن اسحاق أيضاً : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك ، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصالحوه على النصف من فدك ، فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق ، أو بعد ما قدم المدينة (2) ، فقبل ذلك منهم وكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالصة له ، لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، قال : وقد روي انه صالحهم عليها كلّها ، الله أعلم أيّ الأمرين كان ، انتهى .
وسيأتي اعتراف عمر بذلك في تنازع عليّ عليه السلام والعباس ؛ وأما أنّه وهبها لفاطمة عليها السلام
قد مرّ من الأخبار الدالّة على نحلتها وانّها كانت في يدها عليها السلام مايزيد على كفاية المنصف بل يسدّ طريق إنكار المتعسف ، ويدّل على أنها كانت في يدها صلوات الله عليها ما ذكر أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه إلى عثمان بن حنيف ، حيث قال : « بلى عنها نفوس آخرين ، ونعم الحكم الله « وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غير جدث ! » (1) .
وأمّا أنّ أبا بكر وعمر أغضبا فاطمة عليها السلام فقد اتضح بالاخبار المتقدمة ، ثم اعلم أنا لم نجد أحداً من المخالفين أنكر كون فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته ، ولا أحداً من الأصحاب طعن على أبي بكر بإنكاره ذلك ، إلاّ ما تفطّن به بعض الافاضل من الاشارف ، من أنه يظهر من أخبار المؤالف والمخالف ذلك . وقد تقدم ما رواه ابن ابي الحديد في ذلك ، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري وغيرها من الأخبار ،
إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصرف شيئاً من غلّة فدك وغيره من الصفايا في بعض مصالح المسلمين ، لم يقل بأنها لم تكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بل قال : بأنه فعل ذلك على وجه التفضّل وابتغاء مرضاة الله ، وظاهر الحال أنه أنكر ذلك دفعاً لصحة النحلة ، فكيف كان يسمع الشهود على النحلة مع ادّعائه أنها كانت من أموال المسلمين .
واعتذر المخالفون من قبل أبي بكر بوجوه سخيفة :
الأول : منع عصمتها صلوات الله عليها ، وقد تقدمت الدلائل المثبتة لها .
الثاني : أنه لو سلم عصمتها ، فليس للحاكم أن يحكم بمجرد دعواها ، وإن تيقن صدقها ، وأجاب أصحابنا بالادلة الدالة على أن الحاكم يحكم يعلمه ؛ وأيضاً اتّفقت الخاصة والعامة على رواية قصة خزيمة بن ثابت وتسميته بذي الشهادتين لما شهد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بدعواه ، ولو كان المعصوم كغيره لما جاز النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبول شاهد واحد والحكم لنفسه ، بل كان يجب عليه الترافع إلى غيره ، وقد روى أصحابنا :
أن أمير المؤمنين عليه السلام خطّا شريحاً في طلب البينّة ، وقال : إن إمام المسلمين يؤتمن من امور على ماهو أعظم من ذلك ، وأخذ ما ادّعاه من درع طلحة بغير حكم شريح ، والمخالفون ، حرّفوا هذا الخبر وجعلوه حجة لهم ، واعتذروا بوجوه اخرى سخيفة لا يخفى على عاقل بعد ما أوردنا في تلك الفصول ضعفها ووهنها ، فلا نطيل الكلام بذكرها .
استدل أصحابنا على بطلان ذلك بآي من القرآن الكريم منها : قوله تعالى مخبراً عن زكريا عليه السلام : ( وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولّياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربّ رضيّاً ) قوله تعالى : « ولياً » أي : ولداً يكون أولى بميراثي ، وليس المراد بالواليّ من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره ، لقوله
وقال السدي ومجاهد والشعبي : المراد في الأول : ميراث المال ، وفي الثاني : ميراث النبوة ، وحكى هذا القول عن ابن عباس والحسن والضحاك .
وحكي عن مجاهد ، أنه قال : المراد من الأول : العلم ، ومن الثاني : النبوة .
وأما وجه دلالة الآية على المراد فهو أن لفظ الميراث في اللغة والشريعة والعرف إذا اطلق ولم يقيد ، لا يفهم منه إلاّ الأموال ومافي معناها ، ولا يستعمل في غيرها إلاّ مجازاً ، وكذا لا يفهم من قول القائل : « لا وارث لفلان » إلاّ من ينتقل إليه وأمواله وما يضاهيها دون العلوم وما يشاكلها ، ولا يجوم العدول ، عن ظاهر اللفظ وحقيقة إلاّ لدليل ، فلو لم يكن في الكلام قرينة توجب حمل اللفظ على أحد المعنيين ، لكفى في مطلوبنا ، كيف والقرائن الدالة على المقصود موجودة في اللفظ .
أما أوّلاً : فلأنّ زكريا عليه السلام اشترط في وارثه أن يكون رضياً ، وإذا حمل الميراث على العلم والنبّوة لم يكن الإشتراط معنى ، بل كان كان لغواً عبثاً ، لأنّه إذا سأل من يقوم مقامه في العلم والنبوة فقد دخل في سؤاله الرضا ، وما هو أعظم منه ، فلا معنى لاشتراطها ، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد : اللهم ابعث إلينا نبياً واجعله مكلفاً عاقلاً .
وأما ترى أنه لا يحسن الخوف من بني العمّ ومن يحذر حذوهم يناسب المال دون النبوة والعلم ، وكيف يخاف مثل زكرياً عليه السلام من أن يبعث الله تعالى إلى خلقة نبياً يقيمه مقام زكرياً ولم يكن أهلاً للنبوة والعلم سواء كان من موالي زكرياً أو من غيرهم ؛
على أن زكرياً عليه السلام كان إنما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس ، فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته ؛ فإن قيل : كيف يجوز على مثل زكرياً عليه السلام الخوف من أن يرث الموالي ماله ، وهل هذا إلاّ الشحّ والبخل ؟
قلنا : لمّا علم زكرياً عليه السلام من حال الموالي أنهم من أهل الفساد ، خاف أن ينفقوا أمواله
فإن قيل : كما جاز الخوف على المال جاز الخوف على وراثتهم العلم ، لئلاّ يفسدوا به الناس ويضلّوهم ، ولا ريب في أنّ ظهور آثار العلم كان فيهم من دواعي إتباع الناس وإياهم وانقيادهم لهم ؟
قلنا : لا يخلو هذا العلم الذي ذكرتموه من أن يكون هو كتب علمية وصحف حكمية ، لأنّه قد يسمى علما مجازاً ، أو يكون هو العلم الذي يملأ القلوب وتعيه الصدور ؛
فإن كل الأوّل ، فقد رجع إلى معنى المال ، وصح أن الأنبياء عليهم السلام يورثون الاموال وكان حاصل خوف زكرياّ عليه السلام أنه خاف من أن ينتفعوا ببعض أمواله نوعاً خاصاً من الإنتفاع ، فسأل ربّه ان يرزقه الولد حذراً من ذلك ؛
وإن كان الثاني : فلا يخل أيضاً من أن يكون هو العلم ، الّذي بعث النبي لنشره وأدائه إلى الخلق ، أو أن يكون علماً مخصوصاً لا يتعلق بشريعة ، ولا يجب إطلاع الأمة عليه كعلم العواقب وما يجري في مستقبل الأوقات ونحو ذلك . والقسم الأول : لا يجوز أن يخاف النبي من وصوله إلى بني عمّه ، وهم من جملة امته المبعوث إليهم لأن يهديهم ويعلمهم وكان خوفه من ذلك خوفاً من غرض البعثة .
والقسم الثاني : لا معنى للخوف من أن يرثوه إذ أمره بيده ، ويقدر على ن يليقه إليهم ولو صحّ الخوف على القسم الأوّل لجرى ذلك فيه أيضاً فتأمل .
هذا خلاصة ما ذكره السيّد المرتضى رضى الله عنه في الشافي عند تقرير هذا الدليل وما أورده عليه من تأخّر عنه يندفع بنفس التقرير ، كما لا يخفى على الناقد البصير فلذا لانسوّد بإيرادها الطوامير .
الآية الثانية : قوله تعالى : ( وورث سليمن داود ) وقال : ( يا أيها الناس علّمنا منطق الطير واوتينا من كلّ شيء إن هذا لهو الفضل المبين ) وجه الدلالة هو أنّ المتبادر من قوله تعالى ورث : أنّه ورث ماله كما سبق في الآية المتقدمة ، فلا يعدل عنه إلاّ لدليل ؛
وأجاب قاضي القضاء في المغني : بأن في ما يدل على أن المراد وراثة العلم دون المال ، وهو قوله تعالى : وقال : ( يا أيّها الناس علّمنا منطق الطير ) ، فإنه يدل على أنّ الّذي ورث هو هذا العلم وهذا الفضل ، وإلاّ لم يكن لهذا تعلّق بالاول ؛
وقال الرازي في تفسيره : لو قال تعالى ورث سليمن داود ماله لم يكن لقوله تعالى وقال : ( يا أيها الناس علّمنا منطق الطير ) معنى ، وإذا قلنا : ورث مقامه من النبوّة والملك حسن ذلك ، لانّ علم منطق الطير يكون داخلاً في جملة ماورثه ، وكذلك قوله : ( واوتينا من كل شيء ) لأن وارث العلم يجمع ذلك ، ووارث المال لا يجمعه ، وقوله : ( إنّ هذا لهو الفضل المبين ) يليق أيضاً بما ذكر دون المال ، الّذي يحصل للكامل والناقص . وما ذكره الله تعالى من جنود سليمان بعده ، لا يليق إلاّ بما ذكرنا فبطل بما ذكرنا قول من زعم أنّه لا يورث إلاّ المال فأما إذا ورث المال والملك معاً ؛ فهذا لا يبطل بالوجوه الّذي ذكرنا بل بظاهر قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث » ؛
وردّ السيّد المرتضى رضى الله عنه في الشافي كلام المغني بأنّه : لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصّة ، ثمّ يقول مع ذلك إنّا علّمنا منطق الطير ويشير بالفضل المبين إلى العلم والمال جميعاً ، فله في الأمرين جميعاً فضل على من لم يكن كذلك ؛ وقوله : ( وأوتينا من كلّ شيء ) يحتمل المال كما يحتمل العلم ، فليس بخالص لما ظنه ولو سلّم دلالة الكلام لما ذكره ، فلا يمتنع ، أن يريد أنه ورث المال بالظاهر والعلم بهذا النوع من الإستدلال ، فليس يجب إذا دلّت الدلالة في بعض الألفاظ على المجاز أن نقتصر بها عليه ، بل يجب ان نحملها على الحقيقة التي هي الأصل ، إذا لم يمنع من ذلك مانع ؛ وقد ظهر بما ذكره السيد قدس سره ، بطلان قول الرازي أيضاً ، وكان القاضي يزعم أنّ العطف لو لم يكن للتفسير لم يكن للمعطوف تعلق بما عطف عليه ، وانقطع نظام الكلام وما اشتهر من أن التأسيس أولى من التأكيد ، من الأغلاظ المشهورة ، وكان الرازي يذهب إلى أنّه لامعنى للعطف ، إلاّ إذا كان المعطوف داخلاً في المعطوف عليه ، فعلي أي شيء يعطف حينئذ قوله تعالى : ( وأوتينا من كل شيء ) فتدبروا : أمّا قوله : أنّ المال يحصل للكامل والناقص ، فلو حمل الميراث على المال لم يناسب قوله : ( إن هذا الفضل المبين ) فيرّد عليه :
أنّه إنما يستقيم إذا كانت الإشارة إلى أوّل الكلام فقط ، وهو وراثة المال وبعده ظاهر ،
وسيأتي الكلام في الحديث الّذي تمسّك به .
الآية الثالثة : ما يدّل على وارثة الاولاد والأرقاب ، كقوله تعالى : ( للرجال نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون ممّا قلّ نصيب أو كثر مفروضاً ) وقوله تعالى : ( وصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الأثنين ) وقد اجتمعت الأمّة على عمومها إلاّ من أخرجه الدليل ، فيجب أن يتمسك بعمومها إلاّ إذا قامت دلالة قاطعة ؛ وقد قال سبحانه عقيب آيات الميراث : ( تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك هو الفوز العظيم * ومن يعص الله و رسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين ) ؛ ولم يقل دليل على خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : نحن معاشر الانبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة ؛
قال صاحب المغني : لم يقتصر أبو بكر على رواية حتّى استشهد عليه عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعداً وعبد الرحمن بن عوف ، فشهدوا به فكان لا يحل لأبي ، وقد صار الأمر إليه أن يقسم التركة ميراثاً ، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنّها صدقة وليس بميراث ؛ وأقلّ ما في الباب أن يكون الخير من أخبار الآحاد ، فلو أنّ شاهدين شهدا
ويرد عليه : أنّ الإعتماد في تخصيص الآيات ، إمّا على سماع أبي بكر ذلك الخبر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويجب على الحاكم ان يحكم بعمله ؛ وإما على شهادة من زعموهم شهوداً على الرواية ، أو على مجموع الأمرين ، أو على سماعه من حيث الرواية منع انضمام الباقين إليه ؛ فإن كان الأول فيرد عليه بوجوه من الايراد عليه :
الأول : ما ذكره السيّد رضى الله عنه في « الشافي » من أنّ أبا بكر في حكم المدّعي لنفسه والجار إليها نفعاً في حكمه ، لأن أبابكر وسائر المسلمين سوى أهل البيت عليه السلام تحل لهم الصدقة ، ويجوز أن يصيبوا منها ، وهذه تهمة في الحكم والشهادة ثمّ قال رضى الله عنه : وليس له ان يقول يقتضي أن لا تقبل شهادة شاهدين في تركة فيها صدقة بمثل ما ذكرتم ، وذلك لأن الشاهدين إذا شهدا بالصدقة فحظهما منها كحظّ صاحب الميراث ، بل سائر المسمين ، وليس كذلك حال تركة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنّ كونها صدقة يحرّمها على ورثته ، ويبيحها لسائر المسلمين ، انتهى .
ولعلّ مراده رحمهم الله أنّ لحرمان الورثة في خصوص تلك المادة شواهد على التهمة بأن كان غرضهم إضعاف جانب أهل البيت عليهم السلام ، لئلاّ يتمكنوا عن المنازعة في الخلافة ، ولا يميل الناس لنيل الزخارف الدنيوية ، فيكثر أعوانهم وأنصارهم ويظفروا بإخراج الخلافة والإمارة من أيدي المتغلبينّ ، اذ لا يشك أحد ممن نظر
في أخبار العامة والخاصة ، في أن أمير المؤمنين عليه السلام كان في ذلك الوقت طالباً للخلافة ، مدّعياً لإستحقاقه لها ، وأنّه لم يكن إنصراف الاعيان والاشراف عنه ، وميلهم إلى غيره إلا لعلمهم بأنه لا يفضّل أحداً منهم على ضعفاء المسلمين ، وأنه يسوىّ بينهم في العطاء والتقريب ، ولم يكن إنصراف سائر الناس عنه إلا لقلة ذات يده ، وكون المال والجاه مع غيره .
والأولى أن يقال في الجواب : أنه لم تكن التهمة لأجل أن له حصة في التركة ، بل لأنه
الثاني : أنّ الخبر معارض للقرآن لدلالة الآية في شأن زكريّا وداود عليهم السلام على الوارثة وليست الآية عامّة حتّى تخصص بالخبر فيجب طرح الخبر ، لايقال : إذا كانت الآية خاصّة فينبغي تخصيص الخير بها ، وحمله على غير زكريا وداود عليهما السلام لأنّا نقول : الحكم بخروجهما عن حكم الأنبياء مخالف لإجماع الأمة ، لإنحصارها بالإيراث مطلقاً ، وعدمه مطلقاً ، فلا محيص عن الحكم بكذب الخبر ، وطرحه .
الثالث : أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يرى الخبر موضوعاً باطلاً ، وكان عليه السلام لا يرى إلاّ الحق والصدق ، فلابد من القول بأنّ من زعم أنّه سمع الخبر كاذب .
أما الأولى : فلما رواه مسلم ، في « صحيحة » وأورده في « جامع الأصول » أيضاً عن مالك بن أوس ـ في رواية طويلة ـ قال : عمر لعليّ عليه السلام والعبّاس ، قال أبو بكر : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا نورث ، ما تركناه صدقة ، فرأيتماه كاذباً آثمناً غادراً خائناً ، والله يعلم أنّه لصادق بار راشد تابع للحق ، ثمّ توفي أبو بكر ، فقلت : أنا وليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وولي أبي بكر ، فرأيتماني كاذباً غادراً آثماً خائناً ، والله يعلم أنّي لصادق بار تابع للحقّ فولّيتها .
وعن البخاري : في منازعة علي والعباس فيما أناه الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من بني
الرابع : أنّ فاطمة عليها السلام أنكرت رواية أبي بكر ، وحكمت بكذبه فيها ، ولا يجوز الكذب عليها ، فوجب الرواية وراويها .
أما المقدمة الاولى : فلما مر في خطبتها وغيرها ، وسيأتي من شكايتها في مرضها وغيرها ، وقد رووا في صحاحهم : أنها عليها السلام انصرفت من عند أبي بكر ساخطة ، وماتت عليه واجدة ، وقد اعترف بذلك ابن أبي الحديد ؛ وأما الثانية : فلما من من عصمتها وجلالتها عليها السلام .
الخامس : أنّه لو كانت تركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدقة ، ولم يكن لها صلوات الله عليها حظّ فيها ، لبيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحكم لها إذا التكليف في تحريم أخذها ، يتعلق بها ول بينه لها لما طلبتها لعصمتها ، ولايرتاب عاقل في أنّه لو كانت بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأهل بيتهأن تركتي صدقة لاتحل لما خرجت ابنته وبضعته من بيتها مستعدية ساخطة صارخة في معشر المهاجرين ، والانصار ، تعاتب إمام زمانها بزعمكم ، وتنسبه إلى الجور والظلم في غصب تراثها ، وتستنصر المهاجر ، والانصار ، في الوثوب عليه ، وإثارة الفتنة بين المسلمين ، وتهيّج الشرّ ، ولم تستقر بعد أمر الامارة والخلافة ، وقد أيقنت بذلك طائفة من المؤمنين ، أن الخليفة غاصب للخلافة ناصب لأهل الإمامة ، فصبّوا عليه اللعن والطعن إلى نفخ الصور وقيام النشور ؛ وكان ذلك من أكد الدواعي إلى شقّ عصا المسلمين ، وافتراق كلمتهم ، وتشتت الفتهم ، وقد كانت تلك النيران يخمدها بيان الحكم لها ولامير المؤمنين عليه السلام ، ولعله لا يجسر من اوتي حظاً من الاسلام على القول
السادس : أنّا مع قطع النظر عن جميع ما تقدم ، نحكم قطعاً بأن مدلول هذا الخبر كاذب باطل ومن اسند إليه هذا الخبر ، لا يجوز عليه الكذب ، فلابد من القول بكذب من رواه ، والقطع بأنه وضعه وافتراه ؛ وأما المقدمة الثانية فغنية عن البيان .
وأما الاولى : فبيانها أنّه قد جرت عادة الناس قديماً وحديثاً بالإخبار عن كل ما جرى ، بخلاف المعهود بين كافة الناس ، وخرج عن سنن عاداتهم ، سيمّا إذا وقع في كل عصر وزمان ، وتوفرت الدواعي ، إلى نقله وروايته ؛ ومن العلوم لكل أحد ، أن جميع الامم على اختلافهم في مذاهبهم يهتمون بضبط أحوال الأنبياء وسيرتهم ، وأحوال أولادهم ، وما المعلوم أيضاً أنّ العادة قد جرت من يوم خلق الله الدنيا واهلها ، إلى زمان انقضاء مدتها وفنائها ، بأن يرث الاقربون من الاولاد ، وغيرهم أقاربهم وذوي أرحامهم ، وينتقعون ماموالهم وما خلفوه بعد موتهم ؛ ولا شك لأحد في أنّ عامة الناس ، عالمهم وجاهلهم ، وغنيهم وفقيرهم وملوكهم ، ورعاياهم يرغبون إلى كل ما نسب إلى ذي شرف وفضيلة ، ويتبركون به ويحرزه الملوك في خزائنهم ، ويوصون به لاحب أهلهم ، فكيف بسلاح الانبياء في ثيابهم وأمتعتهم ، ألا ترى إلى الاعمى إذ أبصر في مشهد من المشاهد المشرفة ، أو توهمت العامة أنّه أبصر اقتطعوا ثيابه وتبركوا بها وجعلوها حرزاً من كل بلاء ؛ إذا تمهّدت المقدمات فنقول :
لو كان ما تركه الأنبياء من لدن آدم عليه السلام إلى الخاتم صلى ال
عليه وآله وسلم صدقة ، لقسمت بين الناس ، بخلاف المعهود من توارث الآباء والاولاد وسائر الاقارب ، ولا يخلو الحال : إمّا أن
فإن كان الأوّل ، فمع أنّه خلاف الظاهر ، كيف خفي هذا الحكم على جميع أهل الملل والأديان ، ولم يسمعه أحد إلاّ أبوبكر ، ومن يحذو حذوه ، ولم ينقل أحد أنّ عصا موسى عليه السلام فجرى على وجه الصدقة إلى فلان ، وسيف سليمان عليه السلام صار إلى فلان ، وكذا ثياب سائر الأنبياء وأسلحتهم وأدواتهم فرقّت بين الناس ، ولم يكن في ورثة أكثر من مائة الف نبي ، قوم ينازعون في ذلك ، وإن كان بخلاف حكم الله عزوجل ؛ وقد كان أولاد يعقوب عليه السلام مع علوّ قدرهم يحسدون على أخيهم ، ويلقونه في الجبّ لما رأوه أحبّهم إليه ، أو وقعت تلك المنازعة كثيراً ، ولم ينقلها أحد في الملل السابقة وأرباب السير ، مع شدّة اعتنائهم بضبط أحوال الأنبياء وخصائهم ، وما جرى بعدهم كما تقدم ؛ وإن كان الثاني ، فكيف كانت حال ورثة الأنبياء أكانوا يرضون بذلك ولا ينكرون ؟ فكيف صارت ورثة الأنبياء جميعاً يرضون بقول القائمين بالأمر مقام الأنبياء ، ولم ترض به سيّده النساء ؟ أو كانت سنة المنازعة جارية في جميع الامم ، ولم ينقلها أحد ممّن تقدّم ، ولا ذكر من انتقلت تركات الأنبياء إليهم ؛ إنّ هذا لشيء عجاب ، وأعجب من ذلك ، أنّهم ينازعون في وجود النص على أمير المؤمنين عليه السلام ، مع كثرة الناقلين له من يوم السقيفة إلى الآن ؛ ووجوه الأخبار في صحاحهم ، وادّعائهم الشيعة تواتر ذلك ، من أول الأمر إلى الآن ويستندون في ذلك إلى أنه لو كان حقاً ، لما خفي ذلك لتوفر الدواعي إلى نقله وروايته ، فانظر بعين الإنصاف أن الدواعي لشهرة أمر خاص ، ليس الشاهد له إلاّ قوم مخصوص من أهل قرن معين أكثر ، أم لشهرة أمر قل زمان من الأزمنة من لدن آدم عليه السلام إلى الخاتم صلى الله عليه وآله سلم عن وقوعه فيه ؟ مع أنّه ليس يدعو إلى كتمانه وإخفائه في الامم السالفة داع ، ولم يذكره رجل في كتاب ، ولم يسمعه أحد من أهل ملّة ؛ ولعمري لا أشك في أن من لزم الإنصاف وجانب المكابرة ، والإعتساف ، وتأمل في مدلول الخبر وأمعن النظر ، يجزم قطعاً بكذبه وبطلانه ؛ وإن كان القسم الثماني ،وهو أن يكون إتماد أبي بكر في تخصيص الآيات بالخبر من حيث رواية الرواة له دو علمه بأنه من كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، لسمعه باذنه فيرد عليه أيضاً