الناشر
الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين . اياك نعبد واياك نستعين . اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين .
أيّها القارىء الكريم :
هذا انتاج اغتنمت له عطلة من عطل الدراسة في جامعتنا الكريمة ـ النجف الأشرف ـ وتوفرت فيها على درس مشكلة من مشاكل التاريخ الاسلامي ، وهي مشكلة فدك ، والخصومة التأريخية التي قامت بين الزهراء صلوات الله عليها والخليفة الاُول رضي الله تعالى عنه. وكانت تتبلور في ذهني استنتاجات وفكر ، فسجلتها على أوراق متفرقة. حتى اذا انتهيت من مطالعة مستندات القضية ورواياتها ، ودرس ظروفها ، وجدت في تلك الوريقات ما يصلح خميرة لدراسة كافية للمسألة ، فهذبتها ورتبتها على فصول ، اجتمع منها كتيب صغير ، وكان في نيتي الاحتفاظ به كمذكر عند الحاجة ، فبقي عندي سنين مذكرا ومؤرخاً لحياتي الفكرية في الشهر الذي تمخض عنه ، غير أن بعض الاخوة ( أيدهم الله ) طلبوا مني طبعه وقد نزلت على رغبتهم تقديراً لهم ولتوفيره في المكتبة العربية والإسلامية والكتاب هو ما تراه بين يديك.
( المؤلّف )
الزهراء
وقفت لا يخالجها شك فيما تقدم عليه ، ولا يطفح عليها موقفها
الرهيب بصبابة من خوف أو ذعر ، ولا يمر على خيالها الذي كان جدّيّاً كل الجد ، تردد في تصميمها ، ولا ولا تساورها هاجسة من هواجس القلق والارتباك ، وها هي الآن في أعلى القمة من استعدادها النبيل ، وثباتها الشجاع على خطتها الطموح ، واسلوبها الدفاعي ، فقد كانت بين بابين لا يتسعان لتردد طويل ، ودرس عريض ، فلا بد لها من اختيار أحدهما وقد اختارت الطريق المتعب من الطريقين الذي يشق سلوكه على المرأة بطبيعتها الضعيفة لما يكتنفه من شدائد ومصاعب تتطلب جرأة أدبية ، وملكة بيانية مؤثرة ، وقدرة على صب معاني الثورة كلها في كلمات
وبراعة فنية في تصوير النقمة ونقد الاُوضاع القائمة تصويراً ونقداً يجعلان في الاُلفاظ معنى من حياة ، وحظا من خلود ، لتكون الحروف جنود الثورة الخيرة ، وسندها الخالد في تاريخ العقيدة ، ولكنه الايمان والاستبسال في سبيل الحق الذي يبعث في النفوس الضعيفة نقائضها ، ويفجر في الطبائع المخذولة قوة لا تتعرض لضعف ولا تردد.
ولذا كان اختيار الثائرة لهذا الطريق ممّا يوافق طبعها ، ويلتئم مع شخصيتها المركزة على الانتصار للحق ، والاندفاع في سبيله.
وكانت حولها نسوة متعددات من حفدتها ونساء قومها كالنجوم
وكانت في لحظتها الرهيبة التي قامت فيها بدور الجندي المدافع شبحاً قائماً ترتسم عليه سحابة حزن مرير ، وهي شاحبة اللون ، عابسة الوجه ، مفجوعة القلب ، كاسفة البال منهدة العمد ، ضعيفة الجانب ، مائعة الجسم ، وفي صميم نفسها ، وعميق فكرها المتأملة اشعاعة بهجة ، واثارة طمأنينة ، وليس هذا ولا ذاك استعذاباً لأمل باسم ، أو سكونا إلى حلم لذيذ ، أو استقبالاً لنتيجة حسنة مترقبة ، بل كانت الاشعاعة اشعاعة رضا بالفكرة ، والاستبشار بالثورة ، وكانت الطمأنينة ثقة بنجاح لا هذا الذي نفيناه بل على وجه آخر ، وان في بعض الفشل الآجل ايجاباً
لنجاح عظيم وكذلك وقع ، فقد قامت اُمّة برمتها تقدس هذه الثورة الفائزة بل تستمد منها ثباتها واستبسالها في هذا الثبات.
ودفعتها أفكارها في وقفتها تلك إلى الماضي القريب يوم كانت موجات السعادة تلعب بحياتها السعيدة ، ويوم كانت نفس أبيها يصعد. ونسمه يهبط ، وكان بيتها قطب الدولة العتيد ، ودعامة المجد الراسخة المهيمنة على الزمن الخاشع المطيع.
ولعل أفكارها هذه ساقتها إلى تصور أبيها ( صلى الله عليه وآله ) وهو يضمها إلى صدره الرحيب ، ويحوطها بحنانه العبقري ، ويطبع على فمها الطاهر قبلاته التي اعتادتها منه ، وكانت غذاءها صباحاً ومساء.
ثم وصلت الى حيث بلغت سلسلة الزمن فيواجهها الواقع العابس واذا بالزمان غير الزمان وها هو بيتها مشكاة النور ورمز النبوة والاشعاعة المتألقة المحلقة بالسماء مهدد بين الفينة والفينة ، وها هو ابن عمها الرجل الثاني في دنيا الاسلام باب علم النبوة ، ووزيرها المخلص ، وهارونها المرجى ، الذي لم يكن لينفصل ببدايته الطاهرة عن بداية النبوة المباركة فهو ناصرها في البداية ، وأملها الكبير في النهاية ، يخسر أخيراً خلافة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وتقوض معنوياته النورية التي شهدت لها السماء والأرض جميعا ، وتسقط سوابقه الفذة عن الاعتبار ببعض المقاييس التي تم اصطلاحها في تلك
الاحايين.
وهنا بكت بكاء شقيا ما شاء الله لها أن تبكي ، ولم يكن بكاء بمعناه الذي يظهر على الاُسارير ، ويخيم على المظاهر ، بل كان لوعة الضمير ، وارتياع النفس ، وانتفاضة الحسرات في أعماق القلب ، وختمت طوافها الاُليم هذا بعبرتين نضتا من مقلتيها.
ثم لم تطل وقفتها ، بل اندفعت كالشرارة الملتهبة وحولها صويحباتها حتى وصلت الى ميدان الصراع ، فوقفت وقفتها الخالدة ، وأثارت حربها الذي استعملت فيه ما يمكن مباشرته للمرأة في الاسلام ، وكادت ثورتها البكر أن تلتهم الخلافة لولا أن عاكسها شذوذ الظرف ، وتناثرت امامها العقبات.
تلك هي الحوراء الصديقة فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه
وهذه كارثة من شأنها أن تذيق المصاب بها مرارة الموت أو أن تظهر له الموت حلواً شهياً ، وأملأ نيراً.
وهكذا كانت الزهراء حينما لحق أبوها بالرفيق الأعلى ، وطارت روحه الفرد الى جنان ربها راضية مرضية.
ثم لم تقف الحوادث المرة عند هذا الحد الرهيب ، بل عرضت الزهراء لخطب آخر قد لا يقل تأثيراً في نفسها الطهور ، وايقاداً لحزنها ، واذكاء لاُساها عن الفاجعة الاُولى كثيراً وهو خسارة المجد الذي سجلته السماء لبيت النبوة على طول التاريخ ، وأعني بهذا المجد العظيم سيادة الاُمّة وزعامتها الكبرى ، فقد كان من تشريعات السماء أن يسوس آل محمّد ( صلى الله عليه وآله ) امته وشيعته ، لأنهم مشتقاته ومصغراته ، واذا بالتقدير المعاكس يصرف مراكز الزعامة عن أهلها ، ومناصب الحكم عن أصحابها ، ويرتب لها خلفاء واُمراء من عند نفسه.
وبهذا وذاك خسرت الزهراء أقدس النبوات والاُبوات ، واخلد الرئاسات والزعامات بين عشية وضحاها ، فبعثتها نفسها المطوقة بآفاق من الحزن والاُسف الى المعركة ومجالاتها ، ومباشرة الثورة والاستمرار عليها .
والحقيقة التي لا شك فيها أن أحداً ممن يوافقها على مبدئها ونهضتها لم يكن ليمكنه أن يقف موقفها ، ويستبسل استبسالها في الجهاد الا وأن يكون أكلة باردة ، وطعمة رخيصة للسلطات الحاكمة التي كانت قد بلغت يومذاك أوج الضغط والشدة ، فعلى الاشارة عتاب ، وعلى القول حساب
أما اذا كان القائم المدافع بنت محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبضعته وصورته الناضرة. فهي محفوظة لا خوف عليها بلا شك ، باعتبار هذه النبوة المقدسة ، ولما للمرأة في الاسلام عموماً من حرمات وخصائص تمنعها وتحميها من الاُذى.
ارتفعت الزهراء بأجنحة من خيالها المطهر الى آفاق حياتها الماضية ودنيا أبيها العظيم التي استحالت
حين لحق سيد البشر بربه الى ذكرى في نفس الحوراء متألقة بالنور تمد الزهراء في كلّ حين بألوان من الشعور والعاطفة والتوجيه ، وتشيع في نفسها ضروبا من البهجة والنعيم ، فهي وان كانت قد تأخرت عن أبيها في حساب الزمن اياماً أو شهوراً ، ولكنها لم تنفصل عنه في حساب الروح والذكرى لحظة واحدة.
واذن ففي جنبيها معين من القوة لا ينبض ، وطاقة على ثورة كاسحة لا تخمد ، وأضواء من نبوة محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ونفس محمّد تنير لها الطريق ، وتهديها سواء السبيل.
وتجردت الزهراء في اللحظة التي اختمرت فيها ثورة نفسها عن دنيا الناس ، واتجهت بمشاعرها الى تلك الذكرى الحية في نفسها لتستمد منها قبسا من نور في موقفها العصيب ، وصارت تنادي : ـ
الي يا صور السعادة التي أفقت منها على شقاء لا يصطبر عليه . .
الي يا أعز روح علي ، وأحبها الي . . حدثيني وأفيضي علي من نورك الالهي . كما كنت تصنعين معي دائماً.
الي يا أبي أناجيك ان كانت المناجاة تلذ لك ، وابثك همومي كما اعتدت أن أفعل في كل حين ، وأخبرك أن تلك الظلال الظليلة التي كانت تقيني من لهيب هذه الدنيا لم يعد لي منها شيء.
الي يا ذكريات الماضي العزيز حدثيني حديثك الجذاب ورددي على مسامعي كل شيء لا تثيرها حربا لا هوادة فيها على هؤلاء الذين ارتفعوا أو ارتفع الناس بهم الى منبر أبي ومقامه ، ولم يعرفوا لآل محمّد ( صلى الله عليه وآله ) حقوقهم ، ولا لبينهم حرمة تصونه من الاحراق والتخريب ، ذكريني بمشاهد أبي وغزواته ألم يكن يقص علي ألواناً من بطولة أخيه وصهره واستبساله في الجهاد ، وتفوقه على سائر الأنداد ، ووقوفه الى صف رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في أشد الساعات ، وأعنف المعارك التي فر فيها فلان وفلان وتقاصر عن اقتحامها الشجعان أيصح بعد هذا أن نضع أبا بكر على منبر النبي وننزل بعلي عما يستحق من مقام.
خبريني يا ذكريات أبي العزيز أليس أبو بكر هو الذي لم يأتمنه الوحي على تبليغ آية الى المشركين ؟ . وانتخب للمهمة علياً فماذ يكون معنى هذا ان لم يكن معناه ان علياً هو الممثل الطبيعي للاسلام الذي يجب ان تستند اليه كل مهمة لا يتيسر للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مباشرتها.
اني لا تذكر بوضوح ذلك اليوم العصيب الذي أرجف فيه المرجفون لما استخلف أبي علياً على المدينة وخرج الى الحرب ، فوضعوا لهذا
ولما وصلت الى هذه النقطة من افكارها المتدفقه صرخت ان هذا هو الانقلاب الذي انذر االله تعالى في كتابه اذ قال : ( وما محمّد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم). فها هم الناس قد انقلبوا على أعقابهم. واستولى عليهم المنطق الجاهلي الذي تبادله الحزبان في السقيفة حين قال أحدهما نحن أهل العزة والمنعة ، واولوا العدد والكثرة ، واجابه الآخر : من ينازعنا سلطان محمّد (ص) ونحن اولياؤه وعترته وسقط الكتاب والسنة في تلك المقاييس ثم اخذت تقول : ـ
يا مبادىء محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التي جرت في عروقي منذ ولدت كما يجري الدم في العصب ، ان عمر الذي هجم عليك في بيتك المكي الذي اقامه النبي مركزاً لدعوته قد هجم على آل محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في دارهم واشعل النار فيها أو كاد . .
(1) ورد حديث المنزلة في صحيح البخاري ومسلم وخصائص النسائي ومستدرك الحاكم وجامع الترمذي ومروج الذهب.
يا روح امي العظيمة انك القيت علي درساً خالداً في حياة النضال الاسلامي بجهادك الرائع في صف سيد المرسلين ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وسوف أجعل من نفسي خديجة علي في محنته القائمة.
لبيك لبيك يا أماه اني أسمع صوتك في أعماق روحي يدفعني الى مقاومة الحاكمين.
فسوف أذهب الى أبي بكر لأقول له لقد جئت شيئاً فريا ، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة ، ولأنبه المسلمين الى عواقب فعلتهم والمستقبل القائم الذي بنوه بأيديهم وأقول : لقد لقحت فنظرة ريثما تحلب ، ثم احتلبوها طلاع القعب دماً عبيطاً ، وهناك يخسر المبطلون. ويعرف التالون ، غب ما أسس الاُولون.
ثم اندفعت الى ميدان العمل وفي نفسها مبادىء محمّد ( صلى الله اليه وآله وسلم ) وروح خديجة ، وبطولة علي. واشفاق عظيم على هذه الاُمة من مستقبل مظلم.
لم يكن الطريق الذي اجتازته الثائرة طويلا ، لان البيت الذي انبعث منه شرر الثورة ولهيبها هو بيت علي (ع) بالطبع الذي كان يصطلح عليه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيت النبوة وهو جار المسجد لا يفصل بينهما سوى جدار واحد ، فلعلها دخلته من الباب المتصل به ، والمؤدي اليه من دارها مباشرة ، كما يمكن أن تكون مدخلها الباب العام ولا يهمنا تعيين أحد الطريقين ، وان كنت أرجح أنها سلكت الباب العام لأنّ
وتدلنا الرواية على أن الزهراء كانت تصحبها معها نسوة من قومها وحفدتها كما سبق ذكره ومرد هذه الصحبة ، وذلك الاختيار للباب العام الى أمر واحد ، وهو تنبيه الناس ، وكسب التفاتهم باجتيازها في الطريق مع تلك النسوة ليجتمعوا في المسجد ، ويتهافتوا حيث ينتهي بها السير بقصد التعرف على ما تريده وتعزم عليه من قول أو فعل ، وبهذا تكون المحاكمة علنية تعيها اسماع عامة المسلمين في ذلك الوسط المضطرب.
سبق أن الرواية التأريخية جاءت تنص على أن الزهراء لم تكن لتخرم في مشيتها مشية ابيها ( صلى الله عليه وآله وسلم ).
ويتسع لنا المجال لفلسفة هذا التقليد الدقيق فلعله كان طبيعة قد جرت عليها في موقفها هذا بلا تكلف ولا اعتناء خاص ، وليس هذا ببعيد فانها صلوات الله عليها قد اعتادت ان تقلد اباها وتحاكيه في سائر
ولذا ترىُ ان الراوي نفسه أثرت عليه هذه الناحية أيضاً من حيث يشعر أو لا يشعر ، ودفعه تأثره هذا الى تسجيلها فيما سجل من تصوير الحركة الفاطمية.
صرخة باركتها الزهراء ، ورعتها السماء فكانت عند اندلاعها محط الثقل الذي تركز عنده الحق المذبوح ، والمحاولة اليائسة التي شاعت حولها ابتسامات أمل استحالت بعد انتهائها الى عبوس مرير ، ويأس ثابت ، واستسلام فرضته حياة الناس الواقعة يومذاك.
ثورة لم تكن لتقصد بها الثائرة نتيجة لها على ما يطرد في الثورات الاخرى بقدر ما كانت تستهدف الى تثبيت الثورة لذاتها وتسجيلها فيما يسجله التأريخ في سطوره البارزة فكانت الثورة على هذا بنفسها تؤدي الغرض كاملاً غير منقوص ، وهذا ما وقع بالفعل وبه نفسر الحكم بنجاحها وان فشلت كما سنوضحه في موقع آخر من هذا الكتاب.|
( حفيد الزهراء ) الامام موسى بن جعفر |
فدك : قرية في الحجاز ، بينها وبين المدينة يومان ، وقيل ثلاثة وهي أرض يهودية في مطلع تأريخها المأثور. وكان يسكنها طائفة من اليهود ، ولم يزالوا على ذلك حتى السنة السابعة حيث قذف الله بالرعب في قلوب أهليها فصالحوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على النصف من فدك وروي انه صالحهم عليها كلها.
وابتدأ بذلك تاريخها الاسلامي ، فكانت ملكا لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأنها مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، ثم قدمها لابنته الزهراء ، وبقيت عندها حتى توفي أبوها ( صلى الله عليه وآله ) فانتزعها الخليفة الاُول ( رضي الله عنه ) ـ على حد تعبير صاحب الصواعق المحرقة ـ وأصبحت من مصادر المالية العامة وموارد ثورة الدولة يومذاك حتى تولى عمر الخلافة فدفع فدكا الى ورثة رسول الله
( صلى الله عليه وآله ) وبقيت فدك عند آل محمّد ( صلى الله عليه وآله ) الى أن تولى الخلافة عثمان بن عفان فاقطعها مروان بن الحكم على ما قيل ، ثم يهمل التاريخ أمر فدك بعد عثمان فلا يصرح عنها بشيء. ولكن الشيء الثابت هو ان أمير المؤمنين علياً انتزعها من مروان على تقدير كونها عنده في خلافة عثمان ـ كسائر ما نهبه بنو اُمية في أيام خليفتهم ـ .
وقد ذكر بعض المدافعين عن الخليفة في مسألة فدك أن علياً لم
ولا أريد أن أفتح في الجواب بحث التقية على مصراعيه وأوجه بها عمل أمير المؤمنين ، وانما امنع ان يكون أمير المؤمنين (ع) قد سار على طريقة الصديق ، فان التأريخ لم يصرح بشيء من ذلك بل صرح بأن أمير المؤمنين كان يرى فدكاً لاُهل البيت ، وقد سجل هذا الرأي بوضوح في رسالته الى عثمان بن حنيف كما سيأتي.
فمن الممكن انه كان يخص ورثة الزهراء وهم أولادها وزوجها بحاصلات فدك وليس في هذا التخصيص ما يوجب اشاعة الخبر لأن المال كان عنده وأهله الشرعيون هو وأولاده كما يحتمل انه كان ينفق غلاتها في مصالح المسلمين برضى منه ومن اولاده عليهم الصلاة والسلام (1) بل لعلهم أوقفوها وجعلوها من الصدقات العامة.
ولما ولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة أمعن في السخرية وأكثر من الاستخفاف بالحق المهضوم فاقطع مروان بن الحكم ثلث فدك وعمر بن عثمان ثلثها ، ويزيد ابنه ثلثها الآخر ، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان بن الحكم أيام ملكه ثم صفت لعمر بن عبدالعزيز بن مروان فلما تولى هذا الامر رد فدكاً على ولد فاطمة عليها السلام وكتب الى واليه على المدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك فكتب اليه ان فاطمة عليها السلام قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وفلان فعلى من أرد منهم ؟ فكتب اليه : أما بعد ، فاني لو كتبت اليك آمرك أن تذبح
ثم انتزعها يزيد بن عبدالملك من أولاد فاطمة فصارت في أيدي بني مروان حتى انقرضت دولتهم.
فلما قام أبو العباس السفاح بالاُمر وتقلد الخلافة ردها على عبدالله ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ثم قبضها أبو جعفر المنصور في خلافته من بني الحسن وردها المهدي بن المنصور على الفاطميين ثم قبضها موسى بن المهدي من أيديهم.
ولم تزل في أيدي العباسيين حتى تولى المأمون الخلافة فردها على الفاطميين سنة (210) وكتب بذلك الى قثم بن جعفر عامله على المدينة : أما بعد ، فان أمير المؤمنين بمكانه من دين الله وخلافة رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والقرابة به أولى من استن بسنته وسلم لمن منحه منحة وتصديق عليه بصدقة منحته وصدقته وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته واليه في العمل بما يقربه اليه رغبته ، وقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أعطى فاطمة بنت رسول الله فدك وتصدق بها عليها وكان ذلك أمراً ظاهراً