|
« المواسم » و « المراسم »
في سطور ... |
يقولون إنّ أول من احتفل بمولد النبي عليه الصلاة والسلام ، هو ـ كما يقال ـ الامير ابو سعيد مظفر الدين الاربلي المتوفى عام 630 هـ . ق 1 .
وكان يفد الى هذا العيد طوائف من الناس من بغداد ، والموصل ، والجزيرة ، وسنجار ، ونصيبين ، بل ومن فارس : منهم العلماء والمتصوفون ، والوعّاظ ، والقرّاء ، والشعراء ، وهناك يقضون في اربلا من المحرم الى أوائل ربيع الاوّل .
وكان الامير يقيم في الشارع الاعظم مناضد عظيمة من الخشب ، ذات طبقات كثيرة ، بعضها فوق بعض ، تبلغ الأربع والخمس ، ويزيّنها ، ويجلس عليها ـ المغنّون ، والموسيقيون ، ولاعبو الخيال حتى أعلاها الخ ... » 2 .
=
وقد صنف له ابن دحية كتاب : « التنوير ، في مولد السراج المنير » لما رأى من اهتمام مظفر الدين به ، فاعطاه الامير الف دينار غير ما غرم عليه مدة إقامته 1 .
وقد اطنبوا في وصف حاكم اربل ، بالصلاح ، والخير ، والبر ، والتقوى كما يعلم من مراجعة ترجمته عندهم 2 .
ولكن السيد رشيد رضا لا يوافق على ذلك ، ويقول : « أول من أبدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي ، أحد ملوك الشراكسة في مصر » 3 .
وقال غيره عن الموالد : « أول من أحدثها ، بالقاهرة ، الخلفاء الفاطميون ، أولهم المعز لدين الله ، توجه من المغرب الى مصر في شوال سنة 361 ... الى ان قال : إلى أن أبطلها الأفضل بن أمير الجيوش » 4 .
هذا ... وقد قتل الأفضل في سنة 515 .
ويؤيد هذا القول الأخير أيضا ما ذكره المقريزي عن أعياد الخلفاء الفاطميين ، فليراجعه من أراد . 5
والظاهر هو أنه لا منافاة بين الأقوال السالفة ، لإمكان أن يكون مرادهم أن صاحب أربل أول من أحدثه في أربل ، واوّلئك أول من أحدثه في القاهرة ، وفي مصر ، نعم ... تبقى المناقاة بين ما تقدم نقله عن السيد رشيد رضا ، وما نقل عن غيره ، حول أول من أحدثه في مصر .
كما أن من الممكن أن يقصد البعض : أن حاكم أربل أول من أحتفل بالمولد احتفالاً عظيماً ، وبهذه الصورة الخاصة ، التي كانت تكلفه عشرات بل مئات الالوف من الدنانير ، حسبما صرّحوا به .
ومهما يكن من أمر ... فإن الاهتمام بالمولد ، كان أسبق من التواريخ المتقدمة حيث نجدهم يقولون : كان ازدياد التعظيم للنبيّ عليه السلام بين أهل الصلاح والورع سبباً في أن صار يحتفل بمولده عام 300 هـ . وكان ذلك بدعة في نظر المتمسكين بالعادات الاسلامية الأولى .
ويحكى عن الكرجي ( المتوفى عام 343 ـ 954 م ) وكان من الزهاد المتعبدين : أنه كان لا يفطر إلاّ من العيدين ، وفي يوم مولد النبيّ عليه السلام ... » 1 . وقال السخاوي : « لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة وإنما حدث بعد » 2 .
أمّا نحن فنقول : إن الاهتمام بالمناسبات والمواسم قد بدأ من عهد النبي صلّى الله عليه وآله ، ومن شخص رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ، حسبما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى ...
قال القسطلاني : « ... ولازال أهل الاسلام يحتفلون بشهر مولده عليه السلام ، ويعملون الولائم ، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ، ويظهرون السرر ويزيدون في المبرّات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ، ويظهر عليهم من بركاته كلّ فضل عميم » .
إلى أن قال : « فرحم الله امرء اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً ،
=
ولقد أطنب ابن الحاج في الدخل في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء ، والغناء بالآلات المحرّمة عند عمل المولد الشريف ، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل 1 » . وقال ابن عباد في رسائله الكبرى : « ... وأما المولد فالذي يظهرلي : أنه عيد المسلمين ، وموسم من مواسمهم . وكل ما يفعل فيه مما يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك ، من إيقاد الشمع ، وإمتاع البصر والسمع ، والتزيّن بلباس فاخر الثياب ، وركوب فاره الدواب ، أمر مباح لاينكر على أحد » 2 .
وعن ابن حجر انه قال : « واما ما يعمل فيه ، فينبغي الاقتصار على ما يفهم منه الشكر لله تعالى ، من التلاوة ، والإطعام ، والصدقة ، وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية ... وأمّا ما يتبع ذلك من السماع واللهو ، وغير ذلك ، فما كان من ذلك مباحا ، بحيث لا ينقص السرور بذلك اليوم ، لابأس بإلحاقه به ، وأمّا ما كان حراما ، أو مكروها ، فيمنع ، وكذا ما كان خلاف الأولى » 3 .
وقد أوضح ابن تيمية : أن العيد لايختص بالعبادة، والصدقات ، ونحوها ، بل يتعدّى ذلك إلى اللعب ، وإظهار الفرح أيضا .
وقد رأى ابن تيمية : أن بذلك أصلاً في السنة ، أي في الرواية التي تذكر أنه قد كان عند النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم جوار يغنين ، فدخل أبوبكر ، فأنكر ذلك ، وقال : أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ؟
فقال له النبي ( ص ) : ان لكل قوم عيداً ، وإنّ عيدنا هذا اليوم . 4
وأضاف : « إن المقتضي لما يفعل في العيد ، من الاكل والشرب ، واللباس والزينة ، واللعب والراحة ، ونحو ذلك ، قائم في النفوس كلها ، إذا لم يوجد مانع ، خصوصا نفوس الصبيان ، والنساء ، وأكثر الفارغين » 1 .
ولكننا نعتقد : ان الرواية المتقدمة لا أساس لها من الصحة ، لأن الروايات في ذلك متضاربة ومتناقضة ، ولأن أكثرها يدل على حرمة الغناء ، حيث لا يعقل أن يحلل الشارع ما يعتبره العقلاء من مزامير الشيطان ... إلى آخر ما ذكرناه في كتابنا : الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلم | ج 2 | ص 314 ـ 329 ، فليراجع ...
والغريب في الامر اننا نجد ابن كثير الحنبلي ، حينما وصل به الكلام الى الحديث عن مريم أخت عمران ، التي كانت في زمان موسى ، يقول :
« ... وضربها بالدف في مثل هذا اليوم ، الذي هو أعظم الأعياد عندهم ، دليل على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدف في العبد ... » 2 .
ثم نراه يحكم بجواز ذلك في الأعياد ، وعند قدوم الغيّاب ، تماما على وفق ما استنبطه من رواية مريم ، وذلك استنادا للرواية المتقدمة ، التي استند إليها سلفه ابن تيمية .
قال ابن حجر الهيثمي : « وأخرج ابن عساكر ، عن إبراهيم بن أبي عيلة ، قال : دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد ، والناس يسلمون عليه ويقولون : تقبّل الله منّا ومنك يا أمير المؤمنين ، فيردّ عليهم ، ولا ينكر عليهم .
قال بعض الحفاظ الفقهاء من المتأخرين : « وهذا أصل حسن للتهنئة بالعيد
وقبل ذلك نجد أن هذا النص قد قاله عمرو الانصاري لأبي وائلة فيردّ عليه نفس العبارة 2 :
وليت شعري ، لماذا لا تكون تهنئة الشيخين لعليّ يوم الغدير أساسا لتهنئة في العيد 3 .
وقال السخاوي : « لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة ، وإنما حدث بعد ، ثم لازال أهل الاسلام ، من سائر الأقطار ، والمدن الكبار يعملون المولد ، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات ، ويعتنون بقراءة مولده الكريم ، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم » 4 .
قال ابن الجوزي : « ومن خواصه : أنه أمان في ذلك العام ، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام » 5 .
« وحكى بعضهم : أنه وقع في خطب عظيم ، فرزقه الله النجاة من أهواله بمجرد أن خطر عمل المولد النبوي بباله » 6 .
وقد ذكروا : أنهم كانوا حينما يقرؤون المولد ، فإذا وصلوا إلى ذكر ولادته (ص)
فقال الصفوري الشافعي : « مسألة القيام عند ولادته ، لا إنكار فيه ، فانه من البدع المستحسنة . وقد أفتى جماعة باستحبابه عند ذكر ولادته . وقال جماعة بوجوب الصلاة عليه عند ذكره ، وذلك من الإكرام والتعظيم له ( ص ) ، وإكرامه وتعظيمه واجب على كل مؤمن . ولا شك أن القيام له عند الولادة من باب التعظيم والإكرام ... » 1 .
وسيأتي من الحلبي الشافعي وغيره ، التأكيد على مشروعية القيام عند ولادته ( ص ) .
هذا ... وقد ألف العديد من الكتب والرسائل ، ونشرت بحوث كثيرة ، تتحدث عن مشروعية المولد النبوي ، وسائر المواسم والمراسم ، هذا عدا عن البحوث المبثوثة في الكتب المختلفة ، المؤلفة لاغراض أخرى ...
وعلى هذا ...
فليس كتاب التنوير لابن دحية ، ثم رسالة السيوطي ، المسمّاة بحسن المقصد ، ولا المولد الذي ألّفه ابن الديبع هي البداية ، ولا النهاية في هذا المجال .
ولكن ما لفت نظرنا هنا هو ذلك الكتاب المطبوع باسم : « النعمة الكبرى على العالم ، في مولد سيد ولد آدم » والمنسوب الى شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي الشافعي . وهو اسم صاحب الكتاب المعروف المسمى : بالصواعق المحرقة .
حيث قد تضمن هذا الكتاب كلمات منسوبة إلى ابي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي عليه السلام ، والحسن البصري ، والجنيد البغدادي ، ومعروف الكرخي ، وفخر الدين ، والإمام الشافعي ، والسري السقطي .
ونحن نشك فيه نسبة تلك الكلمات الى هؤلاء وذلك لأننا لم نعثر على شيء منها في المصادر الاخرى ، التي في حرزتنا ، وإن كنا لا ندّعي أننا بلغنا الغاية في الإستقصاء .
وعلى كل حال ، فإننا نكل أم هذه المنسوبات ، وأم الكتاب ومؤلفه الحقيقي إلى الله ، فهو المطّلع على السرائر ، والمحيط بما في الخواطر ...