الأدلة .. وبعض الشواهد..
فإنّنا نستطيع أن نستخلص ممّا سبق ؛ الأمور التالية :
أوّلاً : إن ما ادّعوا : انه يصلح دليلا للمنع عن المواسم والمراسم على اختلافها ، لا يصلح للاستدلال به على ذلك ، من وجوه مختلفة .. والفصل السابق كله في بيان ذلك ، فلا نعيد .
وثانياً : إن الابتكار والابتداع في العادات والتقاليد ، وأمور المعاش ، والمعاد يمكن أن يكون حسنا تارة ، وقبيحا أخرى ، وقد تعرض له الاحكام الخمسة ، تبعا للعناوين المختلفة التي يمكن أن يتعنون بها ، حينما تكون تلك العناوين محكومة بأيّ من تلك الأحكام .
وما نحن فيه من هذا القبيل .. فإن جاء به على أنه من الدين ، فإنّه يكون حراما لتعنونه بعنوان البدعة المحرّمة ، وإن جاء به لا على أنه عبادة ولا من الدين ، فلا يكون حراما .
وثانياً : قد تقدم قول ابن تيمية ـ وكذلك قال غيره أيضا ـ ان الاشياء ما عدا العبادات كلها على الإباحة ، حتى يرد ما يوجب رفع اليد عنها ، ولا سيّما ما كان من قبيل العادات .
وما نحن فيه من قبيل العادات أيضا ، حيث قد جرت عادة الناس على
ورابعاً : بل إن ما نحن فيه داخل في قسم ما أمر الله سبحانه ، حيث ان الاحتفالات بيوم مولد النبّي (ص) ، أو الاحتفال بيوم الهجرة أو يوم المبعث ، أو حتى يوم عاشوراء ، إلى غير ذلك من المناسبات إنّما هو داخل تحت عناوين عامة ورد الأمر بها والحت عليها . وتقدّم أن اختيار المكلف لمصداق العنوان العام لا يعدّ ابتداعا ، ولا إحاداثا في الدين ، وإدخالا في امره ما ليس منه . وقد تقدم توضيح ذلك في أوائل الفصل السابق فلا نعيد .
وتقدم أنّ ما ورد عنه صلّى الله عليه وآله وسلم : « من سنّ سنّة حسنة الخ .. » قد طبقه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم على اختيار البعض لمصداق عنوان عام مأمور به ، فيكون من شواهد ما ذكرناه آنفا .
وخامسا : قد تقدم قول بعض المانعين ـ وهو ابوبكر جابر الجزائري :
« ان الفطرة قاضية : أنّ الإنسان يفرح بالمولود يوم ولادته ، ويحزن عليه يوم موته ، فسبحان الله كيف يحاول الانسان ، غروراً ـ تغيير طبيعته » .
ونحن نوضح هذا الأمر هنا ، بمقدار ما تسمح لنا به الفرصة ، ويسعفنا به البيان .. فنقول :
إنّ ممّا لاشك فيه هو : أن الناس ـ كل الناس ـ يولون ما يرتبطون به عقائدياً وفكريّاً وعاطفياً أهميّة خاصة ، وعلى أساس ذلك يتّخذون مواقفهم ، ويكون الفعل ، وردّ الفعل .. والتأثير والتأثر ، بصورة تلقائية ، وعفوية وطبيعية .
وكذلك ، فان الناس بالنسبة لما يرفضونه ، ويديتون به عقائديّاً ، وفكرياً ، وعاطفياً موقفاً آخر ، وتأثيراً وتأثراً من نوع آخر كذلك .
وقد اعتاد الناس انطلاقا من احترامهم للمثل والقيم التي يؤمنون بها ، على احترام الأشخاص الذين بشروا بها ، وضحّوا في سبيلها ، وارتبطوا بهم عاطفياً وروحياً كذلك .. ورأوا : أن إحياء الذكرى لهؤلاء الاشخاص ، لم يكن من أجل ذواتهم كأشخاص ، وإنّما من أجل أنّهم بذلك يحيون تلك القيم والمثل في نفوسهم ،
وهكذا يقال بالنسبة للاحترام الذي يخصون به بعض الأيّام ، أو بعض الأماكن ، وقديما قيل :
| مـررت على الـديـار ديـار لــيلى | * | أقـبّـل ذا الجــدار وذا الجـدارا |
| ومـا حـبّ الـديـار شغـفـن قـلبي | * | ولـكـن حبّ مـن سـكن الـديارا |
ويلاحظ : أن الاهتمام بإقامة الذكريات والاحتفال بالمناسبات ، التي تمثل تحولاً من نوع ما في حياة الناس عامة ، لا يقتصر على فئة دون فئة ، ولايختص بفريق دون فريق فالكبير والصغير ، والغني والفقير ، والملك والسّوقة ، والعالم والجاهل ، والمؤمن والكافر ، وغيرهم وغيرهم ، الكل يشارك في إقامة الذكريات للمثل والقيم ، ومن يمثلها حسب قدارته وإمكاناته .
فهذه الشمولية تعطينا : أن هذا الأمر لايعدو عن أن يكون تلبية لحاجة فطرية ، تنبع من داخل الإنسان ، ومن ذاته ، وتتصل بفطرته وسجيته ، حينما يشعر : أنه بحاجة الى أن يعيش مع ذكرياته ، وآماله ، وإلى أن يتفاعل مع ما يجسّد له طموحاته .
فيوم ولادة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم هو يوم فرح للمسلمين ، ويوم عيد وبهجة لهم . ولا بدّ وأن يستجيب الإسلام لنداء الفطرة ، ويلبي رغباتها مادامت منسجمة مع منطلقاته وأهدافه ، ولا يحرمها من عطاء رحمته وبرّه .. مادام أنّه دين الفطرة ، الذي يوازن بين جميع مقتضياتها ويعطيها حجمها الطبيعي ، من دون أن يكون ثمة إهمال مضرّ ، أو طغيان مدمّر .
وهذه هي عظمة تعاليم الاسلام ، وهذا هو رمز الخلود له .. وفّقنا الله للسير على هدى هذا الدين ، والالتزام بشريعة ربّ العالمين ، إنّه خير مأمول وأكرم مسؤول .
هذا .. وقد قال العلامة الأميني رحمه الله تعالى : « لعل تجديد الذكرى بالمواليد والوفيات ، والجري على مواسم النهضات الدينيّة ، أو الشعبيّة العامة ، والحوادث العالميّة الاجتماعية ، وما يقع من الطوارق المهمة ، في الطوائف
هذه مراسم اليهود ، والنصارى ، والعرب ، في أمسها ويومها ، وفي الاسلام وقبله ، سجلها التاريخ في صفحاته .
وكأن هذه السنة نزعة انسانية ، تنبعث من عوامل الحب والعاطفة ، وتسقى من منابع الحياة ، وتتفرع على أصول التبجيل والتجليل ، والتقدير والإعجاب ، لرجال الدين والدنيا ، وأفذاذ الملأ ، وعظماء الأمة ، إحياءً لذكرهم وتخليدا لاسمهم ، وفيها فوائد تاريخية ، إجتماعية ، ودروس اخلاقية ضافية راقية ، لمستقبل الأجيال ، وعظات وعبر ، ودستور عملي ناجع للناشئة الجديدة ، وتجارب واختيارات ، تولد حنكة الشعب ، ولا تختص بجيل دون جيل ، ولا بفئة دون اخرى .
وإنما الأيّام تقتبس نورا وازدهارا ، وتتوسم بالكرامة والعظمة ، وتكتسب سعداً ونحساً ، وتتخذ صيغة ممّا وقع فيها من الحوادث المهمة ، وقوارع الدهر ونوازله الخ .. » . 1
وقال السيد الأمين رحمه الله : « .. وأمّا جعل التذكار لمواليد الأنبياء والأولياء ، الذي يسميه الوهابية بالأعياد والمواسم ، بإظهار الفرح والزينة في مثل يوم ولادتهم ، التي كانت نعمة من الله على خلقه ، وقراءة حديث ولادتهم ، كما يتعارف قراءة حديث مولد النبيّ (ص) ، وطلب المنزلة والرفعة من الله لهم ، وتكرار الصلوات والتسليم على الأنبياء ، والترحّم على الصلحاء ، فليس فيه مانع عقلي ولا شرعي ، إذا لم يشتمل على محرّم خارجي ، كغناء ، او فساد ، أو استعمال آلات اللّهو ، أو غير ذلك ، كما يفعل جميع العقلاء ، وأهل الملل في مثل أيام ولادة عظمائهم وأنبيائهم ، وتبوّء ملوكهم عروش الملك ، وكل ذلك نوع من التعظيم الذي
وسادساً : قد تقدم أنهم يقولون : إن الإجماع نبوّة بعد نبوّة ، ولا يختص عندهم زمان الاجماع بوقت دون وقت ، ولا بزمان ، وقد انعقد الإجماع على إقامة أعياد أخرى غير الفطر والأضحى ، مثل عيد النوروز ، والمهرجان ، وعيد المولد النبوي ، ولا سيما في عهد حاكم أربل وبعده إلى قرب ظهور ابن تيمية .. حسبما تقدمت الإشارة إليه في غير موضع .. فلا نعيد .
وسابعاً : وقد ادّعى أولئك المانعون أنه لا يوجد إلاّ عيدان : الفطر والأضحى ، ولكننا نقول : إنه على أساس ما قدّمناه ، من أن الفرح حينما يوجد ما يقتضي الفرح والحزن حينما يوجد ما يتقضي الحزن ، هو مقتضى النزعة الانسانية والسجية والفطرة البشرية .
وبما أنّ الانسان يفرح ويبتهج ، حينما ينتصر في معركةٍ ما ..
ولأنّ خسران المعركة مع الشياطين ، معناه خسارة الانسان لأعزّ شيءٍ يملكه ، وإلى الأبد .. ألا وهو نفسه وذاته ..
نعم .. من أجل ذلك نجد أمير المؤمنين علي السّلام يقول في بعض الأعياد :
« إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه ، وشكر قيامه ، وكلّ يوم لا يعصى الله فيه ، فهو عيد .. » . 2
نعم .. وهذا بالذات ، هو سرّ تشريع عيد الفطر ، وعيد الأضحى ، بعد تلك الرحلة التربوية الجهادية مع النفس الأمّارة ، وضد كلّ الشياطين ، حينما يفترض بالإنسان أن يترك ـ مختارا ـ أموراً تدعوه إليها غرائزه ، وتدفعه نحوها شهواته ، كما ويزيده شوقا إلى بعضها حنين الإلف والعادة ، النا شئ عن طول
وقد أشار عليه السّلام إلى أن انتصار الإنسان في رحلته الجهادية التربوية تلك في شهر رمضان المبارك ، وفي أيّام الحج ، حيث مراعاة تروك الإحرام ، هو الذي جعل يوم أول شوال ، ويوم العاشر من ذي الحجة عيداً يفرح به الانسان الصابر المجاهد .
ومما يدل ايضا على عدم انحصار العيد في الفطر والأضحى ، ما روي عنه صلّى الله عليه وآله وسلم حول يوم الجمعة : « ان هذا يوم جعله الله للمسلمين عيداً » 1 . والروايات المصرّحة بكون يوم الجمعة عيداً كثيرة ، فليراجعها من أراد . 2
ويلاحظ : أنّ عدداً من الروايات ، قد صرّحت بأنّه إنّما اعتبر عيداً ، بسبب ما حصل فيه من الأمور المهمة ، مثل خلق آدم ، ودخوله الجنة ، وخروجه منها ، وتوبة الله عليه ، وموته وقيام الساعة فيه الخ . 3
كما أنه قد ورد الأمر بالتزيّن ، ولبس الثياب الجديدة ، وغير ذلك من
ثامناً : عاشوراء في القرون الثلاثة الاولى .
ويقول أتباع ابن تيمية ، والمدّعون لحرمة المواسم والمراسم : « البدعة وهي ما حدثت بعد القرون الثلاثة مذمومة مطلقا » 2 وتقدم تكرار المانعين لقولهم : إن ذلك لم يكن في القرون الثلاثة الأولى التي هي خير القرون ، ومعنى ذلك هو ان ما حدث في القرون الثلاثة الأولى لا يكون مذموما بل هو مقبول عند هؤلاء .. وعليه فنقول :
قد تقدم : أنّ بني أمية وهم في القرن الأول (!!) قد اتخذوا يوم عاشوراء عيداً ..
أمّا غيرهم .. فقد اتخذوه يوم حزنٍ ، وأسىً ، وعزاءٍ .
وعلى هذا .. فقد انعقد الإجماع المركب من السلف ، على موسمية يوم عاشوراء ـ وحسب زعم هؤلاء القائلين بعصمة الإجماع ـ فلا بد من قبولهم بكونه موسماً ، ولايجوز لهم إحداث قول ثالث فيه .
وقد تقدم الكلام في ذلك ، فلا نعيد .
تاسعاً : أعياد أخرى في القرون الثلاثة الاولى
هذا .. وإذا كان ما يحدث في القرون الثلاثة الأولى ، ليس من البدع المذمومة ، وإذا كانوا يحتجون للمنع عن المواسم والمراسم بأنها لم تكن في تلك القرون ..
فإنّ معنى ذلك هو أنّ كل ما كان في تلك القرون يكون شرعياً ومقبولاً ، ويمكن ذكر أمور كثيرة كانت آنئذٍ ، ونكتفي هنا بذكر الأعياد التالية :
فبالاستناد إلى أبي أسامة ، عن حماد بن زيد ، عن هشام بن محمد بن سيرين ، قال : « اتي علي رضي الله عنه بهدية بمثل النيروز ، فقال :
ما هذا ؟
قالوا : يا أمير المؤمنين ، هذا يوم النيروز .
قال : فاصنعوا كل يوم نيروزاً .
قال أسامة : كره رضي الله عنه أن يقول : النيروز » .
قال البيهقي : وفي هذا ، الكراهة لتخصيص يوم ذلك ، لم يجعله الشرع مخصوصاً به » 1 .
وقال ابن تيمية : « وأما علي رضي الله عنه ، فكره موافقتهم في اسم يوم العيد ، الذي ينفردون به ، فكيف بموافقتهم في العمل ؟! 2
ولكننا بدورنا لم نفهم مما تقدم : أنه عليه السّلام كره موافقتهم بالاسم ، بل نراه عليه السلام قد صرّح باسمه ، وأحبّ أن يطلقه على كل يوم ، وإلاّ لكان عليه أن يقول مثلاً : « فاصنعوا كل يوم مثل هذا » .
ونرى أنه عليه السلام قد شجّعهم على أعمال من هذا القبيل ، ولم ينههم عنها .. وإلاّ .. فقد كان اللأزم عليه أن يصرّح لهم بالنهي عن هذا التخصيص ، لا أن يكتفي بطلب عمل ذلك في كل يوم .
كما أنه لو كان عليه السلام قد كره ذلك ، فقد كان عليه أن يرفض هديتهم النيروزية تلك . ولكنه لم يفعل ذلك .
هذا .. وقد « كانت العادة عامة في الاحتفال بعيد النيروز ، وهو مبدأ السنة الشمسية ، بتبادل الهدايا ، فكان الخليفة في بغداد يفرق على الناس أشياء منها صور مصنوعة من عنبر ، منها ورد احمر مثلا » . 3
والمقصود بالخليفة الذي كان يفعل ذلك هو الذي يلقبه الحنابلة وأهل
وأعني به المتوكل العبّاسي ، وقيل إنه أوّل من أخّر النيروز رفقاً بأهل الخراج 2 وقيل : بل أخّره المعتضد . 3
وكذلك الحال بالنسبة لأمّ المقتدر العباسي . 4 وقبل ذلك في زمن المأمون ، 5 والواثق 6 والمنصور ، وقبل هؤلاء جميعا الحجاج . 7
ولعيد النيروز في مصر وغيرها مراسم خاصة ، لامجال لذكرها فضلا عن التفصيل فيها .
كما أن عيد المهرجان ـ الذي كان في القرون الثلاثة الأولى ـ قد كانت له أهمية خاصة أيضا ـ وكانوا يحتفلون به في طول البلاد الإسلامية وعرضها . 8
« وكان الناس يتهادون فيه كما يتهادون في النيروز ، وكان القواد ، ورجال دار الخلافة تخلع عليهم فيه ملابس الشتاء الخ ... » . 9
واول من رسم هدايا النيروز والمهرجان الحجاج . 10
والمقصود : أنه رسمها بشكل واسع ، وأخذ الناس بالعمل بها ، وإلاّ فقد تقدمت الرواية عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام : أنه قبل هدايا النيروز .
هذا .. ولابد من التذكير هنا بأن عليّاً عليه السلام قد قبل هدية النيروز ، وبعد ذلك وابتداءً من الحجاج أصبح الاحتفال بالنيروز والمهرجان رسميا عند الخلفاء ورجال الدولة والعامة على حد سواء ، حتى عند حامل لقب « محيي السنة » والصديق الحميم لأحمد بن حنبل ، وقد كان العلماء ، والصلحاء ، والفقهاء ، وغيرهم حاضرين وناظرين ، ولم ينقل لنا أيّ اعتراض من أحد منهم على ذلك ، لا في ذلك الزمان ولا بعده .
فاذا كان هؤلاء يستدلون لعدم جواز الاحتفال بعيد المولد النبوي ونحوه بأنه لم يكن في زمن السلف ، أعني الذين عاشوا في القرون الثلاثة الاولى ، فإنّ عليهم والحالة هذه : أن يعتبروا عيد النيروز ، والمهرجان من الأعياد الإسلامية ، لأنها قد كانت في القرون الثلاثة ، ولم يعترض عليها أحد ، حتى أحمد بن حنبل نفسه ، فضلاً عن غيره .
هذا.. ولا حاجة بنا إلى إثبات أن عيد الغدير إسلامي أصيل ، وقد كان في العصور الثلاثة الأولى وعدم صحة قول المقريزي : « أول ما عرف في الاسلام بالعراق ، أيّام معزّ الدولة علي بن بويه ، فإنه أحدثه في سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة ، فاتخذه الشيعة من حينئذ عيداً . 1
فإن هذا القول لا يصح ولا يمكن قبوله ، فقد قال المسعودي : « ولد علي رضي الله عنه ، وشيعته يعظمون هذا اليوم » . 2
والمسعودي قد توفي قبل التاريخ المذكور ، أي في سنة 346 هـ .
وروى فرات بن إبراهيم ، وهو من علماء الثالث عن الصادق ، عن أبيه عن آبائه عليهم السلام ، قال : قال رسول الله (ص) : « يوم غدير خم أفضل أعياد أمتي الخ .. » . 3
ونجد أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام قد اعتبره عيداً ، حيث أنه عليه السلام
وقد روى فرات بسنده عن فرات بن أحنف ، عن أبي عبدالله عليه السلام : قال : قلت : جعلت فداك ، للمسلمين عيد أفضل من الفطر والأضحى ، ويوم الجمعة ، ويوم عرفة ، قال : فقال لي : « نعم ، أفضلها ، وأعظمها ، وأشرفها عندالله منزلة ، هو اليوم الذي أكمل الله فيه الدّين ، وأنزل على نبيّه محمد : أليوم أكملت لكم دينكم الخ ... » . 2
وفي الكافي : عن الحسن بن راشد ، عن الامام الصادق ( ع ) أيضا : أنه اعتبر يوم الغدير عيداً ، وفي آخره قوله : « فإنّ الأنبياء صلوات الله عليهم كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي كان يقام فيه الوصي أن يتّخذ عيداً » ، قال قلت : فما لمن صامه ؟ قال : « صيام سنين شهرا » . 3
ويؤيده ما رواه الخطيب البغدادي ، بسندٍ رجاله كلهم ثقات ، عن أبي هريرة : من صام يوم ثماني عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا ، وهو يوم غدير خم الخ » . 4
وفي رواية اخرى : أن رسول الله ( ص ) أوصى عليّاً أن يتّخذوا ذلك اليوم عيداً . وليراجع ما رواه المفضل بن عمر ، عن الصادق عليه السلام 6 .. وما روي عن عمار بن حريز العبدي عند عليه السلام 7 وعن أبي الحسن الليثي عنه
« وقال الفياض بن عمر الطوسي سنة تسع وخمسين ومئتين ، وقد بلغ التسعين : أنه شهد أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام في يوم الغدير ، وبحضرته جماعة من خاصته ، قد احتبسهم للإفطار ، وقد قدم الى منازلهم الطعام والبر والصلات ، والكسوة حتى الخواتيم والنعال ، وقد غير من احوالهم ، وأحوال حاشيته وجددت لهم آلة غير الآلة التي جرى الرسم بابتذالها قبل يومه ، وهو يذكر فضل اليوم وقدمه . 3
وفي مختصر بصائر الدرجات ، بالإسناد ، عن محمد بن علاء الهمداني الواسطي ، ويحيى بن جريح البغدادي ، قالا في حديث : قصدنا جميعاً أحمد بن إسحاق القمّي ، صاحب الإمام أبي محمد العسكري ، ( المتوفى 260 ) بمدينة قم ، وقرعنا عليه الباب ، فخرجت الينا من داره صبية عراقية ، فسألناها عنه ، فقالت : هو مشغول بعيده ، فإنه يوم عيد ، فقلنا : سبحان الله ، أعياد الشيعة أربعة : الأضحى والفطر ، والغدير ، والجمعة الخ .. » 4 .
وبعد ... فقد حشد العلامة الأميني ، في كتابه القيّم « الغدير » عشرات النصوص عن عشرات المصادر الموثوقة عند أهل السنّة ، والتي تؤكد على عيدية يوم الغدير في القرون الأولى ، وأنه قد كان شائعاً ومعروفاً في العصور الإسلامية الأولى ... وتكفي مراجعة الفصل الذي يذكر فيه تهنئة الشيخين أبي بكر وعمر لأمير المؤمنين عليه السلام بهذه المناسبة ، فقد ذكر ذلك فقط عن ستين مصدراً ...
هذا ... عدا عن المصادر الكثيرة التي ذكرت تهنئة الصحابة له عليه السلام بهذه المناسبة ، وعدا عن المصادر التي نصّت على عيدية يوم الغدير ، فإنها كثيرة أيضا ... فراجع كتاب : الغدير ج 1 من ص 267 حتى ص 289 .
ومن ذلك كله يعلم : أنّ ما ذكره ابن تيمية عن عيد الغدير : « إن اتّخاذ هذا اليوم عيداً لا أصل له ، فلم يكن في السلف ، لا من أهل البيت ، ولا من
أضف إلى ذلك : أنّنا نجد أنه قد كان في القرون الثلاثة ما هو اهم ، ونفعه أعم ، فإنّ :
قال ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي :
« وقد روي : أن السّنة التي ولد فيها عليه عليه السلام ، هي السنة التي بُدئ فيها برسالة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فأسمع الهتاف من الاحجار ، والاشجار ، وكُشِف عن بصره ، فشاهد أنواراً وأشخاصاً ، ولم يخاطب فيها بشيء .
وهذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتل والانقطاع ، والعزلة في جبل حراء ، فلم يزل به حتى كوشف بالرسالة ، وأُنزِل عليه الوحي ، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يتيمّن بتلك السنة ، وبولادة عليّ عليه السلام فيها ، ويسمّيها سنة الخير والبركة ... » . 2
وفي مقابل ذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وآله في محاولة منه لتخليد جهاد أبي طالب وخديجة عليهما السلام ، وليذكر الناس بأنّ الاسلام لاينسى مالهما من أياد بيضاء ، وتضحيات كبرى ـ نجده ( ص ) ـ يسمّي عام وفاتهما بـ « عام الحزن » . 3
إننا مهما توقعنا ، فلا يمكن أن نتوقع من أهل البادية ، ورعاة الإبل ، والأعراب ، إلاّ الجهل الذريع ، وإلاّ الحماقات المخجلة مع مزيد من الجمود
فإنّ هؤلاء الذين يتوقفون في مسألة البرق « التلغراف » على اعتبار أنه أمر حادث في آخر الزمان ، ولا يعلمون حقيقته ، ولا رأوا فيه كلاماً لأهل العلم ـ حسب زعم علماء نجد ، الذين استفتاهم السلطان ابن مسعود 1 ـ ويعتبرون عيد الأمّ بدعة ، كما ورد على لسان علمائهم ، وهم يحبيبون على الأسئلة الشرعية عبر الإذاعة .
وإن كان قد عاد التلغراف ، والطائرة ، والمدفع ، والكامبيوتر ووالخ .. ليكون حلالا يمارسه كبار شيوخهم ، وحكامهم وملوكهم ...
إن هؤلاء الذين يتوقفون في التلغراف ، لا يتوقفون في إهانة المسلمين ، وضرب مقدّساتهم ، وهتك حرماتهم ، وحتى سفك دمائهم ، من أجل خيالات زائفة ، وترهات وأباطيل ، لا أصل لها في الشرع ، ولا حجّة لها من العقل ...
كما أنهم لا يتوقفون في السخرية بالنبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم ، والهزء به حيث يستبعدون اسم أبي طالب عن شعبه المعروف على مدى التاريخ بـ « شعب ابي طالب » ويكرّمون كهف المنافقين ويطلقون على الشارع الذي في ذلك الشعب ، ويسمونه بـ « شارع أبي سفيان » .
بل هم يسخرون بكل المقدسات ، ويهزؤون بالذات الإلهية ـ والعياذ بالله ـ فيكرمون عدو الله وعدو رسوله فيطلقون اسم ـ أبي لهب لعنه الله ـ على أحد شوارع مكة المكرمة ، فما ندري ما نقول حول هذه العقلية الجامدة ، وهذه النفوس الحاقدة !! وهذا التصرف السافل !!
فهل هو النصب ؟ أم هي الحماقة ؟ . 2
ولا نعرف لهذا مثيلاً إلاّ احتياط أهل العراق بالنسبة لدم البعوض ، مع استحلالهم لقتل سيد شباب أهل الجنة ، وأهل بيته وأصحابه ... كما ذكره ابن عمر . 3
=
وما ذلك إلاّ واحدة من ممارساتهم المخجلة ، ومهازلهم وترهاتهم الباطلة ، التي لسنا بصدد تتبعها واستقصائها .
وما أحراهم بما وصف به بشر بن المعتمر ، رئيس معتزلة بغداد ، سلفهم الخوارج ـ الذين يشبهونهم في أربعة عشر وجها من مميزاتهم وخصائصهم 1 ـ قال بشر بن المعتمر :
| ما كـان من أسـلافـهم أبـوالحسن | * | ولا ابـن عـبـاس ولا أهل السنن |
| غير مصـابـيح الـدجـى مـناسب | * | أولـئك الأعـــلام لا الأعـارب |
| كمـثل حرقـوص ومن حرقوص ؟ | * | فقـعـة قـاع حـولهـا قصـيص |
| ليس مـن الحنظل يشـتار الـعسل | * | ولا من الـبـحور يصطـاد الـورل |
| هيهـات مـا سـافـلة كـعـالـية | * | ما مـعدن الحكمة أهــل البـادية 2 |
وبعد ... فإنّنا نجد في القرون الثلاثة الأولى أعياداً ومناسبات أخرى ، يحتفل الناس بها ، ويهتمون بشأنها ، ويتهادون فيها ، مثل : عيد الختان ، ويوم الاحتجام 3 .
وقد أنفق محيي السنة ( !! ) المتوكل ، في حفل ختان أبي عبدالله المعتز ستة وثمانين مليونا من الدراهم 4 ، حتى أنسى الناس ، يوم زواج المأمون ببوران ، وغيره من الأيّام المشهورة .
ولسنا هنا في صدد التتبع لشواهد ذلك ، وكتب التاريخ والادب مليئة بها ، فليراجعها من أراد .
وأخيراً ...
فإننا نجد نفس المانعين أيضا يبتكرون ـ انطلاقاص من دوافعهم الفطرية ، ومن سجيتهم الانسانية ـ :
وان ذلك لمن المفارقات حقا ، حيث اننا نجد نفس هؤلاء الذين يوزعون أوسمة الشرك والابتداع على هذا الفريق أو ذاك ، ممن يقيمون الذكرى بمولد الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلم ، أو بيوم عيد الغدير ، أو بيوم عاشوراء ، أو المبعث أو غير ذلك ...
نجدهم أنفسهم يبتدعون عيداً جرياً على مقتضيات الفطرة والسجية ، لم يكن في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ، ولا في عهد السلف ، لا في القرون الثلاثة الأولى ، ولا في الثلاثة التي بعده .. ولا ولا . الخ .
وهذا العيد هو العيد الوطني ، الذي هو يوم تأسيس الدولة الوهابية في الحجاز ، ويعلنون ذلك في مختلف وسائل الإعلام التي تقع تحت اختيارهم ، ويلقي أولياء الأمور في المملكة على أعلى مستوى خطابات بهذه المناسبة . ويتلقّون برقيات التهنة ويجيبون عليها ...
كما أن نفس ملك الوهابيين يبعث ببرقيات التهنئة إلى ملوك ورؤساء العالم ، بالأعياد الوطنية لتلك البلاد ، وكذلك يفعل سائر وزرائه وأعوانه .
ويكفي أن تذكر : أن خادم الحرمين الشريفين ( !! ) يرسل في خلال ثلاثة أيام فقط ( وافقت كتابة هذا الوريقات ) البرقيات التالية ، ويذيعها عبر وسائل إعلامه .
1 ـ الجمعة 28 تشرين الثاني سنة 1986 م يذاع من إذاعة : « نداء الاسلام من مكة المكرمة » أن الملك فهد يبرق لرئيس جمهورية موريتانيا ، مهنئاً له بالعيد الوطني لبلاده .
2 ـ جواب رئيس النمسا ببرقية شكر على تهنئة الملك فهد له ، بمناسبة العيد الوطني لبلاده .
3 ـ السبت 29 تشرين الأول سنة 1986 ـ خوان كارلوس ملك أسبانيا يبعث ببرقية لخادم الحرمين الشريفين جوابا على تهنئته له بمناسبة أعتلائه العرش في اسبانيا .
4 ـ الأحد 30 تشرين الثاني 1986 خادم الحرمين الشريفين يبعث ببرقية تهنئة لأبي بكر العطّاس رئيس اليمن الديمقراطية ، بمناسبة عيد استقلال بلاده .
6 ـ تلقى خادم الحرمين الشريفين برقية جوابية من رئيس الجمهورية اللبنانية ردّاً على برقية له بمناسبة استقلال بلاده .
| هـذه مـن عـلاه إحدى المـعالي | * | وعلى هـذه فـقس مـا سـواهـا |
ولا ندري ما الذي أحل ذلك لهم ، ولملوكهم ، ولوزرائهم ، وقوادهم ، وسائر حكامهم وحرّمه على غيرهم !!؟
وإذا كان ذلك حراما مطلقاً فلماذا لا ترتفع أصوات وعّاظ السّلاطين في وجوه سلاطينهم أوّلاً . ؟ أم أنهم يرون الشعرة في عين غيرهم ، ولا يرون الخشبة في أعينهم !!
من يدري !! ولعل الفطن الذكي هو الذي يدري .