كتاب نظرة عابرة الى الصحاح الستة ص 30 ـ ص 50
تـعـقـيـب تحـقـيـقـي
قلت: انّ ما ذكره السيّد رشيد رضا وابن القيّم وغيرهما هو واقع الحال، فلا بدّ من الاذعان به بعنوان انّه أمر وقع في الخارج، وأمّا انّه حقّ أو لا فهو بحث آخر، فأقول هنا انّ الصحيح عندي بطلانه، فانّ النبي الاكرم لم ينه عن كتابة الحديث ونقله(2) فانّه مخالف للعقل والنقل، أمّا عقلاً: فانّ النبي المعصوم المأمور بتبليغ الدين الذي لا ينطق عن الهوى أمر باشياء ونهى عن أشياء وفصَّل كيفية العبادات والمعاملات والسياسات باجزائها وشرائطها، وهو يعلم انّه لا يتمّ شريعة الاسلام إلاّ بالكتاب وما سنّه قولاً وعملاً، ويعلم أيضاً انّ شريعته خالدة مستمرة إلى يوم القيامة، فكيف ينهى
____________
(1) وان قال محمود أبو ريه في ص34 كتابه اضواء على السنة المحمدية (الطبعة الخامسة): ومن الاَحاديث ما تقضي البداهة بصدقه كحديث «لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن»... لكنّا لا نقبل هذه الدعوى منه.

( 31 )
عن كتابة ما هو من عند الله بلسانه، وهل الاَمر بمحو كتابة حديثه إلاّ الاَمر بمحو كتابة الحقّ والنور؟
وهل يمكن استبداله بالاجتهاد والقياس في تمام الاَحكام الفقهية؟ كلا ثم كلا.
وأمّا نقلاً: فانّه أمر في موارد بالكتابة، بل أمر قبيل وفاته باتيان دواة وكتاب يكتب كتاباً لا تضل الاَُمّة بعده، وفي هذا دلالة على شرف الكتابة وعظمتها وعظم فائدتها حيث انّها توجب الحفظ عن الضلال.
وعن سنن أبي داود ومستدرك الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمرو العاص: «أُكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حقّ».
وأيضاً قد ثبت انّ لعلي صحيفة كان فيها جملة من الاَحكام الشرعية ـ كما سيأتي بحثها ـ وهذا يبطل ادّعاء النهي من أساسه.
وقال صلى الله عليه وسلم كما في لقطة البخاري برقم 2302: «اكتبوا لاَبي شاة».
وعن سالم بن عبدالله، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أقرأني سالم كتاباً كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقات قبل ان يتوفّاه الله، فوجدت فيه... زكاة(1).
وعن عمرو بن حزم: انّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم، فقرئ على أهل اليمن وهذه نسخته...(2).

الثالثة: تدوين الحديث
وقال الهروي ـ كما في محكي ارشاد الساري(3): لم يكن الصحابة
____________
(1) سنن ابن ماجه برقم 1798.
(2) سنن النسائي 8: 59.
(3) ارشاد الساري 1: 7.

( 32 )
والتابعون(1) يكتبون الاَحاديث، انّما كانوا يودوّنها لفظاً ويأخذونها حفظاً، إلاّ كتاب الصدقات، والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء، حتّى خيف عليه الدروس واسرع في العلماء الموت أمر عمر بن عبد العزيز (الذي تولّى سنة 99 ومات سنة 101) أبا بكر بن (محمّد الانصاري) حزم: أن أنظر ما كان من حديث رسول الله أو سننه فاكتبه لي، فانّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء(2). وأوصاه أن يكتب ما عند عمرة بنت عبد الرحمن...
لكن لا دليل على انّ ابن حزم فعل شيئاً أم لا؟ بل استظهر بعضهم انّه انصرف عن كتابة الحديث لما عاجلت المنية عمر بن عبد العزيز، ثم عزله يزيد بن عبد الملك عن امرة المدينة وقضائها.
ثم انّ هشام بن عبد الملك في ولايته (سنة 105 هـ) طلب من محمّد بن مسلم بن شهاب الزهري، بل قيل انّه أكرهه على تدوين الحديث، وعلى كلّ لم يعتبر عصر بني أُميّة عصر تصنيف منسق، لانّهم لم يجدوا من آثار هذا العصر كتباً جامعة مبوبة، وما صنعوه انّما هو مجموعات تضم الحديث والفقه والنحو واللغة والخبر وغيره، ولا تحمل علماً واجداً.
وعن الغزالي في احياء العلوم: بل الكتب والتصانيف محدثة لم يكن شيء منهما في زمن الصحابة وصدر التابعين، وانّما حدث بعد سنة 120 هـ ...
وانّما ازدهر التدوين في العصر العباسي بتشويق من المنصور
____________
(1) قيل آخر عصر التابعين هو حدود الخمسين ومائة. والحد الفاصل بين المتقدّم والمتأخّر هو رأس سنة 300.
(2) صحيح البخاري 1: 49 كتاب العلم باب كيف يقبض العلم.

( 33 )
الدوانيقي، وقيل انّه أول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والاعجمية بالعربية في الطب والسياسة والفلسفة والفلك والتنجيم والآداب والمنطق وغيرها.
وعن تقييد العلم للخطيب البغدادي عن معمر، عن الزهري قال: كنّا نكره كتاب العلم حتّى أكرهنا عليه هؤلاء الاُمراء فرأينا ألا نمنعه أحداً من المسلمين(1).
وقال أيضاً: استكتبني الملوك فأكتبتهم، فاستحييت الله إذ كتبتها للملوك ألاّ أكتبها لغيرهم(2).
وإليك قائمة باسماء جمع من المؤلّفين على ما ذكره الذهبي وغيره:
1 ـ ابن جريح (المتوفّى 150 هـ) التصانيف.
2 ـ أبو حنيفة (المتوفّى 150 هـ) الفقه والرأي.
3 ـ سعيد بن عروبة (المتوفّى 156 هـ).
4 ـ الاَوزاعي بالشام (المتوفّى 156 هـ ـ أو 157).
5 ـ حماد بن سلمة (المتوفّى 167 هـ).
6 ـ مالك بن أنس (المتوفّى 179 هـ) الموطأ.
7 ـ ابن اسحاق (المتوفّى 151 هـ) المغازي.
8 ـ معمر اليمني (المتوفّى 153 هـ).
9 ـ سفيان الثوري (المتوفّى 161 هـ) الجامع.
10 ـ هشام الواسطي (المتوفّى 188 هـ).
11 ـ الليث بن سعد (المتوفّى 175 هـ).
____________
(1) تقييد العلم: 107.
(2) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 1: 77.

( 34 )
12 ـ عبدالله بن لهيعة (المتوفّى 174 هـ).
13 ـ ابن المبارك (المتوفّى 181 هـ).
14 ـ القاضي أبو يوسف يعقوب (المتوفّى 182 هـ).
15 ـ ابن وهب (المتوفّى 191 هـ).
قيل: ولم يصل الينا من الكتب المبوبّة إلى آخر المائة الثانية (أي في الحديث) إلاّ موطأ مالك.
أقول: لسنا بصدد التحقيق حول هذا الموضوع، وانّما ذكرناه تطفلاً، فلنرجع إلى أصل المقصود وهو البحث عن تدوين الحديث وكتبه المشهورة وتاريخه وما يتعلّق به من اعتبار الاَحاديث المنسوبة إلى النبي الاَكرم صلى الله عليه وسلم واعتبارها. فأقول: تحوّل تدوين الحديث بعد عام (200 هـ) إلى حالة أُخرى، وهي أن يفرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بالتدوين كما عرفت آنفاً.
فصنّف عبدالله بن موسى العبسي الكوفي (المتوفّى 213) ومسدد بن مسرهد البصري (المتوفّى 228) والحميدي (المتوفى 219) كلّ منهم مسنداً(1)
، ثم بعد ذلك صنّف أحمد بن حنبل (المتوفّى 241) واسحاق بن راهويه (المتوفّى 237) استاذ البخاري وغيرهما مسانيد(2).
____________
(1) المسند ان يجعل جميع ما يروي عن كلّ صحابي ـ أي ما يسند إليه ـ في باب على حدة مهما كان موضوع الحديث.
(2) قيل: ان معاوية استحضر عبيد بن سارية يسأله أخبار الملوك وامر أن يدوّن ما يقول: وقيل: انّ خالد بن يزيد بن معاوية ترجم كتب الفلسفة والنجوم والكيمياء والطب والحروب وغيرها، وهو أول من جمعت له الكتب وجعلها في خزانه، وقيل: انّ ابا جعفر المنصور أول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والاَعجمية بالعربية، وهو حمل الفقهاء على جمع الحديث والفقه.

( 35 )
أمّا الكتب المشهورة المرجوع اليها في الحديث، فهي ما يلي.
1 ـ الموطأ لانس بن مالك رحمه الله، المولود في سنة (91) أو (92 هـ)، المتوفّى في سنة (179).
2 ـ كتاب محمّد بن اسماعيل البخاري رحمه الله ، المولود في سنة (194 هـ)، المتوفّى في سنة (256 هـ).
3 ـ كتاب مسلم بن الحجاج النيشابوري ؛، المولود في سنة (204 هـ)، المتوفّى في سنة (268 هـ).
4 ـ سنن أبي داود سليمان بن الاشعث السجستاني، المولود (202 هـ)، المتوفّى في سنة (275 هـ).
5 ـ سنن الترمذي الضرير محمّد بن عيسى، المولود (209 هـ)، المتوفّى (279 هـ).
6 ـ سنن النسائي أحمد بن شعيب النيسابوري، المولود (215 هـ)، المتوفّى (303 هـ).
وعن ابن خلدون (المقدمة 418): هذه هي المسانيد المشهورة في الملّة، وهي أُمّهات كتب الحديث في السنة، وانّها إن تعدّدت ترجع إلى هذه في الاَغلب.
وزاد بعضهم على الاَُصول الخمسة ـ أي كتب البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ـ سنن ابن ماجه المولود 209 هـ المتوفّى (375) أو (373)، ولذا اشتهرت كلمة الصحاح الستة في لسان العوام، وقيل انّ الكتاب السادس هو سنن الدارمي المتوفّى سنة (255 هـ)، فانّ ابن ماجه اخرج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الاَحاديث.
ومن هذا يعرف انّ عمدة التدوين انّما وقعت في القرن الثالث من
( 36 )
الهجرة.
ولادة غير مشروعة
1 ـ عرفت انّ الصحابة الكبار وأهل النفوذ نهوا عن نقل الحديث أو اكثاره، فأُهمل نقل الاَحاديث إلى حد كبير، وعرفت أيضاً انّ كتابة الحديث قد تركت، إمّا بأمر من النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وإمّا بأمر من الخلفاء، واستمرت هذه الحالة إلى أوائل القرن الثالث من الهجرة غالبة، والنتيجة الطبيعية من الحالة المذكورة أمران محتومان، ولن تجد لسنّة الله تبديلاً ولا تحويلاً.
أحدهما: وقوع تحريف في الاَحاديث زيادة ونقيصة.
وثانيهما: ضياع الاَحاديث بكمية كثيرة بموت حامليها أو نسيانهم، وما وصل إلى القرن الثالث ـ بل القرن الثاني ـ فانّما هو قليل جداً عادة، لكنّ الاَقاويل المسماة بالاَحاديث مع ذلك زادت وكثرت ونمت، بحيث تندهش العقول منها، واليك بعض شواهد هذا الفضول.
1 ـ عن أحمد بن حنبل في مسنده: هذا كتاب جمعته وانتقيته من (750) ألف حديث.
2 ـ وعن محمّد بن عمر الرازي أبي بكر الحافظ: كان أبو زرعة يحفظ (700) ألف حديث، وكان يحفظ (140) ألف حديث في التفسير.
3 ـ وعن مالك، انّه اختار الموطأ من (100) ألف حديث.
4 ـ وعن البخاري، انّه أختار كتابه من (600) ألف حديث.
5 ـ وعن مسلم، انّه اختار كتابه من (300) ألف حديث.
6 ـ وعن أبي داود، انّه كتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (500) ألف حديث.
7 ـ وعن البخاري انّه قال: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي الف حديث غير صحيح.
( 37 )
8 ـ وعن أحمد انّه قال: صحّ من الحديث سبعمائة ألف حديث وكسر... وظاهر هذا الكلام ان الاَحاديث الصحيحة فقط تزيد عن (700) ألف حديث، وأمّا غير الصحاح من المجهول والضعيف فعدده لم يذكر.
9 ـ قيل انّ العلماء رووا عشرات آلاف من الاَحاديث في التفسير، وانّ ابن تيمية قد ذكر في كتابه « أُصول التفاسير » انّ الاِمام أحمد قد قال: ثلاثة أُمور ليس لها اسناد: التفسير والملاحم والمغازي(1). ولذلك قال شعبة تسعة أعشار الحديث كذب(2).
أقول: العاقل المنصف المدقّق لا يرى في كلام شعبة مبالغة، بل يتوقّف في صدق العشر الواحد منها، فالسنّة ـ أي الاَحاديث القولية النبويّة ـ قد غرقت في بحر من الدس والكذب والافتراء، بحيث لايمكن وجدانها لاَي غائص حريص، فانّا لله وانا إليه راجعون، وكأنّ النبي الخاتم يعلم مستقبل أقواله حيث قال: «من قال عليَّ ما لم أقله فقد تبوأ مقعده من النار». أو: «من كذّب عليَّ فهو في النار» ونحوهما من العبارات، لكن الوضّاعين، إمّا لا اعتقاد لهم بالنار، وإمّا لا عقل لهم، حيث أجابوا النبي صلى الله عليه وسلم بانّا لا نكذّب عليك، بل نكذّب لك!!!
يقول الدكتور أحمد أمين(3): ومن الغريب اننا لو اتخذنا رسماً بيانياً للحديث لكان شكل «هرم» طرفه المدبّب هو عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يأخذ في السعة على مرّ الزمان، حتّى نصل إلى القاعدة أبعد ما نكون على عهد
____________
(1) مسند أحمد: 14.
(2) أنظر ص193 وهامشها وص299 من كتاب أضواء على السنة المحمدية لمحمود أبو ريه.
(3) الاسلام الصحيح: 215.

( 38 )
الرسول، مع انّ المعقول كان العكس. فصحابة رسول الله أعرف الناس بحديثه، ثم يقلّ الحديث بموت بعضهم مع عدم الراوي عنه وهكذا، ولكنّا نرى أنّ أحاديث العهد الاَموي أكثر من أحاديث عهد الخلفاء الراشدين، وأحاديث العصر العباسي أكثر من أحاديث العهد الاَموي(1).
وأقول: وبعد ذلك أفلا تعجب ممّا نقل عن البخاري انّه يحفظ مائة ألف حديث صحيح؟!!!
لا من ادعاء الحفظ، فانّه خارج عن محل بحثنا، بل من ادّعاء صحّة هذا الكمية الهائلة من الروايات، وهل يرضى نفسه ونفس كل منصف مع نهي الخلفاء عن الرواية أو اكثارها وعن الكتابة ان تصل بعد أكثر من قرنين مائة ألف حديث إلى البخاري وحده على ما شرطه؟ فلو أقسم أحد ببطلان هذا الادّعاء لم يكن كاذباً وآثماً ولو سألتني عن الحق، قلت: انّ اقتصار البخاري في كتابه على نقل 2062 حديث فقط خير دليل على اشتباه هذه الدعوى، أفلا تعقلون؟!
ما هو أسباب هذا التكثّر المجعول؟
اليك ما يحضرني عاجلاً:
1 ـ عدم اقدام الخلفاء الراشدين على تدوين الاَحاديث المعتبرة في مجموعة لا يبقى بعدها مجال للوضع والكذب، بل من سوء الحظ منعوا من كتابتها وأوجدوا أرضية وسيعة للوضّاعين والمكثرين بما شاءوا.
2 ـ الغلو المفرط في شأن كلّ من سمّي بالصحابي ولو كان فاسقاً فاجراً، وجعلوا الصحبة ستراً قوياً وجداراً منيعاً عن أي نقد وبحث فضلاً
____________
(1) ضحى الاسلام: 128.

( 39 )
عن الاعتراض على اخطائهم، فتراهم يكرمون المتحاربين منهم من القاتل والمقتول ويتحفونهم بالترضيّة، ويزعمون عدالتهم، وإن صدر منهم ما صدر، فقبلوا أكاذيب أبي هريرة وامثاله باخلاص واعتقدوا كأنّها لم تصدر إلاّ عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولئن كان في الصدر الاول عدّة محدودة من أمثال أبي هريرة، لكن تكثّر وتعدّد بعده في الطبقة الثانية أضعاف عدد الطبقة الاولى، وهكذا إلى زمان المدّونين من أرباب المسانيد والصحاح!
والواقع انّ غلوّنا في حق الصحابة وعد الجميع في مرتبة عالية من التقوى والاخلاص قد تسبّب ضرراً كثيراً على الدين والعلم والحقيقة، ومن يزعم انّ اطلاق العقل في التحقيق والبحث عن أحوال الصحابة ـ حسب موازين الجرح والتعديل الرائجة في حق غيرهم ـ يوجب التزلزل في اركان التسنّن فهو يعترف ـ أشعر أو لم يشعر ـ بانّ بناء التسنّن على الاَباطيل والمجهولات والعمى المطلق، ولا يوافقه أحد من علماء أهل السنة.
3 ـ دس الاسرائيليات في الاَحاديث وبثها بين المسلمين ثم أصبحت كونها من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم مسلمة لا تقبل الترديد، ولاحظ تفصيله في غير هذا الكتاب.
4 ـ وجود أُناس فاقدي التقوى لا همَّ لهم سوى هم البطن وهم عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم، فقصّوا على الناس ما أعجبهم أو ما قويت به السلطة الحاكمة، ونسبوا كلّ ذلك إلى النبي الاَكرم صلى الله عليه وسلم، فحصلوا بذلك على حطام الدنيا ومتاعها واشتهروا بين الناس، فباعوا الدين بالدنيا.
وعرفت فيما مرّ انّ البخاري ادّعى انّه يحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح.
وعن مالك بن أنس (91 أو 93 ـ 179): انّ هذا العلم دين فانظروا
( 40 )
عمّن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين ممّن يقولون قال رسول الله عند هذه الاساطين (عمد المسجد النبوي)، فما أخذت عنهم شيئاً...(1) 5 ـ النظام الاَموي كان بحاجة شديدة إلى استخدام الدين لضرب منافسيهم ومخالفيهم من بني هاشم الذين هم أكثر منهم ديناً وعلماً وكرماً وأقرب رحماً إلى الرسول الاَعظم صلى الله عليه وسلم، فصرفوا الملايين في اجارة الدجالين والوضّاعين لابطال الحقّ وإحقاق الباطل(2).
6 ـ دس الزنادقة لافساد أمر الشريعة وعقائد الاَُمة.
اخرج ابن عساكر ـ على ما نقل ـ عن الرشيد انّه جيء إليه بزنديق فأمر بقتله، فقال: يا أمير المؤمنين أين أنت عن أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم أُحرّم فيها الحلال وأُحلّ فيها الحرام.
وحكي انّه لما أخذ عبد الكريم بن أبي العوجاء يضرب عنقه قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أُحرّم فيها الحلال وأُحللّ الحرام.
وعن حماد بن زيد وضعت الزنادقة على رسول الله اثني عشر ألف حديث.
وعن اسحاق بن راهويه: انّه يحفظ أربعة آلاف حديث مزوّرة.
تأكيد ثانوي
وممّا يؤكد انّ هذه الكثرة المكثرة من الاَحاديث نشأت من الجعل والكذب لاغراض مادية أو سياسية أو غير ذلك، وانّه لا يصح الاعتماد على
____________
(1) أضواء على السنة المحمدية: 295.
(2) ملوك بني أُميّة لم يطلبوا وضع الحديث في حقّهم فقط، فانّ فسقهم وسوء حالهم من صدر الاسلام كان معلوماً مشهوراً عند المسلمين، بل في تقليل شأن علي وآله، وفي تعظيم مخالفيهم، وفي حوادث تتعلّق بهما، وقد نجحوا في تغيير الرأي العام إلى ما أرادوا.

( 41 )
جميع ما في الصحاح الموجودة ـ فضلاً عن غيرها كمسند أحمد بن حنبل وغيره ـ انّ كبار الصحابة الذي عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته المباركة وكانت لهم شهرة ومكانة اجتماعية، بل جملة منهم ـ كالخلفاء ـ يديرون الدولة الاسلامية وبيدهم أمر العباد والبلاد أقلّوا من الحديث والتحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: وكان كثير من أَجلّة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس بن عبد المطلب يقلّون الرواية عنه، بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئاً كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة كما يروون(1).
وعن ابن بطال وغيره: كان كثير من كبار الصحابة لا يحدثون عن رسول الله خشية المزيد والنقصان(2).
وقيل: لا يوجد حديث واحد عن أبي عبيدة الجراح وعتبة بن غزوان وأبي كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثير من غيرهم في كتابي البخاري ومسلم(3).
وقيل للزبير ـ كما في البخاري ـ: انّي لا أسمعك تحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان.
قال: أمّا أنّي لم افارقه، ولكنّي سمعته يقول: «ن كذّب عليَّ فليتبّوأ مقعده من النار».
____________
(1) تأويل مختلف الحديث: 56.
(2) فتح الباري 6: 28.
(3) أضواء على السنة المحمدية: 57.

( 42 )
وعن ابن عباس: انّا كنّا نحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن يكذب عليه، فلمّا ركب الناس الصعبة والذلول تركنا الحديث عنه(1).
وقال أيضاً في جواب بشير بن كعب العدوي حيث قال له: ما لي أراك لا تسمع لحديثي؟ أحدّثك عن رسول الله ولا تسمع!
قال ابن عباس: انّا كنّا مدة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله، ابتدرته ابصارنا واصغينا بآذاننا، فلمّا ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلاّ ما نعرف(2).
فانظر ـ أيدك الله ـ انّ ابن عباس لا يعتني بحديث الصحابي، ولا يخطر في ذهنه اصالة العدالة، وانّ الكذب عليه صلى الله عليه وسلم قد فشا وذاع في زمان ابن عباس حتّى سلب اعتماده.
واليك قائمة محدودة من روايات بعض الصحابة المشهورين مع دوام صحبتهم:
1 ـ أبو بكر، فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم ـ على قول النووي في تهذيبه 142 حديثاً، أورد السيوطي 104 منها في كتابه تأريخ الخلفاء، والبخاري في كتابه 22 حديثاً.
2 ـ عمر، لم يصح منه إلاّ مقدار خمسين حديثاً، كما عن ابن حزم.
3 ـ علي، قد أسندوا له ـ كما عن السيوطي 58 حديثاً، وعن ابن حزم انّه لم يصح منها إلاّ خمسون حديثاً. لم يرو البخاري ومسلم منها إلاّ نحواً من عشرين حديثاً.
4 ـ عثمان، له في البخاري 9 أحاديث، وفي مسلم 5.
____________
(1) نفس المصدر: 66.
(2) نفس المصدر: 66.

( 43 )
5 ـ الزبير، له في البخاري 9 أحاديث، وفي مسلم 1.
6 ـ طلحة، له في البخاري 4 أحاديث.
7 ـ ابن عوف، له في البخاري 9 أحاديث.
8 ـ أُبي بن كعب، له في الكتب الستة ستون حديثاً ونيف.
9 ـ زيد بن ثابت، له في البخاري 8 أحاديث، واتفق الشيخان على خمسة.
10 ـ سلمان الفارسي، له في البخاري 4 أحاديث، وفي مسلم 3 (1).
هذا ومن جملة المكثرين المشهورين أبو هريرة الذي لم يصاحب النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ عاماً وتسعة أشهر، فقد نقل أبو محمّد ابن حزم: انّ مسند بقي ابن مخلد قد احتوى من حديث أبي هريرة على 5374، روى البخاري منها446 (2)!!!
أقول: ومجرد هذا ـ مع الغض عمّا قيل في حقّ أبي هريرة الذي اختلفوا في تعيين اسمه على ثلاثين قولاً!!! ـ يدلّ على انّ جملة كثيرة من أحاديثه مجعولة قطعاً، إمّا منه، وإمّا من غيره، وهذا العلم الاجمالي يسقط حجية جميع رواياته، كما إذا علمنا بوجود أموال محرّمة في ضمن أموال كثيرة في بيت مثلاً، فان مقتضى القاعدة الاجتناب عن الجميع.
وأيضاً قد نقل عن كل واحد من انس والسيدة عائشة (رض) أكثر من 2300 حديث، ولا شكّ في كذب عدّة منها.
الوضع والوضّاعون
وعن النووي ـ في شرح مسلم ـ نقلاً عن القاضي عياض:
____________
(1) أضواء على السنة المحمدية: 224 و225.
(2) نفس المصدر: 200.

( 44 )
الكاذبون ضربان: أحدهما: ضرب عرفوا بالكذب في الحديث وهم أنواع، منهم: من يضع ما لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلاً كالزنادقة واشباههم، إمّا حسبة بزعمهم كجهلة المتعبدين الذين وضعوا الاَحاديث في الفضائل والرغائب، وإمّا إغراباً وسمعة كفسقة المحدّثين، وإمّا تعصباً واحتجاجاً كدعاة المبتدعة ومتعصّبي المذاهب(1)، وإمّا اشباعاً لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه، وطلب الفوز لهم فيما اتوه. ومنهم من: لا يضع متن الحديث، ولكن ربّما وضع للمتن الضعيف اسناداً صحيحاً مشهوراً...
ومنهم: من يكذب فيدّعي سماع ما لم يسمع...
ومنهم: من يعمد إلى كلام الصحابة وغيرهم وحكم العرب والحكماء فينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى ملخّصاً.
وعن القرطبي في شرح كتاب مسلم: أجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دلّ عليه القياس الجلي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبة قولية.
وعن أبي شامة في كتابه مختصر المؤمل: ممّا يفعله شيوخ الفقه في الاَحاديث النبوية... كثرة استدلالهم بالاَحاديث الضعيفة... نصرة لقولهم، وينقصون في ألفاظ الحديث، وتارة يزيدون، وما أكثره في كتب أبي المعالي وصاحبه أبي حامد.
وقيل: ان كتب أئمّة الحديث كالاحياء للغزالي لا تخلو من الموضوعات الكثيرة.
____________
(1) قال بعض الباحثين: وليس الوضع لنصرة المذاهب محصوراً في المبتدعة واهل المذاهب في الاَُصول، بل ان من أهل السنة المختلفين في الفروع من وضع أحاديث كثيرة لنصرة مذهبه أو تعظيم امامه واليك حديثاً واحداً وهو: يكون في امتي رجل يقال له محمّد بن ادريس اضر على امتي من ابليس ويكون في امتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج امتي... ص121 أضواء على السنة المحمدية.

( 45 )
وعدّ بعضهم من أسباب الوضع التحديث عن الحفظ ولم يتقن الحفظ، واختلاط العقل في أواخر العمر، والظهور على الخصم في المناظرة لا سيّما إذا كانت في الملاَ، وارضاء الناس واستمالتهم لحضور مجالسهم (كما نشاهد اليوم أيضاً)، وقد ألصق المحدّثون هذا السبب بالقصاص، ويقال: أنه ما أمات العلم إلاّ القصاص، وانّهم اكذب الناس.
وأخرج الزبير بن بكار ـ في أخبار المدينة ـ عن نافع وغيره من أهل العلم قالوا: لم يقص في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولا في زمان أبي بكر وعمر، وانّما القصص محدث أحدثه معاوية حين كانت الفتنة(1).
أقول: وللوضع أسباب أخر كحسبان هداية الناس بوضع ما يدلّ على شدة الترهيب وزيادة الترغيب.
وعن خالد بن يزيد: سمعت محمّد بن سعيد الدمشقي يقول: إذا كان كلام حسن، لم أرَ بأساً من أن اجعل له اسناداً(2)!!!
وعن الحلية عن شيخ خارجي بعد أن تاب: فانظروا عمّن تأخذون دينكم، فانّا كنّا إذا هوينا أمراً صيّرنا له حديثاً!
وعن الطحاوي ـ في المشكل ـ عن أبي هريرة مرفوعاً عنه صلى الله عليه وسلم: إذا حدّثتم عني حديثاً تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به قلته أم لم اقله، فانّي أقول ما يعرف ولا ينكر، وإذا حدّثتم عني حديثاً تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به، فانّي لا اقول ما ينكر ولا يعرف!!!(3) وعن مسلم، عن يحيى بن سعيد القطان: لم نر الصالحين في شيء
____________
(1) أضواء على السنة المحمدية: 123.
(2) النووي على مسلم 1: 32.
(3) انظر إلى أبي هريرة كيف يظهر بعض أسباب تكثّره حديثه.

( 46 )
أكذب منهم في الحديث.
وعنه أيضاً، عن أبي الزناد: أدركت بالمدينة مائة كلّهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث(1).
وعلى كلٌّ قد جمع من الموضوعات ابن الجوزي والسيوطي وغيرهما مجلدات كثيرة. ولاحظ ما مرّ عن قريب في الاَمر الخامس حول أسباب التكثّر المجعول.
موطأ مالك ومسند أحمد
هدفنا في هذا الكتاب هو نظرة عابرة إلى الاَحاديث المروية في الكتب التي تسمّى بالصحاح الستة على نحو الاجمال دون غيرها من كتب الحديث، ولكنّه يناسب ان نذكر ما قيل حول موطأ مالك ومسند أحمد رحمهما الله توضيحاً لحالهما إجمالاً من دون تعرض لحال احاديثهما بالتفصيل.
عن الدهلوي في حجة الله البالغة: انّ الطبقة الاَُولى من كتب الحديث منحصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب: الموطأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم.
والثانية لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين، ولكنها تتلوها وهي: سنن أبي داود والترمذي والنسائي.
والثالثة مسانيد مصنفات صنّفت قبل البخاري ومسلم وفي زمانهما وبعدهما، جمعت بين الصحيح والحسن، والضعيف والمعروف، والغريب والشاذ والمنكر، والخطأ والصواب، والثابت والمقلوب. وعلى الطبقة الثانية اعتماد المحدثين.
____________
(1) اضواء على السنة المحمدية 137 و138.

( 47 )
ألّف مالك موطأ في أواخر عهد المنصور، وكان ذلك في سنة 148، وسببه ـ كما عن الشافعي ـ انّ أبا جعفر المنصور بعث إلى مالك لما قدم إلى المدينة وقال له: انّ الناس قد اختلفوا في العراق فضع للناس كتاباً نجمعهم عليه، فوضع الموطأ.
وفي نقل آخر: فقال المنصور انّي عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعت (يعني الموطأ) فتنسخ نسخاً ثم أبعث إلى كلّ مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمر أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوها إلى غيرها... قال: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا فانّ الناس قد سبقت اليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كلّ قوم بما سبق اليهم وعملوا به ودانوا من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم...
وعن السيوطي ـ في تنوير الحوالك ـ عن القاضي أبي بكر بن العربي: انّ الموطأ هو الاَصل الاول والبخاري هو الاصل الثاني، وانّ مالكاً روى مائة الف حديث، اختار منها في الموطأ عشرة آلاف حديث، لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة حتّى رجعت الى 500 حديث.
وفي رواية ابن الهباب: ثم لم يزل يعرضه على الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار والاَخبار حتّى رجعت إلى 500 حديث.
أقول: فانظر إلى شدة ابتذال الحديث بالجعل والوضع وسلب الاعتماد عن الرواة بأن تصل مائة ألف حديث إلى خمسمائة حديث!!!، ويظهر من العبارة المذكورة انّ 9500 حديث من 10000 حديث مختارة من 100000 حديث مخالفة للكتاب والسنة أو الآثار والاخبار فحذفها ثانياً من كتابه.
بل عن الديباج المذهّب في معرفة أعيان المذهب (أي المذهب
( 48 )
المالكي): قال عتيق الزبيدي: وضع مالك الموطأ على نحو عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه كلّ سنة ويسقط منه حتّى بقي هذا، ولو بقي قليلاً لاَسقطه كلّه!!!
وعلى كلّ عن الشافعي انّه أصح الكتب بعد كتاب الله، وقد نقل عن جمع ما يقرب من هذا المدح، لكن قيل انّ مالكاً لم يقتصر في كتابه على الصحيح، بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات، ومن بلاغاته أحاديث لا تعرف، كما عن ابن عبد البر.
وقيل أيضاً: انّ الروايات عنه مختلفة حتّى بلغت هذه الروايات عشرين نسخة، وقيل: انّها ثلاثون، فلاحظ كلام الزرقاني في شرحه على الموطأ!
وعن بستان المحدثين لعبد العزيز الدهلوي: انّ نسخ الموطأ التي توجد في بلاد العرب في هذه الاَيام متعدّدة عدّ منها 16 نسخة، وقيل: بين الروايات اختلاف كبير من تقديم وتأخير وزيادة ونقص.
وعن ابن معين: انّ مالكاً لم يكن صاحب حديث، بل كان صاحب رأي.
وعن الليث بن سعد: احصيت على مالك سبعين مسألة وكلّها مخالفة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
والدار قطني ألّف جزءاً فيما خولف فيه مالك من الاَحاديث في الموطأ وغيره، وفيه أكثر من عشرين حديثاً.
أقول: هذا حال مالك وكتابه الموطأ.
وقال أحمد عن مسنده ـ كما نقل ـ : انّ هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من 750 ألف حديث، فما اختلف فيه المسلمون من
( 49 )
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه، فانّ وجدتموه وإلاّ فليس بحجة!
وقال أيضاً: عملت هذا الكتاب، أمّا ما إذا اختلف الناس في سنّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع إليه.
وعن مقدمة ابن خلدون: انّ مسند أحمد(1) فيه خمسون ألف حديث!!! سبحانك يا الله.
وعن ابن تيمية الحنبلي(2) نقلاً عن أبي نعيم: انّه روى كثيراً من الاَحاديث التي هي ضعيفة، بل موضوعة باتفاق العلماء...
وقال: وليس كلّ ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حجّة عنده، بل يروي ما رواه أهل العلم، وشرطه أن لا يروي عن المعروفين بالكذب عنده، وان كان في ذلك ما هو ضعيف... وأمّا كتب الفضائل فيروي ما سمعه من شيوخه سواء كان صحيحاً أو ضعيفاً... ثم زاد ابن أحمد زيادات، وزاد أبو بكر القطيعي (الذي رواه عن ابنه) زيادات، وفي زيادات القطيعي أحاديث كثيرة موضوعة (باتفاق أهل المعرفة)، وهذه شهادة حنبلي على إمامه.
وقال ابن تيمية في كتابه الآخر: وممّا قاله أحمد بن حنبل، ووافقه عليه عبد الرحمن بن مهدي وعبدالله بن المبارك: إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا.
وعن ابن كثير:... فانّ فيه (أي المسند) أحاديث ضعيفة، بل موضوعة كاحاديث...
____________
(1) المسند: ما أُفرد فيه حديث كلّ صحابي، من غير نظر إلى موضوع الحديث وترتيبه، وصحته وعدمها.
(2) انظر الجزء الرابع من منهاج السنة.

( 50 )
وعن العراقي: وأمّا وجود الضعيف في المسند فهو محقق، بل فيه أحاديث موضوعة، وقد جمعتها في جزء، ولعبدالله ابنه فيه زيادات فيها الضعيف والموضوع.
وعن أبي شامة نقلاً عن أبي الخطاب: أصحاب الاِمام أحمد يحتجّون بالاَحاديث التي رواها في مسنده، وأكثرها لا يحل الاحتجاج بها...
ويقال: انّ أحمد شرع في جمع المسند في أوراق مفردة على نحو ما تكون المسودة ثم مات، فقام ابنه عبدالله بتدوينه وألحق به ما يشاكله، وضم إليه من مسموعاته ما يشابهه ويماثله، فسمع القطيعي من كتبه من تلك النسخة على ما يظفر به منها فوقع الاختلاط من المسانيد والتكرار.
وقيل أيضاً: انّه قدر الله تعالى انّ الاِمام أحمد قطع الرواية قبل تهذيب المسند وقبل وفاته بثلاث عشرة سنة، فتجد في الكتاب أشياء مكرّرة، ودخول مسند في مسند، وسند في سند(1).
وعن ابن قتيبة: قطع أحمد بن حنبل رواية الحديث قبل وفاته بسنين كثيرة من سنة 228 هـ على ما يذكره أبو طالب المكي وغيره، فدخل في الروايات عنه ما دخل من الاَقوال البعيدة عن العلم، إمّا من سوء الضبط أو من سوء الفهم أو تعمد الكذب(2).
وعند الفراغ عن المقدّمات نشتغل ببيان مقاصد الكتاب.
____________
(1) انظر مقدمة مسند أحمد للشيخ أحمد محمّد شاكر .
(1) كتاب الاختلاف في اللفظ : 53 .