وذكرت الاَخبار أن المأمون خرج يوماً في نزهة للصيد ، فاجتاز بطرق البلد . ولعلّه كان قاصداً لاختيار هذا الطريق ، فقد علم قبل ذلك أين نزل الوافدون . . وعلم أيضاً من هم ؟ !
وهكذا كان . . فقد تم ( اللقاء الاَول ) في الطريق على ما ينقله المؤرخون ، ويمكن أن يكون الاِمام الجواد عليه السلام هو الذي سعى لاَن يلتقيه المأمون في هذا المكان . فلسان الرواية يقول : اجتاز ـ المأمون ـ بطرف البلد ، وثمّ صبيان يلعبون ، ومحمد الجواد عليه السلام واقف عندهم . . فالاِمام عليه السلام ليس من شأنه الوقوف على قارعة الطريق أو التفرج على ملاعب الصبيان لقضاء الوقت ، ولا عُرف عن الاَئمة أنهم كانوا يلعبون ويلهون في الطرقات مع أقرانهم في أيام طفولتهم ، فهم أجلّ وأسمى من أن يصرفوا أوقاتهم في اللعب أو اللهو؛ لاَنّ الاِمام عليه السلام متعين عليه هداية الاُمّة وبنائها فكرياً واجتماعياً ، وقيادتها نحو إرساء قواعد الشريعة بما يحقق حكومة الله في الاَرض .
فالاِمام عليه السلام لا يلهو ولا يلعب (1) قط منذ طفولته ، فقد روي عن علي بن حسان الواسطي أنّه كان ممن خرج مع الجماعة (2) ، وهم ثمانون عالماً
____________
1) وردت أحاديث كثيرة في هذا الشأن منها ، ما رواه الكليني بسنده عن الاِمام الباقر عليه السلام في معرض بيانه علائم الاِمام المعصوم فقال : « طهارة الولادة ، وحسن المنشأ ، ولا يلهو ولا يلعب » .
وروى صفوان الجمّال عن الاِمام الصادق عليه السلام في صفات الاِمام ، فقال عليه السلام : « صاحب هذا الاَمر لا يلهو ولا يلعب » .
وما تعرّض له أمير المؤمنين علي عليه السلام من خصائص وعلامات الاِمام المعصوم ، فقال : « والإمام المستحق للاِمامة له علامات فمنها : أن يعلم أنّه معصوم من الذنوب كلّها صغيرها وكبيرها ، لا يزلّ في الفتيا ، ولا يخطئ في الجواب ، ولا يسهو ، ولا ينسى ، ولا يلهو بشيء من أمر الدنيا » . راجع : مناقب آل أبي طالب 4 : 317 . وبحار الاَنوار 25 : 164 .
2) إثبات الوصية : 188 . ودلائل الاِمامة : 402 | 360 .

(51)

اجتمعوا في موسم عام ( 203 هـ ) من مختلف الاَقطار ، والتقوا في المدينة المنورة لمعرفة من هو المتعين للاِمامة بعد شهادة الاِمام الرضا عليه السلام .
قال علي بن حسان : حملت معي إليه عليه السلام من الآلة التي للصبيان ، بعضها من فضة ، وقلت : أُتحف مولاي أبا جعفر بها . فلما تفرّق الناس عنه بعد جواب الجميع قام فمضى إلى صريّا واتّبعته ، فلقيت موفقاً ، فقلت : استأذن لي على أبي جعفر ، فدخلتُ فسلّمت ، فردّ عليَّ السلام وفي وجهه كراهة ، ولم يأمرني بالجلوس ، فدنوت منه وفرّغت ما كان في كمي بين يديه ، فنظر إليَّ نظر مغضب ، ثم رمى يميناً وشمالاً ، ثم قال : « ما لهذا خلقني الله ، ما أنا واللعب ؟! » فاستعفيته ، فعفا عني ، فأخذتها وخرجت (1) .
إذن ، يبدو أن الاِمام أبا جعفر عليه السلام استغل فرصة خروج المأمون ومروره بالقرب من منازلهم ، فوقف بإزاء صبيان يلعبون في الطريق؛ ليتم هنالك اللقاء . . وخبر هذا اللقاء ينقله لنا ابن شهر آشوب ، وابن الصباغ المالكي ، والمحدّث الشيخ عباس القمي ، وغيرهم . ونحن ننقل نصّ رواية ابن شهرآشوب حيث قال : اجتاز المأمون بابن الرضا عليه السلام وهو بين صبيان يلعبون ، فهربوا سواه ، فقال : عليّ به ، فقال له : مالك ما هربت في جملة الصبيان ؟ قال عليه السلام : « مالي ذنب فأفرّ ، ولا الطريق ضيّق فأوسعه عليك ، تمرّ من حيث شئت ، فقال : من تكون ؟
قال : أنا محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام .
فقال : ما تعرف من العلوم ؟ قال : سلني عن أخبار السموات » . فودّعه
____________
1) المصدر السابق نفسه .
(52)

ومضى ، وعلى يده باز أشهب يطلب به الصيد . فلما بعد عنه نهض عن يده الباز فنظر يمينه وشماله لم ير صيداً ، والباز يثب عن يده ، فأرسله وطار يطلب الاَفق حتى غاب عن ناظره ساعة ثم عاد إليه وقد صاد حية ، فوضع الحية في بيت الطعم ، وقال لاَصحابه : قد دنا حتف ذلك الصبي في هذا اليوم على يدي ، ثم عاد وابن الرضا في جملة الصبيان .
فقال : ما عندك من أخبار السموات ؟
فقال : « نعم يا أمير المؤمنين ، حدثني أبي ، عن آبائه ، عن النبي ، عن جبرئيل ، عن ربِّ العالمين ، أنّه قال : بين السماء والهواء بحر عجاج يتلاطم به الاَمواج ، فيه حيّات خضر البطون ، رقط الظهور ، ويصيدها الملوك بالبزاة الشهب يمتحن بها العلماء » .
فقال : صدقت ، وصدق آباؤك ، وصدق جدّك ، وصدق ربك . فأركبه ثم زوّجه أُمّ الفضل (1) .
بعد ذلك اللقاء والحوار الحاسمين أدرك المأمون عظمة هذا الصبي ، وبُعد شأوه . . فاصطحبه معه إلى قصوره حيث الرفاه ونعومة العيش وطراوة الحياة باستبرقها وجواريها وقيانها . . لكن الخليفة علم أن الصبي لا تستهويه فخامة الخدمة ، وأبّهة الملوك كثيراً ، ولم يسترع انتباهه الجمال الفاتن لحظة . . فقرر ـ وفي مناورة سياسية حاذقة ـ اصطياد ثلاثة في رمية واحدة ، ورميته هي أن يزوجه من ابنته الجميلة الصغيرة ( زينب ) المكناة بأم الفضل،
____________
1) مناقب آل أبي طالب 4 : 388 ـ 389 . أما رواية ابن الصباغ في الفصول المهمة : 252 ، والشيخ المحدِّث القمي في منتهى الآمال 2 : 527 ـ 528 عن مستدرك العوالم 23 : 522 . وبحار الاَنوار 50 : 56 فهي تختلف عن هذه في بعض أحداثها ، فراجع .
(53)

ولا فضل لها . خاصة وهي مسمّاة له منذ سنوات خمس . أمّا صيده الذي توخّى إصابته ، فقد حسب:
أولاً : أنه سيصرف الاِمام الصبي اليافع إلى ملاذ الحياة ، وتنتشي نفسه بقرب النساء ، وسوف يشغفن قلبه شيئاً فشيئاً فيصبو إليهنّ .
وثانياً : أراد أن يجعل من ابنته وخدمها رقيباً دائمياً على كلِّ حركة للاِمام ، وعلى من يتصل به من الشيعة ، ثم إنه أسكنه بالقرب منه كي يحدّ من اتصال الناس به؛ لاَنّ القصور الملكية لا يتيسر لكلِّ أحد أن يدخلها ، ولا دخولها بالاَمر اليسير .
والهدف الاَخير الذي حاول إصابته هو أن يجعل من نفسه قريباً من البيت العلوي ، فهو عمّ ولدهم الاِمام الجواد عليه السلام اليوم ، والاَب الاَكبر ( جدٌّ ) لصبيهم غداً الذي هو ابن رسول الله ، وهذا مكسب سياسي واجتماعي مهم جداً . وفيما لو أصابت رمياته الثلاث هذه فسوف يكمّ أفواه الطالبيين ، ويقطع أي قيام أو تحرك لهم ، وهو العالم المتيقن بأنهم أحق بالخلافة من أي إنسان على هذه الاَرض .
وبناءً على تحقيق هذه الاَغراض وغيرها مما كان يدور في رأس المأمون ، خطى خطوته الاُولى وقرر من جانب واحد أن يتم الزواج والاقتران مهما يكن من أمر ، ورغم كل المعترضين ، ولا موافق لهذا الزواج سواه .
ثم يأتي دور المعتصم الذي لم يكن أرأف بالاِمام خاصة ، والعلويين عامّة من أخيه المأمون ، فقد احتال هو الآخر على الاِمام الجواد عليه السلام للوقيعة به ، وإيجاد مبرّر لسجنه ثم قتله ، بأن اتهمه بجمع السلاح ، وأنّه يريد الثورة
(54)

عليه ، وأشهد بذلك عليه شاهدين حلفا زوراً وكذباً أنّهما رأيا السلاح يُجمع . لكنّ الاِمام عليه السلام تخلّص من هذا الموقف بأن أراهم معجزة أرهبهم بها ، فخاف المعتصم سوء العاقبة فتركه لسبيله دون أن يتعرّض له مضمراً عليه حقداً دفيناً (1) .
أحداث الزواج ومراسيم عقد القران :
عند مطالعة تاريخ الاِمام الجواد عليه السلام تشعر أن أحداثه مقتضبة يشوبها الغموض في العديد من جنباته ومنعطفاته الحساسة ، كما يراودك إحساس بأن هناك أموراً وأحداثاً قد خفيت من صفحة التاريخ ، أو أنّها أخفيت تعمداً وحسداً وحقداً طوراً ، وخوفاً من سياط السلطان وبطشه طوراً آخر .
أحدها هو حدث زواج الاِمام ، وهو المنعطف المهم والخطير بالنسبة للبيتين العلوي والعباسي ، لم يؤرَّخ بدقة وتفصيل بحيث يقف القارئ ـ من خلال مطالعته ـ على حقائق هذه المرحلة المهمة من حياة الاِمام المباركة أو على الاَقل أن يلمّ ببعض تلك الحقائق التي بقيت خفية حبيسة الكتمان؛ لاَنّ الحياة القصيرة للاِمام أبي جعفر عليه السلام لم تكن طبيعية أبداً في مختلف مقاطعها الزمنية .
وعلى أي حال ، فمن خلال استقراء مراجع ومصادر ترجمة الاِمام الجواد عليه السلام الخاصة والعامّة نستظهر أن الزواج تمّ على ثلاث مراحل ( التسمية ، عقد القران ، الزواج ) ، وكل واحدة تمت في فترة زمنية متباعدة نسبياً عن الاُخرى .
____________
1) راجع : بحار الاَنوار 50 : 45 | 18 .
(55)

ففي عام ( 201 هـ ) وفي مراسم تنصيب الاِمام الرضا عليه السلام لولاية العهد ـ في رمضان ـ وتكريماً للاِمام ظاهرياً ، فقد عقد له المأمون على ابنته ، وقيل : اخته أم حبيبة في نفس تلك الليلة ، وسمّى ابنته الصغيرة الاُخرى لاَبي جعفر أيضاً زيادة في التكريم والاجلال؛ لكنّه كان يضمر وراء هذا الزواج دوافع سياسية واجتماعية عديدة .
أما عقد القران الفخم والمجلّل والذي تحدّث عنه أغلب الرواة والمؤرخين على أنّه حدث الزواج ، فقد كان في عام ( 205 هـ ) بعد قدوم الاِمام من المدينة إلى بغداد للمرة الاُولى ، وكان يومها ابن تسع سنين ونصف السنة أو نحوها ، واستمر الحفل ليومين . صرف خلاله المأمون على ابنته ملايين الدراهم وزعها بدراً وإقطاعات وجواهراً وثياباً على قواده ووزرائه وحاشيته ومدعوّيه (1) .
أما عن حدث الزواج الذي لم يكن اختيارياً ، بل يظهر من القرائن أنّ الاِمام الجواد عليه السلام كان مجبراً على القدوم إلى بغداد ثانية مع زوجه أم الفضل؛ للدخول بها بأمر من أبيها ، رغم استعدادات المأمون الهائلة للخروج إلى حرب الروم .
وفعلاً فقد كانت طلائع جيشه قد خرجت أمامه تغذ الخطى نحو بلاد الروم ، ويتبعها المأمون صاعداً مع دجلة بكتائبه الخاصة حتى إذا عسكر بتكريت ، قدم عليه الاِمام الجواد عليه السلام في صفر من عام ( 215 هـ ) والتقاه بها،
____________
1) الإرشاد 2 : 281 . وتحف العقول : 451 . ومناقب آل أبي طالب | ابن شهر آشوب 4 : 381 . وإعلام الورى : 351 . والاختصاص : 98 . وروضة الواعظين : 238 . والاِتحاف بحب الاَشراف | الشبراوي : 171 . والصواعق المحرقة : 204 . والفصول المهمة | ابن الصباغ المالكي : 253 .
(56)

فأمر المأمون أبا جعفر عليه السلام أن يدخل بأم الفضل من فوره بعد أن هُيّئت له دار أحمد بن يوسف ـ من أعوان المأمون ـ التي على شاطئ دجلة ، فأقام بها مدة لا تقلّ عن تسعة أشهر ، فلما كان أيام الحج ، خرج بأهله وعياله حتى أتى مكة ، ثم منزله بالمدينة ، فأقام بها (1) .
كما أن قرائن أخرى تشير إلى أن هناك مشكلة زوجية كانت قائمة بين الاِمام وزوجه أم الفضل ، كان المأمون ـ على ما يبدو ـ قد وعد ابنته الشابة المراهقة على حلّها؛ لكثرة ما كانت تكتب من رسائل إلى أبيها شارحة فيها حظها العاثر (2) ، وتفضيل الجواري والسراري عليها ، بل وكانت تدعو على أبيها على هذا الزواج غير الموفّق (3) ؛ لاَنّها حسب الظاهر لم تكن تصلح لاَن تكون حليلة للاِمام عليه السلام وأُمّاً لاَولاده ، وهي كذلك بالفعل .
فقد لمس البيت المأموني الوضع الكئيب لابنتهم ، وأصبح الاَمر يقلقهم كثيراً ، بل إنّ المأمون ما زوّج ابنته من أبي جعفر عليه السلام إلاّ ليستولدها منه ، ويكون جدّاً لاَحد أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما يقوّي مركزه السياسي في الحكم ، كما صرّح هو بذلك حين أفصح عن أحد الدواعي التي دفعته إلى هذا التزويج ، وهو السياسي المحنّك الذي ينظر إلى مدىً أبعد مما ينظره غيره ، فقال : ( إنّي أحببت أن أكون جدّاً لامرئ ولَدَه رسول الله ، وعليّ بن أبي طالب ) (4) ؛ ولهذا السبب وحده كان هذا الاستدعاء المفاجئ والعاجل ،
____________
1) تاريخ الطبري 8 : 623 .
2) راجع : الارشاد 2 : 288 . ومناقب آل أبي طالب 4 : 382 . والفصول المهمة : 270 . وبحار الاَنوار 50 : 79 | 5 .
3) مشارق أنوار اليقين | الحافظ البرسي : 98 .
4) تاريخ اليعقوبي 2 : 454 ، الطبعة السادسة ـ دار صادر ـ بيروت 1415 هـ .

(57)

والمثول بين يدي المأمون ثم ( الأمر ) بالدخول بالفتاة . ولا ريب أن الاِمام كان عارفاً بالنوايا؛ لذا فقد كان يُفشل خططهم بطرقه الخاصة وهم لا يشعرون .
وهنا نشير إلى ما أورده محمد بن جرير بن رستم الطبري الاِمامي في ( دلائل الاِمامة ) بقوله : ( ومكث أبو جعفر مستخفياً بالاِمامة ، فلما صار له ست عشرة سنة ، وجه المأمون من حمله إليه ، وأنزله بالقرب من داره ، وعزم على تزويجه ابنته . . ) (1) .
ويبدو أن في عبارة الطبري بعض الارتباك والتصحيف ، حيث نقل المسعودي رواية قدوم وفد علماء بغداد إلى المدينة وسؤالهم الجواد عليه السلام ، وكان مع الوفد علي بن حسان الواسطي المعروف بالاَعمش (2) الذي حمل معه تحفاً وبعض اللعب الفضية مما كان يلهو به صبية بغداد في ذلك الوقت ، ظنّاً منه أن أبا جعفر عليه السلام سوف يُسرُّ بها؛ لكنّ الاِمام عليه السلام نهره بغضب ، وبدا على وجهه عدم الارتياح ، لمّا وضعها أمامه ، وردّ عليه بما قدّمناه في الحديث آنفاً .
ثم في نهاية الخبر ذكر المسعودي عبارة علي بن حسّان بقوله : وخرجت ومعي تلك الآلات . وبقي أبو جعفر عليه السلام مستخفياً بالاِمامة إلى أن صارت سنّه عشر سنين . إلى هنا ينتهي خبر الواسطي في إثبات الوصية ، ثم أتبعه المسعودي برواية إخبار الجواد عليه السلام جاريتهم بمضي والده في
____________
1) دلائل الاِمامة : 391 | 345 ، مؤسسة البعثة ، الطبعة المحققة 1412 هـ .
2) في رجال النجاشي : 197 : المنمِّس ، طبعة مكتبة الداوري ـ قم 1397 هـ ، وفي بعض المصادر الاُخرى : العمِش .

(58)

خراسان . . ثم أتبع الرواية مباشرة بقوله : ثم وجّه المأمون فحمله وأنزله بالقرب من داره وأجمع على أن يزوجه ابنته . . .
فإنّك ترى هنا أن عبارة المسعودي : إلى أن صارت سنّه عشر سنين . أصبحت عند الطبري في الدلائل : صار له ست عشرة سنة . هذا ما أردنا الاشارة إليه ، فلاحظ .
وعقد القران الذي تميّز بحدث المناظرة المهم والخطير ، ولعلّه يُعد من أهم أحداث حياة الاِمام الجواد عليه السلام ؛ لكثرة من كان قد حضر في ذلك المجلس من عامة الناس وخاصتهم ، فقد تناقله المحدثون والمؤرخون بما رافقه من حوادث اُخرى بشيء من التفصيل .
فالحدث أورده علي بن الحسين المسعودي (1) ، والشيخ المفيد (2) كلّ بسنده عن الريان بن شبيب ، قال : لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته أم الفضل أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام بلغ ذلك العباسيين فغلُظ عليهم واستكبروه ، وخافوا أن ينتهي الاَمر معه إلى ما انتهى مع الرضا عليه السلام ، فخاضوا في ذلك .
واجتمع منهم أهل بيته الاَدنون منه ، فقالوا له : ننشدك الله يا أمير المؤمنين أن تقيم على هذا الاَمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا ، فإنّا نخاف أن يخرج به عنّا أمر قد ملّكناه الله ، ويُنزع منا عزٌّ قد ألبَسَناه الله ، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم ، آل أبي طالب ، قديماً وحديثاً ، وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم ، وقد كنا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت ، حتى كفانا الله المهم من ذلك ، فالله الله أن
____________
1) إثبات الوصية : 189 ، طبعة النجف الاَشرف .
2) الاِرشاد 2 : 281 ـ 288 .

(59)

تردَّنا إلى غمٍّ قد انحسر عنا ، واصرف رأيك عن ابن الرضا واعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره .
فقال لهم المأمون : أمّا ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السببُ فيه ، ولو أنصفتُم القوم لكان أولى بكم ، وأمّا ما كان يفعلُه من كان قبلي بهم فقد كان قاطعاً للرحم ، أعوذ بالله من ذلك ، ووالله ما ندمتُ على ما كان منّي من استخلاف الرضا ، ولقد سألتُه أن يقوم بالاَمر وانزعُهُ عن نفسي فأبى ، وكان أمرُ الله قدراً مقدُوراً ، وأمّا أبو جعفر محمد بن عليّ فقد اخترتُه لتبريزه على كافّة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنِّه ، والاَعجوبة فيه بذلك ، وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفتُه منه فيعلموا أن الرأي مارأيتُ فيه .
فقالوا : إنّ هذا الصبيَّ وإن راقكَ منه هديه ، فإنّه صبيٌّ لا معرفة له ولا فقه ، فأمهله ليتأدَّب ويتفَقَّه في الدين ، ثم اصنع ما تراه بعد ذلك .
فقال لهم : ويحكم إنّني أعرفُ بهذا الفتى منكم ، وإن هذا من أهل بيت علمُهم من الله وموادِّه وإلهامه ، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والاَدب عن الرعايا الناقصة عن حدِّ الكمال ، فان شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيَّنُ لكم به ما وصفتُ من حاله .
قالوا له : قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولاَنفُسنا بامتحانه ، فخلّ بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة ، فإن أصاب في الجواب عنه ، لم يكن لنا اعتراض في أمره ، وظهر للخاصة والعامّة سديد رأي أمير المؤمنين ، وإن عجز عن ذلك فقد كُفينا الخطبَ في معناه .
فقال لهم المأمون : شأنكم وذاك متى أردتُم . فخرجوا من عنده وأجمع رأيهُم على مسألة يحيى بن أكثم ، وهو يومئذٍ قاضي القضاة على أن يسأله


(60)

مسألةً لا يعرف الجواب فيها ، ووعدوه بأموالٍ نفيسةٍ على ذلك ، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوماً للاجتماع ، فأجابهُم إلى ذلك .
واجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه ، وحضر معهم يحيى بن أكثم ، وأمر المأمون أن يفرشَ لاَبي جعفر عليه السلام دَستٌ (1) ، وتُجعَل له فيه مِسوَرَتان (2) ، ففُعِلَ ذلك ، وخرج أبو جعفر عليه السلام وهو يومئذٍ ابنُ تسع سنين وأشهر ، فجلسَ بين المسورَتَين ، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه ، وقام الناس في مراتبهم والمأمون جالسٌ في دستٍ مُتَّصلٍ بدستِ أبي جعفر عليه السلام .
فقال يحيى بن أكثم للمأمون : يأذنُ لي أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر ؟ فقال له المأمونُ : استأذنه في ذلك ، فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال : أتأذن لي ـ جعلت فداك ـ في مسألةٍ ؟ فقال له أبو جعفر عليه السلام : « سَلْ إن شئت » قال يحيى : ما تقولُ ـ جُعِلتُ فداك ـ في مُحرمٍ قتَلَ صيداً ؟
فقال له أبو جعفر عليه السلام : « قَتَلَه في حِلٍّ أو حَرَم ؟ عالماً كان المُحرم أم جاهلاً ؟ قَتَلَه عَمداً أو خطأً ؟ حُرّاً كان المُحرِم أم عبداً ؟ صغيراً كان أم كبيراً ؟ مُبتدئاً بالقتل أم مُعيداً ؟ من ذواتِ الطير كان الصيد أم من غيرها ؟ من صغار الصيد كان أم كبارها ؟ مُصِرّاً على ما فعل أو نادماً ؟ في الليل كان قتلهُ للصيد أم نهاراً ؟ مُحرماً كان بالعُمرةِ إذ قتله أو بالحج كان مُحرماً ؟ » .
فتحيّر يحيى بن أكثم وبانَ في وجهه العجزُ والانقطاعُ ولجلج حتى عرفَ جماعةُ أهلِ المجلس أمرَه ، فقال المأمون : الحمدُ لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي ، ثم نظر إلى أهل بيته وقال لهم : أعرفتم الآن ما كُنتُم
____________
1) جانب من البيت ، وهي فارسية معرّبة .
2) المسورة : متكأ من أدَم .

(61)

تُنكِرُونه ؟
ثم أقبل على أبي جعفر عليه السلام فقال له : أتخُطب يا أبا جعفر ؟ قال : « نعم ياأمير المؤمنين » فقال له المأمون : أخطب ، جُعلت فداك لنفسك ، فقد رضيتك لنفسي وأنا مُزَوِّجُكَ أم الفضل ابنتي وإن رغم قومٌ لذلك .
فقال أبو جعفر عليه السلام : « الحمدُ لله إقراراً بنعمته ، ولا إله إلاّ الله إخلاصاً لوحدانيته ، وصلّى الله على محمدٍ سيِّدِ بريَّته والاَصفياء من عترته .
أما بعدُ : فقد كان من فضل الله على الاَنام أن أغناهُم بالحلال عن الحرام ، فقال سُبحانه : ( وأنكِحُوا الاَيامى مِنكُم والصَّالحينَ مِنْ عِبادِكُم وإمائِكُم إنْ يَكُونُوا فُقراءَ يُغنِهمُ الله مِنْ فضلِهِ والله واسِعٌ عليمٌ ) (1) . ثم إنَّ محمد بن علي بن موسى يَخطُبُ أم الفضلِ بنتَ عبدالله المأمون ، وقد بَذَلَ لها من الصداق مهر جدَّته فاطمة بنت محمد عليهما السلام وهو خمسمائة درهم جياد ، فهل زوَّجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور ؟ » .
قال المأمون : نعم ، قد زوَّجتُك أبا جعفر أم الفضل ابنتي على هذا الصداق المذكور ، فهل قَبِلتَ النكاحَ ؟ قال أبو جعفر عليه السلام : « قد قَبِلتُ ذلك ورَضِيتُ به » . فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم في الخاصة والعامّة .
قال الريان : ولم نلبث أن سمعنا أصواتاً تُشبه أصوات الملاحين في محاوراتهم ، فإذا الخدم يجرُّون سفينةً مصنوعةً من فِضَّةٍ مشدودة بالحبال من الاِبريسم على عجلٍ مملوءةً من الغالية (2) ، فأمر المأمون أن تُخضبَ
____________
1) سورة النور : 24 | 32 .
2) الغالية : ضرب من الطيب مركب من مسك وعنبر وكافور ودهن البان وعود .

(62)

لحى الخاصة من تلك الغالية ، ثمَّ مُدَّت إلى دار العامّة فطُيِّبوا منها ، ووضعت الموائد فأكل الناس ، وخرجت الجوائز إلى كلِّ قوم على قدرهم ، فلما تفرَّق الناس وبقي من الخاصة من بقي ، قال المأمون لاَبي جعفر : إن رأيت ـ جُعلت فداك ـ أن تذكر الفقه فيما فصَّلته من وجوه قتلِ المُحرِم الصيد لنعلمه ونستفيده .
فقال أبو جعفر عليه السلام : « نعم ، إنَّ المُحرِم إذا قتَلَ صيداً في الحلِّ وكان الصيدُ من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاةٌ ، فإن كان أصابه في الحرم فعليه الجزاءُ مضاعفاً ، وإذا قتلَ فرخاً في الحلِّ فعليه حملٌ قد فطم من اللبن ، وإذا قتله في الحرم فعليه الحملُ وقيمةُ الفرخ ، وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرةٌ ، وان كان نعامة فعليه بدنةٌ ، وان كان ظبياً فعليه شاةٌ ، فإن قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاءُ مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة ، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه للحجِّ نَحَرَه بمنى ، وإن كان إحرامُه للعمرة نحره بمكّة . وجزاءُ الصيد على العالم والجاهل سواء ، وفي العمد له المأثم ، وهو موضوع عنه في الخطأ ، والكفارة على الحرِّ في نفسه ، وعلى السيد في عبده ، والصغير لا كفارة عليه ، وهي على الكبير واجبةٌ ، والنادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة ، والمصرُّ يجب عليه العقابُ في الآخرة » .
فقال له المأمون : أحسنت ـ أبا جعفر ـ أحسن الله إليك ، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألةٍ كما سألك . فقال أبو جعفر ليحيى : « أسألك ؟ » . قال : ذلك إليك ـ جُعلت فداك ـ فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلاّ استفدته منك .
فقال له أبو جعفر عليه السلام : « خَبِّرني عن رجل نظرَ إلى امرأةٍ في أول النهار فكان


(63)

نظرهُ إليها حراماً عليه ، فلمّا ارتفع النهار حلَّت له ، فلمّا زالت الشمس حرمت عليه ، فلمّا كان وقت العصر حلَّت له ، فلمّا غربت الشمس حرمت عليه ، فلما دخل عليه وقت العشاء الآخرة حلَّت له ، فلمّا كان انتصاف الليل حرمت عليه ، فلما طلع الفجر حلَّت له ، ما حال هذه المرأة وبماذا حلَّت له وحرمت عليه ؟ » .
فقال له يحيى بن أكثم : لا والله ما أهتدي إلى جواب هذا السؤال ، ولا أعرف الوجه فيه ، فإن رأيت أن تفيدناه .
فقال له أبو جعفر عليه السلام : « هذه أمةٌ لرجلٍ من الناس نظر إليها أجنبيٌّ في أول النهار فكان نظره إليها حراماً عليه ، فلمّا ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلَّت له ، فلمّا كان الظهر أعتقها فحرمت عليه ، فلمّا كان وقت العصر تزوجها فحلَّت له ، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه ، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفَّر عن الظِّهار فحلَّت له ، فلمّا كان نصف الليل طلَّقها واحدة فحرمت عليه ، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلَّت له » .
قال : فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته فقال لهم : هل فيكم أحد يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب ، أو يعرف القول فيما تقدم من السؤال ؟ ! قالوا : لا والله ، إن أمير المؤمنين أعلم وما رأى .
فقال لهم : ويحكم ، إن أهل هذا البيت خصُّوا من الخلق بما ترون من الفضل ، وإنَّ صغر السنِّ فيهم لا يمنعهم من الكمال ، أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهو ابن عشر سنين ، وقبل منه الاِسلام وحكم له به ، ولم يدع أحداً في سنِّه غيره . وبايع الحسن والحسين عليهما السلام وهما ابناه دون الستّ سنين ولم يبايع صبيّاً غيرهما ، أفلا تعلمون الآن ما اختصَّ الله به هؤلاء القوم ، وأنهم ذريّةٌ بعضها


(64)

من بعضٍ ، يجري لآخرهم ما يجري لاَولهم ؟ ! قالوا : صدقت ياأمير المؤمنين ، ثمَّ نهض القوم .
فلمّا كان من الغد احضر الناس ، وحضر أبو جعفر عليه السلام ، وصار القوّاد والحُجّاب والخاصّة والعمّال لتهنئة المأمون وأبي جعفر عليه السلام ، فأخرجت ثلاثة أطباقٍ من الفضَّة فيها بنادق مسكٍ وزعفرانٍ معجون ، في أجواب تلك البنادق رقاع مكتوبة بأموال جزيلة وعطايا سنيَّة واقطاعات ، فأمر المأمون بنثرها على القوم من خاصَّته ، فكان كلُّ من وقع في يده بندقة ، أخرج الرقعة التي فيها والتمسه فاطلق له . ووضعت البِدَر ، فنثر ما فيها على القوّاد وغيرهم ، وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا . وتقدَّم المأمون بالصدقة على كافّة المساكين . ولم يزل مكرماً لاَبي جعفر عليه السلام معظّماً لقدره مدة حياته ، يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته (1) .

الثورات والانتفاضات في عهد الاِمام عليه السلام

لم تزل الثورات العلوية والانتفاضات الشيعية ، منذ وضعت حرب الاِمام الحسين عليه السلام أوزارها ، تتأجج وتشتعل بين الحين والآخر كلّما سنحت لذلك فرصة ، وكلّما برز قائد ناهض . يساعد على ذلك؛ استمرار دور
____________
1) إعلام الورى 2 : 101 ـ 105 . والاحتجاج : 2 : 469 ـ 477 | 322 الطبعة الاُولى المحققة 1413 هـ مثله . وذكر نحوه علي بن إبراهيم القمي في تفسيره 1 : 182 . والطبري في دلائل الاِمامة : 391 | 345 . والمفيد في الاختصاص : 98 طبع قم 1402 هـ . وابن الصباغ في الفصول المهمة : 267 ، وغيرها من المصادر .
(65)

الاَئمة عليهم السلام وحركتهم التغييرية داخل الاُمّة أولاً؛ وثانياً : استمرارية تسلط الحكومة الجائرة الظالمة اللاشرعية على رقاب المسلمين ، وانتشار الفساد الاجتماعي والاداري والتعسف والجور .
وسنتناول هنا ما سجّله لنا التاريخ من ثورات أو انتفاضات انطلقت في عهد إمامة أبي جعفر الثاني عليه السلام . مع أن البعض من تلك الاَحداث وإن وقعت في حياته عليه السلام إلاّ أننا أعرضنا عن ذكرها؛ لئلاّ تطول بنا صحائف هذه الدراسة الموجزة؛ ولاَن تلك الحوادث كانت مما وقع في عهد ( إمامة ) الاِمام الرضا عليه السلام ؛ كثورة محمد بن إبراهيم بن طباطبا في الكوفة ، وما تلاها من مساجلات وحروب لقائده العسكري أبي السرايا السري بن منصور(1) . ثم انتفاضة اليمن بقيادة إبراهيم ابن الاِمام موسى بن جعفر عليه السلام ؛ وخروج محمد ابن الاِمام جعفر الصادق عليه السلام في المدينة المنورة (2)
؛ وانتفاضة الكوفة مرة اُخرى سنة ( 202 هـ ) بقيادة أبي عبدالله ابن منصور أخو أبي السرايا (3) . كما أن حركة حدثت بقيادة جعفر بن داود القمي سنة ( 214 هـ ) ذكرها الطبري في تاريخه (4) بشكل مقتضب ، ولم نعثر على تفاصيل تاريخية لهذه الحركة ، ولم نقف على ذكر لجعفر القمي هذا ، ومن يكون ؟
وتحت تأثير القسوة التي أبداها المأمون العباسي ، والدهاء الذي أظهره ، من خلال تسليم ولاية العهد للاِمام الرضا عليه السلام ، أصبحت الاَوضاع السياسية في حالة شبه مستقرة ، واستحالت الثورات وكل تحرك ضد سلطته القائمة
____________
1) راجع مقاتل الطالبيين : 435 .
2) مقاتل الطالبيين : 438 .
3) راجع : تاريخ الطبري 8 : 558 . وتاريخ الإسلام | الذهبي 14 : 8 حوادث سنة 201 ـ 210 هـ .
4) تاريخ الطبري 8 : 622 .

(66)

إلى رماد ، ولو أنه كان يخبئ تحته ناراً . .
ثم يخيّم وجوم . . ويسود صمت ( شيعي ـ علوي ) . . يدوم بضع سنين . . والناس في حيرة ووجل مما يفعله المأمون بابن الرضا عليه السلام ، فبين شاكٍّ ، ومصدِّق ، ومنتظر ما يؤول إليه الاَمر غداً ، وهو ما أراده المأمون من مناورة الاستدعاء للاِمام الجواد عليه السلام إلى بغداد ثم تزويجه من ابنته واسكانه بالقرب منه والجعجعة به . ويستمر هذا الحال والاِمام يمارس دور الاِمامة ومهامها الكبرى بأناة وتروٍّ ، حتى تحين سنة ( 207 هـ ) .
1 ـ ثورة عبدالرحمن في اليمن:
بعد استتباب الاُمور للمأمون ، وسيطرته التامة على مجاري الشؤون الداخلية للدولة الاِسلامية المترامية الاَطراف ، تندلع ثورة في نقطة بعيدة من أقاصي المملكة في اليمن بقيادة عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهو يدعو للرضا من آل محمد(1) سنة ( 207 هـ ) . وكان ذا جاه ، فالتفّ حوله خلق كثير من شيعة أهل اليمن ومن غيرهم ممن ضاقوا ذرعاً من العباسيين وولاتهم . وسرعان ما سيطرت الحركة على البلاد ، لتعاطف جماهير الاُمّة معها . والتاريخ جد ظنين بأحداث هذه الثورة وظروفها وأسبابها ومداخلاتها .
وهناك قول لم نتحقق صحته ، أن الثائر عبدالرحمن أقدم من المدينة محمد بن علي بن موسى عليه السلام ودعا إليه سنة سبع ومئتين ( 207 هـ ) (2) .
____________
1) الرضا من آل محمد : اصطلاح يطلق على كل علوي يرتضونه خليفة عليهم ، ويتصدى لقيادة الثورة فينادون به . أو يراد منه إمام الوقت دون التعريف باسمه .
2) المجدي في أنساب الطالبيين | ابن الصوفي العمري العلوي : 295 طبع مكتبة المرعشي النجفي 1409

=


(67)

وتتسارع أنباء الثورة إلى بغداد عاصمة الخلافة ، فيجهّز المأمون جيشاً كثيفاً بقيادة دينار بن عبدالله ، ويرسله إلى اليمن لمساعدة واليه المفوّض هناك على تهامة اليمن محمد بن إبراهيم بن عبيدالله بن زياد ابن أبيه ، وعاصمته زبيد ، لقمع الثورة ، وكتب مع قائد الجيش كتاب أمان إلى عبدالرحمن . وما أن وصلت طلائع الجيش إلى مشارف اليمن ، وعلم عبدالرحمن أن لا قبل له بها ، وكان قد قُرىَ عليه كتاب الاَمان ، عندئذٍ لم يجد بداً من تسليم نفسه على شرط الكتاب فقُبض عليه وأُرسل إلى بغداد ، فغضب المأمون بسببه على الطالبيين ومنعهم من الدخول إلى مجلسه ، ثم أجبرهم على لبس السواد العباسي بدل الخضرة الطالبية (1) .
وكان محمد بن إبراهيم الزِّياديّ من أشد الناس بغضاً لعلي بن أبي طالب وأهل بيته عليهم السلام ؛ لهذا لا يبعد أن يكون الرجل كجدّه لغير رشده (2) . فاستعان هذا بالجيش في تقوية مركزه ، فأوقع بالعلويين وأنصارهم وقتل شيعتهم وفرّق جمعهم ، وبدّد أوصالهم ، واجتاح مناطق تواجدهم ، وأخذ يوسّع منطقة نفوذه حتى تم له الاستيلاء على أغلب البلاد اليمنية (3) .
____________
=
1409 هـ .
1) تاريخ الطبري 7 : 168 حوادث سنة ( 207 هـ ) طبعة القاهرة 1358 هـ . والكامل في التاريخ : 5 : 468 الطبعة الثانية 1415 هـ ، تحقيق محمد يوسف الدقاق .
2) أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق 42 : 287 الطبعة المحققة ، بسنده عن مالك بن أنس ، عن ابن أبي الزناد قوله : ( قالت الأنصار : إن كنا لنعرف الرجل إلى غير أبيه ببغضه عليّ بن أبي طالب عليه السلام ) .
وراجع : فرائد السمطين | الجويني الشافعي 1 : 365 | 293 فقد أخرجه بطريقة عن مالك بن أنس ، عن ابن أبي الزناد أيضاً ، وراجع أيضاً ما أخرجه في 1 : 134 | 97 عن الزهري عن أنس بن مالك منه أنه لا يبغض علياً من قريش إلاّ سفحيّ ، ولا من العرب إلاّ دعيّ ، ولا من سائر الناس إلاّ شقيّ .
3) راجع : تاريخ ابن خلدون 4 : 148 ، 217 . وطبقات سلاطين الإسلام | استانلي لين بول : 86 ـ 88

=


(68)

2 ـ انتفاضة القميين :
إنّ القبضة الحديدية للسلطة العباسية تجاه أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ، لم تمنع من ظهور الحركات والثورات ضد التعسف والجور العباسي بين الفينة والاُخرى ، من هذه الحركات حركة أهالي قم وانتفاضتهم عام ( 210هـ ) . ومعلوم تشيّع القميين وولاؤهم لاَهل البيت عليهم السلام ، فإنّهم وتبرماً من كثرة ما يدفعون من خراج السلطان الذي فرض عليهم ، إذ كان عليهم دفع مليوني ( 2000000 ) درهم سنوياً ، فاستكثروا هذا المبلغ وطلبوا تخفيفه أُسوة بما لحق الري من حطيطة خراجهم . ورُفع طلبهم إلى المأمون ، فرفض إجابتهم إلى ما سألوا ، فامتنعوا من أداء خراج هذا العام ، وثاروا فخلعوا واليهم وطردوه ، ونجحوا في السيطرة على البلد ، ولو استمر نجاحهم لتغير الحال إلى وضع لا تُحمد عقباه بالنسبة للسلطة المركزية ، لكن المأمون تدارك أمرهم بعلي بن هشام على رأس جيش أتبعه بآخر بقيادة عجيف بن عنبسة ، ثم ألحقهما بسرية كانت عائدة من خراسان .
فالتقى الطرفان في حرب غير متكافئة بالعدة والعدد حتى ظفر علي بن هشام بالقميين وقتل رئيسهم يحيى بن عمران ، وهدم سور المدينة ، وفرض عليهم بدل المليونين سبعة ملايين درهم سنوياً ، جباها منهم في سنته ، فدفعوها إليه صاغرين (1) .
3 ـ ثورة محمد بن القاسم العلوي
من أهم الثورات العلوية الشيعية التي حدثت في زمن إمامة الاِمام
____________
=
الطبعة الاُولى 1406 هـ الدار العالمية ـ بيروت .
1) راجع : تاريخ الطبري 7 : 184 . والكامل في التاريخ 5 : 481 .

(69)

الجواد عليه السلام ، هي ثورة محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليه السلام الملقب بالصوفي؛ للبسه ثياب الصوف والمكنّى بأبي جعفر . كان من أهل العلم والفقه والدين والزهد .
وقد فصّل خروجه ومنازلاته ثم القبض عليه أبو الفرج الاَصفهاني في مقاتل الطالبيين قائلاً : وكان خروجه في منطقة الطالقان التي تبعد عن مرو أربعين فرسخاً ودعوته كانت للرضا من آل محمد كما هي حال كل الثورات العلوية ، وقد تبعه عدد من وجوه الزيدية كيحيى بن الحسن بن الفرات الحريري ، وعباد بن يعقوب الرواجني ، وكانوا يدعون الناس إليه فتبعهم في مدة يسيرة خلق كثير . وتمت سيطرته على الطالقان مدة أربعة أشهر .
فلما بلغ خبره عبدالله بن طاهر وجّه إليه الجيوش ، فكانت له بين قواد عبدالله بن طاهر وقعات بناحية الطالقان وجبالها ، انهزم أخيراً محمد وأصحابه وتفرقوا في النواحي والآكام ، ولجأ محمد بن القاسم إلى ( نسا ) فوشي به هناك فأُلقي عليه القبض ، وقُيّد بالحديد وأُرسل إلى عبدالله بن طاهر ، فأرسله عبدالله إلى المعتصم في ( سرّ من رأى ) فأُدخل عليه في مجلس شرابه ولهوه يوم 15 ربيع الثاني سنة ( 219 هـ ) ، وكان يوم نوروز ، فأوقفه المعتصم حتى فرغ الغلمان من اللعب والراقصات الفرغانيات من الرقص ، وكانت أكؤس الشراب تُدار في المجلس أمام ناظري محمد بن القاسم ، فلما رأى هذا الوضع بكى ثم قال : اللهم إنّك تعلم أني لم أزل حريصاً على تغيير هذا وإنكاره .
ثم أمر به المعتصم فحبس في سرداب ضيق كاد أن يموت فيه ، فأمر بإخراجه منه وإيداعه في سجن في بستان . فلما كان ليلة عيد الفطر احتال محمد بطريقة فهرب بها من السجن وغاب عن الاَنظار ولم يعرف له خبر
(70)

بعد ذلك . وقيل : إنّه رجع إلى الطالقان فمات بها . وقيل : بل إنّه اختفى ببغداد مدة ثم انحدر إلى واسط فمكث بها حتى مات ، وهو الذي مال إليه أبو الفرج الاَصفهاني وصححه . وقيل : إنّه توارى أيام المعتصم والواثق ، وأُخذ في أيام المتوكل فحبسه حتى مات في محبسه ، ويقال : إنّه دس إليه سماً فمات منه (1) .
قال المسعودي : وقد انقاد إلى إمامته خلق كثير من الزيدية إلى هذا الوقت ، وهو سنة ( 332 هـ ) ، ومنهم خلق كثير يزعمون أن محمداً لم يمت ، وأنه حيّ يُرزق ، وأنه يخرج فيملؤها عدلاً كما ملئت جوراً ، وأنه مهدي هذه الاُمّة ، وأكثر هؤلاء بناحية الكوفة وجبال طبرستان والديلم وكثير من كور خراسان (2) .
هذا ما وقفنا عليه من حوادث وأحداث خلال سني إمامة أبي جعفر الجواد عليه السلام ، ومع أن التاريخ لم يحدثنا عن موقف علني للاِمام عليه السلام من هذه الثورات والانتفاضات إلاّ أنها بلا شك كانت ستنال رضا الاِمام عليه السلام فيما لو نجحت في تحقيق أهدافها في الاِطاحة بالمتسلطين على الحكم ظلماً وعدواناً .
____________
1) مقاتل الطالبيين : 464 ـ 472 . وتاريخ الطبري 7 : 223 ـ 224 حوادث سنة ( 219 هـ ) . عمدة الطالب | أحمد بن علي الداوودي : 306 الطبعة الحيدرية ـ النجف . والبحر الزخّار | أحمد بن يحيى بن المرتضى ( ت | 840 هـ ) 1 : 228 المقدمة ، وفيه : أن المعتصم حبسه أياماً وهرب من حبسه ، فأخذه وضرب عنقه صبراً ، وصلبه بباب الشماسية وهو ابن ثلاث وخمسين سنة ، وهو أحد أئمة الزيدية وعلمائهم وزهّادهم .
2) مروج الذهب 4 : 60 ـ 61 .