مسلم يتفأل

لقد طال البحث في هذا الموضوع ، والكلمة الفاصلة أن أحاديث نفي الطيرة وأمثالها أنما وردت لاكتساح عادات الجاهلية مما يوقف الانسان عن المضي في أعماله متكلا على هذه الأمور التي لا تأثير لها في جنب الإرادة الإلهية والقضاء الربوي ، ومن أجل هذا ذكر أهل البيت ـ عليهم السلام ـ أسبابا توجب الإنحراف عن تلك العقائد وتلزم بالمضي في الأعمال لئلا تقع الأمة في الضلال المردي والفشل الذي يفت في عضد الجامعة.
إذا فما حدث به ابن جرير الطبري من تطير مسلم ـ عليه السلام ـ لما مات الدليلان عطشا (1) لا واقع له ؛ فإن من يقرء سيرة مسلم ـ عليه السلام ـ يعرف أنه ذلك الرجل العظيم السائر على نصوص القانون الإلهي المستنير بما جاء به حامل الدعوة مشرفهم الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ من المعارف ومكارم الأخلاق ، واذا كان مسلم لم يتباعد عما رواه سيد الوصيين ـ عليه السلام ـ من حديث النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ : « الإسلام قيد الفتك » فلم يفتك بابن زياد وهو الغشوم اللدود المفرق لأمة محمد الحائد بها عن الصراط السّوي ، فكيف يتأخر عما أفادته الأحاديث الكثيرة من نفي الطيرة التي لم تزل أنديتهم تلهج بها صباحا ومساء ، وهم المقيضون لما يراد من العباد من أعمال الخير وتبعيدهم عن خطة الخسف والهوان . فهل والحالة هذه يجوز العلم والوجدان نسبة التطير
____________
1) تاريخ الطبري ج6 ص198.
( 78 )

الى رسول الحسين ـ عليه السلام ـ وخليفته في حاضرة الكوفة ليكون مرشدا ومهذبا ورادعا للأمة عما لا يتفق مع قدس الشريعة.
ولئن غاضينا ابن جرير على عدم معرفته بما حواه هذا البيت المنيع من رجالات الإصلاح ، فلسنا نسالمه على هذه البادرة التي نسبها الى مسلم الذي لم يعرف منزلته ، ولا مقدار عمله وما يتوخاه من أسمى الغايات ، وقد فاته أن الرواة أرادوا شيئا كشف المستقبل عن تفكك قياسه.
نعم كان مسلم ـ عليه السلام ـ يتفأل كما كان النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وأبناؤه الهداة يتفألون وذلك لما ارتحل من ذلك الماء أشرف على رجل يرمي ظبياً فصرعه فسره وتفأل بقتل عدوه (2).
ولئن فرح ابن زياد بالغلبة على رسول الحسين ـ عليه السلام ـ ، فقد « أخطأ الحفرة » ، فإن الظافر هو ابن عقيل كما تفأل ، إذ ليس الفتح إلا ما يترتب على تلك النهضة من تعريف الأمة نوايا اولئك المتأمرين عليها بالقهر والغلبة وقد أخذت الأمة بسبب ذلك القيام في وجه المنكر تتلو في كل زمان مخازي زياد وابنه ومن مكنهم من رقاب المسلمين وابنه ولئن سرّ ابن زياد الفتح العاجل فلقد أعقبه ندما ولات حين مندم يوم كثر اللوم عليه حتى من أهله وخاصته.
فإن أخاه عثمان قال له : وددت أن في أنف كل رجل من بني زياد خزي أمة ، وأنك تقتل حسينا ، فلم ينكر عليه عبيدالله. (3) وقالت له أمه مرجانه : ماذا صنعت مع الحسين ، وماذا فعلت ؟ ، فلم يجبها بشيء (4) وبماذا يجيبها وللهتاف بخطأه وزلته دويّ في آذانه ؟ وأكد ذلك ما شاهده من النار الخارجة من بعض نواحي القصر قاصدة سريره فولّى هاربا منها الى بعض بيوت القصر ، وعند ذلك تكلم الرأس الأزهر بصوت جهوري سمعه ابن زياد وبعض من حضر : « الى أين تهرب يا ملعون فإن لم تنلك في الدنيا فهي في الآخرة مثواك »



ولم يسكت الرأس حتى ذهبت النار ، وأدهش من في القصر لهذا الحادث
____________
2) إرشاد المفيد.
3) تاريخ الطبري ج6 ص268.
4) المصدر ج7 ص6.
5) المنتخب للشيخ الجليل الطريحي.

( 79 )

الذي لم يشاهد مثله (6).

افتراء على الحسين عليه السلام
لقد تجلى مما ذكرناه من رفع الطيرة في الشريعة الإفتراء على ابن عقيل في كتابه إلى الحسين ـ عليه السلام ـ : إني تطيرت من هذا الوجه فإن رأيت أن تعفيني وتبعث غيري ، فيكتب اليه الحسين : أما بعد فقد خشيت ألا يكون حملك على هذا إلا الجبن فامض لوجهك الذي وجهتك له (7).
فان المتأمل في صلك الولاية الذي كتبه سيد الشهداء لمسلم بن عقيل لايفوته الإذعان بما يحمله من الثبات والطمأنينة ورباطة الجأش ، وإنه لايهاب الموت ، وهل يعدو بآل أبي طالب إلا القتل الذي لهم عادة وكرامتهم من الله الشهادة ، ولو كان مسلم هياباً في الحروب لما أقدم سيد الشهداء على تشريفه بالنيابة الخاصة عنه التي يلزمها كل ذلك.
فتلك الجملة التي جاء بها الرواة وسجّلها ابن جرير للحط من مقام ابن عقيل الرفيع متفككة الأطراف ، واضحة الخلل . كيف ؟ وأهل البيت ومن استضاء بأنوار تعاليمهم لايعبأون بالطيرة ولايقيمون لها وزنا.
وليس العجب من ابن جرير إذا سجلها ليشوه بها مقام شهيد الكوفة كما هي عادته في رجالات هذا البيت ولكن العجب كيف خفيت على بعض أهل النظر والتدقيق حتى سجلها في كتابه مع أنه لم يزل يلهج بالطعن في أمثالها ويحكم بأنها من وضع آل الزبير ومن حذا حذوهم !
____________
6) شرح قصيدة أبي فراس ص149 إيران.
7) تاريخ الطبري ج6 ص198.

( 80 )


( 81 )

في بيت المختار الثقفي

لم تكن زعامة الكوفة ولا التلفع بالمكارم العظيمة ولا الإعتصمام بالقبيلة قصرا على المختار بن أبي عبيد الثقفي يومئذ ، فإن في « حاضرة الكوفة » رجالات يكافئون « أبا اسحاق » في العظمة والنفوذ إن لم نقل بأنهم ينيفون عليه ، وإنما وقع اختيار مسلم ـ عليه السلام ـ على المختار حيث عرفه منذ نعومة أظفاره من خاصه البيت العلوي وممن أخلص للعلويين بالمفادات.
وذلك يوم جاء به أبوه إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فأجلسه على فخذه وهو صبي وقال له وهو يمسح على رأسه : « يا كيّس يا كيّس » (1) ، فكانت هذه الكلمة من سيد الوصيين العالم بما كان ويكون درسا بليغا للواقف عليها تفيده فقها بما يظهر على يد المختار من مظاهر السداد ، وأفعال ذوي الحجى من الأخذ بحقهم ، وطلب تراتهم مشفوعا ذلك بالجزم والكيس ، وان هذه الكلمة الصادرة من أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ من مختبئات المستقبل نعرف من تدوين العلماء لها وتحمل روايتها الاهتمام بها ، وأنها اشربت رمز المستقبل وألمعت الى الحوادث التي يقوم بها ، وكشفت حاشية من الستر المرخى على ذلك الستر المصون.
وكان المختار يحسب لهذه البشارة حسابا ويحدث بها نفسه ، والأحاديث التي أوردها الشيخ الجليل ابن نما الحلي من أعيان القرن السادس في رسالته « أخذ الثار »
____________
1) رجال الكشي ص84.
( 82 )

تدلنا بكل وضوح على اعتقاد المختار بمغزى تلك الكلمة الغالية التي فاه بها باب مدينة علم الرسول.
ومن تلك الأحاديث :
(أ) ان المختار لقي معبد الجدلي فقال له : يا معبد أن أهل الكتب ذكروا أنهم يجدون رجلا من ثقيف يقتل الجبارين وينصر المظلومين ويأخذ بثأر المستضعفين ، ووصفوا صفته فلم يذكروا صفة إلا وهي فيّ غير خصلتين أنه شاب وقد جاوز الستين ، وأنه رديّ البصر وأنا أبصر من عقاب ، فقال له معبد : أما السن فإن الستين والسبعين عند أهل ذلك الزمان شاب وأما بصرك فما تدري ما يحدث الله فيه ولعله يكل.
فقال المختار : عسى أن يكون ذلك إن شاء الله.

(ب) إن ابن زياد حبس المختار وميثم التمار وعبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب الملقب « ببه » فطلب عبدالله حديدة يزيل بها بدنه وقال : لا آمن من ابن زياد القتل ، فأكون قد ألقيت ما على بدني من الشعر . فقال المختار : لا يقتلك ، ولا يقتلني ، ولا يأتي عليك إلا القليل . فتلى البصرة وميثم التمار يسمعها فقال للمختار ؛ وأنت تخرج ثائرا بدم الحسين ـ عليه السلام ـ فتقتل هذا الذي يريد قتلنا وتطأ بقدميك على وجنتيه ، فكان الأمر كما قالا ؛ ولّي عبدالله البصرة وخرج المختار طالبا بثأر الحسين (2).

(ج) سائر المختار المغيرة بن شعبة أيام ولايته الكوفة من قبل معاوية فمر بالسوق فالتفت المغيرة الى المختار يقول : يا لها من غارة ويا له جمعا إني لأعلم كلمة لو نعق لها ناعق لاتبعوه ولا سيما الأعاجم الذين اذا ألقي اليهم الشيء قبلوه ، فقال له المختار : وما هي يا عم ؟ قال المغيرة : يستأدون بآل محمد ، فأغضى عليها المختار (3).
لم تزل هذه الكلمة تتردد في نفس المختار حتى أصاب لها موقعا فانه بعد ان قتل سيد الشهداء ـ عليه السلام ـ أخذ ينشر فضل آل محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ ويتوجع لما أصابهم ، وكان على يقين من تحقق تلك البشائر معتقدا أن المولى سبحانه وتعالى سيولّيه تلك المكرمة مؤيدا بالنصر عندما يرفرف على رأسه طائر الظفر ويخفق أمامه علم الفتح.
____________
2) رسالة أخذ الثأر ، وشرح النهج الحديدي ج1 ص110.
3) أنساب الأشراف ج5 ص223 طبع ليدن.

( 83 )

هذا هو السبب الوحيد في اختيار مسلم النزول في دار المختار (4) عند ما ورد الكوفة لخمس خلون من شوال (5) وقيل : نزل على مسلم بن عوسجة الأسدي (6) وكان دار المختار تدعى دار سلام بن المسيب (7).
ولم يكن انتقاله الى دار هاني بن عروة لموجدة وجدها عليه ، وإنما كان ذلك بعد خطبة ابن زياد بعد دخوله الكوفة ، ووقوع الهرج في المصر خشية من بادرة ابن مرجانة ، فارتأى مسلم أن يستبدل بمحله لعله أمنع فان هانيا كان شيخ مراد ومذحج ، وزعيمها المقدم لا يفتات رأيه ، ولا يعصى أمره ، على أنه كان من الرجال المخلصين لآل الرسول ـ عليهم السلام ـ باشر الحروب معهم وحنكته التجارب ، ولكن قاتل الله الخذلان وأبعد الله الكوفيين عن الخير
____________
4) إعلام الورى للطبرسي ص132.
5) مروج الذهب ج2 ص86 ، وشرح الشريشي على مقامات الحريري ج1 ص192.
6) البداية لابن كثير ج8 ص152.
7) روضة الواعظين للفتال ص148.

( 84 )



( 85 )

البيعة

لما حل مسلم ـ عليه السلام ـ ضيفا على المختار الثقفي انثال عليه أهل الكوفة ، ولاث به حماة المصر ، وازدلف اليه كماته زرافات ووحدانا يهتفون بالترحيب بداعية حجة الزمن ، فقرأ عليهم كتاب الحسين ـ عليه السلام ـ وعرفهم أنه مجيبهم الى ما يريدون إن لزموا العهد وتدرّعوا بالصبر على مكافحة أعدائهم . وهل كان هذا الهتاف بالترحيب ، والفرح بالامنية عن طمأنينة ، وعقد الضمائر على التفاني في النصرة حتى يغلب الله على أمره أو أنه كان مصحوبا بنفاق تكنّية الصدور بين الأضالع غدر كمينقد عرف به القوم في تطوراتهم وميولهم الى جهات متعاكسة ؟
وأن موقف عابس بن شبيب الشاكري وصحبه المخلصين بالولاء للعترة الطاهرة يكشف عن نفسية هؤلاء الجمع المتراكم ، ويفسر لنا هذه المشكلة والحيرة ، ويعطينا درسا ضافيا عن نوايا القوم وعاداتهم ، وأن هؤلاء الشيعة كانوا على شك من عزائمهم ان لم نقل بأنهم على يقين من غدرهم ومتابعتهم الأهواء غير أنهم لم يرقهم المكاشفة لئلا يعود ذلك فتا في عضد البيعة ومثيرا للاحن ، ومحتدما للبغضاء فأجملوا القول ، وهم ينتظرون نواجم العاقبة.
فيقول عابس لمسلم : « إني لا أخسرك عن الناس ولا أعلم ما في نفوسهم وما أغرّك منهم ، والله إني أحدثك عما أنا موطن عليه نفسي ، والله لأجيبنكم إذا دعوتم ، ولأقاتلن معكم عدوكم ، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله ، لا أريد بذلك إلا ما عند الله ».






( 86 )

وقال حبيب بن مظاهر : « رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك ، وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما أنت عليه ».



وقال سعيد الحنفي مثل قولهما (1).
وقد ثبت هؤلاء الأطهار في الدفاع عن آل نبيهم حفظا للعهد وأداء لأجر الرسالة فأعلنوا بما انطوت عليه جوانحهم من صدق المفادات والإخلاص في النهضة ، وما غيّروا وما بدّلوا ، ومما يؤكد ما أشار إليه عابس وصحبه حديث علي بن الحجاج قال : سألت محمد بن بشير الهمداني هل كان منك قول أنت ؟ فقال له : إني كنت أحب أن يعز أصحابي بالظفر وما كنت لأحب أن أقتل وكرهت أن أكذب (2).
فإن قوله : « وكرهت أن أكذب » شهادة صدق على خداع القوم وكذبهم في ذلك الهتاف بالترحيب ومد الأكف للبيعة.
أما البيعة التي أخذها مسلم من الكوفيين فهي على حد البيعة التي أخذها رسول الله من الأوس والخزرج في العقبة الثانية (3) وفي يوم الفتح وأخذها من المسلمين يوم الغدير وأخذها أمير المؤمنين يوم بويع وأخذها الحسن من أهل الكوفة بعد شهادة أبيه الوصي فإنها في كل ذلك عبارة عن الدعوة الى كتاب الله وسنة رسوله وجهاد الظالمين ، والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين ، وقسمة الفيء بين المسلمين بالسويّة ، ورد المظالم الى أهلها ، ونصرة أهل البيت على من نصب لهم العداوة والبغضاء وجهل حقهم والمسالمة لمن سالموا والحرب لمن حاربوا من دون رد لقولهم ، ولا تخطئة لفعلهم ولا تفنيد لرأيهم .
وإن المؤرخين وان أغفلوا نص البيعة التي أخذها مسلم ـ عليه السلام ـ من الكوفيين كما أغفلوا الكثير من آثار أهل البيت التي تستفيد الأمة منها تعاليم راقية في
____________
1) الطبري ج6 ص199.
2) المصدر.
3) السيرة الحلبية ج2 ص17 وذكر أنهم خمس وسبعون رجلا فقال لهم رسول الله : أخرجوا لي اثني عشر نقيبا كما أخذ موسى من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا يكونوا كفلاء على قومهم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مرم وأنا كفيل على من معي من المهاجرين فاختاروا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس وهنا كلام للعباس بن عبدالمطلب في المحافظة على رسول الله ينم عن عقيدته الراسخة بالتوحيد والإيمان منذ البعثة فلا يعبأ بما ذكره المؤرخون من إسلامه بعد بدر.

( 87 )

التهذيب والإصلاح لكنا نقطع بأن داعية « إمام الحق » لم يتخط طريقة النبي وخلفائه المعصومين المقيضين لإرشاد البشر بما يجب عليهم من أمر الدين والدنيا ، وأنهم كانوا في أخذ البيعة على هذا النهج.
وبعد أن فرغ من التعريف بأمر البيعة الذي يراد منهم ، تداك الناس يمسحون أيديهم على يده يهتفون بالرضا والتسليم كما فعل الأنصار مع النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ليلة العقبة ، وقريش يوم الفتح ، والمسلمون يوم الغدير ، وأهل المدينة يوم بويع أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ، وأهل الكوفة مع السبط الزكي ـ عليه السلام ، فإن هذا هو المعروف فيمن يبايع يمسحون أيديهم على يده . نعم في بيعة النساء يوم الفتح جيء باناء فيه ماء وغمس النبي يده في الماء ، وكل امرأة تأتي للبيعة تغمس يدها في ذلك الماء.
فبلغ عدد من بايع مسلما ـ عليه السلام ـ ثمانية عشر ألفا أو خمسة وعشرين ألفا (4) وفي حديث الشعبي أنهم أربعون ألفا (5) ، وسرعان ما انقلبوا على أعقابهم فخسروا شرف الدنيا كما عداهم الفوز في الدين وخلدوها صحيفة سوداء يتلوها الملوان ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.

كتاب مسلم الى الحسين عليه السلام
لما أحصى ديوان مسلم ذلك العدد الكثير من المبايعين كتب الى الحسين مع عابس بن أبي شبيب الشاكري وقيس بن مسهر الصيداوي يخبرة باجتماعهم على رأيه وطاعته وانتظارهم لقدومه وفيه يقول : « الرائد لايكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي ».



وكان هذا قبل مقتل مسلم بسبع وعشرين يوما (26) وانضم اليه كتاب أهل الكوفة فيه : عجل القدوم يا ابن رسول الله فإن لك بالكوفة مائة ألف سيف فلا تتأخر (7).
____________
4) مناقب ابن شهر آشوب ج2 ص210.
5) مثير الأحزان لابن نما ص11.
6) الطبري ج6 ص224.
7) البحار ج10 ص185.

( 88 )

خطبة النعمان

لما بلغ النعمان بن بشير الأنصاري وهو والي الكوفة من قبل يزيد اجتماع الكوفيين على مسلم ـ عليه السلام ـ وبيعتهم له ، رقى المنبر وقال : اتقوا الله عباد الله ، ولا تسارعوا الى الفتنة والفرقة ، فإن فيها يهلك الرجال ، وتسفك الدماء ، وتغصب الأموال ، وإني لم أقاتل من لم يقاتلني ، ولا أثب على من لا يثب عليّ ، ولا أشاتمكم ولا أتحرش بكم ، ولا آخذ بالقرف ، ولا الظنة ، ولا التهمة ، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي ، ونكثتم بيعتكم ، وخالفتم إمامكم ، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولولم يكن لي منكم ناصرا ما اني أرجو أن يكون من يعرف الحق أكثر ممن يريده الباطل.
فأنكر عليه جماعة ممن له رأي مع بني أمية حتى قال له عبدالله بن مسلم بن سعيد الحضرمي وكان مخالفا لبني أمية : ان هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين ، ولا يصلح ما ترى إلا الغشم.
فرد عليه النعمان : بأني أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إليّ من أن أكون من الأعزين في معصية الله (1).
ان هذا الوالي لم يرد بكلمته « خالفتم إمامكم ونكثتم بيعتكم » إلا التمويه على العامة بصورة خلابة يذكر فيها البيعة ليزيد ، وإنه إمام لا تجوز مخالفته ، وإلا فهو جد عليم بأن ما رماه من القول لاصلة له بالحقيقة لولا تأليفه البسطاء واغرائه الضعفاء المتحرين
____________
1) الطبري ج6 ص199.
( 90 )

عيشة راضية مع أي مسيطر ، أليس هو القائل : أن ابن بنت رسول الله أحب الينا من ابن بجدل (2).
ثم هب انا غاضيناه في نزعته الاموي ، ورأيه العثماني المباين لكل علوي في المبدأ ، فلسنا نسأله على كلمته هذه المنهالة من شتى نواحيها أيحسب أنه يدلي بحجة قوية ويذكر بيعة صحيحة لامام عدل لا تجوز مخالفته.
ألا مسائل هذا الرجل ، متى انعقدت هذه البيعة أيرضا من أهل الحل والعقد أم بكراهية من الناس ، حين أحاط بهم الإرهاب من ناحية والطمع من ناحية أخرى والسيف المزهق لنفوسهم على رؤوسهم ، وآخرون انثالوا عليه وحقائبهم مملوة من وفره وأطراف المفاوز تقل كل فار بدينه وهناك صدور واغرة ، وفي زوايا الأندية ألسنة تلهج باستعظام الواقعة ووخامة العاقبة .
وكان عبدالرحمن بن ابي بكر يجاهر بأنها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل مكانه (3) والأحنف يذكر معاوية بالشروط التي أعطاها الحسن وكان فيها أن لا يقدم على الحسنين أحدا مع مالهما من الفضل وأهل الكوفة لم يبغضوهما منذ أحبوهما والقلوب التي أبغضوه بها بين جوانحهم (4).
لكن معاوية لم يعبأ بكل نصيحة أسديت إليه من عماله والكبراء الملتفين حوله وأخذ يبذل الاموال لتمهيد البيعة لولده يزيد حتى تمكن مما أراد بالوعد والوعيد.
ثم نقول لهذا الوالي : متى رضيت العامة والخاصة بالبيعة « لابن هند » ؟ حتى ترضخ لمن بعده لولا سماسرة الأهواء ومتبعي الشهوات ، ومن ذا الذي يقصده الوالي المستغشم للملأ حوله من هذا الإمام الذي لا تجوز مخالفته ، ولا تحل نكث بيعته ؟ أهو بن ميسون المعروف ببوائقه ومخاريقه المستهتر الماجن ؟ وهي يعرّف مجهولا أو ينوّه بمن لا تعرفه الأمة لئن نسي النعمان بوائق يزيد فلم تنسه المواخير والقيان ولم تغفل عنه المعازف والدنان ولم تله عنه المعرة والفجووز والعود والقرود.
ليس بغريب من النعمان اذا جاهر ببيعة يزيد بعد أن كان متأثرا بنفسية أبيه « بشير » الذي لم تشرق عليه أنوار الولاية فأخذ يتردد الجمل في الطاحونة ، وصم
____________
2) الامامة والسياسة ج2 ص3.
3) ابن الأثير ج3 ص199.
4) الإمامة والسياسة ج1 ص141.

( 91 )

سمعه عن النداء الإلهي يوم الغدير وغيره بنصب الوصي ـ عليه السلام ـ علما يُهتدى به الىالطريق اللاحب فكان السابق الى بيعة ابي بكر يوم السقيفة ولم يبارح تلك الأندية الى أن قتل في وقعة « عين التمر » مع خالد بن الوليد.
فمشى ولده النعمان على ذلك الأثر وجرته المطامع الى مهوى سحيق وكان أبغض شيء عليه أهل الكوفة لرأيهم في أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وميلهم الى آل النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ.
ومن هنا لم يمتثل أمر معاوية في زيادة اعطيات الكوفيين عشرة دنانير وكلما راجعوه في ذلك أبى (5).
ولرأيه العثماني ونزعته الأموية أرسلته نائلة بقميص عثمان الى معاوية بالشام ليؤلب الناس على ابن عم النبي ووصية المقدم (6) وشهد مع معاوية صفين ولم يكن من الأنصار وغيره (7) وولاه معاوية على الكوفة (8) وأقره يزيد عليها وبعد ولاية ابن زياد عليها ولاه حمص ، ولما ثار أهل المدينة على عامله بعد وقعة الحسين ـ عليه السلام ـ أرسله يزيد الى المدينة ليهده أهلها (9).
ومع هذا كله فإنه يعلم أن معاوية وابنه لم يستحقا من الخلافة موطأ قدم لخلوهما من كل فضيلة تؤهلهما لإمره المسلمين ولم يخف عليه فضل « أبي الريحانتين » . كيف وهتاف النبي وإصحاره بما له من الخصال الحميدة ملأ مسامعه لولا حكم الهوى وحب الدنيا والتقلب في الولايات.
____________
5) الأغاني ج14 ص115.
6) المحبر لابن حبيب النسابة ص292 طبع حيدرآباد الدكن.
7) صفين لنصر بن مزاحم ص506 وص510 مصر.
8) كامل ابن الأثير ج3 ص204 حوادث سنة 59.
9) تاريخ الطبري ج7 ص4.