تفضل بها الشريف المصلح الأكبر ، العلامة المجاهد آية الله المغفور له صاحب السماحة السيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي ، نضر الله مرقده ، نتوج بها هذا المؤلف.
واليك الرسالة حرفيا :
السلام عليك أبا عبدالله ، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك عليكم مني سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار ورحمة الله وبركاته . ياليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيما .
أخي في الله ، وفي رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي اوليائه عليهم الصلوة والسلام ووليي فيهم .
السلام عليكم وعلى من والاكم ورحمة الله وبركاته.
لكم الشكر ، وحسن الذكر ، وعظيم الأجر ، بما اوليتم الامة من سفركم الجليل ـ طرفة من بلاغة الإمام علي بن الحسين عليه السلام ـ .
ولعمري ان مؤلفكم هذا لنعمة اسديتموها الى الامتين ( الإسلامية باجناسها ، والعربية من سائر اديانها ) فحق عليهما ان تنشر ارياط الحمد على ما اسديتم ، وتخلعا حلل الثناء على ما اوليتم .
ولله هديتكم المشكورة ، وما اولاها بقول القائل : « ان الهدية على مقدار مهديها » .
فللأثنين على جميلك الزاهر هذا ثناء الزهر على القطر ، شكراً لا ينقطع مدى الدهر .
والسلام عليكم اولاً وآخراً ، ورحمة الله وبركاته .
الى رضيع لبان الرسالة ، ووراث علم الأنبياء
الى المرتشف من منهل الوحي الإلهي المقدس
الى من أوتي جوامع الكلم ، ومقود البلاغة
الى من تجسم فيه المثل الأعلى للخلافة الإلهية ، والانسانية الكاملة
الى من أطاح صروح الظلم والذل والطغيان بخطبه الدامية
إليك يا سيد الساجدين ، وزين العابدين الإمام الرابع علي بن الحسين عليه السلام .
أهدي بضاعتي المزجاة التي أودعتها في ثمار جهودك وبنات افكارك « حين لفظت بها للملأ قبل قرون ، وهي اليوم تعود اليك »
ورجائي من فضلك العميم ان تتقبلها بأحسن الرضا والقبول لتكون ذريعتي ليوم فاقتي « يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم » .
الشيخ جعفر عباس الحائري
حمداً لك يا من مننت علينا بولاية العترة الطاهرة ، وجعلتنا ممن يستضيء بنور علومهم ومعارفهم ، ونقلوا من حاد عنهم وناصبهم العداء ، ونستهدي بلوائح حكمهم النافعة ، وكلمهم الجامعة ، وعظاتهم البالغة ، وبراهينهم الساطعة ، وصلى الله على من أشرف بالدين ، وسيد الأنبياء والمرسلين ، محمد خاتم النبيين ، وآله الأئمة الهداة المهديين ، الخلفاء الحجج الميامين . واللعنة الأبدية على اعدائهم ما تنكبوا عن الصراط المستقيم ، وخلدوا في الجحيم.
وبعد : فهذه نتف من عقود ذهبية ، وطرف من جواهر الكلم الطيب ، وحقائق ناصعة مأثورة عن مولانا وإمامنا زين العابدين ، وسيد الساجدين ، علي بن الحسين صلوات الله عليه . جمعت شتاتها ، وألفت بين متفرقاتها ؛ من شتى المصادر المعتمد عليها عند الفريقين ولم آل جهداً في تنسيق شذورها ؛ وتنضيد عقودها؛ فجاءت كما شاءت لها الحقيقة ألقاً في جبهة الدهر ؛ وعبقاً بين أعطاف الزمن. وكلها جواهر فردة من علية الحكم النواصع ؛ فمن دونها وشي الربيع في ازهاره ؛ والروض المندى وفائح نواره.
واني اراني مقدما لحملة لغة الضاد اسمى هدية ؛ يوم قدمت لها
فليتهنأوا بارتشاف العلم ، وغذاء الفضائل ، وليتلذوا بالنمير العذب من صفو الكمال الراقي ، وليأخذوا ما لذ لهم وطاب ـ وكله الطيب الشهي ـ من جملها وفصولها . وكلما وصفناها به دون ما يحق لها ، فانها صادرة من منبثق أنوار النبوة والرسالة ، ومعدن علم الامامة والوصاية ، صاحب الصحيفة البيضاء ، المتلوة منذ الحقب والاعوام الطوال ، الى أن يرث الله الأرض ومن عليها . تطفح عليها البلاغة والبراعة ، وتطفو حقيقة العبودية والانسانية الكاملة .
وقد احتوت مضامين درية لاتجارى ولا تبارى . صلى ا لله عليه من تضرع بها ، ووصل بين حلقاتها الذهبية . ما دامت للفصاحة صولة وللبلاغة دولة .
ولم اقصد في ذلك كله الا وجهه الكريم . والله من وراء القصد وعليه اتوكل واليه أنيب . إنه خير موفق ومعين .
جعفر الشيخ عباس الحائري
كربلاء المقدسة
الحمد لله الاول بلا أول كان قبله ، والآخر بلا آخر يكون بعده ، الذي قصرت عن رؤيته ابصار الناظرين ، وعجزت عن نعته اوهام(1) الواصفين ، ابتدع بقدرته الخلق ابتداعاً ، واخترع على مشيته اختراعا(2) ثم سلك بهم طريق ارادته ، وبعثهم في سبيل محبته . لا يملكون تأخراً عما قدمهم اليه ، ولا يستطيعون تقدماً الى ما اخرهم عنه ، وجعل لكل روح منهم قوتاً معلوماً مقسوماً من رزقه ، لا ينقص من زاده ناقص ، ولا يزيد من نقص منهم زائد.
قال السيد علي خان في شرح الصحيفة الكاملة : وقد شاع في الاستعمال ودلت عليه مضامين الاخبار : أن المراد بالوهم هنا أدراك المتعلق بالقوة العقلية المتعلقة بالمعقولات والقوة الوهمية المتعلقة بالمحسوسات جميعاً.
ثم ضرب له في الحيوة الدنيا اجلا موقوتا ، ونصب له امداً محدوداً يتخطا اليه بأيام عمره ، ويرهقه(1) باعوام دهره حتى اذا بلغ اقصى اثره(2). واستوعب حساب عمره ، قبضه الى ما ندب اليه من موفور ثوابه ، او محذور عقابه : (ليجزي الذين اساؤا بما عملوا ويجزي الذين احسنوا بالحسنى)(3). عدلاً منه تقدست اسماؤه ، وتظاهرت آلاؤه : « لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ».
والحمد لله الذي لو حبس عن عبادة معرفة حمده على ما ابلاهم من مننه المتتابعه ، وأسبغ عليهم من نعمهم المتظاهرة لتصرفوا في مننه فلم يحمدوه ، وتوسعوا في رزقه فلم يشكروه ولو كانوا كذلك لخرجوا من حدود الانسانية الى حد البهيمية فكانوا كما وصف في محكم كتابه : ( ان هم إلا كالانعام بل هم اضل سبيلا)(4).
والحمد لله على ما عرفنا من نفسه ، وألهمنا(1) من شكره وفتح لنا من أبواب المعرفة بربوبيته ، ودلنا عليه من الاخلاص له في توحيده وجنبنا من الالحاد والشرك في أمره ، حمداً نعمر به فيمن حمده من خلقه ، ونسبق به فيمن سبق الى رضاه وعفوه ، حمداً يضيء لنا به ظلمات البرزخ(2) ، ويسهل علينا به سبيل المبعث ويشرف به منازلنا عند مواقف الاشهاد : (لنجزي كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون)(3) : ( يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون)(4). حمداً يرتفع منا ا لى اعلى عليين في كتاب مرقوم يشهده المقربون . حمداً تقر به عيوننا إذا برقت(5) ، حمداً نعتق به من أليم
والحمد لله الذي اختار لنا محاسن الخلق ، واجرى علينا طيبات الرزق ، وجعل لنا الفضيلة بالملكة على جميع الخلق فكل خليقة منقادة بقدرته ، وصائرة الى طاعتنا بعزته.
والحمد لله الذي أغلق عنا باب الحاجة الا اليه ، فكيف نطيق حمدخ أم متى نودي شكره لا متى(3)
والحمد الذي ركب فينا الآت البسط ، وجعل لنا أدوات القبض ، ومتنا بارواح الحيوة ، واثبت فينا جوارح الاعمال ، وغذانا بطيبات الرزق ، وأغنانا بفضله ، واقنانا(4) بمنه ، ثم امرنا ليختبر طاعتنا ؛ ونهانا ليبتلي شكرنا ، فخالفنا عن طريق امره ، وركبنا متون زجره ، فلم يبتدرنا بعقوبته ، ولم يعاجلنا بنقمته بل تأنانا
والحمد لله الذي دلنا على التوبة التي لم نفدها الا من فضله فلو لم نعتدد من فضله الا بها لقد حسن بلاؤه عندنا ، وجل احسانه الينا ، وجسم فضله علينا فما هكذا كانت سنته في التوبة لمن كان قبلنا(1) لقد وضع عنا ما لا طاقة لنا به ولم يكلفنا الا وسعاً ، ولم يجشمنا إلا يسراً ، ولم يدع لاحد منا حجة ولا عذرا ، فالهالك منا من هلك عليه ، والسعيد منا من رغب اليه .
والحمد لله بكل ما حمده به ادنى ملائكته اليه ، واكرم خليقته عليه وأرضى حامديه لديه حمداً يفضل سائر الحمد كفضل ربنا على جميع خلقه ثم له الحمد مكان كل نعمة له علينا ، وعلى جميع عباده الماضين والباقين عدد ما أحاط به علمه من جميع الاشياء ، ومكان كل واحدة منها عددها اضعافاً مضاعفة ابداً سرمداً الى يوم القيمة حمداً لا منتهى لحده ولا حساب لعدده ، ولا مبلغ لغايته ولا انقطاع لأمده حمداً يكون وصلة إلى طاعته وعفوه وسبباً إلى رضوانه ، وذريعة إلى مغفرته ، وطريقا إلى
والحمد لله الذي من علينا بمحمد نبيه صلى الله عليه وآله دون الامم الماضية ، والقرون السالفة بقدرته التي لا تعجز عن شيء وإن عظم ، ولا يفوتها شيء وإن لطف ، فختم بنا على جميع من ذرء(2) وجعلنا شهداء على من جحد ، وكثرنا على من قل.
اللهم فصل على محمد امينك على وحيك ، ونجيبك من خلقك وصفيك من عبادك ، أمام الرحمة ، وقائد الخير ، ومفتاح البركة ، كما نصب لامرك نفسه ، وعرض فيك للمكروه بدنه ، وكاشف في الدعاء اليك حامة(3) ، وحارب في رضاك اسرته ، وقطع في احياء دينك رحمه ، واقصى الادنين على جحودهم ، وقرب الأقصين على استجابتهم لك ، ووالى فيك
اللهم فارفعه بما كدح فيك الى الدرجة العليا من جنتك حتى لا يساوي في منزلة ، ولا يكافأ في مرتبة ، ولا يوازيه لديك ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، وعرفه في اهله الطاهرين وأمته المؤمنين من حسن الشفاعة أجل ما وعدته يا نافذ العدة ويا وافي القول ، يا مبدل السيئات باضعافها من الحسنات انك ذو الفضل العظيم(3).
وذلك لما دخل علي بن الحسين عليه السلام مسجد المدينة فرأى قوما يختصمون ، قال عليه السلام لهم : فيما تختصمون ؟ قالوا : في التوحيد قال عليه السلام : اعرضوا عن مقالتكم ، قال بعض القوم : إن الله يعرف بخلق سماواته وارضه ، وهو في كل مكان .
قال علي بن الحسين عليه السلام : قولوا : نور لا ظلام فيه ، وحياة لا موت فيه ، وصمد لا مدخل فيه ، ثم قال عليه السلام : من كأن ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، كان نعته لا يشبه نعت شيء فهو ذاك(2).
وفي رواية اخرى لما كان عليه السلام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم اذ سمع قوماً يشبهون الله بخلقه ، ففزع لذلك وارتاع له ونهض حتى اتى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فوقف عنده ، ورفع صوته
إلهي بدك قدرتك ، والتقدير على غير ما به وصفوك وإني برىء يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك ، ليس كمثلك شيء الهي ولن يدركوك وظاهر ما بهم من نعمك دليلهم عليك لو عرفوك وفي خلقك يا إلهي مندوحة(1) أن يتناولوك بل سووك بخلقك ومن ثم لم يعرفوك واتخذوا بعض اياتك رباً فبذلك وصفوك ، تعاليت عما به المشبهون نعتوك(2).
قال : إن الله عز وجل خلق العرش ارباعاً ، لم يخلق قبله إلا ثلاثة أشياء الهواء ، والقلم ، والنور ثم خلقه من أنوار مختلفة فمن ذلك نور أخضر أخضرت منه الخضرة ونور أصفر إصفرت منه الصفرة ، ونور أحمر إحمرت منه الحمرة ، ونور أبيض وهو نور الانوار ، ومنه ضوء النهار(1) ، ثم جعله سبعين الف طبق
وذلك لما كان يعظ الناس ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في الآخرة في كل جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وحفظ عنه وكتب.
كان يقول : بسم الله الرحمن الرحيم إتقوا الله وأعلموا إنكم اليه ترجعون ـ فتجد كل نفس ما عملت في هذه الدنيا من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو ان بينها وبينه امداً بعيداً ويحذركم الله(1) نفسه ـ ويحك إبن ادم الغافل وليس بمغفول عنه ، إن أجلك اسرع شيء اليك ، قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبك ، ويوشك أن يدركك ، وكان قد اوفيت أجلك وقد قبض الملك روحك وصرت إلى منزل وحيد ، فرد اليك فيه روحك، واقتحم عليك فيه ملكان منكر ونكير لمسائلتك وشديد امتحانك، الا وإن أول ما يسئلانك : عن ربك الذي كنت تعبده وعن نبيك الذي أرسل إليك ، وعن دينك الذي كنت تعبده ، وعن كتابك الذي كنت تتلوه ، وعن إمامك الذي كنت تتولاه ، ثم عن عمرك فيما أفنيته ومالك من أين إكتسبته ، وفيما أتلفته ، وخذ حذرك وأنظر لنفسك وأعد للجواب قبل الامتحان ، والمسائلة والاختبار ، فان تك مؤمنا تقيا عارفاً بدينك متبعاً للصالحين ، مواليا لأولياء الله لقاك الله حجتك ، وأنطق لسانك بالصواب ، فاحسنت الجواب فبشرت بالجنة والرضوان من الله ، والخيرات الحسان ، واستقبلك
حمد الله ، واثنى عليه ، وذكر جده فصلى عليه ثم قال : ايها الناس احذركم من الدنيا وما فيها ، فانها دار زوال وانتقال تنتقل باهلها من حال إلى حال وهي قد افنت القرون الخالية