قال : ان الدنيا قد ارتحلت مدبرة ، وأن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ، ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ألا وكونوا من الزاهدين في الدنيا ، الراغبين في الآخرة ألا أن الزاهدين في الدنيا ، الراغبين في الآخرة ألا أن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطاً والتراب فراشا والماء طيباً ، وقرضوا من الدنيا تقريضا ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا من الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع من المحرمات ومن زهد الدنيا ، هانت عليه المصائب
الا ان لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين ، وكمن راى أهل النار في النار معذبين ، شرورهم مأمومة ، وقلوبنهم محزونة ، أنفسهم عفيفة ، وحوائجهم خفيفة ، صبروا أياماً قليلة ، فصاروا بعقبي راحة طويلة ، أما الليل فصافون أقدامهم
قال : ان المنافق ينهى ولا ينتهى ، ويأمر ولا يأتي ، إذا قام إلى الصلاة أعترض ، واذا ركع ربض ، واذا سجد نفر ، يمسى وهمته العشاء ولم يصم ، ويصبح وهمته النوم ولم يسهر ، والمؤمن خلط عمله بحلمه ، يحبس ليعلم ، وينصت ليسلم ، لا يحدث بالأمانة للاصدقاء ، ولا يكتم الشهادة للبعداء ، ولا يعمل شيئاً من الحق رياءاً . ولا يتركه حياءاً . أن زكى خاف ما يقولون ، واستغفر الله لما لايعلمون . ولا يضره جهل من جهله(2).
قال : نحن أئمة المسلمين ، وحجج الله على العالمين . وسادة المؤمنين ، وقادة الغر المحجلين . وموالى المؤمنين . ونحن أمان أهل الأرض . كما أن النجوم أمان لأهل السماء . ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بأذنه. وبنا يمسك الارض أن تميد بأهلها ، وبنا ينزل الغيث ، وبنا ينشر الرحمة . ويخرج بركات أهل الأرض ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها.
ثم قال عليه السلام : ولم يخل الأرض مذ خلق الله آدم من حجة لله فيها ظاهرة مشهورة . أو غايب مستور . ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها . ولولا ذلك لم يعبد الله(1)
عليك بالقرآن فان الله خلق الجنة بيده لبنة من ذهب ولبنة من فضة . وجعل ملاطها(1) المسك . وترابها الزعفران. وحصائها اللؤلؤ . وجعل درجاتها على قدر آيات القرآن ، فمن قرأ منها قال له أقرأ وأرق ومن دخل فيهم الجنة لم يكن في الجنة أعلا درجة منه ما خلا النبيين والصديقين(2).
عن طاوس اليماني قال : مررت بالحجر ، فاذا أنا بشخص راكع وساجد . فتأملته فاذا هو علي بن الحسين عليهما السلام . فقلت بانفس رجل صالح من أهل بيت النبوة والله لأغتنم دعائه. فجعلت أرقبه حتى فرغ من صلاته ورفع باطن كفيه إلى السماء
( قال طاوس : فبكيت(1) حتى علا نحيبي فالتفت إلي
قال : إن بين الليل والنهار روضة يرتع في نورها(1) الابرار ، ويتنعم في حدائقها المتقون ، فدأبو سهراً في الليل ، وصياما في النهار ، فعليكم بتلاوة القران في صدره ، وبالتضرع والاستغفار في آخره ، وإذا ورد النهار فاحسنوا مصاحبته بفعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وترك ما يرديكم من محقرات الذنوب ، فانها مشرفة على قبايح العيوب ، وكان الموت قد دهمكم والساعة قد غشيتكم ، فان الحادي قد حدا بكم بحدي لا يلوي دون غايتكم ، فاحذروا ندامة التفريط ، حيث لا ينفع الندامة إذا زلت الأقدام(2).
ان علامة الزاهدين في الدنيا ، الراغبين في الاخرة ، تركهم كل خليط ، ورفضهم كل صاحب ، لا يريد ما يريدون ، ألا
وذلك لما كان علي بن الحسين عليه السلام قاعداً في بيته اذ قرع قوم عليه الباب ، فقال : يا جارية انظري من في الباب فقالت : قوم من شيعتك فوثب عليه السلام عجلا حتى كاد ان يقع فلما فتح الباب ونظر اليهم فرجع.
قال عليه السلام : كذبو فاين السمت(1) في الوجوه أين اثر العبادة ، أين سيماء السجود ؟ انما شيعتنا يعرفون بعبادتهم وشعثهم ، قد قرحت منهم الأناف ، ودثرت الجباه ، والمساجد خمص البطون(2) ذبل الشفاه(3) قد اصفر العبادة وجوههم ، واخلق سهر الليالي ، وقطع الهواجر جثثهم المسبحون اذا سكت الناس ، والمصلون اذا نام الناس ، والمحزنون اذا فرح الناس(4).
قال عليه السلام : ان دين الله عز وجل لا يصاب بالعقول الناقصة ، والأراء الباطلة ، والمقاييس الفاسدة ، ولا يصاب إلا بالتسليم ، فمن سلم لنا سلم ، ومن اقتدى بنا هدى ، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك ، ومن وجد في نفسه شيئاً مما نقوله أو نقضى به حرجا ، كفر بالذي انزل السبع المثاني ، والقرآن العظيم وهو لا يعلم(1).
عن أبي جعفر عليه السلام قال : وجدنا في كتاب علي بن الحسين ( عليه السلام ) ألا أن اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، إذا أدوا فرائض الله وأخذوا سنن رسول الله صلى الله عليه وآله ، وتورعوا عن محارم الله ، وزهدوا في عاجل زهرة الحياة الدنيا ، ورغبوا فيما عند الله ، واكتسبوا الطيب من رزق الله ، لا يريدون به التفاخر والتكاثر ،
اللهم اسقنا الغيث ، وانشر علينا رحمتك بغيثك المغدق(3) من السحاب المنساق ، لنبات ارضك المونق في جميع الآفاق ، وامنن على عبادك بايناع الثمرة ، وأحي بلادك ببلوغ الزهرة ، واشهد ملائكتك الكرام السفرة ، بسقي منك نافع ، دائم غزره ، واسع درره ، وابل سريع عاجل ، تحي به ما قد مات ، وترد به ما قد فات ، وتخرج به ما هو آت ، وتوسع به في الأقوات ، سحاباً متراكما هنيئاً مريئاً طبقا مجلجلا(4) غير ملث ودقه(5) ولا خلب
لما قال رجل له (ع) : جعلني الله فداك أبقدر يصيب الناس
فقال (ع) : ان القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد فالروح بغير جسد لا يحس ، والجسد بغير صورة لا حراك بها ، فاذا اجتمعا قويا وصلحا ، كذلك العمل والقدر ، فلو لم يكن القدر واقعاً على العمل لم يعرف الخالق من المخلوق ، وكان القدر شيئاً لا يحس ولو لم يكن العمل بموافقة من القدر ، لم يمض ولم يتم ، ولكنهما باجتماعهما قويا ، ولله العون لعباده الصالحين.
ثم قال : ألا من جور الناس من جوره عدلا ، وعدل المهتدي جوراً ، ألا أن للعبد أربعة عيون عينان يبصر بهما أمر آخرته ، وعينان يبصر بهما أمر دنياه ، فاذا أراد الله عز وجل بعبد خيراً فتح له العينين اللتين في قلبه ، فابصر بهما العيب ، واذا اراد غير ذلك ، ترك القلب عافية ، ثم التفت إلى السائل من القدر فقال : هذا منه(1).
قال رأيته يطوف من العشاء إلى السحر ويتعبد ، فلما لم ير أحداً رمق السماء بطرفه وقال :
إلهي غارت نجوم سماواتك ، وهجعت عيون انامك ، وابوابك مفتحات للسائلين ، جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه جدي محمد صلى الله عليه وآله في عرصات القيامة ( ثم بكى وقال ) : وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك ، وما عصيتك إذ عصيتك وانا بك شاك ، ولا بكا لك جاهل ، ولا لعقوبتك متعرض ، ولكن سولت لي(1) نفسي ، وأعانني على ذلك سترك المرخى علي ، فانا الآن من عذابك من يستنقذني ، وبحبل من اعتصم ان قطعت حبلك عني ، فواسوأتاه غداً من الوقوف بين يديك ، إذا قيل للمحلفين جوزوا ، وللمثقلين حطوا ، أمع المخفين أجوز ، أم مع المثقلين أحط ، ويلي ويلي ، كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب ، أما آن لي أن استحي من ربي.
( ثم بكى وانشأ يقول ) :| أتحرقني بالنار يا غاية المنى | * | فاين رجـائي ثم ايـن محـبتي | أتيت باعمال قباح زرية(1) | * | ما في الورى خلق جنى كجنايتي |
( ثم بكى عليه السلام وقال ) : سبحانك تعصى كأنك لا ترى وتحلم كأنك لم تعص ، تتودد الى خلقك بحسن الصنيع ، كأن بك الحاجة اليهم ، وأنت ياسيدي الغني عنهم .
( ثم خر إلى الارض ) ، فدنوت منه وشلت برأسه فوضعته على ركبتي وبكيت حتى جرت دموعي على خده فاستوى ( عليه السلام ) . جالساً فقال : من الذي اشغلني عن ذكر ربي ؟ فقلت انا طاوس يا ابن رسول الله ما هذا الجزع والفزع ونحن يلزمنا أن نفعل هذا ونحن عاصون خافون(2) ، أبوك الحسين بن علي عليهما السلام ، وامك فاطمة الزهراء عليها السلام ، وجدك رسول الله صلى عليه وآله فالتفت إلي وقال :
هيهات هيهات يا طاوس ، دع عني حديث أبي وجدي ، خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن وان كان عبداً حبشياً ، وخلق
احتج به لما جاء اليه رجل من أهل البصرة ، فقال : يا علي بن الحسين أن جدك علي بن أبي طالب قتل المؤمنين ، فهملت عينا علي بن الحسين عليهما السلام دموعاً حتى امتلأت كفه منها ، ثم ضرب بها على الحصى ثم قال عليه السلام : يا أخا أهل البصرة ، لا والله ما قتل علي عليه السلام مؤمنا ، ولا قتل مسلماً ، وما أسلم القوم ولكن استسلموا وكتموا الكفر ، واظهروا الاسلام ، فلما وجدوا على الكفر أعواناً أظهروه ، وقد علمت صاحبة الحدث والمستحفظون(2) من آل
فقال شيخ من أهل الكوفة يا علي بن الحسين ان جدك كان يقول اخواننا بغوا علينا ، فقال علي بن الحسين عليه السلام : أما تقرأ كتاب الله : (وإلى عاد اخاهم هودا) فهم من مثلهم انجى الله عز وجل هوداً ، والذين معه وأهلك عاداً بالريح العقيم(1).
( قال عليه السلام ) : بني اني جعلتك خليفتي من بعدي لا يدعي فيما بيني وبينك أحد إلا قلده الله يوم القيامة طوقاً من النار ، فاحمد الله على ذلك واشكره ، يا بني اشكر لمن انعم عليك ، فانه لا يزول نعمة إذا شكرت ولابقاء لها اذا كفرت ، والشاكر يشكره اسعد منه بالنعمة التي وجب عليه بها الشكر ، وتلا علي بن الحسين عليه السلام : (لئن شكرتم لأزيدنكم ، ولئن
قال : اذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه ، وتماوت في منطقه وتخاضع في حركاته ، فرويداً لا يغرنكم ، فما اكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيته ومهانته ، وجبن قلبه ، فنصب الدين فخاً لها ، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره ، فان تمكن من حرام اقتحمه ، وإذا وجدتموه يعف المال الحرام فرويداً لا يغرنكم حتى تنظروا ما عقده عقله ، فما أكثر من ترك ذلك اجمع ، ثم لا يرجع الى عقل متين ، فيكون يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله ، فاذا وجدتم عقله متيناً فرويداً لا يغرنكم حتى تنظروا مع هواه يكون عقله ، أم يكون مع عقله هواه ، وكيف محبته للرياسات الباطلة وزهده فيها ، فان في الناس من خسر الدنيا والاخرة يترك الدنيا للدنيا ، ويرى ان لذة الرياسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة ، فيترك ذلك أجمع طلبا
عن أبي خالد الكابلي قال : قال لي علي بن الحسين عليه السلام : يا أبا خالد لتأتين فتن كقطع الليل المظلم ، لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه أولئك مصابيح الهدى ، وينابيع العلم ، وينجيهم الله من كل فتنة مظلمة ، كأني بصاحبكم قد علا فوق نجفكم بظهر كوفان في ثلثمائة وبضعة عشر رجلا جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن شماله وأسرافيل امامه ، ومعه رأية رسول الله صلى الله عليه وآله قد نشرها ، لا يهوي بها الا قوم إلا أهلكهم الله عز وجل(1).
اللهم فاوزع لوليك(2) شكر ما انعمت به علينا ، واوزعنا
فقال عليه السلام : ـ بسم الله الرحمن الرحيم ـ ادعوك الى الله تعالى ، والى دينه ، جماعة امران : معرفة الله ، والاخر العمل برضوانه ، وان معرفة الله أن تعرفه بالوحدانية ، والرأفة والرحمة
وان محمداً عبده ورسوله ، وان ما جاء به هو الحق من عند الله تعالى وما سواهما هو الباطل ، فاذا اجابوا الى ذلك فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين(1).
قال عليه السلام : شيعتنا اما الجنة فلن تفوتكم سريعاً كان أو بطيئاً ولكن تنافسوا في الدرجات ، واعلموا أن ارفعكم درجات ، واحسنكم قصورا ودوراً وأبنية أحسنكم ايجاباً بايجاب المؤمنين ، واكثركم مواساة لفقرائهم.
ان الله ليقرب الواحد منكم الى الجنة بكلمة طيبة يكلم اخاه المؤمن الفقير بأكثر من مسيرة مائة عام بقدمه ، وان كان من المعذبين بالنار ، فلا تحتقروا الاحسان الى اخوانكم فسوف ينفعكم حيث لا يقوم مقام غيره(2).