حين دخل عليه فاستعظم ما رأى من أثر السجود بين عيني علي بن الحسين عليه السلام فقال : يا أبا محمد لقد بين عليك الاجتهاد ، ولقد سبق لك من الله الحسنى ، وأنت بضعة من رسول الله صلى الله عليه وآله قريب النسب ، وكيد السبب ، وانك لذو فضل عظيم على اهل بيتك وذوى عصرك ، ولقد أوتيت من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلك ولا قبلك إلا من مضى من سلفك وأقبل يثني عليه ويطريه.
فقال على بن الحسين عليه السلام كما وصفته وذكرته من فضل الله سبحانه وتأييده وتوفيقه فأين شكره على ما أنعم ، يا أمير المؤمنين كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقف في الصلاة حتى يرم قدماه ، ويظمأ في الصيام حتى يعصب(1) فوه ، فقيل له يا رسول الله : ألم نغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فيقول صلى الله عليه وآله : أفلا أكون عبداً شاكراً ، الحمد لله على ما أولى وأبلى ، وله الحمد
وبكى عليه السلام وبكى عبد الملك وقال : شتان بين عبد طلب الآخرة وسعى لها سعيها ، وبين من طلب الدنيا من أين جائته وماله في الآخرة من خلاق(2)
قوله عليه السلام : أو يراني الله ـ بمعنى : ( إلى ان ) أو (إلا ان) أي لا والله لا اترك الاجتهاد الى أن يراني الله على تلك الحال.
« في تفسير قوله تعالى : الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناءا(1)»
كان يقول معنى هذه الآية : انه سبحانه جعل الارض ملائمة لطباعكم موافقة لاجسادكم ، ولم يجعلها شديدة الحرارة فتحرقكم ولا شديدة البرودة فتجمدكم ، ولا شديدة الريح فتصدعكم ، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في دوركم ، وقبور موتاكم ، ولكنه عز وجل جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به ، وتتماسك عليها ابدانكم وبنيانكم وجعل فيها كثيراً من منافعكم ، وجعل السماء سقفا محفوظاً من فوقكم ، يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم وانزل من السماء ماء من علا ليبلغ قلل جبالكم ، وتلالكم(2) وهضابكم(3)
لما دخل عليه عليه السلام وهو كئيب حزين فقال زين العابدين عليه السلام : ما بالك مغموما ؟ قال يا ابن رسول الله : غموم وهموم تتوالى على لما امتحنت به من جهة حساد نعمي والطامعين في وممن ارجوه وممن أحسنت اليه فيخلف ظني.
فقال له علي بن الحسين عليه السلام : أحفظ عليك لسانك ، تملك به اخوانك ، قال الزهري : يا ابن رسول الله اني احسن
رب كم من نعمة انعمت بها علي قل لك عندها شكري ، وكم من بلية ابتليتني بها قل لك صبري فيها ، من قل عند نعمته شكري فلم يحرمني ، وقل عند بلائه صبري فلم يخذلني ، ياذا المعروف الذي لا ينقطع ابدا وياذا النعماء التي لا تحصى عدداً ، صل على
فقدم مسرف بن عقبة المدينة ، وكان يقال انه لا يريد غير علي بن الحسين عليه السلام فسلم منه وحباه ووصله(2).
*
وكان عليه السلام إذا قرأ هذه الآية (3) : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) يقول : سبحانه من لم يجعل في أحد من معرفه نعمة إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها كما لم يجعل في أحد من معرفة ادراكه اكثر من العلم بانه لا يدركه : فشكر عز وجل معرفة العارفين بالتقصير عن
قال عليه السلام : ان محمداً صلى الله عليه وآله كان أمين الله في أرضه ، فلما انقبض محمد صلى الله عليه وآله كنا أهل البيت امناء الله في أرضه ، عندنا علم البلايا والمنايا ، وأنساب العرب ، ومولد الاسلام ، وانا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الايمان ، وبحقيقة النفاق ، وان شيعتنا لمكتوبون معروفون باسمائهم واسماء آبائهم ، أخذ الله الميثاق علينا وعليهم ، يردون موردنا ، ويدخلون مداخلنا ، ليس على ملة ابراهيم الخليل الله غيرنا وغيرهم ، انا يوم ا لقيامه آخذون بحجزة نبينا ، ونبينا آخذ بحجزة ربه ، وان الحجزة النور ، وشيعتنا آخذون بحجزنا ، من فارقنا هلك ، ومن تبعنا نجى ، والجاحد لولايتنا كافر ، ومتبعنا وتابع أولياءنا مؤمن ، لا يحبنا كافر ، ولا يبغضنا مؤمن ، من مات وهو محبنا كان حقا على الله أن يبعثه معنا ، نحن نور لمن تبعنا ، ونور لمن اقتد بنا
قال عليه السلام : قد انتحلت طوائف من هذه الأمة بعد مفارقتها
| هم العروة الوثقى وهم معدن التقى | * | وخـير جـبال العالمـين وثيـقها(1) |
أقول : من أخبار نبي الاسلام صلى الله عليه وآله الغيبية الذي نطق به هذا الكلام رواه جميع علماء السنة والشيعة : ( ستفترق امتي على ثلاث وسبعين فرقة وان منهم فرقة ناجية) وان الامام في هذه الكلمات يشرح الاختلاف وما كان له من اثار سيئة ونتائج وخيمة وبين ان الطريق الوحيد للتخلص منه هو الاخذ بتعاليم اهل البيت عليهم السلام والتمسك بحبالهم ( واهل البيت ادري بما في البيت ) وكما أمر النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وجدهم المعظم بالاقتداء بهم واقترنهم بالكتاب الكريم في ذلك الحديث المشهور المتواتر.
وذلك لما مرض علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليه السلام في مرضه الذي توفي فيه ، فجمع أولاده محمداً عليه السلام ، وعبدالله وعمر ، وزيد ، والحسين ، وأوصى الى ابنه محمد بن علي الباقر عليه السلام وكناه الباقر وجعل امرهم اليه وكان فيما وعظه في وصيته ان قال : ـ
يا بني ان العقل رائد الروح ، والعلم رائد العقل ، والعقل ترجمان العلم ، واعلم ان العلم ابقى ، واللسان اكثر هذراً ، واعلم يا بني ان اصلاح الدنيا بخذافيرها في كلمتين : بهما اصلاح شان المعايش ، ملء مكيال ثلثاه فطنة وثلثاه تغافل لان الانسان لا يتغافل إلا عن شيء قد عرفه ففطن له(1).
اعلم ان الساعات تذهب عمرك ، وانك لا تنال نعمة الا بفراق اخرى ، فاياك والامل الطويل ، فكم من مؤمل املا لا يبلغه ، ولجامع مال لا يأكله ، ومانع ما سوف يتركه ، ولعله من باطل جمعه ، ومن حق منعه ، اصابه حراماً ، وورثه احتمل اصره ، وباء بوزره .
(ذلك هو الخسران المبين)(2).
قال : اياك يا بني ان تصاحب الاحمق ، أو تخالطه ، واهجره
أقول : ويجيء في الباب الثالث من هذا الكتاب حديثه مع ابنه عليه السلام : يحذره من ا لمصاحبة باشخاص : منها الاحمق.
ان قال لهم : اذا أصابتكم مصيبة أو نزلت بكم فاقة ، فليتوضاء الرجل ويحسن وضوئه ، ويصلي أربع ركعات وبعد الفراغ يقول :
يا موضع كل شكوى ، يا سامع كل نجوى ، يا شافي كل بلاء وياعالم كل خفية ويا كاشف ما يشاء ، يا نجي موسى ، ويا مصطفى محمد ، ويا خليل ابراهيم ، ادعوك دعاء الغريب الغريق الفقير الذي لا يجد لتكشف ما فيه الا أنت يا أرحم الراحمين لا آله الا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين.
قال عليه السلام من اصابه البلاء ، ودعاء بهذا الدعاء اصابه الفرج من الله تعالى(1).
قال عليه السلام : آتخذ الله أرض كربلاء حرماً امنا قبل ان يخلق الله أرض الكعبة ويتخذها حرماً باربعة وعشرين الف عام ، وانه اذا زلزل الله تعالى الارض وسيرها رفعت كما هي بتربتها نورانية صافية ، فجعلت في أفضل روضة من رياض الجنة وافضل مسكن في الجنة لا يسكنها الا النبيون والمرسلون ، ( أو قال أولوا العزم ) وانها لتزهر بين رياض الجنة كما تزهر
أقول : أن هذا الكلام لدليل على أفضلية كربلاء المقدسة على مكة المشرفة واشرفيتها عليها ، واشار الى هذه المزية السيد مهدي بحر العلوم رحمه الله في منظومته القيمة حيث قال :
عن أبي الطفيل عامر بن واثلة كان عليه السلام اذا تلا قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) قال : اللهم ارفعني في اعلا درجات هذه الندبة ، واعني بعزم الارادة ، وهبني حسن المستعتب من نفسي ، وخذني منها حتى تتجرد خواطر الدنيا عن قلبي من برد خشيتي منك ، وارزقني قلبا ولسانا يتجازيان في ذم الدنيا ، وحسن التجافي منها ، حتى لا أقول الاصدقاء ، وأرني مصاديق اجابتك بحسن توفيقك ، حتى اكون في كل حال حيث أردت ،
وحتى متى اصف محن الدنيا ، ومقام الصديقين ، وانتحل عزما من ارادة مقيم بمدرجة الخطايا ، اشتكي ذل ملكة الدنيا ، وسوء احكامها علي ، فقد رأيت وسمعت لو كنت أسمع في اداة فهم أو انظر بنو يقظه.
وحتى متى تعلل الاماني ، واسكن الغرور ، واعبد نفسي للدنيا على غضاضة سوء الاعتداد من ملكاتها ، وانا أعرض لنكبات الدهر علي ، اتربص اشتمال البقاء ، وقوارع الموت يختلف حكمي في نفسي ، ويعتدل في الدنيا :| وهن المنايا أي واد سلكته | * | عليها طريقي او على طريقها |
وحتى متى تعدل الايام فتختلف ، وأئتمنها فتخون ، لا تحدثها جدة إلا بخلوق جدة ، ولا لجمع شمل الا بتفريق شمل ، حتى كأنها غيري محجبة ضناً ، تغار على الالفة ، وتحسد على أهل النعم :| فقد آذنتني بانقطاع وفرقة | * | وأومض لي من كل افق بزوقها |
ومن أقطع عذراً من معذ سيراً يسكن إلى معرس غفلة ، بادواء بنوة الدنيا ومرارة العيش ، وطيب نسيم الغرور ، وقد أمرت تلك الحلاوة على القرون الخالية ، وجال دون ذلك النسيم هبوات وحسرات ، وكانت حركات فسكنت ، وذهب كل عالم بما فيه : | فما عيشة إلا تزيد مرارة | * | ولا ضيقة إلا ويزداد ضيقها |
فكيف يرقاء دمع لبيب ، أو يهدأ طرف متوسم ، على سوء أحكام الدنيا ، وما تفجأ به أهلها ، من تصرف الحالات ، وسكون الحركات ، وكيف يسكن اليها من يعرفها وهي تفجع الآباء بالأبناء ، وتلهى الأبناء عن الآباء تعدمهم اشجان قلوبهم ، وتسلبهم قرة عيونهم :| وترمى قساوات القلوب باسهم | * | وجمـر فراق لا يـبوخ حريقها(1) |
وما عسيت أن أصف محن الدنيا وابلغ عن كشف الغطاء ، عما وكل به دور الفلك من علوم الغيوب ، ولست اذكر منها إلا قليلا منه افنته ، أو مغيب ضريح تجافت عنه ، فاعتبره أيها السامع بهلكات الأمم ، وزوال النعم ، وفظاعة ما تسمع وتروى من سوء أثارها في الديار الخالية ، والرسوم الفانية ، والربوع الصموت :
| وكمن عاقل أفنت فلم تبك شجوة | * | ولا بد أن تفنى سريعاً لحوقها |
فانظر بعين قلبك إلى مصارع أهل البذخ ، وتأمل معاقل الملوك ، ومصانع الجبارين ، وكيف عركتهم الدنيا بكلا كل الفناء ، وجاهرتهم بالمنكرات ، وسحبت عليه اذيال البوار ، وطحنتهم طحن الرحى للحب ، واستودعتهم هوج الرياح ، وتسحب عليهم أذيالها فوق مصارعهم في فلوات الأرض :| فتلك مغانيهم وهذي قبورهم | * | توارثها اعصارها وقبورها |
أيها المجتهد في آثار من مضى من قبلك من الأمم السالفة . توقف ونفهم ، وانظر اليه أي عز ملك ، أو نعيم انس ، أو بشاشة الف ، إلا نغصت أهله قرة أعينهم ، وفرقتهم ايدي المنون ، والحتقهم بتجافيف التراب فاضحوا في فجوات قبورهم يتقلبون ، وفي بطون الهلكات عظاما ورفاتا ، وصلصالا في الارض هامدون :| وآليت لا تبقى الليالي بشاشة | * | ولا جدة إلا سريعاً خلوقها |
وفي مطامع أهل البرزخ ، وخمود تلك الرقدة ، وطول تلك الاقامة طفئت مصابيح النظر ، وأضمحلت غوامض الفكر ، وذم الغفول أهل العقول ، وكمن بقيت متلذذاً في طوامس هوامد تلك الغرفات ، فنوهت باسما الملوك ، وهتفت بالجبارين ، ودعوت الأطباء والحكماء ، وناديت معادن الرسالة والأنبياء ، اتملل تملل
| سرى انهم كانوا فبانوا وانني | * | على جدد قصد سريعا لحوقها |
وتذكرت مراتب الفهم ، وغضاضة فطن العقول ، بتذكر قلب جريح ، فصدعت الدنيا عما التذ بنواظر فكرها من سوء الغفلة ، ومن عجب كيف يسكن اليها من يعرفها ، وقد استذهلت عقله بسكونها ، وتزين المعاذير ، وخسأت أبصارهم عن عيب التدبير ، وكلما تراءت الآيات ونشرها من طي الدهر ، عن القرون الخالية الماضية وحالهم وما بهم ، وكيف كانوا ، وما الدنيا وغرور الأيام.| وهل هي إلا لوعة من ورائها | * | جوى قاتل أو حتف نفس يسوقها |
وقد أغرق في ذم الدنيا الأدلاء على طرق النجاة من كل عالم ، فبكت العيون بشجن القلوب فيها دماً ، ثم درست تلك العالم فتنكرت الآثار وجعلت في برهة من محن الدنيا ، وتفرقت ورثة الحكمة وبقيت فرداً كقرون الاعضب(1) وحيداً أقول فلا أجد سميعاً ، وأتوجع فلا أجد مشتكى :| وأن أبكهم أجرص(2) وكيف تجلدي | * | وفي القلب مني لوعة لا أطيقها |
وحتى متى أذكر حلاوة حلاوة مذاق الدنيا ، وغذوبة مشارب أيامها ، واقتفى آثار المريدين ، وأتنسم أرواح الماضين مع سبقهم الى الغل وتخلفي عنهم في فضالة طرق الدنيا منقطعاً من الاخلاء ، فزادني جليل الخطب لفقدهم جوي ، وخانني الصبر حتى كأنني أول ممتحن أتذكر معارف الدنيا وفراق الأحبة.| فلو رجعت تلك الليالي كعهدها | * | رأت أهلها في صورة لاتروقها |
فمن أخص بمعاتبتي ، ومن أرشد بندبي ، ومن أبكى ومن أدع ، اشجو بهلكة الأموات ، أم بسوء خلف الأحياء ، وكل يبعث حزني ، ويستأثر بعبراتي ، ومن يسعدني فابكي ، وقد سلبت القلوب لبها ، ورق الدمع ، وحق للداء أن يذوب على طول مجانب الأطباء ، وكيف بهم وقد خالفوا الآمرين ، وسبقهم زمان الهادين ،ووكلوا إلى انفسهم يتنسكون في الضلالات في دياجير الظلمات| حيارى وليل القـوم داج نـجومها | * | طوامس لا تجري بطيء خغوقها(1) |
| قد كنت ابكي ما قد فات من زمني | * | واهل ودي جميع غيره اشتات |
| واليـوم اذ فرقت بـيني وبـينهم | * | نوى بكيت على اهل المروات |
| وما حياة امرء اضحـت مدامـعة | * | مقسومة بين احيـاء وامـوات |
ويقول : يا نفس حتى م إلى الدنيا سكونك وإلى عمارتها ركونك أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ، ومن وارته الأرض من الأفك(1) ومن فجعت به من أخلانك ونقل الى الثرى من أقرانك : | فهم في بطون الارض بعد ظهورها | * | محاسنهم فيـها بـوال دواثر |
| خلت دورهم منهم واقوت عراصهم | * | وساقتهم نحو المنايا المقادير |
| وخلوا عن الدنـيا ومـا جمعوا لها | * | وضمتهم نحو التراب الحفاير |
كم خرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون وكم غيرت الارض ببلائها ، وغيبت في ثراها ممن عاشرت من صنوف وشيعتهم الى الارماس :
| وأنـت على الدنـيا مكب منافس | * | لخطابها فيها حريـض مكـاثر |
| على خطر تمسى وتصبح لاهيا | * | أتدري بماذا لو عقات تخـاطر |
| وان امراً يسعى لدنيـا جاهـدا | * | ويذهل عن اخراه لا شك خاسر |
فحتى م على الدنيا اقبالك ، وبشهواتك اشتعالك ، وقد وخطك(1) الفتير(2) ، ووافاك النذير ، وأنت عما يراد بك ساه ، وبلذه يوفك وقد رأيت انقلاب الشهوات ، وعانيت ما حل بهم المصيبات :| وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى | * | من اللهـو واللذات للمرء زاجر |
| أبعد أقتـراب الاربعيـن تربـص | * | وشيب قذال منـذ ذلـك ذاعر |
| كـأنـك معنى بـما هـو صائـر | * | لنفسك عمداً او عن الرشد حائر |
أنظر الى الامم الماضية ، والقرون الفانية ، والملوك العاتية ، كيف أنتفتهم الايام فافناهم الحمام ، فامحت من الدنيا اثارهم ، وبقيت فيها أخبارهم :
| واضحوا رميما في التراب واقفرت | * | مجالس منهم عطلت ومقاصر |
| وحـلوا بـدار لا تـزاور بينـهم | * | وانى لسكان القبـور التزاور |
| فما ان تـرى الا قبورا ثـووا بها | * | مسطحة تسفى عليها الاعاصر |
كم من ذي منعة وسلطان ، وجنود واعوان تمكن من دنياه ونال فيها ما تمناه ، وبنى فيها القصور والدساكر ، وجمع فيها الاموال والذخائر ، وملح السراري والحرائر :| فما صرفـت كف المنية اذ أتت | * | مبادرة تـهوى اليـه الذخايـر |
| ولادفعت أهل الخصون التي بنى | * | وحف بها أنهارها والدساكر(1) |
| ولا قارعت أهـل المـنية حيلة | * | ولاطعمت في الذب عنه العساكر |
أتاه الله من الله ما لا يرد ، ونزل به من قضائه ما لا يصد ، فتعالى الله الملك الجبار ، المتكبر العزيز القهار ، قاصم الجبارين ، ومبيد المتكبرين الذي ذل لعزه كل سلطان ، وباد بقوته كل ديان :
| مـليك عـزيـز لا يـرد قضائه | * | حكيم عليم نافـذ الامـر قاهر |
| عني كـل ذي عـز لعزة وجهه | * | فكم منس عزيز للمهيمن صاغر |
| لقد خضعت واستسلمت وتضاءلت | * | لعزة ذي العرش الملوك الجبابر |
فالبدار البدار ، الحذار الحذار من الدنيا ومكايدها وما نصبت لك من مصائدها وتحلت لك من زينتها ، واظهرت لك من بهجتها ، وابرزت لك من شهواتها واخفت عنك من قواتلها وهلكاتها :| وفي دون ما عانيت من فجعاتها | * | إلى دفعهـا داع وبالزهـد أمر |
| فجد ولا تغفـل وكـن متيقضاً | * | فعما قليل يترك الـدار عـامر |
| فشمر ولا تفتر فعمـرك زائـل | * | وأنـت الى دار الاقامـة صائر |
| ولا تـطلب الدنيا فـان نعيمها | * | وان نلت منها غبة(1) لك ضائر |
فهل يحرص عليها لبيب ، أو يسر بها أريب وهو على ثقة من فنائها ، وغير طامع في بقائها ، أم كيف تنام عين من يخشى البيات ، وتسكن نفس من توقع جميع أموره الممات :
| ألا لا ولكنـا نغـر نفـوسـنا | * | وتشغلنا اللـذات عمـا نحاذر |
| وكيف يلذ العيش من هو موقن | * | بموقف عدل يوم تبلى السرائر |