| كأنا نرى أن لا نشور وأننا | * | سدى ما لنا بعد الممات مصادر |
وما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها ، ويتمتع به من بهجتها مع صنوف عجائبها ، وقوارع فجائعها ، وكثرة عذابه في مصابه وفي طلبها وما يكاد من اسقام وأوصابها.| أما قد ترى في كل يوم وليلة | * | يـروح عـلينا صرفها ويباكـر |
| تعاونهـا أفـاتها وهمومهـا | * | وكم قـد نـرى يبقى لها المتغاور |
| فلا هـو مغـبوط بدنيا أمن | * | ولا هو عن تطلابها النفس قاصر |
كم قد غرت الدنيا من مخلد اليها ، وصرعت من مكب عليها فلم تشفه من عثرته ، ولم تنفذه من صرعته، ولم تشفه من المه ، ولم تبره من سمقمه ، ولم تخلصه من وصمه :| بلى أوردته بعد عز ومنعة | * | موارد سـوء ما لهن مصادر |
| فلمـا رأى أن لانجاة وانه | * | هو الموت لا ينجيه منه التحاذر |
| تندم اذا لم تغن عنه ندامة | * | عليـه وأبكتـه الذنوب الكبائر |
بكى على ما أسلف من خطاياه ، وتحسر على ما خلف من دنياه واستغفر حيث ما لا ينفعه الاستغفار ، ولا ينجيه الاعتذار عند هول المنية ، ونزول البلية:
| أحـاطت بـه أحزانه وهمومه | * | وابلس لمـا أعجزته المعـاذر |
| فليس له من كربة الموت فارج | * | وليس لـه ممـا يحاذر ناصر |
| وقـد حشأت خوف المنية نفسه | * | ترددها منه اللهات(1) والحناجر |
هنالك خف عواده، واسلمه أهله وأولاده ، وأرتفعت الرنة والعويل ، ويئسوا من برء العليل ، فغمضوا بأيديهم عينيه ، ومدوا عند خروج روحه رجليه ، وتخلى عنه الصديق والصاحب الشفيق :| فـكم موجع يبكي عليه تفجعا | * | ومستنجد صبرا وما هو صابر |
| ومسترجع داع له الله مخلصاً | * | يعـدد مـنه كل ما هـو ذاكر |
| وكم شامـت مستبشر بوفاته | * | وعما قليـل للذي صار صائر |
فشقت جيوبها نساؤه، ولطمت خدودها امائه، واعول لفقده جيرانه، ثم أقبلوا على جهازه، وشمروا لابرازه، كأنه لم يكن بينهم العزيز المفدي ، ولا الحبيب المبدي :| وظل أحـب القوم كان بقربه | * | يحـث على تجهيزه ويبادر |
| وشمر من قد أحضروه لغسله | * | ووجه لما فاض للقبر حائر |
| وكفن في ثوبين وأجتمعت له | * | مشـيعة خـوانه والعشائر |
فلو رأيت الاصغر من أولاده ، وقد غلب الحزن فؤاده ، فغشى من الجزع عليه ، وخضبت الدموع عينيه ، وهو يندب أباه ويقول : يا ويلاه واحرباه : | لعاينت من قبح المنية منظراً | * | يـهال لـمرأه ويرتاع ناظر |
| اكابـر أولاد يهيج اكتئابهم | * | اذا ماتناساه البنون الاصاغر |
| وربـه نسوان عليه جوازع | * | مدامعها فوق الخدود غوازر |
ثم خرج من سعة قصره الى ضيق قبره ، فلما أستقر في اللحد وهيء عليه في اللبن ، أحتوشته أعماله ، وأحاطت به خطاياه وضاق ذرعا بما رأه ، ثم حثوا بايديهم عليه التراب ، واكثروا البكاء عليه والانتحاب ، ثم وقفوا ساعة عليه ، وأيسوا من النظر اليه ، وتركوه رهناً بما كسب وطلب :
| فـولو عليـه مـعولين وكلهم | * | لمثل الـذي لاقى أخوه محاذر |
| كشـاء رتـاع(1) امنين بدالها | * | بمديته(2) بادي الذراعين حاسر |
| فريعت ولم ترتع قليلا واجفلت | * | فلمـا نأى عنها الذي هو جازر |
عادت الى مرعاها ، ونسيت في اختها دهاها ، أفبأفعال الانعام أقتدينا ، أم على عادتها جرينا ، عد الى ذكر المنقول الى
| ثوى مفردا في لحده وتوزعت | * | مـواريثه أولاده والاصاهر |
| وأحـنوا على أمواله يقسمونها | * | فلا حامد منهم عليها و شاكر |
| فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لها | * | ويا أمناً من أن تدور الدوائر |
كيف أمنت هذه الحالة، وأنت صائر اليها لا محالة ، أم كيف ضيعت حياتك وهي مطيتك الى مماتك ، أم كيف تشبع من طعامك وأنت منتظر حمامك أم كيف تهنأ بالشهوات وهي مطية الافات :| ولـم تتزود للـرحيـل وقـد دنـا | * | وأنت على حال وشيك مسافر |
| فيـالهف نفسي كـم أسـوف توبتي | * | وعمري فان والردى لي ناظر |
| وكل الذي أسلفت في الصحف مثبت | * | يجازي عليه عادل الحكم قادر |
فكم ترى باخرتك دنياك ، وتركب غيك وهواك ، أراك الضعيف اليقين يا مؤثر الدنيا على الدين ، أبهذا أمرك الرحمن أم على هذا نزل القرآن ، أما تذكر ما أمامك من وسدة الحساب ، وشر المآب ، أما تذكر حال من جمع وثمر ، ورفع البناء وزخرف
| تخرب ما تبقـى وتعمـر فـانيا | * | ولا ذاك موفوراً ولاذاك عامر |
| وهل لك أن وافـاك حتفك بغتـة | * | ولم تكتسب خيراً لك الله عاذر |
| أترضى بان تفنى الحياة وتنقضي | * | ودينك منقوص ومالك وافـر |
فبك يا الهنا نستجير يا عليم يا خبير ، من نؤمل لفكاك رقابنا غيرك ، ومن نرجو لذنوبنا سواك ، وأنت المتفضل المنان القائم الديان ،العائد علينا بالاحسان بعد الاسائة منا والعصيان ، يا ذا العزة والسلطان ، والعوه والبرهان وأجرنا من عذابك الاليم، واجعلنا من سكان دار النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين(1).
ويقول : قل لمن قل عزائه ، وطال بكاؤه ، ودام عناؤه ،
| تعـز فـكل للـمنية ذائق | * | وكل ابن أنثى للحياة مفارق |
| فعمر الفتى للحادثات دريئة | * | تـناهبه ساعـاتها والدقائق |
| كذا نتفانا واحد بـعد واحد | * | وتطرقنا بالحادثات الطوارق |
فحسن الاعمال ، وجمل الافعال ، وقصر الامال الطوال ، فما عن سبيل المنية مذهب ، ولا عن الحمام مهرب ، ولا الى قصد النجاة مطلب ، فيا أيها الانسان المتسخط على الزمان ، والدهر الخوان ، مالك والخلود إلى دار الاحزان ، والسكون إلى دار الهوان ، وقد نطق القرآن بالبيان الواضح في سورة الرحمن : ( كل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ) :
| وفيم وحتى م الشكاية والردى | * | جموح(1) لاجال البرية لاحق |
| فكل ابن انثى هالك وابن هالك | * | لمن ضمنتها غربها والمشارق |
| فلا بد من أدراك ما هو كائن | * | ولا بد من اتيان ما هو سابق |
فالشباب للهرم ، والصحة والسقم ، والوجود والعدم ، وكل حي لأشك مخترم بذلك جرى القلم على صفحة اللوح في القدم ،
| أترجو نجاة من حياة سقيمة | * | وسهم المنايا للخليقـة راشق(1) |
| سرورك موصول بفقدان لذة | * | ومن دون ما تهواه تأتي العوائق |
| وحبك للدنيا غرور وبـاطل | * | وفي ضمنها للراغبين البوائق(2) |
أفي الحياة طمع ، أم إلى الخلود نزع، أم لما فات مرتجع ، ورحى المنون دائرة ، وأفراسها غائرة ، وسطواتها قاهرة ، فقرب الزاد ليوم المعاد ، ولا تتوط على غير مهاد ، وتعمد للصواب وحقق الجواب ، فلكل أجل كتاب : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) :| فسوف تلاقي حاكما ليس عنده | * | سوى العدل لا يخفى عليه المنافق |
| يـميز افعـال العبـاد بلطفه | * | وتطهر منـه عنـد ذاك الحقائق |
| فمـن حسنت أفعاله فهو فائز | * | ومـن قبحت أفعاله فـهو زاهق |
أين السلف الماضون ، والاهل والاقربون ، والاولون والاخرون والانبياء والمرسلون ، طحنتهم والله المنون ، وتوالت عليهم السنون وفقدتهم العيون ، وانا اليه صائرون ، فانا لله وأنا اليه راجعون :
| اذا كان هذا نهـج مـن كـان قبلنـا | * | فانا على أثـارهـم نـتـلاحـق |
| فكـن عالما ان سوف تدرك من مضى | * | ولو عصمتك الراسيات(1) الشواهق |
| فمـا هـذه دار المـقامة فـاعلمـن | * | ولو عمـر الانسان مـاذر شاهـق |
أين من شق الانهار ، وغرس الاشجار ، وعمر الديار ألم تمح منهم الاثار ، وتحل بهم دار البوار ،(2) فاخشى الجوار فلك اليوم بالقوم أعتبار فانما الدنيا متاع ، والاخرة دار القرار :
| تخرمهم(3) ريب المنون فلم تكن | * | لتنفعهـم جناتهم والحدائق |
| ولا حمـلتهم حين ولوا بجمعهم | * | نجائبهم والصافنات السوابق |
| وراحوا عن الاموال صفراً وخلفوا | * | ديارهم بالرغم منهم وفارق |
أين من بنى القصور والدساكر ، وهزم الجيوش والعساكر وجمع الاموال والذخائر ، وحاز الاثام والجوائز ، أين الملوك والفراعنة ، والاكاسرة والغساسنة ، أين العمال والدهاقنة أين ذوو النواحي والرساتيق ، والاعلام والمناجيق والعهود والمواثيق : | كأن لم يكونوا أهل عـز ومنعـة | * | ولا رفعت أعلامهم والمناجق |
| ولا سكنوا تلك القصور التي بنوا | * | ولا أخذت منهم بعهد موثـق |
| وصاروا قبوراً دارسات وأصبحت | * | منازلهم تسفي عليها خوفـق |
ما هذه الحيرة ، والسبيل واضح ، والمشير ناصح ، والصواب لائح ، عقلت فاغفلت ، وعرفت فانكرت ، وعلمت فاهملت ، هو الداء الذي عز دواؤه ، والمرض الذي لا يرجى شفاوه ، والامل ا لذي لا يدرك انتهاؤه ، أفامنت الايام ، وطول الاستقام ، ونزول الحمام ، والله يدعو الى دار السلام :
| لقد شقيت نفـس تتابـع غيهـا | * | وتصدف(1) عن أرشادها وتـفارق |
| وتامل ما لا يستـطاع بحملـه | * | وتـعصيك ان خالفـتها وتشافـق |
| وتصغى إلى قول الغوى وتنثنى | * | وتعرض عن تصديق من هو صادق |
فيا عاقلا راحلا ، ولبيبا جاهلا ، ومتيقظاً غافلا ، أتفرح بنعيم زائل ، وسرور حائل ، ورفيق خاذل ، فيا أيها المفتون بعمله الغافل عن حلول أجله ، والخائض في بحار زللـه، ما هذا التقصير ، وقد وخطك القتير ، ووافاك النذير والى الله المصير :| طلابك امـراً لا يتم سروره | * | وجهدك باستصحاب من لا يوافق |
| وأنت كمن يبنى بناء وغيره | * | يعاجلـه في هـدمـه ويسابـق |
| وينسـج امـالا طوالا بعيدة | * | وتعلـم أن الـدهر للنسج خـارق |
ليست الطريقة لمن ليس له الحقيقة ، ولا يرجع الى خليقة الى كم تكدح ولا تقنع ، وتجمع ولا تشبع ، وتوفر لما تجمع وهو لغيرك مودع ، ماذا الرأي العازب(2) ، والرشد الغائب
| فعالك هذي غرة وجهـالة | * | وتحسب ياذا الجهل أنك حاذق |
| تظن بجهل منك أنك راتق(1) | * | وجهلك بالـعقبى لـدينك فاتق |
| توخيك من هـذا ادل دلالة | * | وواضح برهـانـاً بانك مائق |
عجباً لغافل عن صلاحه ، مبادراً الى لذاته وأفراحه ، والموت طريده في مسائه وصباحه ، فيا قليل التحصيل ، ويا كثيراً التعطيل ويا ذا الامل الطويل ، (الم تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل ) بناؤك للخراب ، ومالك للذهاب ، واجلك الى اقتراب :| وانت على الدنيا حريص مكاثر | * | كانك منـها بالسلامة واثـق |
| تحدثك الاطماع انـك للبقـاء | * | خلقت وان الدهر خل موافق |
| كانك لم تبصر اناساً ترادفت | * | عليهم باسباب المنون اللواحق |
هذه حالة من لا يدوم صروره ، ولا تتم أموره ، ولا يفك اسيره أتفرح بمالك ونفسك ، وولدك وعرسك ، وعن قليل تصير الى رمسك ، وأنت بين طي ونشر ، وغنى وفقر ، ووفا وعذر ، فيا من القليل لا يرضيه ، والكثير لا يغنيه أعمل ما
| سيقفر بيـت كـنت فرخا لأهـله | * | ويهجر مثواك الصديق المصادق |
| وينساك مـن صافـيته والفـتـه | * | ويجفوك ذو الود الصحيح الموفق |
| على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة | * | وميت مولـود وقـال ووامـق |
أف لدنيا لا يرقى سليمها ، ولا يصح سقيمها ، ولا يندمل كلومها ، وعودها كاذبة ، وسهامها صائبة ، وامالها خائبة ، لا تقيم على حال ولا تمتع بوصال ، ولا تسر بنوال :| وتلك لمـن يهوى هواها مليكه | * | تعبده افعـالهـا والطرائق |
| يسر بها من ليس يعرف غدرها | * | ويسعى الى تطلابها ويسابق |
| اذا عدلت جارت على اثر عدلها | * | فمكر وهذا فعالها والخلايق |
فياذا السطوة والقدرة ، والمعجب بالكثرة ما هذا الحيرة والفترة ، لكن فيمن مضى عبرة ، وليودن الغافلون عما اليه تصيرون اذا تحققت الظنون ، وظهر السر المكنون ، وتندمون حين لا تقالون .
| سيندم فـعال عـلى سوء فعلـه | * | ويزداد منه عنـد ذلك التسابق |
| اذا عاينوا من ذي الجلال اقتداره | * | وذو قوة من كـان قدما يدافق |
| هنالك تتلـو كـل نفس كتابهـا | * | فيطفو ذو عدل ويرسب فاسق |
الى كم ذا التشاغل بالتجارة والارباح ، وحتام التغرير بالسلامة في مراكب النياح ، من ذا الذي سالمه الدهر فسلم، ومن ذا الذي تاجر الزمان فغنم ، ومن ذا الذي استرحم الايام فرحم ، اعتمادك على الصحة والسلامة خرق والاغترار بعواقب الامور خلق ، فدونك الامور ، والتيقظ ليوم النشور ، وطول اللبث في صفحات القبور (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) :
| فمن صاحب الايام سبعين حجة | * | ولذاتها لا شك مـنه طـوالـق |
| فعقبى حـلاوة الـزمان مريرة | * | وان عـذبت حيناً فحينا خوانق |
| ومـن طرقته الحادثات بويـلها | * | فلا بد ان تأتيه فيها الصواعق |
فما هذه الطمأنينة وأنت مزعج ، وما هذا الولوج وأنت مخرج جمعك الى تفريق ، ووفرك الى تمزيق ، وسعتك الى ضيق
| ستندم عند المـوت شـر ندامـة | * | اذا ضم اعضاك الثرى والمطابق |
| وعانيت اعلام المنيـه والـردى | * | ووافاك ما تبيض منـه المفارق |
| وصرت رهينا في ضريحك مفردا | * | وباعدك الجار القريب الملاصق |
الى متى تواصل بالذنوب ، واوقاتك محدودة ، وافعالك مشهودة ، افتعول على الاعتذار ، وتهمل الاعذار ، والانذار وأنت مقيم على الاصرار . (ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار) : | اذا نصب الميزان واشتد غيضها | * | اذا افتتحت ابوابها والمغالق |
| وقطـعت الاسباب من كل ظالم | * | يقيـم على اصراره وينافق |
فقدم التوبة ، واغسل الحوبة ،(1) فلا بد ان تبلغ بك النوبة وحسن العمل قبل حلول الاجل ، وانقطاع الامل ، فكل غائب قادم ، وكل غريب غارم ، وكل مفرط نادم ، فاعمل للخلاص قبل القصاص ، والاخذ بالنواص :
| فانـك مـاخوذ بما قد جنيته | * | وانـك مطلوب بما أنت سارق |
| وذنبك ان ابغضته فـمعانق | * | ومـالك ان احببتـه فمفـارق |
| فقارب وسدد واتق الله وحده | * | ولا تستقل الزاد فالموت طارق |
(واتقوا الله يوم ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون )(1).
قال عليه السلام : بلغني يا زائدة انك تزور قبر أبي عبدالله الحسين عليه السلام احياناً فقلت : أن ذلك لكما بلغك ، فقال لي : فلماذا
فقال عليه السلام : أبشر ثم أبشر ثم أبشر ، فلا خبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزون ، فانه لما أصابنا بالطف ما أصابنا ، وقتل ابي عليه السلام ، وقتل من كان معه من ولده ، واخوته وسائر اهله ، وحملت حرمه ونساؤه على الاقتاب ، يراد بنا الكوفة . فجعلت أنظر اليهم صرعى ولم يواروا ، فعظم في ذلك صدري ، واشتد لما ارى منهم قلقي فكادت نفسي تخرج ، وتبينت ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي عليه السلام فقالت : مالي اراك تجود بنفسك يا بقية جدي ، وأبي واخوتي ، فقلت : كيف لا أجزع واهلع(1)
فقالت: لا يجزعنك ما ترى ، فو الله ان ذلك لعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله الى جدك وأبيك وعمك . الى اخر قولها ـ ثم أخبر الامام عليه السلام لزائدة الحديث الطويل ناقلا عن عمته زينب الكبرى عليها السلام ، تركنا ، لاجل خروجه عن نطاق كتابنا ـ .
قال زائدة قال علي بن الحسين عليهما السلام بعد ان حدثني بهذا الحديث : خذه اليك اما لو ضربت في طلبه اباط الابل(1) حولا لكان قليلا(2).
قال حدام بن شريك الأسدي خرج زين العابدين عليه السلام الى الناس، وأمى اليهم أن اسكتوا فسكتوا . وهو قائم فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على نبيه ، ثم قال أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فانا علي بن الحسين ، المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا تراث(1) أنا ابن من أنتهك حريمه ، وسلب نعيمه ، وأنتهب ماله ، وسبي عياله ، انا ابن من قتل صبراً ، وكفى بذلك فخراً. أيها الناس ناشدتكم بالله هل تعلمون انكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه ، واعطيتموه من انفسكم العهد والميثاق والبيعة ، وقاتلتموه وخذلتموه ، فتباً لكم ما قدمتم لأنفسكم ، وسوأة لرأيكم ، بأية عين تنظرون الى رسول الله صلى الله عليه وآله اذ يقول لكم : قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي ، فلستم من أمتي.
قال: فارتفع أصوات الناس بالبكاء والعويل ، وجعل يدعو بعضهم بعضاً ، هلكتم وما تعلمون ، فقال علي بن الحسين
فقالوا بأجمعهم : نحن كلنا يا ابن رسول الله سامعون مطيعون ، حافظون لدمائك غير زاهدين فيك ، ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك رحمك الله ، فانا حرب لحربك ، وسلم لسلمك ، بريئون ممن ظلمك وظلمنا.
فقال علي بن الحسين عليه السلام : هيهات هيهات ايتها الغدرة المكرة ، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم ، أتريدون إلى كما أتيتم إلى آبائي من قبل ، كلا ورب الراقصات ، فان الجرح لما يندمل ، من قتل أبي بالأمس وأهل بيته معه ، فلم ينسى ثكل رسول الله ، وثكل أبي ، ووجده بين لهاتي(1) ومرارته بين حناجري ، وغصصه تجري في فراش صدري ، ومسألتي ألا تكونوا لنا ولا علينا ، ثم قال :| لا غروا ان قتل الحسين فشيخه | * | قد كان خيراً من حسين وأكرما |
| فلا تفرحوا يا آل كوفان بالذي | * | أصيب حسين كان ذلك أعـظما |
| قتيل بشط النهـر نفسي فـداؤه | * | جـزاء الـذي أرداه نار جهنما |
ثم قال : رضينا منكم رأساً برأس ، فلا يوم لنا ، ولا
أيها الناس ، أن كل صمت ليس فيه فكر فهو عي ، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو هباء ، ألا وأن الله تعالى أكرم أقواماً بآبائهم ، فحفظ الأبناء بالآباء ، لقوله تعالى : ( وكان ابوهما صالحا) فاكرمهما ، ونحن والله عترة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فاكرمونا لأجل رسول الله ، لأن جدي رسول الله كان يقول في منبره: احفظوني في عترتي واهل بيتي فمن حفظني حفظه الله ، ومن آذاني فعليه لعنة الله . الا لعنة الله على من آذاني فيهم . حتى قالها ثلاث مرات . ونحن والله أهل بيت أذهب الله عنا الرجس والفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ونحن والله أهل بيت أختار الله لنا الآخرة وزوي(2) عنا الدنيا ولذاتها ولم يمتعنا بلذاتها(3).
فقال عليه السلام : كيف حال من اصبح وقد قتل ابوه ، وقل ناصره ، وينظر الى حرم من حوله أسارى ، قد فقدوا الستر والغطاء ، وقد أعدموا الكافل والحمى ، فما تراني إلا أسيراً ذليلا قد عدمت الناصر والكفيل ، قد كسيت أنا واهل بيتي ثياب الأسى ، وقد حرمت علينا جديد العرى ، فان تسال فها انا كما ترى ، قد شتمت فينا الأعداء ، ونترقب الموت صباحاً ومساءاً ( ثم قال عليه السلام ) : قد أصبحت العرب تفتخر على العجم لأن محمداً صلى الله عليه وآله منهم ، وأصبحت قريش تفتخر على ساير الناس لأن محمداً صلى الله عليه وآله منهم ، ونحن أهل بيته أصبحنا مقتولين مظلومين ، قد حللت بنا الرزايا ، نساق سبايا ، ونجلب هدايا ، كأن حسبنا من أسقط الحسب ، ونسبنا من أرذل النسب ، كأن لم نكن على هام المجد رقينا ، وعلى بساط جليل سعينا ، واصبح الملك ليزيد
وذلك لما قال له : كيف رأيت يا علي بن الحسين ؟ قال: رأيت ما قضاه الله عز وجل قبل ان يخلق السموات والارض .
فشاور يزيد جلساءه في امره فاشاروا بقتله ، وقالوا له لانتخذ من كلب سوء جروا.
فابتدر ابو محمد الكلام ، فحمد الله واثنى عليه ، ثم قال يا يزيد لقد اشار عليك هؤلاء بخلاف ما اشار جلساء فرعون عليه ، حيث شاورهم في موسى وهارون ، فانهم قالوا له ارجه واخاه . وقد اشار هؤلاء عليك بقتلنا ولهذا سبب . ( فقال يزيد وما السبب ؟ ) فقال عليه السلام : ان اولئك كانوا الرشدة ، وهؤلاء لغير رشدك ، ولا يقتل الأنبياء واولادهم إلا اولاد الأدعياء . ( فامسك يزيد مطرقاً )(2).
وتجمع هذه الخطبة من فضائله ومناقبه ، مالا تجمعها خطبة غيرها ، لما أمر يزيد بمنبر وخطيب ليذكر مساوي الحسين وابيه علي عليهما السلام فصعد الخطيب المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، واكثر الوقيعة في علي والحسين عليهما السلام واطنب في تقريظ معاوية بن يزيد عليهما اللعنة.
فصاح به علي بن الحسين عليه السلام : ويلك أيها الخاطب ، أشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق ، فتبؤا مقعدك من النار ، ثم قال : يا يزيد ائذن لي حتى اصعد هذه الاعواد(1) فاتكلم بكلمات فيهن لله رضا ، ولهؤلاء الجلساء أجر وثواب.
فأبى يزيد ، فقال الناس : يا أمير المؤمنين ائذن له ليصعد فلعلنا نسمع منه شيئاً ، فقال لهم : ان صعد المنبر هذا لم ينزل
فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم خطب خطبة ابكى منها العيون ، واوجل منها القلوب ؛ فقال فيها : أيها الناس ، اعطينا ستاً ، وفضلنا بسبع ، اعطينا : العلم والسماحة ، والفصاحة والشجاعة ، والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفضلنا بأن منا النبي المختار محمد صلى الله عليه وآله ، ومنا الصديق ، ومنا الطيار ، ومنا أسد الله وأسد رسوله ، ومنا سيدة نساء العالمين فاطمة البتول(2) ، ومنا سبطا هذه الأمة ، وسيد شباب أهل الجنة ، فمن عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي ، انا ابن مكة ومنى ،