الشيخ محمد تقي فلسفي |
فاضل الحسيني الميلاني |
قال الله تعالى في كتابه الحكيم : ( وأوفوا بالعَهد * إن العهدَ كان مسؤولا ) (1) :
الوفاء بالعهد من الصفات الحميدة التي تملك جذوراً فطرية في بناء الانسان. إن الطفل من حين إدراكه معنى العهد والميثاق ، يدرك لزوم الوفاء به أيضاً بفطرته. وعلى المربي القدير أن يستغل هذا الالهام الطبيعي عند الطفل ، وينمّي فيه هذه الموهبة الفطرية بحيث يجد في الوفاء بالعهد ـ من أولى أدوار طفولته ـ جزءً من سلوكه ، ويجد في خلاف ذلك عملاً قبيحاً :
لقد اعتبر الوفاء بالعهد من علائم الإيمان في تعاليم الإسلام ، وعليه فإن ركائز ذلك يجب أن تُصبّ من أولى أدوار الطفولة. وسيدور بحثنا في هذه المحاضرة حول هذا الموضوع ، ذاكرين الأحاديث التي تتصل بالبحث في الأثناء ، ولكن لما كانت تنشئة الطفل على الأخلاق الفاضلة والوفاء بالعهد تقع في الدرجة الأولى على عاتق القائمين بتربيته ، فإن من الضروري أن نمهّد للموضوع بمقدّمة عن مسؤولية الوالدين في هذا المجال.
كلنا نعلم أن الأطفال تجب نفقتهم على آبائهم ، فعلى الأب القادر أن يضمن لأطفاله ما يحتاجون إليه من غذاء ولباس ومسكن ، وأن يهيىء لهم وسائل العيش
لا تنحصر مسؤولية الآباء في إدارة المعيشة المادية للأطفال ، بل إن عليهم أن يقوموا بتربيتهم تربية إيمانية صالحة ، فإن تأديب الأطفال وتربيتهم أهم في نظر الإسلام من الإهتمام باحتياجاتهم الجسدية. يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « ما نَحَل والد ولداً نحلا أفضل من أدب حسن » (2). وعنه عليه السلام : « لا ميراث كالادب » (3).
وعن الإمام زين العابدين عليه السلام : « وأما حق ولدك فإن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره ، وأنك مسؤول عما ولّيته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عزّ وجل ، والمعونة له على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه ، معاقَب على الإساءة إليه » (4).
تربية الطفل فريضة دينية :
ليست تربية الأطفال تربية صحيحة واجباً وطنياً وإنسانياً فحسب ، بل إنها فريضة روحية مقدسة ، وواجب شرعي لا يمكن الإفلات منه. لقد وجدنا في هذا
يقول الإمام الصادق عليه السلام : « وتجب للولد على والده ثلاث خصال : اختياره لوالدته ، وتحسين اسمه ، والمبالغة في تأديبه » (1). من هذا يفهم أن تأديب الولد حق واجب في عاتق أبيه.
وموقف رائع يبيّن فيه الإمام زين العابدين عليه السلام أهمية تأديب الأولاد ، استمداده من الله عز وجلّ في قيامه بذلك : « وأعني على تربيتهم وتأديبهم وبرهم » (2).
ما أكثر الأمهات اللائي يعودن أطفالهن على الصفات البذيئة والسلوك الأهوج منذ الصغر ، فيظل الأطفال مأسورين لتلك الأخلاق والصفات طيلة أيام حياتهم.
وما أكثر الاباء المجرمين الذين يحتقرون التعاليم الدينية والعلمية ، ويصطحبون أطفالهم إلى مجالس اللهو والعبث ، ويرتكبون الأفعال القبيحة أمام عيونهم النافذة ، وبذلك ينشأ الأطفال نشأة فاسدة... كما أن بعضهم يحملونهم على الإجرام بجسارة شديدة.
الأب الخائن :
قبل حوالي خمسة عشر عاماً ، وفي وقت متأخر من الليل كنت واقفاً في موقف الباص منتظراً مجيء السيارة ، وكان هناك عدة من الأشخاص واقفين في الموقف أيضاً. كان من بين الواقفين رجل أمسك بيده يد طفل لا يتجاوز السادسة
قال رسول الله ( ص ) : « يا علي ، لعن الله والدين حملا ولدهما على عقوقهما » (1).
إن الآباء والأمهات المؤمنين والملتزمين بالتعاليم السماوية قادرون على أن يربّوا أطفالهم تربية لائقة وصحيحة ، وأن يبذروا فيهم بذور الإيمان والإطمئنان إلى رحمة الله الواسعة.
« ليس عمل الأم كالرسم حيث يظهر مظاهر الجمال واللطافة على اللوحة ، ولا يشبه النحت الذي يخرج من قطعة من الرخام تمثالا. إنها ليست كالكاتب الذي يصب أفكاره المنزهة في قالب من الألفاظ ، بل أنها موظفة على أن تظهر ـ بمعونة من الله ـ صورة من القدرة الإلهية في الروح الإنسانية ».
« إن عبارة ( بمعونة من الله ) في النص المتقدم مهمة جدا ً ، فإن الأم حين تحس بالعجز تشعر في الغالب بأنها في حاجة إلى الاستناد إلى قوة أعلى وأقدر من طاقتها الفردية ».
« لقد جعل ـ كوموله سو ـ بحثه في كتابه يدور حول أمٍ تحمل بين جوانحها كثيراً من الواقعية. هذا الأستاذ القدير في التربية عندما كان يعد تقريراً لإلقاءه في المؤتمر الرابع لشؤون الزواج إلتقى بإمرأة استطاعة بعد موت زوجها أن تربي أطفالها العشرة بموفقية تامة ».
|
تدور بين الأستاذ والمرأة عدة أسئلة وأجوبة. والمرأة تتحدث في اجوبتها عن الله والدعاء والإيمان ، وتجد ان نجاحها في تربية أطفالها بصورة صحيحة يستند إلى ثرواتها الإيمانية والمعنوية وفي الختام يسأل الأستاذ : |
« فماذا فعلت لأطفالك » ؟ « لم أفعل شيئاً آخر... لقد عملت على اعتقاداتي النفسية ، وعمل الله عليها... ». « بهذه الصورة سلكت هذه المرأة طريق تكاملها في ظل قوة الإيمان والعقيدة ، في حين أنه كان يساير هذا الموجود السالك نحو التعالي والتقدم ، شخصية مربٍ فقير ، مزوّد بالقوى والقابليات اللازمة للقيام بعبء مهمة خطيرة ». « لقد استطاعت هذه المرأة بسلوكها الممتاز أن ترقى إلى درجة الأشخاص الذين يعملون لإظهار صورة من القدرة الإلهية في الروح الإنسانية بمعونة الله » (1) . |
في العصر الحديث... العصر الذي يوجه اكثر الناس اهتماهم فيه الى الشؤون المادية ، تعتبر تنمية المواهب الروحية التي هي أساس الفضيلة ورصيد السعادة الحقيقية ذات أهمية بالغة في نظر العلماء والمحققين ، انهم ينظرون الى مثل هذه الأمور نظرة التكريم والتقدير.
تنمية الإيمان :
يجب على الآباء والأمهات أن ينتبهوا الى مسؤوليتهم الشرعية ، ويهتموا بتنمية بذور الإيمان والأخلاق في نفوس أطفالهم. في الوقت الذي يضمنون لهم سلامة الجسم وقوة العقل وطلب العلم ، عليهم أن يجعلوا منهم افراداً مؤمنين مخلصين ومستقيمين في سلوكهم... وإن القيام بهذا الواجب المقدس لا يكون إلا في ظل استقامة الوالدين والمربي. إن تربية الطفل من المسائل الدينية والعلمية
يجب أن تخضع مسموعات الطفل ومبصراته التي ترد الى مخه عن طريق العين والأذان لرقابة مضبوطة. إن كلمة بذئية ، أو منظراً شاذاً يكفي لأن ينحرف بالطفل عن الصراط المستقيم ويلوّث أذياله إلى الأبد.
« إن تقنية تعليم الأخلاق والعقائد تختلف كثيراً عن التعليم الفكري ، ذلك إن معرفة الخير والشر ، والقدرة على تملك زمام النفس ، وحب الجمال ، والإيمان بالله يختلف كثيراً عن تعلّم اللغات أو التأريخ أو الحساب. هذا التعليم التطبيقي لأصول الحياة لا يمكن أن يحصل إلا في محيط تربوي خاص. كيف يمكن أيجاد محيط كهذا ؟ إن هذا الأمر عسير جداً بالنسبة إلى الإنحطاط الخلقي الذي نعيشه في عصرنا ». « إن انسجام البيئة الاجتماعية مع أساسيات التعليم والتربية يستلزم في المرحلة الأولى القيام بعملية تصفية واسعة النطاق ، بحيث تعد الرقابة على الأفلام والاذاعة ، وغلق كثير من محلات الرقص وشرب الخمر ، والتغيير الجذري في عالم المطبوعات التي توضع تحت متناول الاطفال والشبان جزءً من تلك العملية ». « إن المعلمين والآباء والأمهات يحسنون الظن في الغالب ولكنهم ـ لجهلهم ـ يخطئون في الغالب. يجب أن يتعرف آباء المستقبل وأمهاته من جهة ، ومعلمو الغد من جهة اخرى ، من الآن على الأسلوب التربوي الصحي للطفل. إن تربية الأغنام والدواجن أسهل من تربية الأطفال بكثير ، ومع ذلك فان الذي يريد أن يتخصص في تربية الدواجن لا بد أن يقضي فترة من الزمن في القرية أو المعهد الزراعي ، ولا يوجد فرد عاقل يعد نفسه لهذا العمل بواسطة مطالعة المجلات أو قراءة كتاب في الحساب أو الفلسفة... ومع هذا فإننا نرى أن هذا العمل الجنوني ترتكبه الفتيات الشابات ـ أي أمهات. المستقبل ـ وفي الحين الذي يجهلن |
|
كل شيء خارج المنهج الدراسي يقدمن على الحياة الزوجية ». « إن البناء الجسمي والروحي للمرأة والرجل ليس متماثلا وإن إتخاذ أسلوب تربوي واحد للأولاد والفتيات نظرية قديمة تافهة ، وهي من مخلفات الفترة غير العلمية التي سبقت تاريخ البشرية » (1) . |
لقد كان غرضنا من هذه المقدمة الموجزة أن نجلب انتباه الآباء والأمهات الى مسؤوليتهم الخطيرة في تربية الأطفال. وأملنا وطيد في ان يعمل الآباء بواجباتهم ويستمدوا العون من الله العلي القدير في القيام بتربية أطفالهم تربية صحيحة ، فيجعلوا منهم أفراداً صالحين وأعضاء نافعين للمجتمع.
إن جميع أفراد البشر من أي أمة كانوا ، وإلى أي عنصر انتموا يدركون بصورة فطرية ضرورة الوفاء بالعهد وقبح نقض العهد. كل فرد يدرك أنه إذا تعاهد مع شخص آخر فهو ملزم بأن يفي به ، فلو تخلف عنه كان قد ارتكب خطأ ، ويحس في ضميره الباطن بالخجل والندم. وكذلك إذا كان قد تعاهد معه شخص فإنه ينتظر بصورة طبيعية أن يفي له بالوعد ، فلو تخلف عن ذلك فإنه يحس بأن ذلك الشخص قد ارتكب فعلا قبيحاً.
إن الطفل يدر بفطرته الطبيعية لزوم الوفاء بالعهد في الوقت الذي لا يدرك المائل العلميه والعقلية. وعندما يعده أبوه بأن يجلب له عند عودته إلى البيت شيئاً من وسائل اللعب فإنه يتوقع بصورة طبيعية أن يفي أبوه بوعده ويطمئن الى هذا التوقع الفطري. فما دام الأب لم يعد ، يمني نفسه باللُعبة ، وعندما يسمع الجرس يرن ويدخل الأب يتقدم لتناول لعبته ، وينظر إلى يد أبيه ، فإن لم يكن الأب قد وفى بوعده يتأذى الطفل ، ويحس بأن حادثة على خلاف ما كان يتوقع قد وقعت... إن هذا العمل يعتبر سيئاً عند بقية الأطفال أيضاً.
لقد جاء الأنبياء ورسل السماء يؤكدون طوال القرون المتمادية حسن الوفاء بالعهد وقبح نقض الميثاق ، وأخذوا يربون البشر على هذا الإدراك الفطري ، ويغرسون بذور هذه السجية الفاضلة في نفوس الناس ، فهذا العمل موافق للوجدان الأخلاقي الفطري من ناحية ، ومنسجم مع الوجدان الأخلاقي التربوي من ناحية اخرى.
الوفاء بالعهد واجب :
لقد اعبتر الوفاء بالعهد بالعهد واجباً شرعياً في الإسلام على جميع المسلمين في مختلف الأمور الفردية والإجتماعية ، وقد جاءت نصوص كثيرة تؤكد على هذا الموضوع ، واليكم بعضاً منها : ـ
1 ـ قال تعالى : ( وأوفوا بالعهد * إن العهد كان مسؤولا ) (1) .
2 ـ وقال أيضاً : ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) (2) .
3 ـ « عن موسى بن جعفر عن آبائه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا دين لمن لا عهد له » (3) .
4 ـ « سمعت أبا عبد الله يقول : « عِدَة المؤمن أخاه نذرٌ لا كفّارة له » (4).
5 ـ قال رسول الله ( ص ) : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد » (5).
6 ـ وقال رسول الله ( ص ) : « أقربكم مني غداً في الموقف أصدقكم في
8 ـ قال علي عليه السلام : « وفاءٌ بالذّمم زينة الكرم » (3).
ولأجل أن لا يلوّث المسلم نفسه بذميمة نقض العهد عليه أن يقيس قدرته على الوفاء عندما يلتزم بشيء ، فإن وجد نفسه عاجزاً عن القيام بعبء ما ، عليه أن لا يتعهد به حتى لا يضطر الى التخلف عنه. وبهذا الصدد يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « لا تعد ما تعجز عن الوفاء. لا تضمن ما لا تقدر على الوفاء به » (4).
الحقوق الإسلامية والحقوق البشرية :
توجد في الإسلام مجموعة من القوانين والأنظمة التي تخص الأمة الإسلامية ، فالمسلمون في العالم مكلفون بها وعليهم أن يطبقوها في العلاقات التي تقوم بينهم. لقد روعيت الحدود والحقوق العادلة بالنسبة الى جميع الناس في تلك القوانين ، بحيث يأمن المجتمع بتطبيقها جميع المشاكل والمآسي الناشئة من تجاوز البعض على حقوق الآخرين. هذه القوانين يمكن تسميتها بالحقوق الإسلامية.
في قبال هذه القوانين توجد مجموعة أخرى من الأحكام لا تخص المسلمين بل انها تمتاز بكونها عامة وشاملة ، وعلى المسلمين أن يطبقوها حتى في العلاقات التي تقوم بينهم وبين بقية الأفراد الذين ينتمون الى مذاهب وأديان أخرى. هذه الطائفة من الأحكام يمكن تسميتها بالحقوق البشرية (5) ، ومن جملتها قانون لزوم الوفاء
قال رسول الله ( ص ) : « ثلاثة ليس لأحد فيهن رخصة : الوفاء لمسلم كان أو كافر ، وبر الوالدين مسلمين كانا أو كافرين ، وأداء الأمانة لمسلم كان أو كافر » (1).
وعن أبي جعفر عليه السلام قال : « ثلاث لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رخصة : أداء الأمانة الى البر والفاجر ، والوفاء بالعهد للبر والفاجر ، وبر الوالدين برَّين كانا أو فاجرين » (2) .
العهد مع العدو :
في العهد الذي بعث به الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الى واليه على مصر ـ مالك الأشتر ـ : « وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة ، أو البسته منك ذمَّة ، فَحُط عهدك بالوفاء ، وارعَ ذمتك بالأمانة » ويعلل ذلك بقوله عليه السلام : « فانه ليس من فرائض الله شيء ، الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم ، من تعظيم الوفاء بالعهود » (3).
إن الإنسان يحب نفسه وما يعود عليه بالنفع قبل كل شيء ، وبما أن الوقوف عند العهد والالتزام به قد يتصادم مع المصالح الشخصية والميول النفسية ، فإنه يرغب في الخروج على ذلك والفرار من عبء الميثاق. وبالرغم من أن الأفراد يدركون بفطرتهم ضرورة الوفاء بالعهد ويتحدثون عن قيمة ذلك وأهميته ، لكنهم في
في عصرنا الحاضر يتحدث القادة والزعماء عن العدالة والحرية ، يملأون الآذاعات والصحف بالألفاظ الخلابة والعبارات الجذابة التي تحكي عن الحق والانصاف... اما في مقام العمل فغالباً ما يكون النافذ هو القوة والضغط ، في حين أن الإهتمام بالحق والإنصاف أقل. يستغل الزعماء الأقوياء سلطاتهم في أيامٍ الحرب أو الأوقات الاعتيادية ويعتدون على حقوق الشعوب الضعيفة ويثبتون عملياً تخلّفهم عن عهودهم التي قطعوها على أنفسهم... أما الشعوب فلضعفها تغضي على الظلم والاضطهاد.
الوفاء بالعهد :
ان من أهم مميزات الرجال الالهيين أنهم لا يسيئون استغلال سلطاتهم ولا يتجاوزون على حقوق الآخرين مهما كانوا ضعفاء. في صدر الإسلام عندما كانت تزحف جحافل المسلمين لاعلاء راية الحق والحرية ودحض اساس الشرك والالحاد ، وعندما كان الفاتحون يفتحون المدن الكبيرة واحدة بعد الاخرى كان شعارهم الوفاء بالعهود والمواثيق. كان الناس في ذلك العصر يدركون أنهم ملتزمون بهذه الخصلة الحميدة ، وكانوا مطمئنين الى عهود المسلمين تجاهم ، واثقين الى أن من المستحيل أن ينقضوا عهودهم مهما كانا يملكون قوة الخروج عليها.
إذا صدر أمان من قبل المسلمين في ساحة الحرب الى العدو ، كان الجيش الإسلامي مكلفاً برعاية ذلك الأمان والوقوف عنده. والأمر الذي يجلب الانتباه في هذا الصدد أنه لم يكن إصدار الأمان خاصاً بقائد الجيش بل إن النظام العسكري في الإسلام يعطي الأمان الى العدو تحريرياً أو شفوياً ، وعند ذلك يجب على جميع الضباط والجنود أن يلتزموا بذلك. وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الموضوع.
1 ـ عن أمير المؤمنين عليه السلام : « إذا أومأ أحدٌ من المسلمين أو أشار إلى أحد من المشركين فنزل على ذلك فهو في أمان » (1).
2 ـ عن الإمام الصادق عليه السلام : « إذا أومى أحد من المسلمين إلى أحد من أهل الحرب فهو أمان » (2).
3 ـ عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « إن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم » (3).
أمان من جندي :
خرج فضيل بن زيد الرقاشي مع جنوده لمحاصرة قلعة تسمى بـ ( سهرياج ) في أيام عبد الله بن عامر بن كريز ، وقد سار الى فارس فافتتحها ، وكان الجيش قد صمم على أن يفتح القلعة في يوم واحد ، يقول فضيل في ذلك :
« ... كنا قد ضمنّا أن نفتحها في يومنا ، وقاتلنا أهلها ذات يوم فرجعنا الى معسكرنا ، وتخلّف عبد مملوك منا ، فراطنوه ، فكتب لهم أماناً ورمى به في سهم ، قال : فرحنا الى القتال وقد خرجوا من حصنهم وقالوا : هذا أمانكم ».
لم يكن إعطاء الأمان من مسلم الى الكفار بالأمر المستبعد في نظر الجيش ، ولكنهم شكّوا في كون الأمان الصادر من العبد كالأمان الصادر من الحر...
« فكتبنا بذلك الى عمر ، فكتب إلينا : ان العبد المسلم من المسلمين ذمته كذمتكم ، فلينفذ أمانه... فأنفذناه » (4).
إن الوفاء بالعهد واجب لا يمكن التخلف عنه في الشريعة الإسلامية المقدسة ، سواء في الحرب والسلم ، كان العهد مع مسلم أو كافر.
للوفاء بالعهود والمواثيق اثر حاسم في جميع الشؤون الداخلية والخارجية لكل دولة ، وكلما روعيت هذه الخصلة الحميدة في الدولة وجرى الناس على الالتزام بعهودهم ، ارتفع مستوى الحياة والتقدم عندهم وارتفعت مكانة الدولة بين الدول الأخرى.
الاتفاقيات الاقتصادية :
تشكل الاتفاقيات الاقتصادية والمواثيق المالية أحد الأركان المهمة للجمتمع في جميع دول العالم. ففي الدولة التي يعتبر أفرادها الوفاء بالعهد واجباً من واجباتهم الدينية والاخلاقية ، ويهتمون بمراعاة ذلك اهتماماً بالغاً تجري الأمور المالية في تلك الدولة على أساس الثقة المبادلة وتنضبط المعاملات على أساس من الصحة والدقة ، يدفع المدين دينه في الموعد المقرر ويسلم البائع البضاعة حسب ما اتفق عليه مع المشتري... وبصورة موجزة ينال الوفاء بالعهد احتراماً تاماً لدى الجميع وتلتزم جميع الطبقات بذلك. في مثل هذه الحالة يكون التعهد الناشىء من شرف النفس وفضيلة الأخلاق أغلى من أي سند رسمي ، وأعظم من أي متاع نفيس.
سند العشرة آلاف درهم :
لقد حصل أحد موالي الإمام علي بن الحسين عليه السلام الذين أعتقهم على ثروة لا بأس بها نتيجة لجهوده ونشاطه. وفي بعض الأيام أصيب الإمام عليه السلام بضائقة مالية شديدة ، فطلب من مولاه الذي أعتقه يقرضه مبلغاً قدره عشرة آلاف درهم يدفعه إليه عند الإستطاعة فطلب من الإمام سنداً أو وثيقة. مدّ الإمام يده الى طرف رداءه واستخرج هدبة ( خيطاً ) منه ، وقال له : خذ فهذه وثيقتي عندك الى أن أردّ إليك مالك. لقد ثقل على المقرض أن يوافق على وثيقة كهذه ولكنه للنظر الى شخصية الإمام عليه السلام سلّم إليه المال وأخذ الهدبة ووضعها في علبة صغيرة. ثم صادف أن الإمام تيسرت أموره بعد فترة قصيرة فردّ المبلغ الى صاحبه... « ثم قال له : قد أحضرت مالك فهات وثيقتي. فقال له : جعلت فداك ضيّعتها. قال : إذا لا تأخذ مالك مني ، ليس مثلي يُستخف بذمّته.
إن خيطاً من رداء لا قيمة له ، ولكن عندما يكون الخيط رمزاً لتعهد صادر من شخص شريف فان قيمته ترتفع الى أن يصبح وثيقة لدين عن عشرات الآلاف من الدراهم والدنانير ، ويتقبله الدائن بكل ثقة واطمئنان.
إن الوفاء بالعهد من صفات الله عز وجل. فالله يصرح بذلك في القرآن الكريم : ( إن الله لا يخلف الميعاد ) (1) . والإنسان الذي لا يخلف وعده يكون متصفاً باحدى الصفات الالهية ، وهذا هو علامة لمرتبة من مراتب الكمال والفضيلة.
المتهم البرىء :
ظهر بعد واقعة صفين حزب جديد باسم الخوارج ، ضمّ رجالاً متهورين وجهلاء بحقيقة العلم والدين ، قاموا بجرائم عظيمة طوال سنين طويلة. ولقد قامت السلطات الزمنية بمكافحة هذا الحزب بصور مختلفة. وفي زمن الحجاج الثقفي اتّهم جماعة بالانتماء الى هذا الحزب فأحضروا الى مجلس الحجاج ليعاقبهم على ذلك ، فتحقق عن وضع كل منهم وعيّن لكل عقوبته ، وعندما وصل إلى آخر رجل منهم قام المؤذن للأذان معلناً دخول وقت الصلاة ، فقام الحجاج وسلّم المتهم الى احد الحاضرين واسمه ( عنبسة ) وقال له : خذه معك الى البيت وأحضره لي غداً حتى أقرر عقوبته فنفذ عنبسة الأمر وخرج معه من قصر الامارة. وفي الطريق قال له المتهم : هل يرجى منك خير ؟ فقال له عنسبة : حدثني بما تريد فعلي أوفق لأعمل لك خيراً. فقال المتهم : والله لست خارجياٌ ، لم أخرج على مسلم ، ولم أشهر سيفي على أحد ، وأنا بريء من هذه التهمة المنسوبة الي وبالرغم من أنهم قبضوا علي وأنا بريء فان أملي برحمة الله العظيم وطيد ، وأعلم أن فضله سيشملني ولا أعذّب
لم أنم تلك الليلة ، كنت أتململ كالسليم ، وأتقلب كالثكلى ، وعند الصباح وفى الرجل بعهده فتعجبت من مجيئه وقلت له : لماذا حضرت ؟ قال : من آمن بالله واعتقد قدرته وعظمته وعاهد على أمر وجعل الله شهيداً على عهده فلا يخلف عهده. فأخذته الى قصر الامارة في الساعة المقررة وذكرت للحجاج ما جرى بيني وبينه الليلة السابقة ، فتعجب من ايمان الرجل ووفاءه بعهده ، ثم قال لعنبسة : أتريد أن أعفو عنه لأجلك فقال : لو تتكرم عليّ بذلك فلك المنة العظيمة ، فعفا الحجاج عن المتهم وأخرجه عنبسة من دار الامارة وقال له بكل لطف ولين : اذهب فأنت حر.
فذهب الرجل دون أن يشكر لعنبسة جميل صنعه ويقابل إحسانه بالإحسان. فتألم عنبسة من هذه البرودة ، وهذا التنكر للحق ، وقال في نفسه : لعله مجنون.
وفي اليوم الثاني حدث ما لم يكن بالحسبان فقد حضر الرجل عند عنبسة وشكره على انقاذه من الورطة التي وقع فيها. ثم قال له : إن المنقذ الحقيقي هو الله تعالى وكنت أنت الواسطة في ذلك. فلو كنت أشكرك بالأمس على إحسانك كنت قد أشكرتك بالله في النعمة التي أنعم بها عليّ وهذا ليس بمستحسن ، فرأيت من اللازم أن أذهب لأداء واجب الشكر والحمد بين يدي الله تعالى أولاً ، ثم أحضر لتوجيه الشكر لك. ثم شكر لعنبسة جميل صنعه وإحسانه واعتذر منه كثيراً وانصرف (1).