احكام العقد المنقطع

ولاريب ان معالجة المشاكل الاجتماعية الاستثنائية يتطلب تشريع قوانين استثنائية لحفظ النظام الاجتماعي واستقراره . ففي الحالات التي تعذر فيها استخدام القاعدة الاصلية في الزواج وهي النكاح الدائم ، كان لابد للاسلام ـ بسبب نظرته الرحيمة تجاه اشباع الغريزة الجنسية ـ من تشريع العقد المنقطع حتى يساهم في حل المشاكل الاجتماعية الاستثنائية . ولا يختلف الفقهاء من كل المذاهب الاسلامية ، بان القاعدة الاصلية في الزواج هو العقد الدائم ، وما العقد المنقطع الاّ حل لمشكلة اجتماعية استثنائية . ولذلك قيل ان الاسلام انما شرع الزواج المنقطع ، بالاساس لسببين ، الاول : الاستعفاف به لمن لم يرزقه الله التزويج الدائم ، والثاني : محاربة الرذيلة في المجتمع الانساني . وتدل على ذلك الروايات المستفيضة المروية عن اهل البيت (ع) . فقد ورد عن الامام الرضا (ع) تصريح عندما سُئل عن المتعة ؟ : ( ما انت وذاك قد أغناك الله عنها ) (1) ، وفي حديث آخر ( هي حلال مباح مطلق لمن لم يغنه الله بالتزويج ، فليستعفف بالمتعة ، فان استغنى عنها بالتزويج فهي مباح له اذا غاب عنها [ اي عن زوجته ] ) (2) .
واختلف فقهاء المسلمين في نسخها ، ولكنهم اتفقوا جميعاً على ان الاسلام شرَّعها في الاصل ، وان رسول الله (ص) اباحها ، ودليل ذلك قوله تعالى : ( فَما استَمتَعتُم بِهِ مِنهُنَّ فَاَتوهُنَّ اُجُورَهُنَّ فَريضَة ) (3) . فقد اتفقوا
____________
1 ـ الكافي : ج 2 ص 43 .
2 ـ الكافي : ج 2 ص 43 .
3 ـ النساء : 24 .



(100)

على ان المتعة « كانت مباحة في ابتداء الاسلام . وروي عن النبي (ص) لما قدم مكة في عمرته تزين نساء مكة ، فشكا اصحاب الرسول (ص) طول العزوبة ، فقال : استمتعوا من هذه النساء ، واختلفوا في انها نسخت ام لا ؟ فذهب السواد الاعظم من الامة الى انها صارت منسوخة ، وقال السواد منهم : انها بقيت مباحة كما كانت ، وهذا القول مروي عن ابن عباس وعمران ابن الحصين » (1) . وقد وردت روايات من كلا الفريقين بما يؤيد ذلك ، فقد ورد عن ابن ابي جمرة قال : « سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء فرخّص ، فقال له مولى له انما ذلك في الحال الشديد ، وفي النساء قلة او نحوه ؟ فقال ابن عباس : نعم ، وعن جابر بن عبد الله وسلمة بن الاكوع قالا كنا في حبيس ، فأتانا رسولُ رسولِ لله (ص) فقال انه قد أذن لكم ان تستمتعوا فاستمتعوا . وقال ابن ابي ذئب حدثني اياس بن سلمة بن الاكوع عن ابيه عن رسول الله (ص) : اّيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال ، فان احبا ان يتزايد او يتتاركا تتاركا » (2) . وعن جابر بن عبد الله الانصاري قال : خرج منادي رسول الله (ص) فقال : ( ان رسول الله (ص) قد اذن لكم فتمتعوا يعني نكاح المتعة ) (3) . وورد عنه ايضاً قوله : ( استمتعنا على عهد رسول الله (ص) وابي بكر وعمر . وكنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق لأيام على عهد رسول الله (ص) وابي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث ) (4) . وذهب علماء السنة الى نسخها ، وحرمتها بعد الاذن بها .
____________
1 ـ التفسير الكبير للفخر الرازي : ج 10 ص 49 .
2 ـ صحيح البخاري : ج 7 ص 16 .
3 ـ وسائل الشيعة : ج 14 ص 440 .
4 ـ صحيح مسلم : ج 4 ص 131 .



(101)

ويفهم من كلامهم ان النكاح المنقطع كان مباحاً وان النهي عنه وقع في آخر الامر . وقالوا بان « عدة احاديث صحيحة صريحة قد وردت بالنهي عن المتعة بعد الاذن بها » (1) .
فـ « حكي عن ابن عباس : انها جائزة ، وعليه اكثر اصحابه : عطاء ، وطاووس ، وبه قال ابن جريح وحكي ذلك عن ابي سعيد الخدري ، وجابر واليه ذهب الشيعة لانه قد ثبت ان النبي (ص) اذن فيها ، وروي ان عمر قال : ( متعتان على عهد رسول الله (ص) ، أفانهي عنهما واعاقب عليهما ؟ متعة النساء ، ومتعة الحج ) ، ولانه عقد على منفعة فيكون مؤقتاً كالاجارة ... وقال الشافعي : لا اعلم شيئاً احله الله ثم حرمه ، ثم احله ثم حرمه الاّ المتعة . فحمل الامر على ظاهره ، وان النبي(ص) حرمها يوم خيبر ، ثم اباحها في حجة الوداع ثلاثة ايام ، ثم حرمها » (2) . و« لم يختلف اهل النقل ان المتعة قد كانت مباحة في بعض الاوقات اباحها رسول الله (ص) » (3) .
الاّ ان فقهاء الامامية استدلوا بعدم النسخ بروايات عديدة عن اهل البيت (ع) ، منها : ان الامام جعفر بن محمد (ع) عندما سُئِل : ( هل نسخ اية المتعة شيء ؟ قال : لا ، ولو لا ما نهى عنها عمر ما زنى الاّ شقي ) (4) . وان الرخصة الثابتة الواردة عن الرسول (ص) والمتفق عليها بين الجميع ، لم يثبت الغاؤها او تحريمها بعد ذلك بخبر صحيح . فلم يبق سوى نهي الخليفة الثاني وهو بمجرده ليس بحجة . على ضوء ذلك فقد اجمع علماء الامامية على ان
____________
1 ـ فتح الباري لابن حجر : ج 11 ص70 .
2 ـ المغني لابن قدامة : ج 7 ص 178 ـ 179 .
3 ـ احكام القرآن للجصاص : ج 2 ص 178 .
4 ـ الوسائل : ج 14 ص 440 .



(102)

حقيقة الزواج المنقطع والدائم واحدة ، وان لفظ الزواج موضوع لمعنى واحد ذي شقين ؛ هما المنقطع والدائم .
واجمعوا ايضاً على ان الزواج الدائم والمنقطع يشتركان في خلو الموانع ، وصيغة العقد ، ونشر الحرمة ، وحقوق الولد ولحوقه بالاب ، وقيمة المهر ، والعدة بعد الدخول ، والشروط السائغة في العقد .
فلا يجوز العقد ـ دائماً او منقطعاً ـ على المتزوجة او المعتدة من طلاق او وفاة ، او المحرمة بالنسب او المصاهرة او الرضاع ، او المشركة . فيجب ـ شرعا ـ ان تكون المرأة المعقود عليها خالية من هذه الموانع . وينبغي ايضاً ان تكون عاقلة بالغة ، رشيدة .
ولا يصح الزواج بالمراضاة فحسب ، بل لابد من العقد اللفظي الذي يدل بكل صراحة على القصد . فـ « صيغة زواج المتعة ، اللفظ الذي وضعه الشرع للايجاب كزوجتك وانكحتك ومتعتك ، ايها حصل وقع الايجاب به ، ولا ينعقد بغيرها ، كلفظ التمليك والهبة والاجارة ، ويقع القبول باللفظ الدال على الانشاء كقوله : قبلت النكاح » (1) .
وينشر الزواج الدائم والمنقطع الحرمة بالمصاهرة ، فلا يجمع بين الاختين ، وتحرم على الزوج بنت الزوجة واُمها ، وتحرم زوجة الاب على الابن ، وزوجة الابن على الاب مؤبداً ، كما ذكرنا ذلك سابقاً في المحرمات .
اما الولد فانه يلحق بالزوج بمجرد الجماع حتى ولو عزل . وللولد سائر الحقوق المادية والادبية من حيث الارث والنفقة . ففي الحديث « ان الامام جعفر بن محمد (ع) سُئِل عن المرأة المتمتع بها ان حبلت ؟ قال : هو ولده » (2) .
____________
1 ـ الجواهر : ج 30 ص 154 .
2 ـ التهذيب : ج 2 ص 191 .



(103)

اما المهر فيصح بكل ما يقع عليه التراضي عملاً بالآية الكريمة : ( ... واَتيتُم اِحداهُنَّ قِنطاراً فَلا تَأخُذُوا مِنهُ شَيئاً ) (1) . واذا طلق زوجته او وهب لها المدة قبل الدخول يثبت لها نصف المهر المسمى .
واجمع الفقهاء ايضاً على ان الزواج الدائم والمنقطع يفترقان في ذكر الاجل ، وتحديد المهر ، والعدة ، والتوارث ، والنفقة .
فلابد في الزواج المنقطع من ذكر الاجل في متن العقد ، ودليله الرواية الواردة عن ائمة اهل البيت (ع) : ( واذا سمي الاجل فهو متعة ، وان لم يسم فهو نكاح ثابت ) (2) . وكذلك يجب تحديد المهر في العقد المنقطع لانه ركن من اركان العقد للنص الشريف : ( لا تكون متعة الا بأمرين : اجل مسمى ، واجر مسمى ) (3) .
وتعتد الزوجة المطلقة اذا دخل الزوج بها ، سواء كان الزواج دائمياً او منقطعاً . فالدائمة عدتها ثلاث حيضات ، او ثلاثة اشهر ، وان كانت حاملاً فعدتها وضع الحمل . والمنقطعة عدتها بعد انقضاء الاجل حيضتان او خمسة واربعين يوماً ، وان كانت حاملاً فعدتها وضع الحمل . وعدة الوفاة ، مع عدم الحمل ، اربعة اشهر وعشرة ايام للدائمة والمنقطعة سواء دخل الزوج ام لم يدخل . اما مع الحمل ، فالعدة بأبعد الاجلين .
واختلف الفقهاء في توارث الزوجين في المنقطع ، فذهب جماعة الى عدم التوارث الا مع الشرط ، لقوله (ع) : ( ان اشترطا الميراث فهما على
____________
1 ـ النساء : 19 .
2 ـ الكافي : ج 2 ص 44 .
3 ـ التهذيب : ج 2 ص 189 .



(104)

شرطهما ) (1) ، لان عقد الزواج لا يقتضي بطبيعته التوارث ولا العدم ، واذا حصل الشرط وجب حينئذٍ العمل به .
اما النفقة فهي واجبة في الدائم ، ولكنها لا تجب في المنقطع الا مع الشرط .
وبالجملة فان حقوق الزوجة الدائمة والمنقطعة ثابتة الا ما خرج بالدليل . و « حكم الزواج المنقطع كالدائم في جميع ما سلف من الاحكام شرطاً وولاية وتحريماً بنوعيه [ العيني كالاخت والام ، والجمعي كالجمع بين الاختين ] الاّ ما استثني » (2) . وقد ورد في الحديث عن الامام الصادق (ع) عندما سئل عن المتعة ، فقال : ( حلال فلا تتزوج الا عفيفة ، ان الله عز وجل يقول : ( وَالَّذينَ هُم لِفُرُوجِهِم حافِظُونَ ) (3) ) (4) . وفي حديث آخر : ( لا ينبغي لك ان تتزوج الاّ بمأمونة او مسلمة ، فان الله عز وجل يقول : ( الزَاني لا يَنكحُ اِلاّ زانِية اَو مُشرِكَة وَالزّانِيَة لا يَنكِحُها اِلاّ زانٍ اَو مُشرِك وَحُرِّم ذلِكَ عَلى المُؤمِنينَ ) (5) ) (6) .
ولاشك ان الزواج المؤقت يمثل في الظروف الاستثنائية خطوة اولية نحو الزواج الدائم ، لان الانشداد الذي يحصل بين الزوجين خلال فترة العقد الاستثنائي لايمكن فصمه بسهولة . ويعضد هذا القول ما ورد في رواية ابي بصير عن الامام ابي جعفر (ع) انه كان يقرأ ( فَمااستَمتَعتُم بِهِ مِنُهنَّ
____________
1 ـ التهذيب : ج 2 ص 190 .
2 ـ شرح اللمعة : ج 5 ص 284 .
3 ـ المؤمنون : 5 .
4 ـ التهذيب : ج 2 ص 187 .
5 ـ النور : 3 .
6 ـ الكافي : ج 2 ص 44 .



(105)

فاَتوهُنَّ اُجُورَهُنَّ فَريضَة وَلا جُناحَ عَلَيكُم فيما تَراضَيتُم بِهِ مِنَ بَعدِ الفَريضَة ) (1) . فقال : ( هو ان يتزوجها الى اجل ثم يحدث [ الله ] شيئاً بعد الاجل ) (2) .

ملحق : في النكاح المنقطع للشهيد الثاني

«لاخلاف بين فقهاء الامامية في شرعيته مستمراً الى الآن ، او لا خلاف بين المسلمين في اصل شرعيته وان اختلفوا بعد ذلك في نسخه . والقرآن الكريم مصرّح به في قوله تعالى : ( فَما استَمتَعتُم بِهِ مِنهُنَّ فاَتوهُنَّ اُجُورَهُنَّ ) (3) اتفق جمهور المفسرين على ان المراد به نكاح المتعة ، واجمع اهل البيت عليهم السلام على ذلك وروي عن جماعة من الصحابة منهم ابي بن كعب ، وابن عباس ، وابن مسعود انهم قرأوا ( فما استمتعتم به منهن الى اجل مسمى ) (4) .
ودعوى نسخه ، اي نسخ جوازه من الجمهور لم تثبت ، لتناقض رواياتهم بنسخه ، فانهم رووا عن علي عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر ، ورووا عن ربيع بن سبرة عن ابيه انه قال : شكونا العزبة في حجة الوداع فقال : « استمتعوا من هذه
____________
1 ـ النساء : 24 .
2 ـ تفسير العياشي : ج 1 ص 234 .
3 ـ النساء : 24 .
4 ـ شرح مسلم للنووي : ج 9 ص 179 .



(106)

النساء » فتزوجت امرأة ثم غدوت على رسول الله (ص) وهو قائم بين الركن والباب وهو يقول : ( اني كنت قد اذنت لكم في الاستمتاع الا وان الله قد حرمها الى يوم القيامة ) (1).
ومن المعلوم ضرورة من مذهب علي واولاده عليهم الصلاة والسلام حلها وانكار تحريمها بالغاية ، فالرواية عن علي عليه السلام بخلافه باطلة . ثم اللازم من الروايتين ان تكون قد نسخت مرتين ، لان اباحتها في حجة الوداع اولاًناسخة لتحريمها يوم خيبر ولا قائل به . ومع ذلك يتوجه الى خبر سبرة الطعن في سنده ، واختلاف الفاظه ومعارضته لغيره . ورووا عن جماعة من الصحابة منهم جابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عباس ، وابن مسعود ، وسلمة بن الاكوع ، وعمران بن حصين ، وانس بن مالك انها لم تنسخ . وفي صحيح مسلم باسناده الى عطاء قال : ( قدم جابر بن عبد الله معتمراً فجئناه في منزله فسأله القوم عن اشياء ثم ذكروا المتعة فقال : نعم استمتعنا على عهد رسول الله (ص) وابي بكر وعمر ) (2) . وهو صريح في بقاء شرعيتها بعد موت النبي (ص) من غير نسخ . وتحريم بعض الصحابة ، وهو عمر ، اياه تشريع من عنده مردود عليه ، لانه ان كان بطريق الاجتهاد فهو باطل في مقابلة النص اجماعاً ، وان كان بطريق الرواية فكيف خفي ذلك على الصحابة اجمع في بقية زمن النبي وجميع خلافة ابي بكر وبعض خلافة المُحَرِّم [ وهو عمر ] ، ثم يدل على ان تحريمه من عنده لا بطريق الرواية ، قوله ، في الرواية المشهورة عنه بين الفريقين : ( متعتان كانتا في عهد رسول الله (ص) حلالاً انا انهى عنهما
____________
1 ـ صحيح مسلم : ج 4 ص 132 .
2 ـ صحيح مسلم : ج 4 ص 134 .



(107)

واعاقب عليهما ) (1) ولو كان النبي (ص) قد نهى عنهما في وقت من الاوقات لكان اسناده اليه (ص) اولى وادخل ي الزجر . وروى شعبة عن الحكم بن عتيبة ـ هو من اكابر القوم ـ قال : سألته عن هذه الآية : ( فما استمتعتم به منهن ) أمنسوخة هي ؟ قال : ( لا) ثم قال الحكم : قال علي بن ابي طالب (ع) : لو لا عمر نهى عن المتعة ما زنى الاشقي . وفي صحيح الترمذي ان رجلاً من اهل الشام سأل بن عمر عن متعة النساء فقال : ( هي حلال ، فقال : ان اباك قد نهى عنها ، فقال ابن عمر : أرايت ان كان ابي قد نهى عنها وقد سنّها رسول الله (ص) أتترك السنة وتتبع قول ابي ) (2) .
واما الاخبار بشرعيتها من طريق اهل البيت (ع) فبالغة ، او كادت ان تبلغ حد التواتر لكثرتها » (3) .
____________
1 ـ احكام القرآن للجصاص : ج 2 ص 184 .
2 ـ صحيح الترمذي : ج 3 ص 184 .
3 ـ شرح اللمعة الدمشقية : ج 5 ص 245 .



(108)

العيوب الموجبة للخيار بين فسخ العقد وامضائه

ومن اجل بناء اسرة فاضلة ، وتشكيل زواج ناجح ومستقر ، فلابد من معالجة العيوب التي يكتشفها الزوجان بعد اجراء العقد . ولما كان الاصل في الزواج استقرار العائلة بما فيها من زوجين ومن فروع واصول ، كان لابد ايضاً من معالجة المشاكل الجسدية الخطيرة ، معالجة حاسمة وفورية ، مع ضمان حقوق الزوج والزوجة بشكل تام . فالعيوب الموجبة للخيار بين فسخ العقد وامضائه ، هي العيوب التي يكتشفها احد الزوجين في الآخر بعد اتمام العقد مثل الاضطراب العقلي ( الجنون ) ، والخصاء ، والجب ، والعنن بالنسبة للرجل فيثبت الخيار للمرأة . والاضطراب العقلي والبرص ، والجذام ، والعمى ، والعرج ، والقرن ، والعفل ، والافضاء ، والرتق بالنسبة للمرأة فيثبت الخيار للرجل . ويثبت خيار الفسخ على الفور ، باتفاق الفقهاء . فاذا لم يبادر الزوج او الزوجة الى الفسخ لزم العقد . ولا يعتبر اذن الحاكم الشرعي في الفسخ ، لان الادلة التي دلت على جواز الفسخ مطلقة وغير مقيدة باذن الحاكم .
ويتباين الفسخ عن الطلاق في عدة مواضع . فيصبح الفسخ من غير شهود ، ولا يتطلب طهر المرأة ، وليس لها من المهر شيء قبل الدخول الاّ في حالة العنن ، ولا يعتبر الفسخ من التطليقات الثلاث . اما الطلاق فلا يصح الا بشاهدين ، وان تكون المرأة في طهر لم يواقعها فيه ، وتحتسب من التطليقات


(109)

الثلاث ، ولها نصف المهر قبل الدخول .
والاضطراب العقلي او الجنون من العيوب المشتركة بين الرجل والمرأة ، فاذا تبين لها الجنون بعد العقد فلها الفسخ للرواية المروية عن الامام (ع) عندما سُئل عن امرأة يكون لها زوج قد اصيب في عقله بعد ان تزوجها ؟ فقال : ( لها ان تنزع نفسها منه ان شاءت ) (1) . ورواية اخرى بشأن الزوجة : ( انما يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل ) (2) . والمشهور بين الفقهاء ان للمرأة حق الفسخ اذا علمت ان زوجها اصيب بالجنون قبل العقد او بعده ، اما الرجل فيحق له الفسخ اذا علم ان زوجته اصيبت بجنون سابق على العقد دون اللاحق . بمعنى ان الزوجة اذا اصابها الجنون بعد اجراء العقد والدخول لفترة ، فلا يحق للزوج اجراء الفسخ ، بل يحق له طلاقها . و « هذا هو المشهور شهرة عظيمة كادت ان تكون اجماعاً ، لاستصحاب اللزوم الذي هو مقتضى الاصل في العقود ، وامكانية انجبار الضرر بالطلاق منه » (3) . واذا تم الفسخ بعد الدخول فلها المهر وعليها العدة ، واذا تم قبل الدخول فلا مهر ولا عدة للمرأة . واذا رضي احدهما بالعيب قولاً او فعلاً فلا يجوز له ان يعدل ويفسخ بعد ذلك .
اما الخصاء فهو سل الانثيين او رضهما ، والخصي يولج ويبالغ ولكنه لا ينزل . والجب هو قطع ذكر الرجل بشكل تام . وفي كلا الحالتين يكون الخيار للمرأة الجاهلة بحاله في فسخ الزواج او امضائه . وانما اُلحِقَ الجب
____________
1 ـ الكافي : ج 2 ص 126 .
2 ـ التهذيب : ج 2 ص 232 .
3 ـ الجواهر : ج 30 ص 320 .



(110)

بالخصاء لانه اقوى عيباً من الخصاء ، لقدرة الخصي على الجماع اجمالاً . وقيل ان الخصاء والجب اذا حصلا بعد العقد يثبت الخيار للمرأة ايضاً لصحيحة ابي بصير ، قال : ( سألت ابا عبد الله (ع) عن امرأة ابتلي زوجها ، فلا يقدر على جماع ، أتفارقه ؟ قال : نعم ، ان شاءت ) (1) .
والعنن عيب تتسلط المرأة بسببه على الفسخ لا فرق ان كان قبل عقد والزواج او بعده . وهو مرض تضعف معه القوة عن نشر العضو بحيث يعجز عن الايلاج ، بمعنى انه داء يعجز معه الرجل عن الجماع اطلاقاً . الا ان المشهور بين الفقهاء انه لا خيار لها لقوله (ع) : ( ان عليا (ع) كان يقول : اذا تزوج الرجل امرأة فوقع عليها وقعة واحدة ، ثم اعرض عنها فليس لها الخيار ، لتصبر فقد ابتليت ) (2) . ولكن الشيخ المفيد وجماعة ذهبوا الى « ان لها الفسخ ايضاً ، للاشتراك في الضرر الحاصل باليأس من الوطء ، واطلاق الروايات بثبوت الخيار للمرأة من غير تفصيل « (3) . واذا ثبت العنن فان صبرت عالمة بالعنن وبان لها الخيار فلا خلاف في عدم الخيار لها بعد ذلك اذا ارادته ، لانه حق يسقط بالاسقاط ، و « لقول الامام (ع) : متى اقامت المرأة مع زوجها بعدما علمت انه عنين ، ورضيت به لم يكن لها خيار بعد الرضا » (4) . واذا لم تصبر على العنن رفعت امرها الى الحاكم الشرعي ، الذي ينبغي ان يؤجله بدوره سنة كاملة من حين المرافعة ، وعليها ان تسكن مع الزوج خلال فصول السنة لاحتمال تأثير المناخ من حرارة او برودة على العنن . واذا
____________
1 ـ الكافي : ج 2 ص 30 .
2 ـ الاستبصار : ج 3 ص 250 .
3 ـ المسالك ـ كتاب النكاح .
4 ـ الجواهر : ج 30 ص 325 .



(111)

واقعها خلال السنة فلا خيار لها ، واذا لم يواقعها يحق لها الفسخ بالاجماع والنص .
والعيوب الموجبة للفسخ المتعلقة بالمرأة هي : البرص والجذام وهما من الامراض المعدية ، والعمى ، والعرج . فاذا كانت المرأة مصابة بهذه العيوب وكان الرجل جاهلاً بها قبل العقد ، حق له حينئذٍ الفسخ . اما القرن والعفل وهي زوائد لحمية في الفرج ، والافضاء وهو اختلاط المسلكين ، والرتق وهو انسداد الفرج ، فانها تؤدي الى تعسر الجماع ، ولذلك فقد الحقها الفقهاء بالعيوب ايضاً . فقد ورد في الرواية ان الامام جعفر بن محمد (ع) عندما سُئِل عن رجل تزوج امرأة فوجد بها قرنا ! قال : ( هذه لاتحبل ، وينقبض زوجها من مجامعتها ، وترد على اهلها . قال السائل : فان كان دخل بها ؟ قال : ان كان علم قبل ان يجامعها ثم جامعها فقد رضي بها ، وان لم يعلم الا بعد ما جامعها فان شاء امسكها ، وان شاء سرّحها الى اهلها ، ولها ما اخذت منه [ أي من المهر ] بما استحل من فرجها ) (1) .
____________
1 ـ الكافي : ج 2 ص 30 .


(112)

الخيار بالتدليس

والتدليس هو التمويه باخفاء نقص او عيب موجود ، او ادّعاء كمال غير موجود اصلاً ، قبل العقد . فقد يكون النقص او العيب ، جسديا كالعمى في العينين او في عين واحدة مثلاً ، وادعاء الكمال كادعاء المكانة الاجتماعية والشرف او البكر والشباب . وقد يكون الزوج هو المدلس ، وقد تكون الزوجة هي المدلسة . فاذا كان الامر كذلك ، جاز الفسخ بسبب التدليس .
ويحصل خيار فسخ الزواج في حالات اخرى لتخلف الشروط ؛ ومنها : ان تكون صفة عدم النقص او الكمال من شروط العقد ، مثل قول المرأة : زوجتك نفسي بشرط ان تكون سليماً من الامراض السارية . او قول الرجل : تزوجتك بشرط ان تكوني باكراً . ومنها : ان يكون عدم النقص والكمال وصفاً لا شرطاً ، كقوله : زوجتك موكلتي فلانة بنت فلان البكر . ومنها : ان يكون العقد مبنياً على اساس عدم النقص ، كأن يذكر الكمال وعدم النقص في حديثه عن الزواج . وفي هذه الحالات يحصل الخيار لتخلف الشروط لا للتدليس .
واذا حصل الفسخ فانه يجب ان يكون فورياً ، لان سكوت الزوج بعد العلم لا يبيح له الفسخ بعد ذلك . وقد اختلف الفقهاء في ثبوت الخيار للزوجة المخدوعة بالتدليس . فقال بعضهم ان لها حق الفسخ واستدلوا على ذلك برواية محمد بن مسلم التي تجيز للمرأة الفسخ اذا تزوجت برجل بناءً على انه حر فبان لها انه مملوك ( قال سألت الامام ابا عبد الله (ع) عن امرأة حرة تزوجت مملوكاً على انه حر ، فعلمت بعد انه مملوك ؟ فقال : هي املك بنفسها


(113)

ان شاءت قرت [ اقامت ] معه ، وان شاءت فلا ، فان كان دخل بها فلها الصداق ، وان لم يدخل بها فليس لها شيء ، فان هو دخل بها بعد ما علمت انه مملوك وأقرت بذلك فهو املك لها ) (1) .
واذا حصل التدليس على الزوج من قبل طرف ثالث ، فلا يفسخ العقد وانما يؤخذ المهر من الذي زوّجها ، حيث « يرجع الزوج بالمهر على المدلس ان كان ، والاّ فلا رجوع ، ولو كانت هي المدلسة رجع عليها الاّ بأقل ما يمكن ان يكون مهراً ، وهو اقل متمول على المشهور » (2) . وقد ورد في بعض الروايات ان الامام جعفر بن محمد (ع) سُئِل عن رجل ولّته امرأة امرها ، او ذات قرابة ، او جارة لها ، لا يعلم دخيلة امرها ، فوجدها قد دلست عيباً هو بها ؟ قال (ع) : ( يؤخذ المهر منها ، ولا يكون على الذي زوّجها شيء ) (3) . وفي رواية اخرى : ( في كتاب علي (ع) من زوّج امرأة فيها عيب دلسه ، ولم يبين ذلك لزوجها ، فانه يكون لها الصداق بما استحل من فرجها ، ويكون الذي ساق الرجل اليها على الذي زوّجها ولم يبين ) (4) . اي يكون المهر على الذي زوّجها ولم يبين .
____________
1 ـ من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 146 .
2 ـ اللمعة الدمشقية : ج 5 ص 395 .
3 ـ الكافي : ج 2 ص 29 .
4 ـ التهذيب : ج 2 ص 234 .



(114)

الصداق

وحتى يتكامل الضمان الحقوقي المدني للزوجة مع الضمان المالي ، فقد اعتبر الصداق جزءاً من الصفقة الحقوقية التي تستلمها الزوجة عند العقد فالنفقة الواجبة والصداق وحقوق الأمومة والأرث ونحوها تشكل الاركان الرئيسية لتلك الصفقة . اذن ، فالصداق هو الضمان المالي الذي شرعه الاسلام لمصلحة المرأة ، وصيانتها في حالتي استقرار الزواج او فشله . ويعتبر من حقوق الزوجة نصّاً واجماعاً ، لقوله تعالى : ( فاَتوا النِّساءَ صَدُقاتهنّ نِحلَة ... ) (1) ، الا انه لا يعتبر شرطاً في صحة عقد الزواج ولا يعتبر ركناً من اركانه . وهو على انواع ثلاثة : المهر المسمى ، ومهر المثل ، والتفويض .
والمهر الذي تراضى عليه الزوجان وسمياه في متن العقد هو ( المهر المسمى ) الذي لا حدّ لأقلّه ولا حدّ لأكثره ، للنص المجيد : ( وَاِن اَرَدتُم استِبدالَ زَوجٍ مَكانَ زَوجٍ وَآتَيتُم اِحداهُنَّ قِنطاراً فَلا تَأخُذُوا مِنهُ شَيئا ) (2) ، والرواية المروية عن الامام ابي جعفر (ع) : ( الصداق كل شيء تراضىعليه الناس قلّ او كثر ) (3) . والمندوب شرعاً ان لا يزيد عن مهر السنّة وهو خمسمائة درهم فضة .
ويشترط في المهر ان يكون حلالاً ، ومتقوماً بمال عرفاً وشرعاً ، فلا يصح تسمية ما لا يصح تملكه كالخمرة ونحوها . واذا سمى لها ما لا يصح
____________
1 ـ النساء : 4 .
2 ـ النساء : 19 .
3 ـ من لا يحضره الفقيه : ج 9 ص 21 .



(115)

تملكه ، فالمشهور بطلان المهر وصحة العقد ، وثبوت مهر المثل لها مع الدخول ويشترط في المهر ايضاً ان يكون معلوماً على الصعيد العرفي بشكل من الاشكال كالذهب والفضة ، ويتعين على الزوج اقل ما يتمول . بل « هو كلما يصح ان يملكه المسلم عيناً كان او منفعة لعقار او حيوان او انسان ، للاصل وللروايات المعتبرة المستفيضة في تحديد الصداق بما تراضيا عليه » (1) . والاصل ان عقد الزواج لا يقصد منه المعاوضة التي لا بد فيها من العلم الرافع للغرر .
و « كل ما جاز ثمناً في البيع او اجرة في الاجارة من العين والدين والحال والمؤجل والقليل والكثير ، ومنافع الحر والعبد وغيرهما ، جاز ان يكون صداقاً . وقد روى الدارقطني باسناده قال : قال رسول الله (ص) : انكحوا الايامى وادوا العلائق ، قيل : ما العلائق يا رسول الله ؟ قال : ما تراضى عليه الاهلون ، ولو قضيباً من اراك . ورواه الجورجاني . وبهذا قال مالك والشافعي ، وقال ابو حنيفة : منافع الحر لا تكون صداقاً ، لانها ليست مالاً ، انما قال الله تعالى : ( ان تبتغوا باموالكم ) . ولنا قول الله تعالى : ( اني اريد ان انكحك احدى ابنتي هاتين على ان تأجرني ثماني حجج ) والحديث الذي ذكرناه ، ولانها منفعة يجوز العوض عنها في الاجارة ، فجازت صداقاً كمنفعة العبد ، وقولهم : ليست مالاً ، ممنوع فانها تجوز المعاوضة عنها وبها ان لم تكن مالاً فقد اجريت مجرى المال في هذا ، فكذلك في النكاح » (2) .
واذا أهمل العاقد ذكر المهر ، ولم يشترط عدمه ثبت للمرأة « مهر
____________
1 ـ الجواهر : ج 31 ص 3 .
2 ـ المغني لابن قدامة : ج 7 ص 139 .



(116)

المثل » مع الدخول . ومهر المثل ، هو ما تعارف عليه الناس من صداق النساء ، كما ورد جواب الامام جعفر بن محمد (ع) عندما سُئِل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ، ثم دخل بها ؟ قال : « صداق نسائها » (1) . و « المعتبر في مهر المثل حال المرأة في الشرف والجمال وعادة نسائها والسن والبكارة والعقل واليسار والعفة والادب واضدادها . وبالجملة ما يختلف به الغرض والرغبة اختلافاً بيناً » (2) .
واذا طلقها قبل الدخول ، وفي حالة عدم الاشارة الى المهر في العقد ، فليس لها مهر لانه لم يذكر في العقد ، ولكن لها هدية يقدمها الرجل للمرأة بناسب مع وضعه المالي ، سماها القرآن « المتعة » لقوله تعالى : ( لاجُناحَ عَلَيكُم اِن طَلَّقُتم النِّساءَ ما لَم تَمَسُّوهُنَّ اَو تَفرضُوا لَهُنَّ فَريضَة وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِع قِدَرُه وَعَلى المُقتِرِ قَدَرُه مَتاعاً بِالمَعُروفِ حَقّاً عَلى المُحسِنين ) (3) . ويشرح هذا النص الشريف حديث للامام جعفر بن محمد (ع) : ( اذا طلق الرجل امرأته قبل ان يدخل بها فلها نصف المهر ، وان لم يكن لها عدة ، تتزوج ان شاءت من ساعتها ) (4) .
واجمع الفقهاء على انه اذا تزوجها على كتاب الله وسنة نبيه ، ولم يسمّ لها مهراً فلا تستحق مهر المثل ، بل يكون لها مهر السنّة ، للرواية المروية عن الامام (ع) عندما سُئِل عن رجل يتزوج امرأة ، ولم يسم لها مهراً ، وكان
____________
1 ـ الكافي : ج 2 ص 22 .
2 ـ الجواهر : ج 31 ص 52 .
3 ـ البقرة : 236 .
4 ـ من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 165 .



(117)

الكلام : اتزوجك على كتاب الله وسنة نبيه « ص » ، فمات عنها ، او اراد ان يجخل بها ، فما لها من المهر ؟ قال : ( مهر السنة ) (1) .
ويثت مهر المثل في حالات منها ، اولاً : اذا تبين فساد العقد لسبب من اسباب التحريم ولم يكن قد سمى لها مهراً في متن العقد . ثانياً : اذا جرى العقد على ما لا يملك شرعاً . ثالثاً : اذا اكره امرأة على الزنا ، يثبت لها مهر المثل ، ويقتل الغاصب كما فصلّنا ذلك في كتاب ( الانحراف الاجتماعي واساليب العلاج في الاسلام ) .
اما « مهر التفويض » ، فهو على قسمين : الاول : تفويض المهر ، وهو اجراء العقد وتفويض تعيين المهر للزوج او الزوجة . الثاني : تفويض البضع ، وهو اجراء العقد من غير ذكر المهر ، ولها مهر المثل مع الدخول .
وفي تفويض المهر ، اذا ترك التعيين الى الزوج فللزوجة القبول بحكمه مهما كان مبلغ المهر ، وان كان التعيين لها فعليها ان لا تتجاوز مهر السنة . وكيف لم تجز حكمها عليه ، وأجزت حكمه عليها ؟ قال الامام (ع) : « لانه حكّمها ، فلم يكن لها ان تجاوز ما سن رسول الله (ص) ، وتزوج عليه نساءه ، فرددتها الى السنة ، ولانها هي حكّمته ، وجعلت الأمر اليه في المهر ، ورضيت بحكمه في ذلك ، فعليها ان تقبل حكمه قليلاً كان او كثيراً » (2) .
واذا اشترطت الزوجة على زوجها شيئاً زائداً يدفعه لابيها اضافة الى المهر ، ورضي هو بالشرط ، كان عليه ان يفي بذلك لان المؤمنين عند شروطهم ما لم تحلل حراماً ، او تحرم حلالاً . وهذا الشرط لا ينافي مقتضى
____________
1 ـ التهذيب : ج 2 ص 227 .
2 ـ الكافي : ج 2 ص 21



(118)

العقد ، ولايخالف النصوص الشرعية . اما اذا عين مبلغ المهر ثم عين لابيها مبلغا آخر ، صح المهر وسقط ما سماه لابيها ، « بلا خلاف ، بل عن الغنية الاجماع عليه ، والاصل في ذلك صحيح الوشا عن الامام الرضا (ع) : لو ان رجلاً تزوج امرأة ، وجعل مهرها عشرين الفا ، وجعل لابيها عشرة الاف كان المهر جائزاً ، والذي جعله لابيها فاسداً » (1) . ولا يجوز للاب ان يأخذ صداق ابنته لاغراضه الشخصية للروايات الواردة عن ائمة اهل البيت (ع) ومنها رواية عن الرجل يزوج ابنته ، أله ان يأكل صداقها ؟ قال الامام (ع) : ( لا ليس له ذلك ) (2) .
ويجوز تأجيل المهر او تعجيله كلاً او بعضاً ، لاجل معين ظاهر كسنة مثلاً ، او لاجل معين غير ظاهر ولكنه واقع ، كأحد الاجلين : الموت او الطلاق . واذا كان المهر المسمى معجلاً ثم رضيت الزوجة بتأجيله الى أمد قيل يجوز لها العدول اذا لم يؤخذ الرضا بالتأجيل شرطاً . فاذا « اجّل الحال فلا يلزم ، كما في المبسوط والخلاف والسرائر والشرائع والنافع والتذكرة والتبصرة والتحرير والارشاد والدروس والميسية والمسالك والكفاية ، وفي هذا الكتاب انه المشهور بين الفقهاء ... اذ ليس ذلك بعقد يجب الوفاء ، بل وعد يستحب الوفاء به ، ولا فرق بين ان يكون مهراً او غيره » (3) .
والمشهور ان المرأة تملك صداقها بالعقد وان لم يدخل ، وتفصيل ذلك انها تملك نصف المهر قبل الدخول ، ويثبت لها المهر كاملاً بعد الدخول ،
____________
1 ـ الجواهر : ج 31 ص 27 .
2 ـ التهذيب : ج 2 ص 217 .
3 ـ مفتاح الكرامة : ج 5 ص 55 .



(119)

للنص الشريف عن ائمة اهل البيت (ع) : ( لا يوجب المهر الا الوقاع في الفرج ) (1) ، و « هذه الرواية يراد بها نفي احتمال ثبوت المهر كاملاً بالخلوة ، وهو غير بعيد لان سياقها يدل على ذلك » (2) . و« يستحب للرجل أن لا يدخل بامرأته حتى يقدم لها مهرها . فان لم يفعل ، قدم لها شيئاً من ذلك ، او من غيره من الهدية ليستبيح به فرجها ، ويجعل الباقي ديناً عليه » (3) .
ومتى قبضت المهر فلا يحق لها الامتناع ، لان الامتناع يعد نشوزاً تسقط نفقتها معه . واذا عجز الزوج عن المهر فلا يسقط حقها في النفقة ، ولا في الامتناع عنه قبل الدخول : لان العجز عن الحق لا يسقطه ، بل يوجب العذر وانتظار الميسرة .
وذهب اكثر الفقهاء ان اختلاف الرجل بزوجته مع عدم الدخول ، لا اثر له على الصداق ، لقوله تعالى : ( لا جُناحَ عَلَيكُم اِن طَلَّقتُم النِّساءَ ما لَم تَمَسُّوهُنَّ ) (4) ، والمراد بالمس هنا ، الوطء باجماع المفسرين . والرواية المروية عن الامام (ع) حجة ايضاً ، عندما سُئِل عن رجل تزوج امرأة ، فاغلق باباً او ارخى ستراً ،، ولمس وقبّل ، ثم طلقها ، أيوجب عليه الصداق ؟ قال : ( لا يوجب الصداق ، الا الوقاع ) (5) . وفي رواية اخرى : ( اذا التقى الختانان وجب المهر والعدة والغسل ) (6) . فالاصل الذي يترتب عليه دفع المهر ، ومراعاة
____________
1 ـ التهذيب : ج 2 ص 243 .
2 ـ الجواهر : ج31 ص 108 .
3 ـ النهاية : ص 470 .
4 ـ البقرة : 236 .
5 ـ الكافي : ج 2 ص 114 .
6 ـ الكافي : ج 2 ص 114