النِظام المَالي وتداول الثّروة في الإسْلام ::: 1 ـ 15

النِظام المَالي وتداول الثّروة في الإسْلام
محمَد مهدي الآصفي
دراسة موجزة للتخطيط الإسلامي في
تنظيم سير المال وتداول الثروة داخل جهاز
الدولة. وفي مجالي الانتاج والتوزيع.


(2)
بِسَم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
    اَلْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * الرَّحمنِ الرَّحِيم * مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدِنَا الصِّراطَ الْمُستْقِيمَ * صِراطَ الَّذِينَ أْنعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَالِّينَ.
( صدق الله العلي العظيم )


(3)
    بعد أن تم للاستعمار إزالة السلطان الإسلامي عن بلاد المسلمين ، وإقصاء شريعة الله وحكمه عن حياة المسلمين بصورة كاملة ـ تقريباً ـ ... حاول أعداء الإسلام تشويه معالم هذا الدين ، وإسباغ طابع روحي محض على تعاليم هذا الدين ، وفصل الدولة عن الدين على الصعيد النظري أيضاً ، بعد ما تمت لهم هذه المهمة على الصعيد العلمي.
    فقد كان الفكر الإسلامي ، الذي أُقصي بقوة عن الحكم ، يشكل خطراً على كيان الإستعمار ، فهو في كل وقت يمكن أن يصنع أُمة من الناس ينقضّون على أعداء الإسلام ، ويستعيدون حق هذا الدين في الحاكمية في حياة الإنسان.
    ولذلك فقد كان لا بد لهؤلاء أن يقضوا هذه المرة على فاعلية هذا الدين ، لكي لا يكون هناك خطر على مصالح هؤلاء الطامعين في بلاد المسلمين من ناحية هذا الدين.
    ومن هنا بدأ الاستعمار في تنفيذ مخططه الرامي إلى تشويه معالم هذه الشريعة ، وإسباغ طابع روحي محض على هذا الدين ، وتبني فكرة فصل الدولة عن الدين.


(4)
    فلكل من الدين والدولة ـ في حسبان هؤلاء ـ مهمته الخاصة ، التي تختلف عن الأُخرى.
    فهذا يهتم بشؤون الدنيا ، وما يتعلق بها ، وذاك يعني بشؤون الآخرة ، وما يتعلق بها ... رغم تصريح النصوص الإسلامية بعدم إمكان التجزيء في شؤون الروح والجسد ، واعتبارهما وحدة كلية ، لا يمكن فصل بعضها عن بعض.
    وقد لعب أعداء الإسلام هنا دوراً كبيراً في تشويه معالم الإسلام ، وعزل التفكير الإسلامي عن مجاري الحياة ، وتقليص مهماته في حدود الروح والآخرة.
    ولم يخل الميدان من كتّاب يكتبون باسم الإسلام ، ويعملون في تنفيذ هذا المخطط ، عن وعي أو عن غير وعي.
    وكان ذلك مرحلة من عمل الاستعمار في بلاد المسلمين.
    وتعقب هذه المرحلة تعدداً في الجبهات الطامعة في بلاد المسلمين ، فكانت تتدافع فيما بينها على فرض سلطانها و ( صداقتها! ) على المسلمين.
    وبطبيعة الأمر أدّى هذا التنافس إلى تعدد ميدان الصراع أمام الاستعمار. فهو يصارع الإسلام في جبهة ، ويصارع منافسيه الأقوياء على السيطرة على بلاد المسلمين في جبهة أُخرى.
    فاليسار الإستعماري يصارع اليمين على فرض سلطانه على بلاد المسلمين ، واليمين يصارع اليسار على ذلك أيضاً. وفي نفس الوقت كانا يعملان معاً للقضاء على فاعلية هذا الدين ، وإلغاء


(5)
حقه في الحاكمية على حياة الإنسان.
    وطبيعة هذا الصراع المزدوج ـ في جبهتين ـ كانت تقتضي الاستعمار أن يغير من خطته التقليدية المعروفة في فصل الدين عن الدولة ، ومزاولة مخطط آخر في هذا الصراع.
    وقد كان الإسلام رغم كل محاولات العدو أمضى سلاح في بلاد المسلمين كان من الممكن أن تستعمله الجبهات المعادية للإسلام بعضها ضد بعض.
    فالتجأ أعداء الإسلام هذه المرة إلى الإسلام ، ليستعينوا به في دفع منافسيهم عن مجال هذه المنافسة المحمومة التي كانت تجري بين هذه الجبهات.
    فاستعان اليسار على اليمين بالإسلام واستعان اليمين على اليسار بالإسلام ، وكان الإسلام سلاحاً بيد اليمين واليسار معاً لضرب الإتجاه الآخر ، ودفعه عن ميدان المنافسة.
    فليس هناك سلاح أمضى من الإسلام في مكافحة الشيوعية المتغلغلة في بلاد المسلمين ، وليست هناك أداة أفضل من الإسلام في مواجهة الإستعمار الغربي ومكافحته.
    فلم لا يستعين كل منهما بهذا الدين في ضرب الآخر ودفعه عن مجال المنافسة.
    وفي هذه المرحلة من عمل الاستعمار رأينا أقلاماً تسعى لإعادة ( الاعتبار ) إلى الإسلام ، والحديث عنه ، ولكن من زاوية خاصة تخدم غرضاً محدداً بالذات ، يريده أعداء هذا الدين.


(6)
    فلم يكن من قصد خصوم الإسلام أن يعود الإسلام مرة ثانية إلى حياة الإنسان ـ ليزاول مهامه في الحاكمية في المجتمع البشري ـ وليستعيد حقه في تنظيم حياة الإنسان.
    وأعداء الإسلام أخبث من أن يقدموا على هذا العمل الذي يصادر نتائج جهودهم طوال فترة طويلة من الزمن.
    فإن هذا الدين لو استعاد مكانته في قلوب المسلمين وعقولهم قضى على كل هذه الجبهات على شكل سواء ، وقضى في حق هؤلاء جميعاً : إن ( الكفر ملة واحدة ).
    فلم يكن من الغريب إذن أن يعود الإسلام في هذه المرحلة على ألسنة هؤلاء وأقلامهم فاقداً لهذه الأصالة التي تمتاز بها شريعة الله وحكمه عن قوانين الأرض وأنظمتها.
    فكان الإسلام على لسان اليسار صورة باهتة عن الاشتراكية وسلاح ماضٍ ضد الرأسمالية ، وعلى ألسنة اليمين صورة باهتة عن الرأسمالية وسلاح ماضٍ لمكافحة الشيوعية.
    وهكذا فقد الإسلام في هذا العرض الخائن كل خصائصه واستقلاليته وأصالته ، الذي هو كل ما يمتاز به التشريع الإلهي عن القانون الوضعي.
    فكانت مأساة أكبر من المأساة الأولى في حياة المسلمين.
    ونحن نواجه في الوقت الحاضر هذين الاتجاهين من التفكير في كثير من أوساط المسلمين.
    فهناك من يرى أن ( الدين ) لا ينبغي أن يكون له شأن من


(7)
الشأن في حياة الإنسان ، وإنما تقتصر مهمة الدين على طقوس روتينية وتقاليد اجتماعية ، وقضايا روحية تتعلق بالحياة الآخرة.
    وهناك آخرون من المسلمين يرون أن الدين يعالج قضايا في الحياة والمجتمع ( أحياناً ) ، ولكن على أسلوب رأسمالي أو اشتراكي ، وتبعاً لهذا المنهج أو ذاك.
    ولكي نستعيد حاكمية شريعة الله على وجه الأرض لابد من عمل دائب في إعادة الإسلام ، في صورته الحقيقية الأصيلة ، إلى وعي المسلمين على الصعيد النظري ، تمهيداً لهذه المهمة.
    ولابد من جهد متصل لتبيان أن للإسلام رأياً ومنهجاً محدداً في الحياة ، وفي كل شؤون الإنسان ، وأن هذا المنهج يمتاز قبل كل شيء بالأصالة والاستقلال الذي يفصله ويميزه عن أي منهج آخر ، يضعه أحد من الناس على وجه الأرض.
    وما لم نحقق هذه المهمة المزدوجة في حياة المسلمين العقلية ، وعلى الصعيد النظري ، أولاً ، لا يتأتى للمسلمين ، وللطلائع الواعية منهم أن يستعيدوا للإسلام فاعليته في حياة الإنسان ، ويعيدوا الإسلام من جديد إلى مزاولة حقه في الحاكمية في حياة الإنسان.
    والكتاب الحاضر جهد متواضع في هذا السبيل ، في مجال البحث عن رأي الإسلام في مسألة سير المال في أجهزة الدولة وتداول الثروة ، توخّيت منه تبيان أن للإسلام رأياً صريحاً ومنهجاً محدّداً في كل من النظام المالي وتداول الثروة ، وأن هذا المنهج لا ينتمي الى أحد من المعسكرين المعاصرين في شيء ،


(8)
وإنما يمتاز بما فيه من الأصالة والاستقلالية التي تميزه عن المذاهب البشرية الموضوعة.
    وليس من حاجة تستدعي أن نلصق شريعة الله بهذا الاتجاه أو ذاك كي نكسبه اعتباراً وقيمة ، فهو شيء غير هذا وذاك ، وقد يلتقي به هذا أو ذاك في بعض خطوطه ، ولكن ذلك لا يعني انهما منه في شيء أو أنه منهما في شيء.
    وقد سبق أن أعددت هذا الحديث قبل حين من الزمن ، ونشر في وقته في النجف الأشرف ، ونفدت نسخه من الطبعتين الأوليين ، وانشغلت عن التفكير في تقديمه لطبعة ثالثة.
    حتى وافتني مؤسسة دار التعارف الإسلامية الموقرة بطلب في إعادة طبعه لمرة ثالثة ، فشرح الله تعالى نفسي لهذا الطلب فأعدت النظر في الكتاب من جديد ، ولم تخل هذه النظرة الجديدة في الكتاب من بعض التعديل والتغيير ، وتمّ إنجاز الكتاب على الشكل الذي يجده القارئ الكريم ، والله تعالى أسأل أن يأخذ بأيدينا ويوفقنا إنه سميع مجيب.
محمد مهدي الآصفي
ايران ـ قم 26 محرم الحرام 1393


(9)

(10)
    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الميامين.
    وبعد : فهذا عرض موجز لنظام المال وتداول الثروة في الإسلام ...
    رغبت أن أُقدمهما إلى القرّاء ، إجابة على سؤال بعضهم ... وتمهيداً لدراسة أوسع في الموضوعين ، أرجو أن أُوفق لتقديمهما في وقت قريب؛ إن شاء الله.
    وقد حاولت في هذا البحث أن أُلخص النظرية الإسلامية في تنظيم سير المال وتداول الثروة داخل جهاز الدولة ، وفي مجالي الإنتاج والتوزيع ، وأن أستعرض ملامح هذين النظامين بشكل مقتضب ، من غير تفصيل وإسهاب؛ لإعداد ذهن القارئ للدخول في دراسة أوسع ولكي يتوفر له بعض المعرفة والإلمام بالنظرية الإسلامية في هذا الحقل بصورة مسبقة ، قبل أن يدخل تفاصيل هذه الدراسة. والله ولي التوفيق
النجف الأشرف 15 ـ 8 ـ 1385 هجري
9 ـ 12 ـ 1965 م
محمد مهدي الآصفي


(11)

(12)

(13)
    تختلف الحياة الإجتماعية عن الحياة الفردية بما تحتاج إليه من المرافق الحياتية العامة.
    وما لم تتيسر هذه المرافق العامة في المجتمع ، لا يمكن أن تعيش أُمة من الناس في ظلال حياة اجتماعية ، مهما كانت بدائية.
    وإدارة هذه المرافق تقع بطبيعة الحال على عاتق المجتمع نفسه. والحكومة تمثل المجتمع في القيام بإدارة شؤون المرافق العامة للحياة.
    ولا يتمّ هذا العمل من دون أن توجد هناك موارد مالية تستعين بها الدولة على إدارة الحياة الاجتماعية.
    والنظام المالي في الفقه الإسلامي يعنى بتنظيم موارد الدولة المالية ، وتوزيع هذا المال على المرافق العامة للحياة.
    ويظهر من ذلك : أن البحث عن النظام المالي يشتمل على جانبين :
    الجانب الأول : البحث عن الموارد المالية التي ترد الدولة.
    الجانب الثاني : البحث عن النفقات العامة والأشخاص التي تنفق الدولة عليها هذا المال.


(14)
    وتفادياً لما قد يحصل من أخطاء ومضاعفات خلال هذا البحث ... يجب أن ننبه هنا ، مسبقاً ، إن دراستنا للنظام المالي دراسة نظرية خالصة لا تنطبق على الأوضاع الحاضرة ... وتطبيق هذا النظام بالشكل المعروض في هذا البحث يتوقف على وجود جهاز إسلامي حاكم وحاكم أعلى يقره الإسلام.
    ولن يأخذ النظام ـ حتى وإن طبق بجميع خطوطه التفصيلية والإجمالية ـ طابعاً شرعياً إلهياً ... ما لم تتوفر في الهيئة الحاكمة القائمة بالتنفيذ الشروط والمقومات التي يذكرها الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في الفقه.


(15)
النِظام المَالي وتداول الثّروة في الإسْلام ::: فهرس