عدّها الشيخ الطوسي رحمه الله في رجاله من اللّواتي صَحِبن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال المامقاني : لم أستثبت حالها (1) .
صفيّة بنت عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف ، عمّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، اُم الزبير بن العوّام .
وكان لعبد المطلب ستّ بنات ، كلّهن من أهل الأدب والشعر والفصاحة .
كانت رحمها الله فاضلة ، عاقلة ، فصيحة اللسان ، أديبة ، شاعرة ، شجاعة ، صحابيّة
جليلة ، راوية للحديث ، عدّها البرقي في كتابه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
تزوّجها في الجاهلية الحارث بن حرب بن اُميّة بن عبدشمس ، اخو أبي سفيان ، فمات عنها ،
فتزوّجها العوّام بن خويلد ، فولدت له الزبير وعبد الكعبة ، وعاشت كثيراً ، وتوفّيت سنة
عشرين ولها من العمر ثلاث وسبعين سنة ، ودفنت بالبقيع .
كانت صفيّة رحمها الله من أشجع الناس في زمانها ، قتلت الجاسوس اليهودي لما جبنَ عن
قتله حسّان بن ثابت ، وهي التي عنّفت الفارّين يوم أحد ، وتقدّمت تقاتل برمح لها .
روى ابن حجر في الإصابة من رواية اُم عروة بنت جعفر بن الزبير عن جدّتها صفيّة : أنّ
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما خرج إلى الخندق جعل نساءه في أطم يقال له : فارع ، وجعل معهن حسّان
بن ثابت .
قالت : فجاء انسان من اليهود فرقى الحصن حتى أطل علينا ، فقلتُ لحسان : قم فاقتله .
فقال : لو كان ذلك فيّ كنتُ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
قالت صفيّة : فقمتُ إليه فضربته حتى قطعت رأسه ، وقلتُ لحسان : قم فاطرح رأسه
فقال : والله ما ذاك .
قالت : فأخذتُ رأسه فرميتُ به عليهم .
فقالوا : قد علمنا أنّ هذا لم يكن ليترك أهله خلواً ليس معهم أحداً ، فتفرّقوا .
ومن طريق حمّاد ، عن هشام ، عن أبيه : أنّ صفيّة جاءت يوم أحد ، وقد انهزم الناس
وبيدها رمحم تضرب في وجوههم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « يا زبير المرأة » .
وبعد أن انتهت وقعة اُحد ، وقد قُتل فيها حمزة بن عبدالمطلب عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومثّل به ،
أقبلت اُخته صفيّة ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابنها الزبير : « ردّها لئلا ترى ما بأخيها حمزة » ، فلقيها
الزبير فأعلمها بأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : بلغني أنه مُثّل بأخي ، وذلك في الله قليل ، فما أرضانا بما
كان من ذلك ، لأحتسبنّ ولاصبرنّ ، فأعلم الزبير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فقال : « خلِّ سبيلها » ، فأتته وصلّت عليه واسترجعت ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به فدفن .
وقالت ترثي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم :
وقالت أيضاً ترثي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم :
وقالت أيضاً :
وقالت أيضاً :
وتُعد صفيّة راوية من راويات الحديث ، عدّها البرقي وغيره من الصحابيات ، روت عن
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (1) .
ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف ، بنت عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
تزوّجها المقداد بن الأسود ، فولدت له عبدالله وكريمة .
قال الزبير : لم يكن للزبير بن عبدالمطلب عقب إلاّ من ضباعة واُختها اُم الحكم .
كذا قاله ابن سعد ، وقال : و اُمّها عاتكة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن
مخزوم ، وقتل ابنها عبدالله يوم الجمل مع عائشة .
روت ضباعة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن زوجها المقداد .
وروى حديثها ابن عباس ، وعائشة ، وبنتها كريمة بنت المقداد ، وابن المسيّب ، وعروة ،
والأعرج ، وغيرهم .
وحديثها في الإشتراط في الحجّ عند أبي داود والنسائي .
وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس : أنّ ضباعة بنت الزبير أتت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : إنّي
اُريد الحج أفأشترط ؟
قال : « نعم » .
قلت : كيف أقول ؟
قال : « قولي : لبيكَ ، وتحلّلي من الأرض حيث حبست » .
قال ابن مندة : مشهور عن عكرمة ، ورواه عبدالكريم ، حدّثني مَن سمع ابن عباس يقول :
حدّثتني ضباعة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرها أن تشترط في إحرامها .
قال : ورواه عروة عن عائشة : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمر ضباعة بالإشتراط ، رواه الزهري وهشام
عنه (1) .
ضبيعة بنت خُزَيْمة بن ثابت الأوسي .
شاعرة فصيحة ، من المؤمنات المواليات لعلي بن أبي طالب سلام الله عليه ، رثت أباها
خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين عندما استشهد في واقعة صفين قائلةً :
وخزيمة بالخاء المعجمة المضمومة ، والزاي المعجمة المفتوحة ، والياء المثنّات من تحت
ساكنة ، ابن ثابت بن عمارة بن الفاكهة بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن عباد بن عامر الأوسي ،
أبو عمارة ، شهد بدراً والمشاهد كلّها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وجعل شهادته كشهادة رجلين ، وكان
يسمّى ذا الشهادتين ، وشهد صفين مع علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقتل يومئذٍ سنة سبع وثلاثين .
وكان وجه لقبه بذي الشهادتين : أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اشترى ناقة من أعرابي ، فأنكر
الأعرابي البيع وطلب منه صلى الله عليه وآله وسلم الشهود ، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « من يشهد على أنّي اشتريتُ من هذا
الأعرابي ناقة » ؟ فلم يشهد أحد سوى خزيمة .
فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « كيف شهدتَ يا خزيمة » ؟
فقال خزيمة : يا رسولَ الله ، لقد صدّقناك بخبر من السماء ولم نصدّقك بخبر اشتراء ناقة ،
فسمّاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حينئذٍ بذي الشهادتين .
وكان خزيمة من السابقين الأوائل لبيعة أمير المؤمنين ، وفي جملة الإثني عشر رجلاً الذين
لم يبايعوا أبا بكر وأنكروا عليه في المسجد ، ومن الذين شهدوا بالرحبة حديث الغدير ، ولم
يفارق خزيمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه ، وشارك في حرب الجمل ، وفي
حرب صفين حينما استشهد عمّار حمله خزيمة إلى الخيمة ونزع سلاحه عنه ، ثم خرج كالأسد
إلى ساحة الحرب وهو يقول : سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « إن عمّاراً ستقتله الفئة الباغية » ، ثم أنشد يقول :
مجاهدة ، شاعرة باللهجة العاميّة العراقيّة ، حضرت بعض وقائع ثورة العشرين .
فعندما أحاطت بهم جيوش الانگليز ، وتصوّرت أنّ القوّة الحربيّة التي عند العدو
ستتغلّب عليهم وأنّ قومها سيبادون ، عندها خاطبت زوجها ـ وكان شيخاً كبيراً ـ تحثّه على
ونقل علي الخاقاني عن الشيخ صگبان آل عبادي ، أحد المشاركين في ثورة العشرين ،
مقطوعة شعريّة لها ، رثت بها ضاحي الهطرة ، من آل كيم ، أحد شهداء الرارنجيّة ، وقد وقفت
على جثمانه في الصحن الحيدري قبل دفنه قائلة :
عالمة ، فاضلة ، محدّثة ، أديبة ، شاعرة .
وُلدت في شيراز ، وتتلّمذت في الأدب على الشيخ المفيد ، الذي كان من الأدباء والشعراء ،
المتخلّص في عشره بـ ( داور ) ، والذي كان يسكن احدى حجرات الصحن الشريف لأحمد
ابن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام المعروف بـ ( شاه چراغ ) .
ثم هاجرت هذه السيّدة إلى مدينة كربلاء المقدّسة ، واشتغلت فيها بتعليم النساء الفقه
والاُصول .
تروي عن عدّة ، منهم العلاّمة السيّد مرتضى الكشميري بطريقه ويروي عنها سماحة آية
الله العظمى السيّد المرعشي النجفي قدس سره ، حيث قال في الإجازة الكبيرة : واعلم أيّدك الله تعالى
في الدارين بأنّني أروي عن نساء عالمات فاضلات ، منهنّ العالمة الجليلة ، والأديبة الشاعرة
خانم ضيافة الشيرازية .
تُوفِّيت رحمها الله في حدود سنة 1342هـ في مدينة كربلاء المقدّسة ودُفنت فيها (1) .
مولاة الأشعث بن قيس الكندي ، أعتقها الأسيد الحضرمي ، ثم تزوّجها فولدت له ولداً
يدعى بلالاً .
وهي من المؤمنات المجاهدات ، المواليات لأهل بيت العصمة سلام الله عليهم ، وقصتها في
إخفاء مسلم بن عقيل سلام الله عليه معروفة لدى الجميع . ففي الوقت الذي خذل أهل الكوفة
مُسلماً سلام الله عليه ـبعد أن بايعوهـ وبقي وحيداً لا أحد يدلّه على الطريق ، نرى هذه المرأة
المؤمنة البطلة تأوي مسلماً في بيتها ، وتُعدّ له غرفة جانبية لكي لا ينتبه ولدها
وفعلاً قد وقع ما كانت تتخوّف منه هذه المرأة ، ذهب ولدها وأخبر السلطة بوجود
مسلم عليه السلام في بيت اُمّه ، وإذا بالأعداء يحاصرون الدار ويطلبون مسلماً عليه السلام ، ويخرج مسلم
يقاتل هؤلاء الأعداء ، وهنا نرى هذه المرأة تقف إلى جنب مسلم عليه السلام ، تشجّعه على القتال ،
وتنبّهه عند مجيء الأعداء من خلفه ، وتناوله الماء . فرحمها الله وجزاها خير جزاء المحسنين .
قال ابن الأثير في تأريخه حاكياً مصرع مسلم بن عقيل سلام الله عليه : فبقي وحيداً ليس
معه مَن يدلّه على الطريق ، ولا مَن يأويه إلى منزله ، فذهب على وجهه ، واختلط الظلام ، وهو
وحده يتردّد في الطريق ، لا يدري أين يذهب ، فأتى باباً فنزل عنده وطرقه ، فخرجت منه
امرأة يقال لها طوعة ، كانت اُم ولد للأشعث بن قيس ، وقد كان لها ابن من غيره يقال له بلال
بن أسيد ، خرج مع الناس و اُمّه قائمة بالباب تنظره ، فقال لها مسلم : أسقيني ماء ، ثم دخلت
وخرجت فوجدته فقالت : ألم تشرب ؟
فقال : بلى .
قالت : فاذهب إلى أهلك عافاك الله ، فإنّه لا يصلح لك الجلوس على بابي ، ولا أحلّه لك .
فقام فقال : يا أمة الله ليس لي في هذا البلد منزل ولا عشيرة ، فهل إلى أجرٍ ومعروفٍ وفعل
نكافئك به بعد اليوم ؟
فقالت : يا عبدالله وما هو ؟
قال : أنا مسلم بن عقيل ، كذّبني هؤلاء القوم وغرّوني .
فقالت : أنتَ مسلم ؟!
قال : نعم .
قالت : اُدخل ، فأدخلته بيتاً من دارها غير البيت الذي تكون فيه ، وفرشت له وعرضت عليه
العشاء فلم يتعش (1) .
=
التي حضرت واقعة الطف يوم عاشوراء مع الإمام الحسين عليه السلام ، وشاهدت ما جرى على
آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من مصائب ومحن ، وشاركتهم في ذلك كلّه .
فبعد استشهاد زوجها بين يدي سيّده ومولاه الإمام الحسين عليه السلام ، تُقدّم ولدها وفلذة
كبدها ليدافع عن الحسين عليه السلام وعياله ، ثم يستشهد دفاعاً عن دينه وعقيدته ، وبعد استشهاد
ولدها نراها تأخذ عموداً وتنزل إلى ساحة المعركة لتقاتل الأعداء ، إلاّ أن الحسين عليه السلام يرجعها
إلى النساء ويدعو لها .
في مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : ثم خرج من بعده شاب قتل أبوه في المعركة ، وكانت اُمّه
عنده فقالت : يا بُني اُخرج وقاتل بين يدي ابن رسول الله حتى تُقتل .
فقال : أفعل ، فخرج ، فقال الحسين : « هذا شاب قتل أبوه ولعلّ اُمّه تكره خروجه » .
فقال الشاب : اُمّي أمرتني يابن رسول الله ، فخرج وهو يقول :
ثم قاتل وقتل وحُزّ رأسه ورمي به إلى عسكر الحسين ، فأخذت اُمه رأسه وقالت :
أحسنت يا بُني يا قرّة عيني وسرور قلبي ، وأخذت عمود خيمة وحملت على القوم وهي
تقول :
فضربت رجلين فقتلتهما ، فأمر الحسين بصرفها ودعا لها (1) .
وذكر ذلك ابن شهر آشوب في المناقب مع اختلاف يسير في الشعر (2) .
مجاهدة ، شاعرة باللهجة العاميّة العراقيّة ، حضرت بعض وقائع ثورة العشرين مع
عشيرتها في منطقة « عفك » ، قالت تخاطب اختها التي فقدت أحد أولادها في هذه الثورة في
معركة « ونه او صدّوم » قرب قوچان في محافظة الحلّة قائلةً :
عفتة بنت اكزار الفتلاويّة ، من قبيلة محاسن .
مجاهدة ، شاعرة باللهجة العاميّة العراقيّة ، شاركت في ثورة العشرين .
قالت تصف البطولات الخارقة للثوار ، وذلك عندما هجم الثوار على تلّ الرماد في الحلّة ،
وقد كاد المدفع الذي وضع عليه أن يبيد الثوار ، لولا الفدائيّة الذين ضحّوا بأنفسهم وعبروا
عقيلة بنت عقيل بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف .
شاعرة ، رثت الإمام الحسين عليه السلام ، ونُسبت اليها عدّة أبيات اُخرى .
فعندما قُتل الحسين بن علي عليهما السلام ، وحَملَ رأسه ابن زياد إلى يزيد ، خرجت عقلية في نساء
قومها حواسر لِما قد ورد عليهن من قتل السادات وهي تقول :
وقد نُسبت هذه الأبيات ، واُخرى مشابهة لها لأسماء بنت عقيل بن أبي طالب ، ونسبت
أيضاً لزينب و اُم لقمان ورملة بنات عقيل بن أبي طالب ، وقد ذكرنا ذلك كلّه في محلّه (4) .
وقالت عقيلة بنت عقيل بن أبي طالب ترثي الحسين عليه السلام :
وقد نسب إليها أعداء أهل البيت عليهم السلام : أنّها كانت تجالس الشعراء وتسمع شعرهم ، وكان
الشعراء يتحاكمون إليها في شعرهم . وهذا كذب محض ، حيث أنّ ديدن النواصب أن ينسبوا
الرذائل إلى أهل البيت سلام الله عليهم ، وإلى شيعتهم .
من ربّات الفصاحة والبلاغة وقوّة الحجّة ، حضرت صفين في معسكر أمير المؤمنين الإمام
علي بن أبي طالب عليه السلام ، وخطبت بها خطباً بليغة شجّعت الرجال على القتال . وبعد استشهاد
الإمام علي سلام الله عليه ، واغتصاب معاوية الخلافة دخلت عكرشة على معاوية واسمعته
كلاماً قارصاً .
روى ابن طيفور في بلاغات النساء عن العباس بن بكار ، قال : حدّثنا أبوبكر الهذلي
وعبدالله بن سليمان ، عن عكرمة ، وقال : حدّثنا المقدمي بإسناده عن الشافعي ، قالوا : دخلت
عكرشة بنت الأطش على معاوية وبيدها عكاز في أسفله زُجٌّ مسقى (2) ، فسلّمت عليه
بالخلافة وجلست .
فقال لها معاوية : يا عكرشة الآن صرتُ أمير المؤمنين ؟!
قالت : نعم ، إذ لا عليٌّ حيّ .
قال : ألستِ صاحبة الكور (3) المسدول (4) ، والوسيط المشدود ، والمتقلّدة بحمائل
فقال معاوية : فوالله لولا قدر الله ، وما أحبّ أن يجعل هذا الأمر ، لقد كان انكفأ عليّ
العسكران ، فما حملكِ على ذلك ؟
قالت : إنّ اللبيب إذا كره أمراً لم يُحب إعادته .
قال : صدقتِ ، اُذكري حاجتك .
قالت : يا أمير المؤمنين إن الله قد ردّ صدقتنا علينا ، وردّ أموالنا فينا إلاّ بحقّها ، وإنّا قد فقدنا
ذلك ، فما يُنعش لنا فقير ، ولا يُجير لنا كسير ، فإن كان ذلك عن رأيك فما مثلك من استعان
بالخونة ، ولا استعمل الظالمين .
قال معاوية : يا هذه إنّه تنوبنا من اُمور رعيتنا اُمور تنبثق (1) ، وبحور تنفهق (2) .
قالت : يا سبحان الله ، ما فرض الله لنا حقّاً جعل فيه ضرراً على غيرنا ، ما جعله لنا وهو
علاّم الغيوب .
قال معاوية : هيهات يا أهل العراق ، فقّهكم ابن أبي طالب فلَم تطاقوا ، ثم أمر لها بردّ
صدقتها وانصافها ، وردّها مكرمة (3) .
روي ذلك أيضاً ابن عبد ربّه ـ في العقد الفريد ضمن الوافدات على معاوية ـ عن أبي بكر
الهذلي ، عن عكرمة ، مع اختلاف في الألفاظ (4) .
روى ابن أبي جمهور الأحسائي في كتابه « عوالي اللآلي العزيزيّة » نقلاً عن كتاب « منهاج
اليقين في فضائل أمير المؤمنين » للعلاّمة الحلّي ، قال : روى العلاّمة قدست نفسه مسنداً في
كتابه المذكور إلى عبدالله بن المبارك ، قال :
كنتُ ولعاً بحجّ بيت الله الحرام ، شديد المداومة في كلّ عام على حضوره ، ففي بعض
السنوات لمّا أزف الناس الإهتمام لاُهبة الحجّ ، وحضرتْ وفود الحجّاج من البلاد ، أنستُ من
نفسي الكسل في تلك السنة عن الاستعداد لاُهبّة الحجّ ، ثم نشطت لذلك وقلت : وما يُقعدني
عن صحبة القوم وأنا قادر على النفقة مخلّى السبيل ، فقمت وشددت على وسطي كيساً فيه
فبينا أنا كذلك ، إذا أنا بامرأة وقد جلست إلى مزبلة قريبة من سوق الإبل ، وقد أخذت
دجاجة ميّتة قد كانت على الكناسة ، وهي تنتف ريشها من حيث لا يشعر بها أحد . فجئت
حتى وقفت قريباً منها ، وقلت : لِمَ تفعلين هكذا يا أمة الله ؟
فقالت : يا هذا إمض لشأنك واتركني .
فقلت : سألتك بالله إلاّ أعلمتيني بحالكِ ؟
فقالت : نعم ، إذا ناشدتني بالله ، إعلم أنّني امرأة علويّة ولي بنات ثلاث علويّات صغار ،
وقد مات قيّمنا ، ولنا ثلاث ليالٍ بأيامهن على الطوى لم نطعم شيئاً ولم نجده ، وقد خرجت
عنهن وهنّ يتضوّرن جوعاً لألتمس لهنّ شيئاً ، فلم تقع بيدي غير هذه الدجاجة الميتة ، فأردتُ
إصلاحها لنأكلها ، فقد حلّت لنا الميتة .
فلمّا سمعتُ ما قالت ، وقف شعري واقشعر جلدي ، وقلت في نفسي : يابن المبارك أي حجّ
أعظم من هذا ؟ فقلت لها : أيتها العلوية ارمي هذه الدجاجة فقد حرمتْ عليك ، وافتحي
حجرك لأعطيك شيئاً من النفقة ، ثم حللتُ الكيس وفتحتُ فاه وصببتُ الدنانير في حجرها
بأجمعها ، فقامت مسرورة وهي عجلة ثم دعت لي بخير ، وعدتُ إلى السوق .
ثم أنّي رجعت إلى منزلي ونزع الله من قلبي إرادة الحجّ في تلك السنة ، فلزمت منزلي ،
واشتغلت بعبادة الله تعالى .
قال : وخرجت القافلة إلى الحج ، فلمّا قدم الحاج من مكّة ، خرجتُ للقاء الحجّاج
والأخوان ومصافحتهم ، فكنتُ لم ألق أحداً ممّن يعرفني فصافحته وسلّمت عليه إلاّ يقول لي :
يابن المبارك ألم تكن معنا ؟ ألم أشهدك في موضع كذا وموقف كذا ؟ فعجبتُ من ذلك .
فلمّا رجعت إلى منزلي وبت تلك الليلة ، رأيتُ في منامي رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وهو
يقول : يابن المبارك إنّك لمّا أعطيتَ الدنانير لابنتنا ، وفرّجتَ كربتها ، وأصلحتَ شأنها
فانتبهت وأنا أحمد الله تعالى على توفيقي لصلة الذريّة العلويّة ، وأنّ فعلي كان في محلّه
مقبولاً عند الله وعند نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم .
قال الراوي : ولقد سمعتُ عن كثير من المحدّثين يذكر : إن الحجّاج في كلّ عام يشاهدون ابن
المبارك يحج مع الحجّاجة ، وإنّه لمقيم بالعراق (1) .
وقال ابن الجوزي في تذكرة الخواص : أنبأنا عبدالملك مظفر بن غالب الحري بإسناده ،
قال : كان عبدالله بن المبارك يحجّ سنة ويغزو سنة ، فعل ذلك خمسين سنة ، قال : لمّا كانت السنة
التي حجّ فيها أخذتُ في كمي خمسمائة دينار . . . ثم ذكر القصة كما ذكرها العلاّمة في كتابه .
وأضاف قائلاً : وقد رُويت لنا هذه الحكاية من طريق آخر ، هو أنّ ولداً صغيراً لابن
المبارك دخل بيت بعض الأشراف فوجدهم يأكلون لحماً فلم يطعموه ، فجاء إلى ابن المبارك
وهو يبكي فسأله ، فقال : دخلتُ بيت فلان وهم يأكلون طبيخاً فلم يطعموني وكانوا جيرانه ،
فأرسل إليهم عبدالله يعتّبهم .
فأرسلت إليه العجوز تقول : قد أحوجتنا إلى كشف أحوالنا ، قد مات صاحب الدار
وخلّف أيتاماً ، ولنا خمسة أيام ما أكلنا طعاماً ، وانّني خرجت إلى مزبلة فوجدت عليها بطّة
ميتة فأخذتها وأصلحتها ، ودخل ابنك ونحن نأكل ، فما جاز لي أن أطعمه وهو يجد الحلال
ويقدر عليه ، فبكى ابن المبـارك ، وبعث إليهم بخمسمائة دينار ولم يحج في ذلك العام ، ورأى
المنام المذكور (2) .