4 ـ الايمان بالمعاد والحساب :
اشارة :

القرآن كتاب يصنع انسانية الانسان وتربيته . وعلى هذا الأساس نرى أن القرآن قد اولى اهتماماً كبيراً في مسألة تربية الانسان على مبدأ الايمان بالمعاد والانتباه الى الحساب والكتاب يوم القيامة . وقد وردت مسألة المعاد ( 1400 مرة ) في القرآن الكريم . واكثر من سدس القرآن تقريباً يدعو الانسان الى المعاد وذكر يوم القيامة والحساب والكتاب .
إنّ الايمان بالمعاد يعني الايمان بالحياة الابدية التي تحتوي على كل الاشياء المرتبة وفق حساب ونظام خاص . الايمان بالمعاد يعني الايمان بان يأخذ الانسان حقه من العذاب والثواب نتيجة اعماله في الدنيا . ومعناه كذلك ان المحاسن والمساوىء لا تفنى ولا تضمحل ، بل للانسان ما يعمل . انّ مثل هذه العقيدة لها الدور الفعال في تربية ونمو روح الانسان . وهنا نذكر نماذج من الآيات الشريفة :
1 ـ جاء في الآية 30 من سورة آل عمران :
( يوم تجد كلّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضراً وما عملت من سوءٍ ) .
2 ـ ونقرأ في الآية 8 من سورة القمر :
( خشّعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنّهم جراد منتشر ) .


(220)

3 ـ وفي الآية 34 ـ 37 من سورة عبس نقرأ :
( يوم يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه لكلّ امرىً منهم يؤمئذٍ شأن يغنيه ) .
إنّ هذه الآيات الشريفة هي نموذج من مئات الآيات التي جاءت في القرآن الكريم حول يوم القيامة . يوم الندامة للمذنبين يوم لا رجعة ولا فرار من حكومة الله سبحانه وتعالى . انه يوم تعرض فيه صحيفة اعمال الانسان فيرى الانسان اعماله كما هي .

* * *

المهم ان لا ننسى يوم المعاد ونكون على ذكرٍ دائمٍ له . فذكره حتى ولو لم يكن لدينا ايمان ويقين به قطعاً بل نظن به ظناً ونحتمل وقوعه فهو كافٍ لاجل التربية كما ذكر في الآية الكريمة (5 ـ 7) من سورة المطففين :
( إلاّ يظنّ اولئك انّهم مبعوثون ليومٍ عظيمٍ * يوم يقوم النّاس لربّ العالمين ) .

الصالحون والمعاد :
الانبياء والائمة واولياء الله جميعاً كانوا دائمي الذكر للمعاد . ويبدأون دعوتهم بذكر المبدأ والمعاد ، ولا يغفلوا لحظة واحدة عن التفكير بيوم المعاد ، وكلما تناولوا طعاماً حاراً او رأوا شمساً محرقة تذكروا يوم القيامة . عندما طلب عقيل من أخيه الامام علي ( عليه السلام )


(221)

مساعدة اضافية من بيت المال قال له الامام علي ( عليه السلام ) « اتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرني الى نارٍ سجرها جبّارها لغضبه » (1) .
وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) في خطبة اخرى : « واتقوا ناراً حرها شديد وقعرها بعيد وحليتها حديد ، وشرابها صديد » (2) .

صاحب سلمان :
« مر سلمان يوماً على سوق الحدادين في الكوفة فرأى شاباً قد صعق ، والناس قد اجتمعوا حوله ، فقالوا له : يا أبا عبدالله هذا الشباب قد صرع ، فلو قرأت في اذنه ، قال : فدنا منه سلمان فلما رآه الشاب أفاق وقال : يا ابا عبدالله ليس بي ما يقول هؤلاء القوم ، ولكني مررت بهؤلاء الحدادين وهم يضربون المرزبات فذكرت قوله تعالى : ( ولهم مقامع من حديدٍ ) فذهب عقلي خوفاً من عقاب الله تعالى ، فاتخذه سلمان أخاً ، ودخل قلبه حلاوة محبته في الله تعالى فلم يزل معه حتى مرض الشاب فجاءه ، سلمان فجلس عند رأسه وهو يجود بنفسه فقال : ( يا ملك الموت ارفق بأخي ) ، قال : يا ابا عبدالله اني بكل مؤمن رفيق » (3) .
____________
(1) نهج البلاغة خطبة 224 .
(2) نهج البلاغة خطبة 120 .
(3) بحار الانوار ج 22 ص 385 .

(222)

5 ـ عرض الاعمال :
إنّ احدى المعتقدات الاسلامية التي لها الاثر البالغ في منع الذنب هي مسألة « عرض الأعمال على الصالحين ( عليهم السلام ) » ومعناه ان الله سبحانه وتعالى ـ من طرق خاصة ـ يعرض الاعمال في كل يوم او في كل اسبوع مرة على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والائمة الطاهرين ( عليهم السلام ) فاذا كانت حسنة تفرحهم واذا كانت سيئة يحزنون لشيعتهم . فعندما يعرف الانسان وقوع هذا الامر يحتاط ويراقب نفسه اكثر حتى يترك الذنب ليسعد الرسول والائمة ( عليهم السلام ) . مثلهم كمثل الذين يعملون في مؤسسة ما ، فلو علموا ان اعمالهم تعرض كل يومٍ او كل اسبوع مرة على المسؤولين الكبار فانهم يزيدون من سعيهم لارضاء المسؤولين باعمالهم الحسنة . ( وفي الآية 105 ) من سورة التوبة نقرأ قوله تعالى :
( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشّهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) .
وحول مسألة عرض الاعمال فقد وردت روايات كثيرة عن الائمة ( عليهم السلام ) في كتاب اصول الكافي وتذكر في باب ( عرض الاعمال على النبي والائمة ( عليهم السلام ) ) ويحتوي على ستة احاديث :
وقد جاء في بعض الروايات : ان الاعمال الصالحة والسيئة للانسان تعرض على الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كل صباح وفي بعضها


(223)

تعرض كل عصر يوم خميس . وتذكر بعض الروايات ان الاعمال تعرض على الائمة الاطهار ( عليهم السلام ) وفي بعضها تعرض على امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) (1) .

6 ـ ذكر الموت :
ان ذكر الموت يكسر غرور الانسان وبالتالي يهيىء الارضية لترك الذنب ، وهو عامل مهم للامتناع عن ارتكاب الذنب والسيطرة عليه ، وحول هذا الموضوع قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« أكثروا ذكر الموت فأنّه يمحّص الذنوب » (2) .
قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
« الموت الزم لكم من ظلكم » (3) .

7 ـ الخوف من الله ومن عاقبة الذنب :
إنّ احد العوامل التي تمكّن الانسان من السيطرة على اقتراف الذنب هو الخوف من الله سبحانه ومن عاقبة الذنب .
قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
____________
(1) اصول الكافي المجلد الاول ص 219 ، وفي كتاب وسائل الشيعة المجلد 11 ص 101 و كذلك ذكر باب فيه 25 حديثاً ، وكتاب ميزان الحكمة ج 7 ص 32 ـ 35 .
(2) نهج الفصاحة الحديث 444 ـ ميزان الحكمة ج 9 ص 246 .
(3) فهرس الغرر ( الموت ) .

(224)

« من علم أن الله يراه ويسمع ما يقول ويعلم ما يعمله من خير أو شر فيحجزه ذلك عن القبيح من الاعمال فذلك الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى » (1) .
وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) أيضاً :
« يا اسحق خف الله فانك تراه وان كنت لا تراه يراك » (2) .
وقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« يا أبا ذر إياك إياك أن تدركك الصرعة عند العثرة ، فلا تقال العثرة ولا تمكّن من الرجعة ، ولا يحمدك من خلّفت بما تركت ، ولا يعذرك من تقدم عليه بما اشتغلت به » (3) .
وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
« لا تخف الاّ ذنبك » (4) .
وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« العجب ممن يخاف العقاب ولم يكف » (5) .
ويعني انّ الابتعاد عن الذنب دليل الخوف من عذاب
____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 70 .
(2) اصول الكافي ج 2 ص 67 ـ 68 .
(3) بحار الانوار ج 77 ص 75 يعني واظب على نفسك أن لا يدركك الموت حين غفلتك واشتغالك بالدنيا فلا تتمكن من الاقالة والرجعة ووارثك لا يحمدك بما تركت له . ولا يقبل الله العذر منك باشتغالك بامور الدنيا .
(4) غرر الحكم ـ ميزان الحكمة ج 3 ص 182 .
(5) بحار الانوار ج 77 ص 237 .

(225)

الله سبحانه .

8 ـ تأثير العبادة في الامتناع عن ارتكاب الذنب :
انّ العبادات في الاسلام اذا اقيمت بشرائطها وصحتها فاضافة الى فوائدها المعنوية لها دور فعال في السيطرة على الذنب . والهدف الاصلي من العبادات بعد معرفة الله سبحانه وتعالى هو تطهير النفس والحصانة من الذنب مع الانتباه الى ان النية في قصد القربة الى الله سبحانه دليل على صحة العبادة . وللعبادة نور يبعث الاخلاص والصفاء في روح الانسان . والاستمرار بها يقوي ارتباط الانسان بالله سبحانه وتعالى .
جاء في الآية 183 من سورة البقرة قوله تعالى :
( يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتقون ) .
وجاء في ( الآية 45 من سورة العنكبوت ) قوله تعالى :
( أتل ما أوحي اليك من الكتاب وأقم الصلاة إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر أكبر والله يعلم ما تصنعون ) .
وجاء في الروايات حول هذا الموضوع بشكل واضح وصريح ما يلي :
1 ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« مثل الصلاة كمثل النهر الجاري ، كلّما صلى صلاة كفرت ما


(226)

بينهما » (1) .
2 ـ وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« من أحبّ أنّ يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل فلينظر : هل منعت صلاته عن الفحشاء والمنكر ؟ فبقدر ما منعته قبلت منه » (2) .
3 ـ وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام )
« والصلاة تنزيها عن الكبر ... والنهي عن المنكر ردعاً للسّفهاء » (3) .
عند القيام بالعبادات مثل : الصلاة ، والصوم ، والحج و ... نرى ان هناك اموراً تبطل هذه العبادات فيجب مراعاتها والانتباه الى مبطلاتها لتكون مقبولة وعلى الوجه الصحيح . فهذه المراعات هي نوع من انواع الترويض لتقوية الارادة لتربية النفس للوقوف امام الذنوب ، لان ترك الذنب يحتاج الى مقدار من الارادة واستقامة الانسان ، والمسألة الاخرى هي موضوع علاج الذنب لتطهير الانسان منه . فيجب الانتباه اليه بعمق ودقة ، وقد ذكر علماء الاخلاق الطرق الواضحة في معالجة الذنوب حيث بينوا لنا ان لكل ذنب علاجاً خاصاً ودواء شافياً للصدور ، حيث جاءت في الروايات جملة من هذه الأدوية لعلاج الذنوب (4) . فعلى سبيل المثال نذكر نماذج منها :
____________
(1) وسائل الشيعة ج 3 ص 7 .
(2) مجمع البيان ذيل آية 45 عنكبوت .
(3) نهج البلاغة حكمة 252 .
(4) في كتاب معراج السعادة للمحقق النراقي طرق معالجة بعض الذنوب .

(227)

1 ـ قال عمار بن ياسر (1) سمعت امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) يقول :
« ولا وجع أوجع للقلوب من الذنوب » (2) .
2 ـ وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
« لكل داءٍ دواء ، ودواء الذنوب الاستغفار » (3) .
3 ـ وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
« داووا بالتقوى الاسقام » (4) .

طريقة العلاج :
ولاجل توضيح الطرق لعلاج الذنوب نذكر نموذجاً واحداً :
مثلاً : اذا ابتلي لسان الانسان بمرض الغيبة فعلاجه على نحوين :
« على الجملة والآخر على التفصيل ، أما على الجملة فهو أن يعلم تعرضه لسخط الله بغيبته بالأخبار والروايات ، وأما على التفصيل فهو أن ينظر الى السبب الباعث على الغيبة فان علاج العلة بقطع سببها ومن اسبابها ( الغضب ، الخيانة ، تزكية النفس ، الحسد ، التكبر )
____________
(1) مستدرك الوسائل 2 ص 356 .
(2) اصول الكافي ج 2 ص 275 .
(3) نفس المصدر السابق ج 1 ص 287 .
(4) نهج البلاغة خطبة 191 .

(228)

وعلاجها بالمعرفة فقط والتحقق بهذه الامور التي تؤدي الى ابواب الايمان فمن قوي ايمانه بجميع ذلك انكفأ لسانه عن الغيبة لا محالة » (1) .
____________
(1)نقلاً عن المحجة البيضاء ج 5 ص 264 .
(229)

موقف الاسلام من المذنب

ان الاسلام يرى ان الواجب على كل الناس بالقلب واللسان والقدرة ان يقفوا أمام المذنب وان يهتموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الانبياء ومنهاج الصلحاء فريضة عظيمة، بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحل المكاسب وترد المظالم وتعمر الارض وينتصف من الاعداء ويستقيم الأمر » (1) .
قال الله سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
( ادع الى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتي هي أحسن ) . ( النحل الآية 125 )
____________
(1) وسائل الشيعة ج 11 ص 395 .
(230)

وقال الله سبحانه وتعالى ايضاً :
( ادفع بالّتي هي أحسن السّيّئة ) . ( المؤمنون الآية 96) .

التأديب الاجتماعي والاساليب الاخرى :
يرى الاسلام ان التعامل مع المذنب طريقة من طرق التأديب الاجتماعي ، وحول هذا الموضوع نذكر بعض النماذج :
1 ـ ( الآية 3 من سورة النور ) قوله تعالى :
( الزّاني لا ينكح إلاّ زانية أو مشركةً والزّانية لا ينكحها إلاّ زانٍ أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين ) .
2 ـ ( الآية 4 من سورة النور ) :
( والذّين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأولئك هم الفاسقون ) .
3 ـ ( التوبة الآية 28 ) :
( يا أيّها الّذين آمنوا إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا .... ) .
4 ـ ( الآية 118 من سورة التوبة ) :
( وعلى الثلاثة الّذين خلّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنّوا أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه ثمّ تاب عليهم ليتوبوا إنّ الله هو التوّاب الرّحيم ) .


(231)

5 ـ ( الآية 140 من سورة النساء ) :
( وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفربها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنّكم إذاً مثلهم إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ) .

الروايات ومواجهة المذنب :
ذكرت في الروايات الاسلامية أساليب كثيرة في كيفية التعامل مع المذنب ، نذكر منها عدة نماذج :
1 ـ قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
« ادنى الانكار أن تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرةٍ » (1) .
2 ـ قول الامام الصادق ( عليه السلام ) لاحد اصحابه الذي يدعى ( الحارث بن المغيرة ) الذي قال : « قال الامام الصادق ( عليه السلام ) ... أما لاحملنّ ذنوب سفهائكم على علمائكم فدخلني من ذلك أمر عظيم ، قال ( عليه السلام ) : ما يمنعكم اذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون وما يدخل علينا به الاذى أن تأتوه فتؤنبوه وتذلوه وتقولوا له قولاً بليغاً ، فقلت : جعلت فداك اذا لا يطيعوننا ولا يقبلون منا ، فقال : اهجروهم واجتنبوا مجالسهم » (2) .
____________
(1) وسائل الشيعة ج 11 ص 413 .
(2) روضة الكافي ص 162 .

(232)

3 ـ قال الامام الكاظم ( عليه السلام ) في كلامه حول التعامل مع الطواغيت والظالمين :
« يا زياد لئن اسقط من حالق فاتقطع قطعة قطعة أحبّ اليّ من أن أتولى لأحد منهم عملاً أو أطأ بساط رجل منهم ... » (1) .

غضب الامام الصادق ( عليه السلام ) :
يعتبر دواد بن علي أحد ولاة بني العباس المجرمين الذي كان والياً على المدينة . ارسل على ( معلّى بن خنيس ) أحد الموالين والتلامذة المخلصين للامام الصادق ( عليه السلام ) فقتله وصادر امواله . فتأثر الامام الصادق ( عليه السلام ) تأثراً شديداً على قتله وذهب الى داود وقال ( عليه السلام ) له :
« قتلت مولاي وأخذت مالي ، أما علمت أن الرجل ينام على الثكل ولا ينام على الحرب ، أما ولله لادعونّ الله عليك » (2) .
فسخر داود عن كلام الامام ( عليه السلام ) وقال له : اتهددني بدعائك ؟ فرجع الامام ( عليه السلام ) الى بيته وقضى ليلته بالصلاة فلما جاء السحر ناجى الامام الصادق ربّه وقال ( عليه السلام ) : « يا ذا القوة القوية وياذا المحال الشديد ويا ذا العزة التي كل خلقك لها ذليل اكفني هذا الطاغية وانتقم لي منه » .
____________
(1) وسائل الشيعة ج 12 ص 140 .
(2) الارشاد للمفيد ج 2 ص 184 .

(233)

وما مرت الاّ ساعة حتى تعالت الاصوات في المدينة بموت داود .

موقف الامام الكاظم ( عليه السلام ) :
احياناً يكون التعامل الحسن مع المذنب موجباً لهدايته كما في القصة التالية :
« كان أحد المنسوبين للخلفاء كلما يرى الامام الكاظم ( عليه السلام ) يذكره ويذكر امير المؤمنين علياً ( عليه السلام ) بالكلام البذيء وذات يوم جاء جمع من محبي الامام الكاظم ( عليه السلام ) وطلبوا منه الاجازة في قتله ، فلما سمع الامام ( عليه السلام ) بكلامه قال لهم : لا تقدموا على هذا العمل ولكن قولوا لي اين مكان هذا الرجل ؟ فقالوا له : انه مشغول في بستانه .
فركب اليه فوجده في مزرعة له ، فدخل المزرعة بحماره ، فصاح به العمري : لاتطأ زرعنا فوطأه ابوالحسن ( عليه السلام ) بالحمار حتى وصل اليه فنزل وجلس عنده وباسطه وضاحكه وقال له : كم غرمت في زرعك هذا ؟ فقال : مائة دينار ، قال : وكم ترجو ان تصيب ؟ قال : لست أعلم الغيب ، قال : انما قلت لك ترجو ان يجيئك فيه ، قال : ارجو ان يجيئني فيه مائتا دينار قال : فأخرج ابوالحسن ( عليه السلام ) صرة فيها ثلاثمائة دينار وقال : هذا زرعك على حاله والله يرزقك فيه ما ترجو قال : فقام العمري فقبّل رأسه وسأله أن يصفح عن فارطه فتبسم اليه ابو الحسن ( عليه السلام ) وانصرف وراح الى المسجد فوجد العمري جالساً فلما


(234)

نظر اليه قال : « الله اعلم حيث يجعل رسالته » ... فلما رجع ابو الحسن ( عليه السلام ) الى داره قال لجلسائه الذين سألوه عن قتل العمري :
« ايما كان خيراً ما اردتم او ما اردت انني اصلحت امره بالمقدار الذي عرفتم وكفيت به شره » (1) .

موقف الاحكام الشرعية من المذنب :
في الفقه الاسلامي قوانين واوامر في التعامل مع المذنب ومنعه من اقتراف الذنب . ونرى هناك اوامر دقيقة جداً للوقوف أمام اقتراف الذنب . فمثلاً : احكام الحدود والديات والتعزيرات اذا اجريت بالنحو المرسوم لها والكامل فانها عامل مهم في الوقوف امام الذنب ، او مثلاً الاوامر الاسلامية المؤكدة على ان شارب الخمر ، لا يزوجونه او ان المذنب لا يعطى الزكاة او ان سفر المعصية موجب لصلاة القصر . او المرأة المحصنة او المرأة غير المحصنة فالمحصنة ان زنت فحكمها القتل ( وفرق بين المحصنة وغير المحصنة ) او المرأة الناشزة التي لا تطيع زوجها فليس لها حق النفقة او قطع يد السارق او الجلوس مع الخمارين والأكل معهم على مائدة واحدة حرام ، كل هذه القوانين والاوامر في الاسلام تبين لنا تعامل الاسلام مع المذنب ، وكل واحدة من هذه الاوامر مانع ومسيطر على اقتراف الذنب في الفرد والمجتمع (2) .
____________
(1) الارشاد للمفيد ص 297 .
(2) في هذه المسالة يراجع تحرير الوسيلة ج 1 ص ( 476 ـ 480 ) مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .