
والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين والسلام عليكم أيها الإخوان الاعزاء والابناء الاحباء ورحمة الله وبركاته.
وبعد : في الحادي عشر من هذا الشهر شهر ذي العقدة الحرام من سنة 148 هجرية وهي
نفس السنة التي استشهد فيها جده الإمام الصادق عليه السلام كانت ولادة الإمام الرضا عليه السلام وشهادته كانت في السابع عشر من شهر صفر من سنة 203 هجرية ـ فيكون عمره الشريف يوم شهادته 55 سنة ـ على المشهور في ولادته وشهادته .
نسبه من جهة الأب : نور على علم لا يحتاج الى بيان شرفه وسمو درجته وإذا ذكر فيكون من اجل التبرك ونيل الثواب فهو نجل الإمام الكاظم نجل الإمام الصادق نجل الإمام الباقر نجل الإمام زين العابدين
| نسب كأن عليه من شمس الضحى | * | نورا ومن فلق الصباح عمودا |
| ما فيه إلا سيد مــن ســيـد | * | حاز المكارم والتقى والجـودا |
واما أمه : فهي كسائر امهات بقية الأئمة من حيث الاتصاف بالتقوى والصلاح والنجابة ـ لأن كل واحد منهم كان يختار لنفسه افضل النساء لتكون له خير زوجة ولاولاده خير ام لما هو المعلوم من وجود الأثر البليغ والدور البارز للأمهات في نجابة الابناء وحسن صورتهم واستقامة سيرتهم نظراً لتأثير عامل الوراثة وحسن التربية في صلاح الذرية :
قال الشاعر :
واسم والدته : هذه تكتم وقيل نجمه والمشهور هو الاول وقد ورد في مدح بعض الشعراء للإمام الرضا عليه السلام بقوله : | ألا إن خير الناس أما ووالدا | * | ورهطاً وأجداداً علي المعظم |
| أتتنا به للعلم والحلم والحجى | * | إماماً يؤدي حجة الله تكــتمُ |
ومن المعلوم ان النسب وإن كان شريفاً ورفيعاً لا قيمة له في ذاته اذا لم يترتب على شرفه شرف للنفس وسمو في الاخلاق واستقامة في السلوك قال الشاعر : | لعمرك ما الإنسان إلا ابن دينه | * | فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب |
| لقد رفع الإسلام سلمان فارس | * | كما وضع الشرك الشريف أبا لهب |
وقلت في أخر مقطوعة شعرية نظمت والقيت في مناسبة دينية :
| والفضل للأتقى وإن لم يعله | * | نسب رفيعُ الشأن أو تيجانُ |
| تبت يداعم النبي وقد غـدا | * | من آل بيت محمد سـلمانُ |
والحديث عن الإمام الرضا عليه السلام ، واي واحد من ابنائه الطاهرين واجداده المعصومين يعتبر في واقعه حديثاً عن القرآن الناطق والإسلام العملي المتحرك ـ لأن كل واحد منهم قد جسم الإسلام على الصعيد العملي بإيمانه الراسخ وعمله الصالح وخلقه الفاضل وإذا نظرنا اليه من زاوية عبادته لله بالمعنى الخاص للعبادة المتمثل بالصوم والصلاة والحج والزكاة ونحوها فنراه قد بلغ القمة في هذا المجال .
وقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام ، موضوع الحديث انه كان قليل النوم كثير الصوم لا يفوته صوم ثلاثة ايام من كل شهر ويقول : ذلك صوم الدهر ، ووصفه بقلة النوم في الليل تعبير عن انشغاله في اكثر ساعات الليل بالصلاة وقراءة القرآن ونحو ذلك من انواع التهجد والعبادة والذي يعطي لعبادة أهل البيت قيمة سامية ويجعلهم مكرمين بها عند الله سبحانه ومحترمين اكثر عند عباده هو إدراكهم بعمق فلسفة العبادة بمعناها العام الذي اعتبره الله سبحانه السبب الداعي لخلقه الكون والإنسان والجن حيث قال سبحانه :
( وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون ) (1) ـ ثم بذلهم اقصى الجهد في سبيل تحقيق تلك الفلسفة والتوصل بها الى الغاية الاساسية المقصودة منها اي من العبادة ـ وهي ذوبان إرادة المخلوق العابد في إرادة المعبود
( يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) (1) .
هكذا وجدنا العبادة قد تحركت في حياة كل واحد من اهل البيت من الطقوس المعهودة الى الهدف الكبير والغاية السامية المقصودة منها ـ وهذا وذاك هو السر في الاعمال الصالحة التي كانوا يقومون بها في سبيل مصلحة الآخرين والاخلاق الفاضلة التي كانوا يتجملون بها معهم حتى لو كان الآخرون مختلفين معهم في الاتجاه الى درجة العداوة المسببة للإساءة ونرى هذه الظاهرة النبيلة بارزة في حياة الإمام الرضا عليه السلام ، وتتجلى لنا بوضوح من خلال ما تحدث به عنه احد معاصريه المطلعين على اوضاعه الخاصة والعامة فلنسمع إليه وهو يقول
إني ما رأيتُ ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا عليه السلام ، وشهدت منه ما لم اشهد من أحد غيره ما رأيته جفا احداً بكلام قط ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه وما رد أحداً عن حاجة قدر عليها ولا رأيته يشتم أحداً من مواليه ومماليكه وكان إذا خلا ونصبت الموائد اجلس على مائدته مماليكه ومواليه حتى البواب والسائس .
هذا ولا بد لنا من الوقوف بشيء من التدبر عند بعض هذه الاخلاق السامية التي تجمل بها هذا الإمام العظيم من اجل ان نستوحي منها دروساً أخلاقية تربوية تساهم في بناء الشخصية المثالية المنطلقة في ظلال الإسلام الوارفة نحو اهدافه الرفيعة . فمن الصفات النبيلة التي نسبها ذلك الشخص الى شخصية الإمام عليه السلام أنه ما جفا أحداً بكلام قط .
وهذه اسمى صفة ترقى بصاحبها الى المنزلة الرفيعة باعتبار ان الكلام مرآة نفس المتكلم وعنوان ذاته فإذا كان ليناً هادئاً نفذ الى قلب السامع وادخل معه اليه المحبة والاحترام وبذلك يتحقق الهدف المقصود من توجيه كلامه الى الآخر .
ويتأكد الاهتمام بهذا الاسلوب الحكيم إذا كان المتكلم بصدد دفع المخاطب نحو عمل صالح ينفعه او خلق فاضل يرفعه او موقف سليم يناسبه وكذلك إذا كان بصدد إبعاده عما يضره من اضداد هذه الامور .
وهذا هو السر في حث القرآن الكريم على اتباع هذا الاسلوب الحكيم قال سبحانه :
( ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) (1) .
وقال سبحانه : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسنُ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) (2) .
وقال سبحانه : ( * ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي احسن ) (3) .
وقال تعالى مخاطباً النبي موسى واخاه هارون عليهما السلام :
( اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ) (4) .
والصفة الثانية : أنه كان عليه السلام لا يقطع على احد كلامه حتى يفرغ منه .
وهذه الصفة النبيلة تبين لنا ادب الاستماع وما ينبغي ان يكون عليه المستمع عندما يوجه اليه حديث من قبل غيره باعتبار ان الإصغاء له والتوجه الجسمي والفكري نحوه يشعر المتكلم باهتمام المستمع بحديثه واحترامه له وهذا يزيده رغبة في الانطلاق بحديثه حتى يبلغ مراده منه كما يسبب حصول المحبة او قوتها في نفسه له ـ اي للمستمع ـ مضافاً الى ما يسببه من الاحترام لشخصه ولذلك يطلب من المستمع التجمل بهذا الادب الاجتماعي الرفيع وهو الإصغاء الى المتحدث وعدم قطعه
| من لـي بإنســان إذا أغضــبته | * | وجهلت كان الحلم رد جوابـه |
| وإذا طربت الى المدام سكرت مـن | * | أخلاقه وشـربت من آدابــه |
| وتراه يصــغي للحـــديث بقلبه | * | وبسمعه ولــعله ادرى بــه |
والصفة الثالثة : التي وصف بها ذلك المتحدث الإمام الرضا عليه السلام هي انه ما رد احداً عن حاجة قدر عليها .
وهذه أنبل وافضل صفة يتصف بها الإنسان في هذه الحياة لما يترتب عليها من النفع العظيم لكل واحد من الطرفين صاحب الحاجة ومن قضاها له او سعى قدر في طاقته في سبيل قضائها واذا قارنا بين ما يحصل لصاحبها من فائدة ولقاضيها من منفعة فإنا نجد ان ما يحصل للثاني اكثر وابقى مما يحصل للأول من ذلك أما بلحاظ الحاضر فالمنافع الحاصلة له فيه معجلاً كثيرة اهمها وابرزها المحبة العميقة التي تحدث او تقوى وتتعمق في نفس من تقضى له الحاجة ويترتب على ذلك غالباً وبشكل عفوي احترامه لمن اهتم بقضيته وذكره بالثناء حاضراً وغائبا ودعاؤه بتحصيله ما يحب وسلامته مما يكره واهتمامه بقضاء حاجته رداً على الإحسان بالمثل حتى وان لم يصدر منه طلب له وتكليف به ، قال الشاعر :
وأما الفوائد الحاصلة لقاضي حاجة الآخرين في الآخرة فهي كثيرة ايضاً واهم شيء فيها هو جانب الكيف والبقاء بقطع النظر عن الكم والكثرة وذلك لما يترتب على هذا العمل الإنساني النبيل من الثواب العظيم بلحاظ عناوين متعددة على ضوء ما يستفاد من الاحاديث الكثيرة الواردة في هذا المجال .
منها ما ورد لبيان الثواب المترتب على ادخال السرور مثل ما روي عن الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : « من سر مؤمناً فقد سرني ومن سرني فقد سر الله » . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « أحب الأعمال إلى الله السرور الذي تدخله على المؤمن تطرد عنه جوعته او تكشف كربته » .
ومنها : ما ورد لبيان الثواب المترتب على إعانة المؤمن وتنفيس كربته من ذلك ما روي عن الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : « من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة » .
وقوله : صلى الله عليه وآله وسلم : « من أعان مؤمناً نفس الله عز وجل عنه ثلاثاً وسبعين كربةً واحدة في الدنيا واثنتين وسبعين كربة عند كربه العظمى حيث يتشاغل الناس بأنفسهم » .
ومنها ما هو وارد لبيان الثواب العظيم المترتب على السعي في سبيل قضاء حاجة الاخ في الله سبحانه .
من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « من مشى في حاجة اخيه ساعة من ليل او نهار قضاها او لم يقضها كان خيراً له من اعتكاف شهرين » وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله : « من قضى حاجة لاخيه فكأنما خدم الله عمره » .
ومن المعلوم ان الشخص الذي يسعى في سبيل حاجة اخيه ويتوفق لقضائها فهو يدخل السرور بذلك على قلبه ويكشف كربته وتتحقق بذلك ثلاثة اسباب لنيله الاجر العظيم وهي قضاء الحاجة وكشف الكربة وادخال السرور ، وقد مر معنا ذكر الثواب الجزيل المترتب على كل واحدة من هذه الخدمات النبيلة .
هذا ما سمحت به الفرصة وساعد الوقت على بيانه بمناسبة ذكرى ميلاد الإمام الرضا عليه السلام والخلاصة التي احببت ان اختم بها الحديث عنه بوحي هذه المناسبة المباركة هي ان حياة هذا الإمام العظيم كحياة اجداده وابنائه الطاهرين المعصومين تعتبر في واقعها تجسيداً حياً لما في الإسلام من عقائد حقه ومبادىء رفيعة ومثل سامية والاحتفال الحقيقي بمناسبة ولادة احدهم او شهادته انما يكون بترسم خطاهم والسير على ضوء هداهم بكل تصرف اختياري نمارسه على صعيد هذه الحياة لأن الاحتفال معناه الاحتفاء والاحترام وهذا لا يكون صادقاً وكاملاً الا اذا ترجم بالاقتداء والمتابعة لما يعبر عنه ذلك من تقدير شخصية المحتفى به والثقة القوية بانسجام سيرته مع المنهج الإلهي ليكون الاقتداء به محققاً للغاية الفضلى والهدف الاسمى الذي خلق الله سبحانه الإنسان من اجله وهي إطاعته وعبادته وحده لا شريك له .
وبذلك ندرك جيداً ان الاحتفال الذي يقتصر فيه على ذكر صاحب المناسبة بالمدح والثناء وسرد ما كان متجملاً به من مكارم الاخلاق ومحاسن الصفات من دون استيحاء الدروس من سيرته والتأثر بسلوكه العملي ـ لا يكون احتفالاً حقيقياً وتكريماً واقعياً منسجماً مع إرادة الله
وقد اشرت الى هذا المعنى بالأبيات التالية التي نظمتها سابقاً بمناسبة ميلاد الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم . | ما الاحتفالُ بـزينة ومــــدائح | * | نبوية وقصـائـد عـــصمــاء |
| الاحـتفالُ الـحق إيمـان بـــه | * | نمضي على نهج الهدى الوضــاء |
| ونسير في درب التقى بتـضـامن | * | وتعاون ومـــودة وإخـــــاء |
| اللهُ قائدنا الوحــيدُ وقصــدنـا | * | نصر الهدى والشرعة الــغـراء |
| وإزالة الطاغوت مـن أوطـاننـا | * | وجميع من يحميه مـن عــمـلاء |
| وإعادة الإسلام فينـا حـاكــماً | * | بالعدل في السـراء والــــضراء |
وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين ، والسلام عليكم أيها الإخوان الأعزاء ورحمة الله .

والصلاة والسلام على اشرف الخلق وسيد المرسلين نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين .
والسلام عليكم أيها الإخوة المؤمنون الأعزاء والابناء الاحباء ورحمة الله وبركاته .
وبعد : قال الله سبحانه في محكم كتابه المجيد :
( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) (2) .
حيث اننا على ابواب التوجه الى بيت الله الحرام لتأدية فريضة
وهذا يقتضي بيان العبادة بمعناها العام ودورها التربوي في حياة الإنسان فرداً ومجتمعا نظرا لمساهمة ذلك في معرفة الدور الذي تؤديها فريضة الحج في هذا المجال فأقول : المراد من العبادة بمعناها العام الذي اعتبره الله سبحانه العلة الغائية الداعية لخلق الجن والإنس على ما صرح به سبحانه في كتابه الكريم :
بقوله عز وجل : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (2) .
الخضوع الكلي والانقياد المطلق لارادة الله سبحانه بكل عمل اختياري يصدر من المكلف بإرادته واختياره سواء كان هذا العمل باطنياً كالتفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار من أجل التوصل به إلى تحصيل الإيمان الراسخ بوجود الله سبحانه ووحدانيته وعدله وضرورة إرساله للأنبياء وتعيينه للأوصياء وحشره الناس غداً للحساب يوم الجزاء ، أم كان عملاً ظاهرياً وموقفاً خارجياً منطلقاً من ذلك الإيمان من أجل أن يتوصل المكلف بهذه العبادة بكلا شقيها الباطني والظاهري ـ إلى ما أراد الله سبحانه له أن يصل إليه ويحصل عليه من السعادة في الدنيا والآخرة .
وذلك لأن العبادة الظاهرية تتمثل بفعل ما أمر الله به من الواجبات
( ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) (1) .
وقال سبحانه :
( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لايحتسبُ ) (2) .
والعبادة بهذا المعنى العام المتمثل بالاستقامة في طريق التقوى وعدم الانحراف عنه مهما كانت الضغوطات او المغريات المؤدية بطبيعتها الى التحلل من نظام العبودية ، حيث انها محتاجة الى قوة إيمانية وبطولة روحية تساعد المؤمن على الثبات في ساحة الجهاد الاكبر ـ لذلك شرعت العبادات الخاصة المعهودة بكيفيتها المرسومة واشترط في صحتها وترتب الاثر عليها الاتيان بها بقصد التقرب لله سبحانه ـ لأن ذلك يعمق الايمان في النفس ويقويه في القلب ليبقى صاحبه على صلة بالله سبحانه وانشداده اليه برابطة التقوى فيظل دائماً في اطار عبادته له بكل ما يصدر عنه من تصرفات اختيارية سواء كانت فعلاً لما امر به سبحانه او تركا لما نهى عنه ونتيجة ذلك هو بقاء هذا المؤمن العابد في نطاق مصلحته وسعادته كما اراد الله له على ضوء ما تقدم بيانه من فلسفة
الفوائد المترتبة على هذه الفريضة المقدسة كثيرة وسأقتصر على ذكر أهمها وابرزها وهو الزهد في كل ما يبعد الانسان عن رحمة الله سبحانه ويشغله عن الاهتمام بما ينفعه في دنياه وآخرته من الواجبات والمستحبات وعن التجمل بما يرفعه من الفضائل والكمالات .
والوجه في ترتب فائدة الزهد على تأدية فريضة الحج هو ان الانسان المؤمن اذا عزم على تأدية هذه الفريضة يرتسم نصب عينيه شبح الموت بسبب ما يحصل له ويصيبه في الطريق وبعد وصوله الى اماكن تأدية المناسك الواجبة من المتاعب والحوادث الخطيرة التي ادت فيما سبق الى موت البعض من الحجاج .
وخوفه من ذلك يظهر له بصورة تفصيلية ـ طبيعة هذه الحياة الدنيا وانها دار ضيافة والانسان فيها ضيف يقيم فترة محدودة ثم يرحل عنها الى مقره الاخير وداره الاخرى التي خلق من اجلها وفيها يتقرر مصيره على ضوء اعماله التي كان يمارسها في هذه الدار العاجلة الزائلة ـ فإن كانت خيراً منسجمة مع الوظيفة الشرعية المحددة له من قبل الله سبحانه ـ كانت النتيجة خيراً وجنة عرضها السماوات والارض ـ وان كانت شراً ومخالفة لتلك الوظيفة كانت النتيجة من جنسها .
قال سبحانه : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يرهُ * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) (1) .
وخوفه من المصير الثاني المؤلم يجعله زاهداً في الممارسات اللاشرعية وراغبا فيما يؤدي به الى المصير الاول .
ومما تقدم يظهر جليا ان المراد بالزهد المأمور به والمرغوب فيه اسلامياً ـ هو الزهد فيما يضر الانسان فرداً ومجتمعاً دنياً وآخرة وينحصر ذلك بالمحرمات وتلحق بها المكروهات على وجه الافضلية التي لا تمنع من الفعل كما هو معلوم وذلك باعتبار عدم الاستفادة منها في الآخرة بخلاف ما لو تركت امتثالاً للنهي الكراهتي فإن ذلك يعتبر عبادة يحصل بها الثواب في الآخرة والتوفيق في الدنيا والى ما ذكرناه في بيان المراد من الزهد اشار الإمام علي عليه السلام بقوله :
« ليس الزهد ان لا تملك شيئاً ولكن الزهد ان لا يملكك شيء » وعلى ضوء هذا المفهوم الواعي لمعنى الزهد في الإسلام ندرك أن الانسان المؤمن لو ساعدته ظروفه على ان يملك الثروة الطائلة من الحلال ودفعه التزامه الديني لان يخرج ما تعلق بها من الحق المعلوم للسائل والمحروم ـ فهذا الشخص يكون من الزاهدين المقدسين المقدرين عند الله سبحانه والمؤمنين الواعين .
أما الفوائد الاخرى التي يمكن تحصليها من تأدية فريضة الحج فقد اشرت اليها بالقصيدة التالية التي يستطيع المتدبر المثقف ان يستفيدها منها بذوقه الادبي السليم وفهمه المستقيم وهي كما يلي
:| الحج للأجيال افضــل مـــعهد | * | تجني به عفو الإله السرمـدي |
| وتسير في درب التقــى بتضـامن | * | وتعارف وتعاطف وتـــودد |
| إحرامه نزع لثــوب مـــطامع | * | وطوافه إجلال رب اوحـــد |
| وصلاته صــلة القلوب بخــالق | * | باري الوجود ونبع عيش أرغـد |
| والسعي ســعي للفضيلة والعــلى | * | وقضاء حاجات الفقير المجـهد |
| وكذلك التقصير رمــز تـــجرد | * | من كل خلق عن كمالك مــبعد |
| أما الوقوف فوقــفـة لتــعارف | * | وتقارب رغم المكان الابـــعد |
| والإزدلاف لمشعر نـــرنو بــه | * | لرضا السما بتضرع وتعبـــد |
| والرمي رمــي للطغاة بـموقف | * | حر ـ من الجمع الغفير ـ موحد |
| والذبح ذبح للهــوى وتـــأثر | * | بسخاء إبراهيم بالغض النــدي |
| أدى بمـوقفه امتــحاناً نـاجحاً | * | بخضوع عبد مــخلص للسيـد |
| والحلق زينة مؤمــن متــمسك | * | بعرى التقى رغم الزمان الانكـد |
| أما المبيت لــدى منى فضيـافة | * | محمودة عند الإلـه الاجـــود |
| هي تلك فلسفة المـناسك اشرقـت | * | وعيا يبدد حيـرة المـــتـردد |
| فالله لا يدعو الانـام لغير مـــا | * | يجدي البرية في القريب وفي الغد |
| وكذاك إن ينهى فعن مرد (1) لنـا | * | جسماً وروحاً دون اي تـــردد |
| هو عالم بمفاسد ومصـالح | * | تعطي السعادة للتقي المهتدي |
| فمن اتقى يجني المنى بتعبد | * | وسواه يغرق في الشقا بتمرد |
هذا ما سمحت به الفرصة واتسع له المجال من بيان بعض الفوائد المترتبة على تأدية فريضة الحج المقدسة تفصيلاً بالنثر واجمالا بالشعر وهناك فوائد كثيرة ذكرت على وجه التفصيل والتحليل في الكتب الاسلامية المؤلفة حول موضوع العبادة فمن اراد الاطلاع التفصيلي فليرجع اليها .
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ايها الإخوان الاعزاء اولاً وآخراً ورحمة الله .

السلام عليكم أيها الإخوان المؤمنون الأعزاء والأبناء الأحباء ورحمة الله وبركاته .
وبعد : قال الله سبحانه في محكم كتابه المجيد :
( ولو ان اهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) (2) .
بين الله سبحانه بهذه الآية المباركة السبيل القويم الذي يؤدي بسالكه الى السعادة في الدنيا والآخرة حيث يكون سبباً لنزول البركات واحاطتها به من جميع الجهات وهي البركات الاقتصادية والاخلاقية والسياسية والامنية والتربوية ونحوها .
وهذا السبيل هو الإيمان الصادق والعمل الصالح والخلق الفاضل
وقد بينت في الحديث السابق الوجه في إيصال التقوى صاحبها الى الكمال والسعادة باعتبار ان المراد منها اي من التقوى نفس ما يراد من العبادة بمعناها العام المتمثل بفعل الواجبات وترك المحرمات .
وحاصل ما ذكرته في مقام بيان تأثير العبادة في نيل العابد التقي الكمال والسعادة هو ان الله سبحانه عليم وحكيم ورحيم فلا يأمر بشيء الا لمصلحة تعود الى المكلف ولا ينهى عن شيء الا لمفسدة تترتب عليه والله برحمته وحكمته يريد ابعاد الانسان عن هذه المفسدة ومن الواضح ان الإنسان الملتزم بالرسالة السماوية بالإيمان الواعي والتقوى والعمل الصالح اذا نفذ التزامه وفعل ما ينفعه ويرفعه وترك ما يضره ويحطمه مادياً ومعنوياً ـ فلا بد ان ينال ما اراد الله سبحانه ان يناله من الكمال والسعادة .
هذا من الجانب الإيجابي الذي صرحت به هذه الآية المباركة واما الجانب السلبي الذي ذكرته بقوله سبحانه : ( ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) (2) فيحتاج الى مقدار من التوضيح فأقول :
المراد بالتكذيب الذي يترتب عليه عكس ما ترتب على التصديق
وقد أشرت الى مضمون هذه السورة المباركة بالابيات التالية :| والعصر إن المرء في خـسران | * | وشقاوة ومذلة وهـــوان |
| إلا الألى(2) عرفوا الإله وطبقوا | * | نهج الهدى وشريعـة القرآن |
| وغدا يوصي بعضهم بعضاً هنا | * | بالحق والصبر الجميل الباني |
وإذا اردنا ان ندرك بوضوح وجلاء مدى تأثير الرسالة السماوية في سعادة الانسان وتقدمه في مختلف المجالات والميادين فما علينا الا نلقي نظرة على الوضع العام في العالم والخاص في الجزيرة العربية وكيف كان قبل بزوغ شمس الرسالة الاسلامية وكيف اصبحت الامة بعد بزوغها وخروجها بها من الظلمات الى النور ؟ .
كل من اطلع على تاريخ الامم والشعوب يعرف الوضع الجاهلي
وأما المرأة فقد كانت في ظل الوضع الجاهلي سلعة تباع وتشترى في سوق المتاع الرخيص بعد ان فقدت قيمتها وحرمت من حقوقها المادية والمعنوية فلا حق لها في الإرث ويشاركها في الحرمان منه الطفل لانهما ضعيفان لا يقدران على الحرب والتصدي للدفاع إذا تعرضت القبيلة للعدوان من قبل جهة خارجية معادية .
وقد تطور هذا الموقف السلبي تجاه الفتاة الوليدة بصورة خاصة عند بعض القبائل الى درجة الإعدام ودفنها حية اول ولادتها خوفاً من الفقر والعار والى هذه الظاهرة الجاهلية المقيتة اشار الله سبحاهه بقوله :
( وإذا الموءدة سئلت * بأي ذنب قتلت ) (1) .
هذه صورة مختصرة عن الوضع الجاهلي الذي كان سائداً في الجزيرة العربية بين أفراد امتها حيث لم يكن هناك شرع عادل يمنع ولا ضمير انساني يردع وعلى هذا الوضع المتردي يقاس وضع بقية الشعوب والامم في العالم .
وقد اشرت الى ذلك بمقطوعة شعرية نظمت سابقاً والقيت في
وقد تحققت هذه الرحمة على يد هذا الرسول العظيم الرحيم الذي استطاع برحمته وحكمته وصبره وحلمه ان يجعل من تلك الامة الجاهلية التائهة في ظلمات الجهالة والضلالة خير امة اخرجت للناس تأمر بالمعروف بعد فعله وتنهى عن المنكر بعد تركه .
ولم يكن هذا التحول في الوضع الخارجي إلا بعد حدوث التحول والتغير في الوضع الداخلي بتبدل المفاهيم والعقائد والتقاليد من الحالة الجاهلية التائهة الى الحالة الرسالية المهتدية فالشرك العقيدي والعبادي تحول الى التوحيد الخالص في الإيمان والعقيدة والإطاعة والعبادة ـ والظلم والعدوان تحول الى العدل والبر والإحسان حيث اصبح الإنسان في ظل رسالته العادلة الرحيمة يجول في الليل ليقدم صدقة السر ويوزع ويزرع العطف والامان بعد ان كان في ظل وضعه الجاهلي يوزع الرعب والعدوان .
كما تحول من حالة الشح والاستئثار الى حالة الجود والإيثار وقد مدحهم الله سبحانه واثنى على هذه الظاهرة الإنسانية النبيلة بقوله تعالى :
( ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) (1) .
وكذلك تحولت المرأة في ظل الرسالة السماوية العادلة من الوضع الجاهلي المؤلم الى الوضع الرسالي الراحم حيث نالت جميع حقوقها المادية والمعنوية وشاركت اخاها الرجل في الحقوق والواجبات ولا فضل لاحدهما على الآخر الا بالتقوى والعمل الصالح والقيمومة ليست تفضيلاً للرجل على المرأة بل هي تكليف ومسؤولية اقتضتها طبيعته ودوره الخاص كما ان زيادة سهمه في الإرث ليس ترجيحاً وتفضيلا بل هو عدالة ومساواة بلحاظ النتيجة والنهاية التي تفسر وجه الزيادة في البداية لانه يدفع المهر وهي تأخذه ونفقتها مع نفقة الوالدين والاولاد واجبة عليه وحده حتى وان كانت غنية وكان فقيراً لان فقره لا يسقط عنه وجوب نفقتها بل تستقر دينا في ذمته يؤديه وقت التمكن وتفصيل الكلام في محله .
وهكذا تحولت البنت من عار يسبب لوالدها الانفعال واسوداد الوجه وربما تطور ذلك حتى يؤدي الى الدفن والاعدام كما تحدث القرآن الكريم ، الى ريحانة يشمها ويسر بشذاها العاطر في الدنيا والى حسنات يشتري بها نعيم الجنة في الآخرة ـ وقد وردت روايات عديدة حول هذا الموضوع ـ منها ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : « من كانت له ابنتان فرباهما واحسن تربيتهما ضمنت له على الله الجنة » .
وورد أيضاً ما يفيد هذا المضمون بالنسبة الى الاخت وهكذا اعطى
قال سبحانه : ( وعاشروهن بالمعروف ) (1) .
وقال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم : « خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي وإن الرجل ليؤجر باللقمة يضعها في فم زوجته » .
وهناك روايات عديدة تحث الرجل على مساعدة زوجته في بعض الامور المنزلية ورتبت على ذلك الثواب العظيم .
وقال سبحانه في مقام بيان أهمية حق الوالدين حيث اعتبر الإحسان إليهما في الدرجة التالية لعبادته وحده سبحانه :
( * وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً ) (2) .
وفي الآية التالية ذكر الأم على حده بعد ان اوصى الولد بوالديه معاً وهي قوله تعالى :
( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن ) (3) .
ويتجلى مدى اهتمام الإسلام بالمرأة الأم ـ من الرواية المشهورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحاصلها ان رجلاً جاء الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله من أبر ؟ ، قال صلى الله عليه وآله وسلم « أمك » قال ثم من ، قال : « أمك » قال : ثم