
اذا تأملنا في المصدر الفياض الذي تتدفق منه كل معاني الخير وصفات النبل وافعال البر ومواقف الاباء والصدق والوفاء فإننا نجد انه الايمان الصادق والعقيدة الراسخة لانها هي التي تشد المخلوق الى خالقه العظيم الكريم والرحمن الرحيم ليستلهم من صفات كماله وجلاله نفحة عاطرة من ازهار كماله المطلق وقبسة زاهرة من فجر هذا الكمال ـ تجاوبا مع الحديث المشهور القائل : « تجملوا بأخلاق الله تعالى » واذا تأملنا في روح هذا التجمل وجوهره نجد انه العبادة الحقيقية المقربة من الله سبحانه بعد ملاحظة ان المراد من القرب والتقرب منه سبحانه الذي اعتبر قصده شرطا في صحة العبادات الخاصة المعهودة ـ هو القرب المعنوي المؤل بالقرب من رحمته سبحانه ورضوانه ـ لان اخلاقه تعالى تمثل الكمال المطلق وهو سبحانه لم يأمرنا بالعبادة لذاته العظيمة والانقياد لارادته الحكيمة الا من اجل ان ندنو من هذا الكمال فنقتبس من نوره ما يضيء لنا درب السعادة والخير في جميع المجالات ومن جميع الجهات باعتبار انه النور المشرق والخير المطلق والحق المتأملق والعدل الشامل والفضل الكامل والعزة العزيزة والقوة المطلقة والقدرة الخارقة وهكذا الى آخر الصفات الكمالية والإنسان الرسالي المستقيم في خط العبودية الخالصة والمخلصة لله سبحانه عندما يدنو من هذا الكمال بعبادة الله سبحانه وبالتجمل بصفاته الكمالية فهو يبتعد عن الصفات المضادة والافعال المبعدة عن رحمة الله ورضوانه بمعنى انه يبتعد عن الضلال والظلام المعنوي بقدر قربه من الحق وعن الظلم بقدر قربه من العدل وعن الذلة بقدر
وقد برزت هذه الشجاعة الايمانية والبطولة الحيدرية بأوضح صورها ليلة مبيته مكانه في فراشه تمهيدا لهجرته المباركة وقد اشار الله اليها واشاد بذكرها في كتابه الكريم بقوله تعالى :
( ومن الناس من يشري نفسه ـ اي يبيعها ـ ابتغاء مرضات الله والله
| ومواقف لك دون أحمد جـاوزت | * | بمقامك التعريف والتحـــديدا |
| فعلى الفراش مبيت ليلك والعـدى | * | تهدى اليك بوارقا ورعـــودا |
| فرقدت مثلوج الفــؤاد كأنــما | * | يهدي القراع لسمعك التغــريدا |
| رصدوا الصباح لينفقوا كنز الهدى | * | او ما دروا كنز الهدى مرصودا |
وتأتي المعارك المشهورة بعد ذلك ليكون فارس ميدانها وقاتل ابطالها وفرسانها ففي معركة بدر التي وقعت في السنة الثانية من الهجرة قتل المسلمون من المشركين سبعين شخصا قتل علي وحده نصف هذا العدد وشارك المسلمين في قتل النصف الثاني ـ وكان النصر المبين بعناية الله وبطولة علي أمير المؤمنين ـ وفي معركة أُحد التي وقعت في السنة الثالثة من الهجرة قتل علي اولا اصحاب الالوية التسعة فدب الرعب في جيش المشركين وانهزموا الا ان مخالفة الاشخاص الذين طلب منهم الرسول الاعظم مرابطتهم في ذلك المكان الذي كان من المتوقع تسلل الاعداء منه الى داخل الساحة بأسلوب المفاجأة المؤثرة سلبا على سير المعركة ـ اجل : ان هذه المخالفة التي حصلت من اولئك الذين تحرك الحرص على المادة في قلوبهم فتركوا موقعهم ليشاركوا بقية المسلمين في جمع الغنائم ـ وادى تركهم له الى حصول المحذور الذي كان متوقعا للرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم حيث التف المشركون الذين نفذوا منه ـ حول المسلمين فجأة ـ الامر الذي اربك الجبهة الإسلامية وسبب شرود اكثر المسلمين وقتل عدد كثير منهم ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوى عدد قليل وفي طليعتهم الإمام علي عليه السلام الذي جعل من جسمه الشريف درعا يقي به شخص الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فكانت السهام المسددة الى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تصيب جسم علي عليه السلام حتى اصبح جسمه كتلة من الجراح ولولا وجود الإمام علي في هذه المعركة لما حصل النصر الاول
وقد اعجب جبرائيل بهذا الموقف البطولي الذي وقفه الإمام علي على ساحة الصراع الدامي والخطير ووقى شخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الخطر الذي كان محدقا به فقال ان هذه لهي المواساة يا محمد قال صلى الله عليه وآله وسلم : انه مني وانا منه قال جبرائيل : « وانا منكما » وروي ان جبرائيل قال في حق علي عليه السلام بوحي من هذه المناسبة التاريخية : « لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا علي » وهكذا ننطلق في ظلال شخصية علي عليه السلام وهو ينطلق من معركة الى اخرى ليقوم بالدور الذي خلقه الله سبحانه من اجله وهو دور التضحية والفداء والبطولة والاباء وها نحن نحيى معه في اجواء معركة الاحزاب التي تجمع فيها كل خصوم الإسلام من المشركين واليهود بقيادة ابي سفيان في السنة الخامسة من الهجرة واستعدوا لان يهاجموا المدينة الحصن الحصين للاسلام ويهجموا على المسلمين ليقضوا عليهم وعلى قائدهم الاعلى الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم ويقضوا بذلك على الإسلام ويأمنوا من خطره المتوقع ـ وعندما عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما عزم عليه الاعداء استشار اصحابه في اسلوب المواجهة عملا بقوله تعالى : ( وشاورهم في الامر ) (1) . فأشار سلمان الفارسي بحفر الخندق حول المدينة من الجهة التي يتوقع حصول الهجوم من ناحيتها ـ كما كانوا يصنعون في بلاد الفرس ـ واستصوب الرسول رأيه واشترك مع المسلمين في حفر الخندق ـ واخيرا وصل جماعة من الاعداء بقيادة عمرو بن ود العامري الذي كان يعادل الف فارس وجالوا حول الخندق حتى وجدوا جانبا منه قصير المسافة فضرب عمرو هذا فرسه وقفز فوقه الى جهة المسلمين واخذ يجول
وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يومذاك : من لعمرو وقد ضمنت له على الله الجنة ولم يجب طلب عمرو للمبارزة وطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمواجهة سوى علي عليه السلام كلما كرر عمرو طلب ذلك حيث كان يقول كل مرة :
انا له يا رسول الله وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يطلب منه الجلوس وفي المرة الاخيرة قال لعلي : اجلس انه عمرو فرد عليه بطل الإسلام الخالد قائلا وان كان عمرواً فأنا علي بن ابي طالب واخيرا اذن له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فنهض لمبارزته وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حقه كلمته المشهورة : برز الايمان كله الى الشرك كله ـ وبعد حوار دار بين الطرفين ـ سبق عمرو عليا بضربة على موضع سجوده الشريف فرد عليه علي بضربة حيدرية وتر بتر بها ساقيه فسقط صريعا على الارض كالجمل وارتقى علي على صدره ليقطع رأسه فشتمه فتوقف عن قطع رأسه واخذ يمشي قليلا ثم عاد صدره وقطع رأسه وانطلق به نحو المسلمين وهو يمشي مشية العزة والاباء والابتهاج بنصر الله سبحانه له وللمسلمين على الاعداء بقتل قائدهم وقطع رأس شركهم .
وعندما سئل الإمام علي عليه السلام عن سبب توقفه عن قطع رأس عمرو بين سبب ذلك بقوله عليه السلام عندما اردت قطع رأسه شتمني فغضبت وتوقفت عن ذلك حتى هدأ غضبي ليكون قطع رأسه خالصا لوجه الله سبحانه ـ ولا يكون هناك عامل آخر باعث على ذلك ـ .
واخيرا توج الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم هذا الموقف البطولي الذي وقفه بطل الإسلام في سبيل نصرة الإسلام والمسلمين بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ما مضمونه :
ان ضربة علي عمرواً يوم الخندق تعدل عمل الثقلين الى يوم القيامة وفي رواية اخرى كلمة عبادة الثقلين .
والوجه في ذلك واضح يفهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : برز الايمان كله الى

اذا عرفنا ان العبادة التي جعلها الله سبب الخلق والايجاد للكون وكل من فيه وما فيه ـ يراد بها معناها العام وهو الانقياد الكلي لارادة الله سبحانه بكل عمل اختياري يصدر من المكلف بارداته واختياره نعرف بذلك ان كل التصرفات الارادية والاعمال الاختيارية التي صدرت من المعصومين الانبياء واوصيائهم ومن ألحق بهم من الاولياء والمؤمنين الصلحاء الملتزمين بخط السماء بالايمان الصادق والعمل الصالح كانت عبادة لله سبحانه مقربة منه زلفى لان جميع تصرفاتهم الاختيارية كانت منسجمة مع ارادته تعالى وبذلك ندرك نوع عبادة الإمام علي عليه السلام من حيث الكيفية كما ندرك مدى سعتها وامتدادها في حياته الشريفة من جهة المقدار والكمية ـ والروايات التي تحدثنا عن وضعه الخاص حال قيامه بين يدي الله سبحانه للصلاة ـ ترسم لنا الصورة التفصيلية عن كيفيتها ونوعيتها الخاصة التي كانت تتمثل بالذوبان والفناء في ذات الله سبحانه حباً وقرباً وخشوعا ودموعا ـ الامر الذي كان يغيب به عن عالمه المادي ليصبح في عالم آخر على حد غياب الإنسان الذي تعطى له ابرة البنج ليغيب بها حسه واحساسه بالالم وغيره من العوارض الطارئة على الجسم ـ ويؤكد لنا ذلك ما روي عن ولده الإمام الحسن عليه السلام من انه كان ينتظر وقت دخول والده في الصلاة لينتزع من جسمه السهام التي كانت تنبت في جسمه الشريف وقت الحرب ـ علما منه بعدم شعوره واحساسه عليه السلام بالالم اذا اخرجت من جسمه السهام حال قيامه بين يدي الله سبحاه في صلاته الخاشعة ـ وعظمة الصلاة بالنسبة الى هذا الإنسان العظيم تتمثل بالخشوع
وبهذا الحضور المعنوي الدائم لعظمة الله سبحانه في عقل المؤمن وقلبه يتحقق الخشوع والخضوع له سبحانه حال الصلاة وبعدها ونتيجة ذلك تحقق الغاية الاساسية المقصودة من تشريع الصلاة وهي الانتهاء عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله سبحانه في كتابه الكريم لان الصلاة الواعية الخاشعة تقرب صاحبها من الله الحق والهدى والعدل والخير المطلق كما تقدم ومن لوازم القرب من هذه المعاني السامية الابتعاد عن اضدادها ليكون القرب من الحق في العقيدة والشريعة والممارسة سببا للبعد عن الباطل في ذلك كله وكذلك يكون القرب من الهدى مقتضيا للبعد عن الضلال والقرب من العدل يكون سببا للبعد عن الظلم بكل اقسامه والقرب من الخير المطلق يكون مقتضيا للبعد عن الشر بكل انواعه .
وبذلك نعرف الميزان الصحيح الذي يميز به بين العبادة الكاملة شكلا وهدفا وهي التي تترتب عليها غايتها ـ والعبادة الناقصة التي تفقد شرط صحتها او شرط كمالها .
والدرس الذي يطلب منا ان نستفيده من عبادة الإمام علي عليه السلام هو اداراك الغاية الاساسية المطلوب ترتبها على العبادة لتكون كاملة تقربنا من الله سبحانه ورضوانه الذي يعود علينا بالخير العميم والنفع الجسيم في الدنيا والاخرة واذا دققنا النظر وعمقنا الفكر لاستجلاء تلك الغاية المقصودة من العبادة بمعناها العام ـ ندرك انها التقوى التي تتمثل بفعل الواجبات وترك
( ولو ان اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ) (1) .
وقال تعالى :
( ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لايحتسب ) (2) .

حيث كان الحديث عن شخصية الإمام علي عليه السلام بوحي من مناسبة شهادته السعيدة المسعدة له ـ والتي حصلت في الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة 40 هجرية ـ اقتضى ذلك ان اقدم حديثا عن الشهادة ودورها الطليعي في قيام الدين وتشييد صرحه السامي الخالد ـ في البداية وفي بقائه سالما من الانهيار امام التحديات والاعتداءات الفكرية والعسكرية التي شنت ولا تزال تشن ضده بين الحين والاخر ـ بلحاظ النهاية ـ وحيث ان الشهادة والاستشهاد لا يتحققان غالبا الا في ساحة التضحية والجهاد في سبيل الله سبحانه فلا بد من تقديم كلمة ولو مختصرة عن اهمية فريضة الجهاد ودورها الفعال في حفظ الرسالة الإسلامية وصونها من الاخطار التي تهدد كيانها المعنوي وتمنع من انطلاقها واشراقها في سماء الحياة لتنيرها بأضواء الهداية والرقي والتقدم في جميع المجالات ومن جميع الجهات فأقول :
« إن عظمة الجهاد والتضحية في هذا السبيل مستمدة من عظمة هذا الدين الذي هو المصنع المعنوي الرباني الذي تصنع فيه وبه انسانية الإنسان وتبنى شخصية الرسالية المثالية التي يصبح معها افضل من الملائكة ولم يكن امر الله سبحانه الملائكة بالسجود لادم الى من اجل ان يشير الى هذا المعنى .
واذا لا حظنا ان الدين حق بأصوله وفروعه وكل ما يتصل به . والحق كان ولا يزال محاربا من قبل اهل الباطل عبر التاريخ فكريا وعسكريا لانه بطبعه يقتضي تقييدهم بقيود العدل والشرف والفضيلة وتأبى عليهم اهواؤهم
« اليوم يوم المرحمة اليوم تحمى الحرمة ـ مع قوله الاخر الذي اكد به الاول وهو قوله عليه السلام من القى سلاحه فهو آمن ومن دخل بيته فهو آمن ومن دخل بيت ابي سفيان فهو آمن » .
وبهذا الشعار المقدس الذي يترجم حقيقة الإسلام بما يحمله في طيه من قيم الرحمة والسماح واليسر والانفتاح ـ كان الفتح الحقيقي والانتصار الواقعي الذي يسعى اليه الإسلام في كل مواقفه ومعاركه الفكرية والعسكرية ـ وهو فتح القلوب والبصائر على نور الحق والهدى وانتصار الخير على الشر والفضيلة على ضدها .
وقد تحقق الهدف المقصود من وراء ذلك الفتح السلمي الإنسان ي الذي حصل بعون الله وتأييده بدون ان تسفك قطرة دم واحدة ـ وهو ـ اي الهدف المقصود ـ دخول الناس بعد ذلك في دين الله افواجا ـ بعد ان عرفوا حقيقته وادركوا غايته وهي الرحمة الشاملة والاخلاق السامية والمكارم العالية كما ورد التصريح بذلك في قوله تعالى :
( وما ارسلناك الا رحمة للعالمين * ) (1) .
وبما اشتهر نقله عن لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق » .
وحيث ان للجهاد قيمته السامية ودوره الطليعي في صون الرسالة من الانهيار امام اعتداء المعتدين كما تقدم فقد حثت الشريعة المقدسة عليه ورغبت فيه وامرت به بأسلوب خاص لم تستعمله في مقام ايجاب سائر الفرائض الشرعية كما يظهر بالتأمل في مضمون واسلوب الايتين الكريمتين التاليتين كما ورد التعبير عن اهمية الجهاد في العديد من الروايات بالاسلوب المقارب للاسلوب القرآني .
الاولى من الايتين المذكورتين قوله تعالى :
( إن الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقْتُلونَ ويُقْتَلون وعداً عليه حقا في التوراة والانجيل والقران ومن اوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم * ) (2) .
والثانية قوله تعالى :
( ياأيها الذين آمنوا هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وانفسكم ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم * ) (3) .
ومن الروايات الواردة في مقام بيان فضل الجهاد واهميته في الإسلام
وروي عن الإمام علي عليه السلام قوله : ما حاصله « لالف ضربة بالسيف أحب اليّ من ميتة على فراش » وقوله ايضا : « ان الجهاد باب من ابواب الجنة فتحه الله لخاصة اوليائه » وقوله عليه السلام : « الايمان اربعة اركان الصبر واليقين والعدل والجهاد » وعن الصادق عليه السلام قوله : « اصل الإسلام الصلاة وفرعه الزكاة وذروة سنامه الجهاد » .

وقد بين الله سبحانه مقام الشهيد ومنزلة الشهادة السامية المترتبة على الجهاد في سبيل الله بقوله تعالى :
( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون * ) (1) .
وقوله سبحانه :
( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله امواتا بل احياء ولكن لا تشعرون * ) (2) .
وقد تقدم ان قيمة الجهاد والشهادة والاستشهاد مستمدة من قيمة الدين ودوره الطليعي في صنع انسانية الإنسان وبناء شخصيته الرسالية وتحقق الغاية الاساسية السامية التي خلق الله الكون والإنسان من اجلها وهي عبادته وحده لا شريك له ـ وذلك باعتبار توقفها على انزال الله سبحانه التشريع السماوي والايمان بأصوله وفروعه والعمل بمقتضاها كما تقدم مفصلا وقد ذكرت اكثر من مرة في اكثر من مورد ان الله سبحانه لم يخلقنا للعبادة ويوجبها علينا الا من اجل ان نتوصل بها الى الكمال والسعادة ـ وتظهر هذه الحقيقة جلية بالمقارنة السريعة بين وضع الإنسان قبل بزوغ فجر الإسلام على آفاق الوجود ووضعه بعده ففي العهد الاول كان حيوانا مفترسا وفي العهد الجديد اصبح بشرا سويا وانسانا وفيا ومؤمنا وليا لله تعالى عابدا له وحده لا شريك له بعد

وبعد بيان اهمية الجهاد وقيمة الشهادة والاستشهاد في سبيل الله تعالى احب ان اشير باختصار الى العوامل التي ساهمت في استشهاد الإمام علي عليه السلام بالسبب الذي حصل له فاقول :
ان العوامل التي ساهمت في تحقق شهادته عديدة ابزرها الحسد اللئيم والحقد الدفين والحرص اللعين ـ اما مصدر العامل الاول فهو بلوغ الإمام علي عليه السلام اعلى مراتب الفضل والمجد والسؤدد من عدة جهات وقد اعترف بعضهم بهذه الظاهرة النادرة اللافتة بقوله :
« لقد كنا ننظر الى شخص علي بن ابي طالب في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالبدر بين النجوم ـ وبقدر ما تعلو مرتبة الشخص بالفضل والفضيلة فإن حساده يكثرون وقد اعتبر بعض الشعراء تفوق شخصية الإمام علي عليه السلام وبروز مقامه عذرا لحاسديه حيث غطى نور فضله المتألق على اضواء غيره كما يغطي نور الشمس على ما عاداها من النجوم اللامعة والكواكب الساطعة ـ فقال ذلك الشاعر
واما الحقد الدفين فسببه ادخال الإمام علي عليه السلام الحزن والثكل الى اكثر البيوت نتيجة قتله العدد الكثير من اعداء الإسلام في المعارك الدامية التي خاضها للدفاع عنه وصونه من اعدائه اللئام وحيث ان الإسلام الذي دخلوا
ومن المعلوم ان هذه الشدة في تطبيق الاحكام الشرعية وخصوصا فيما يتعلق بالقضايا المالية لا تنسجم مع طبق وطمع الكثيرين ممن تعودوا على خلاف ذلك وعلى الاخص بعد اعلانه العزم على استرجاع ما يستطيع ارجاعه من مال بيت للمسلمين الذي اخذ منه وصرف في مورد غير مشروع او على شخص غير مستحق حتى ولو تزوج به النساء واشتريت به العبيد والاماء .
والجامع المشترك بين الاسباب الثلاثة التي ساهمت في اطفاء نور الحق بالقضاء على شخص كان مع الحق كما كان الحق معه كما اخبر الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو عدم الايمان او ضعفه الى درجة يصبح معها بحكم العدم ـ وذلك لان المؤمن حقا لا يحسد ولا يحقد ولا يطمع بغير رحمة الله ورضوانه .
وحيث ان الشهادة كانت الحلم السامي والامل الوضاء الذي سعى في سبيل تحصيله سابقا وقوي تطلعه لادراك هذه الامنية ليلة المبيت في فراش الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويوم أُحد وشاءت الحكمة الالهية ان تؤخر له ادراك هذا الهدف الغالي العالي .
أجل : حيث ان الشهادة كانت الامنية العزيزة المحبوبة للامام عليه السلام وتوفق اخيرا لادراكها في اشرف ليلة وهي ليلة القدر وافضل شهر وهو شهر الله واشرف مكان وهو بيت الله وحال قيامه بأفضل عمل هو عبادة الله التي تمثلت بصلاة الصبح يومذاك .
لذلك استقبلها الإمام بصدر رحب وقلب مشرق بنور السرور والسعادة التي احس بها حين ظفره بسبب الشهادة وقد عبر عن فرحه الروحي وابتهاجه النفسي بقرب لقائه بالحبيب الحبيب وهو الله سبحانه بقوله : بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله فزت ورب الكعبة .