
وكما استفدنا بعض الدروس من عبادته عليه السلام ينبغي ان نستلهم بعضا منها بمناسبة شهادته واهم درس يمكن ان نستفيده من هذه المناسبة العظيمة هو ان نبقى مع الحق كما كان الإمام معه يدور معه حيثما دار ونجاهد في سبيل نصرته والدفاع عنه ولا نساوم عليه ولا نتنازل عنه مهما كانت التضحيات والصعوبات وبذلك نكون مع علي عليه السلام ومن شيعته حقا الذين ينالون في الدنيا احترامه ومحبته وفي الآخرة شفاعته ويسرني في ختام الحديث المختصر عن شخصية الإمام علي عليه السلام ان اهدي الى هذه الشخصية الفذة المقطوعة الشعرية التالية : | حي الوصي وحي العـلم والعــملا | * | حي الأبي الكمي الفارس البــطلا |
| حي الإمام الـذي صـانت مواقــفه | * | شرع السماء ـ بما اعطى وما بذلا |
| لولا مبيت علي الطــهر ما سلـمت | * | حياة أحمد مما حـــيك بل قـتلا |
| لولاه لولاه في بــدر وفـي احــد | * | ما تم لجيش الحق بـــل خــذلا |
| لولاه لولاه في الاحزاب ما انهـزمت | * | وما تحقق للمــختار مـا أمــلا |
| لولا بـطولته فـي خـيبر ذهــبت | * | تلك الجهود ونالت كلهـا الفــشلا |
| ومن سواه بيوم الفـتح قـال لــهم | * | اليوم مرحمة نحيي بـها المـــثلا |
| ومن سواه سما قـــدرا ومــنزلة | * | وفوق منكب خير المرسلــين علا |
| وطهر البيت من اصـنام شــركهم | * | وكان للحق في توحيــده مــثلا |
| ومـن سواه ببيت الله مــولده | * | فضل تنال به تكريمها الفضلا |
| ومن سواه من المحراب كان له | * | حلم الشهادة لما فاز مرتـحلا |
| في بيت خالقه كانت ولادتــه | * | ومنه للفوز بالنعمى قد انتـقلا |

من الحوادث التاريخية التي حدثت في شهر رمضان المبارك حادثة فتح مكة المكرمة وهي حادثة ذات اهمية قصوى تقتضي الاهتمام والنظر إليها بعين الفكر والبصيرة النافذة من اجل ان تستوحي منها الدروس والعبر المفيدة .
ولهذه الحادثة سببها المؤدي اليها نتيجتها الايجابية المترتبة عليها والدروس التربوية التوجيهية التي يمكن استفادتها منها .
اما سببها فهو مجموع امرين ـ الاول الصلح (1) الذي حصل بين المسلمين الممثلين بالرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم وقريش ممثلة بسهيل بن عمرو ـ وذلك عندما عزم الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم على زيارة بيت الله الحرام في مكة المكرمة بقصد العمرة في السنة السادسة من هجرته المباركة الى المدينة المنورة فلم توافق قريش على ذلك لانها ترى فيه نوعا من الاذلال لها حاصلا بدخول مكة عنوة بدون سابق مفاهمة معها واخيرا تم الصلح بين الطرفين والاتفاق على تأجيل الرسول زيارة بيت الله الحرام الى العام القادم ضمن شروط اتفق عليها الفريقان وكان من جملة هذه الشروط ان يكون دخول المسلمين في العام القادم بدون الظهور المسلح ـ باستثناء سلاح الراكب بشرط وضعه في قرابه ومن الشروط ارجاع المسلمين من يأتي اليهم مسلما من قريش ـ الى اهله في مكة وعدم التزام قريش بارجاعها من يأتي اليها مرتدا من المسلمين ـ وهناك شروط اخرى لم اذكرها للاختصار وبعد الاتفاق على الشروط الخاصة دعا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام لأن يكتب وثيقة
باسمك اللهم هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ومن معه من المسلمين ـ سهيل بن عمرو ومن معه من اهل مكة على ان الحرب مغلولة فلا اغلال ولا اسلال (1) ولا قتال وعلى ان لا يستكره احد على دينه وعلى ان يعبد الله بمكة علانية وعلى ان يخليها له في قابل ثلاثة ايام فيدخلها بسلاح الراكب وتخرج قريش كلها من مكة الا رجلا واحدا من قريش يخلفونه مع محمد واصحابه الخ .
هذا حاصل الامر الاول من مجموع الامرين اللذين شكلا معا سبب حصول الفتح وهو امر اساسي معنوي كما لاحظنا .
واما الفتح الثاني فهو عسكري وحاصله : انه بعد حصول الاتفاق على الصلح وتوقيع الطرفين على شروطه المحددة ـ اتفق ان حصل من رجل ينتمي الى قبيلة بكر تغن بهجاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على مسمع من رجل هو من قبيلة
واخيرا : تحقق له مراده حيث دخل مكة فاتحا منتصرا واضعا جبهته الشريفة على قربوس فرسه تواضعا لله سبحانه وحياء من قومه وامر الإمام عليا بأن يدخل الراية ادخالا رفيقا مرددا شعار السلم والامان بقوله عليه السلام اليوم يوم المرحمة اليوم تحمى الحرمة ـ واكد ذلك بقوله عليه السلام ايضا :
من القى سلاحه فهو آمن ومن دخل بيته واغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل بيت ابي سفيان فهو آمن وعندما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكعبة الشريفة وكان فيها عدد كثير من اعدائه لجأوا اليها خوفا وتهيبا قال لهم : « ما تظنون اني صانع بكم » قالوا : « اخ كريم وابن اخ كريم » فقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم : « اذهبوا فأنتم الطلقاء » .
تحصل من مجموع ما تقدم ان فتح مكة المكرمة على الوجه الذي حصل نتج من مجموع امرين الاول سياسي وهو معاهدة الصلح والثاني عسكري تمثل بمخالفة قريش ونقضها للعهد بالعمل العسكري الذي قامت به مع حليفتها قبيلة بكر ضد قبيلة خزاعة حليفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واما النتجية الايجابية التي ترتبت على هذا الفتح المبارك فهي واضحة لانه ادى لان يفهم
وما الدروس التي يمكن استلهامها من قصة الفتح فكثيرة سأقتصر على ذكرها اهمها وهي كما يلي .

الدرس الاول : من هذه الدروس هو درس في ايثار الحل السلمي في مقام الصراع وعدم اللجوء الى العنف والحل العسكري الا وقت الحاجة الماسة والضرورة الملحة ـ فيلجأ اليه حينئذ كما يلجأ الطبيب الحكيم الى الدواء المر والعملية الجراحية عندما يتوقف العلاج وحفظ حياة المريض على ذلك ـ واستفادة هذا الدرس كانت من موافقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الحل السلمي الذي تم الاتفاق عليه بين الطرفين ولم يصر على الحل العسكري حتى ولو كان مؤديا الى النصر المادي العسكري ـ وذلك لان الحرب لا تطلب في الإسلام لذاتها وانما تطلب لما يترتب عليها من نفع كثير او دفع ضرر خطير ـ فإذا كانت لا تؤدي الى هذا الهدف الإنساني فهي تفقد مبررها وقد اكد الله سبحانه هذه الحقيقة بقوله تعالى مخاطبا نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
( * وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم * ) (1) .
الدرس الثاني : في التواضع والتنازل عن بعض الاعتبارات في سبيل تحقيق هدف كبير ومصلحة عليا متوقفة عليه وقد حصل ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكانين من المعاهدة المذكورة الاول عندما كتب الإمام علي البسملة
الثاني : عندما كتب الإمام علي عليه السلام بطلب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم العبارة التالية : « هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله الخ ولم يوافق على ذلك سهيل وطلب محوها والاقتصار على اسم الرسول مجردا عن وصف الرسالة » .
وذلك لان الرسالة الإسلامية المباركة التي جاءت رحمة للعالمين ولانقاذ الناس اجمعين ـ قد بلغت من الاهمية درجة تقتضي ان يضحي في سبيلها بالانفس النفيسة والابناء الاحباء والاخوة الاعزاء والاصحاب الاوفياء كما حصل من الحسين عليه السلام ذلك كله عندما تعرض الدين للخطر كما هو المعلوم فبالطريق الاولى ان يضحى بما هو اقل من ذلك في هذا السبيل .
الدرس الثالث : في احترام العهود والمواثيق مهما كان ذلك صعبا وكلف من تضحيات جسام ـ لان ذلك تأكيد لمصداقية اسلام المسلم وتعميق لتعاليم الدين في نفوس ابناء المجتمع وخصوصا اذا كان الوفاء بالعهد مع غير المسلم ـ فإن ذلك يرغبه في الانتماء الى الدين الإسلامي والسير على نهجه القويم بعدما يدرك واقعيته وعدالته الاصيلة التي تشمل بنفحاتها العاطرة حتى غير المسلمين وبذلك يعرف المراد من قول الإمام الصادق عليه السلام وهو يوصي شيعته بتطبيق تعاليم الدين والتجمل بمكارم اخلاقه مع الناس اجمعين حتى مع الاشخاص الذي يختلفون معهم في التوجه الديني او المذهبي او السياسي لان ذلك هو طبيعة الرسالة الإسلامية التي شاءها الله سبحانه ان تكون كالشمس تشرق على كل الناس وتمدهم بنورها الوضاء وحرارتها المنعشة وكالمطر الذي ينزل على الارض كلها بلا استثناء .
وقد تمثل الوفاء بالعهد والاتفاق المبرم بين الطرفين ـ بارجاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعض من جاءه الى المدينة من مكة مسلما هاربا بدينه من قومه
انه ليس عليه بأس انما يرجع الى أبيه وأمه وإني اُريد ان اتم لقريش شرطها ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى المدينة وانزل الله عليه في الطريق سورة الفتح مخاطبا له بقوله تعالى :
( انا فتحنا لك فتحا مبينا * ) (1) .
الدرس الرابع : من الدروس التي يمكن ان تستفاد من حادثة فتح مكة ـ درس في الشكر لله سبحانه على نعمة الفتح والانتصار ويستفاد ذلك من الهيئة والحالة التي كان الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم متلبسا بها حين دخوله مكة المكرمة ـ وهي حالة وضع جبهته الشريفة ـ على قربوس فرسه معبرا بذلك عن شكره لله سبحانه الذي امده بالنصر العظيم والفتح المبين بدون حصول مواجهة عسكرية هي منافية لحرمة البيت الحرام ولطبيعته الحليمة الرحيمة وذلك بسبب ذوبانه في ذات الله حبا وقربا والله سبحانه ارحم الراحمين وقد بعثه رحمة للعالمين وقد عبر عن ذلك بالشعار الذي أمر الإمام عليا برفعه حال دخول مكة المشرفة وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « اليوم يوم المرحمة اليوم تحمى الحرمة » .
ثم اكد ذلك بشعاره السلمي الثاني الذي قال فيه : « من القى سلاحه فهو آمن ومن دخل بيته واغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل بيت ابي سفيان فهو آمن » .
وقد اراد الإمام علي عليه السلام بحصول الأمن لمن يدخل دار ابي سفيان ان
( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * ) (1) .
والسنة النبوية بقولها وفعلها مترجمة لتعاليم الإسلام ومجسمة لاخلاق القرآن فمن القولية ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله للامام علي عليه السلام :
« يا علي ثلاث من مكارم الاخلاق تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك » . ومن الفعلية عفوه عن قومه المشركين عندما ظفر بهم وتمكن من عقوبتهم في قصة فتح مكة المتقدمة والإمام علي نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنص آية المباهلة ولذلك كان صورة اخرى عنه بتجمله بمكارم الاخلاق التي كان الرسول الاعظم متجملا بها وقد مدحه الله سبحانه على ذلك بقوله تعالى :
( وانك لعلى خلق عظيم * ) (2) .
وكما صدر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قول يدعو الى العفو وفعل ممثل للعفو العملي فكذلك الإمام علي وابناؤه عليهم السلام فمن قوله عليه السلام : ما روي عنه من قوله عليه السلام : « اذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه » ومن عفوه الفعلي ما روي عنه من عفوه عن خصومه يوم الجمل وسماحه لمعاوية وجيشه بورود المشرعة يوم صفين بعد منعهم الإمام عليا وجيشه من
وهناك دروس اخرى يمكن ان تستوحى من قصة الفتح باعتبار ان كل واحد من الرسول الاعظم والوصي الاكرم علي عليه السلام يمثل الإسلام العملي المتحرك والقرآن الناطق فكل تصرف يصدر منهما يعتبر تجسيما حيا لما في هذا الإسلام العظيم وذلك القرآن الكريم من مثل رفيعة وتعاليم سامية ونفس الشيء يقال بالنسبة الى البقية من ابناء علي المعصومين المطهرين وامهم المعصومة ام ابيها فاطمة الزهراء سلام الله عليهم جميعاً لان الكل نور واحد .
ويسرني ان اختم الحديث حول قصة الفتح بالمقطوعة الشعرية التالية التي نظمت مؤخرا بوحي من هذه المناسبة التاريخية الخالدة .| ما الفـتــح فتـح للــبلاد | * | بقوة السيـــف المبيــده |
| لكـنه فتــح القــلــوب | * | بنـــور اخلاق حميــده |
| وبـذاك اقـبلـت الوفــود | * | لهــا بأفـواج عــديـده |
| من بعدمــا وجـدت بشرع | * | الحق انظمــة سـديــده |
| تـدعو الــورى لعــبادة | * | لله نــافـعــة مفيــده |
| بالانقيـــاد لمـا يريــد | * | وفعل مــا يجـدي عبيـده |
| فهم العيـــال ويــرتقى | * | من خصهــم فـي الله جوده |
| هذا هـو الفتــح الــذي | * | بـمــودة نـغدو جنــوده |
| نحميــه من شر الطـغاة | * | ونبتغــي ابـدا صــعوده |
| ليظــل حـصنا واقــيا | * | يحمي بــه وطني حـدوده |

ويأتي الحديث مؤخرا من وحي هذه الليلة المباركة ليكون مسك الختام لهذا الكتاب باعتبار كونها احدى المناسبات الدينية التي تحيى في شهر رمضان المبارك والحديث من وحي هذه الليلة الغراء يكون عادة في ثلاث جهات .
الاولى : يبين فيها الوجه في تسميتها بليلة القدر وقد وجه ذلك بعدة وجوه واعتبارات فقيل : سميت بذلك باعتبار ان الله سبحانه يقدر فيها كل ما يجري على الإنسان من حوادث وطوارىء في سنته الحالية الى سنته التالية ـ وقيل سميت بذلك لان الله سبحانه يعطي للاعمال التي يؤتى بها فيها قيمة رفيعة ومنزلة سامية بلحاظ درجة الثواب المترتب عليها بحيث يكون ثواب العمل المأتى به فيها معادلا لثواب عمل ألف شهر مجرد عن هذه الليلة ولذلك وصفت بأنه خير من الف شهر ـ وقيل سميت بذلك لان الله سبحانه انزل فيها كتابا ذا قدر على نبي ذي قدر من اجل امة ذات قدر على يدي ملك ذي قدر ـ وهو جبرائيل .
الجهة الثانية : يبحث فيها عن فضل هذه الليلة ويكفيها فضلا وشرفا مضاعفة ثواب الاعمال الواقعة فيها ليبلغ مقدار ثواب الاعمال الواقعة في الف شهر مجرد عنها مضافا الى شرف نزول القرآن الكريم فيها واستجابة الدعاء ونحو ذلك من الخصوصيات الشريفة والمشرفة لهذه الليلة المباركة .
والجهة الثالثة : يبحث فيها عدة عن تحديد هذه الليلة وبيان انها اية ليلة
( يايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * ) (1) .
وبعد معرفة روح الاعمال التي يؤتى بها بعنوان العبادة والتعبد لله سبحانه سواء كانت واجبة ام مستحبة في شهر رمضان ام في غيره ـ نستطيع ان نعرف نوعها وواقعها من حيث الحياة والموت ومن حيث القوة والضعف
وبقليل من التدبر ندرك روح الاعمال التي هي مصدر حياتها وتحركها نحو الهدف المقصود منها ـ وهي
إخلاص المؤمن العامل في نيته مع فرض رجحان العمل ومحبوبيته لله في ذاته ـ ومعنى الاخلاص في النية ـ ان يكون الباعث الى العمل امر الله سبحانه مجردا عن اي باعث اخر مؤثر في صدور العمل بحيث يكون متمما لباعثية الامر الالهي ـ والغاية الاساسية المقصودة من كل الاعمال المطلوبة لله سبحانه ـ هي تقواه المتمثلة بفعل الواجبات وترك المحرمات ـ وعلى ضوء معرفة ما هو روح الاعمال وما هي الغاية المستهدفة بها ـ ندرك نوعية العمل وهل هو حي بحياة قوية تدفعه وتحركه نحو الهدف او ضعيفة لا تحركه اصلا او تحركه بحركة بطيئة جدا لا تساعده على بلوغه او هو ميت لا حياة فيه ولا حركة له ليصبح بحكم المعدوم .
ومن الواضح ان القسم الاول من الاعمال هو المطلوب لله سبحانه والمقرب منه وهو الصادر من المكلف بدافع التعبد
لله سبحانه والتقرب منه وحده لا شريك مع ايصاله الى الهدف المنشود والغاية الاساسية المقصودة واما بقية الاقسام فهي بحكم العدم اما لفقدها روح الاخلاص ووقوعها ميتة من اول وجودها او لفقدها القوة المحركة نحو تلك الغاية وبذلك تعرف كيفية احياء ليالي القدر وايامه وشهره وسائر الليالي والايام والشهور ـ وندرك ان الاحياء الحقيقي للوقت كله ولشهر ورمضان ولياليه وايامه بصورة خاصة ـ لا يتحقق الا اذا كانت الاعمال التي نأتي بها بعنوان التعبد لله سبحانه والتقيد بنظام عبادته ـ واجدة للحياة النابضة بالنشاط والحيوية الدافعة لصاحبها نحو الهدف الكبير ـ لان واجد الحياة في ذاته يستطيع ان يمد بها سواه ليصبح مثله في الحيوية والحركة في طريق الغاية الكبرى واما الاعمال التي تقع سقطا فاقدة لروح الاخلاص ان تكون واجدة لهذه الروح
اما هذه الاعمال فلا يتحقق بها احياء اي وقت تقع فيه سواء كان وقت شهر رمضان بلياليه وايامه ام غيره ـ والسر في ذلك واضح ـ لانها بعد ان كانت ميتة او بحكم الميتة فلا يتوقع منها افاضتها لروح الحياة على غيرها ولهذا اشتهر القول المأثور : فاقد الشيء لا يعطيه وعلى ضوء هذه الحقيقة الايمانية الموضوعية ـ ندرك جيدا ان الشخص الذي يتوفق للاخلاص في العمل ولتحقيق الغاية الاساسية المقصودة منه وهي تقوى الله سبحانه والتقيد بأحكامه الشرعية بفعل المأمور به وترك المنهي عنه يكون عمله هذا حيا وذا قيمة وقدر لتصبح كل ليلة يأتي به فيها قدر وكل يوم يوم قدر كما يصبح كل شهر يمسك فيه عما حرم الله تحقيقا لغاية الصوم ـ شهر رمضان حتى ولو كان ذلك العمل قليلا من الناحية الكمية عندما يقتصر على الاتيان ببعض الاعمال الواجبة او المستحبة بتوجه واخلاص ووعي للغاية والتزام بتحقيقها ـ وعلى العكس من ذلك العمل الذي يكون ميتا فاقدا لروح الاخلاص ـ او ضعيفا فاقد لقوة الوعي التي تحركه في خط الهدف ـ فمثل هذا العمل يكون بحكم العدم مهما كان كثيرا في الكمية ومثيرا للاعجاب من جهة الصورة والكيفية ـ وذلك لان الاعمال بالنيات كما ورد عن اهل البيت عليهم السلام ولان الله سبحانه ينظر الى القلوب والاعمال لا الى الصور والاموال كما ورد في حديث آخر .
وخلاصة هذا الحديث الذي قدمته بمناسبة ليلة القدر ـ هي ان الاعمال التي جرت العادة على الاتيان بها في ليلة القدر مثل قراءة سور خاصة مضافا الى قراءة القرآن بصورة عامة مع الصلوات المعينة والادعية المخصوصة ونحو ذلك من مستحبات هذه الليلة كزيارة الحسين عليه السلام والغسل ـ هذه الاعمال وان كانت مستحبة في الشرع ومسببه لنيل الاجر والثواب
( أفلا يتدبرون القران أم على قلوب اقفالها * ) (1) .
والتدبر الواعي يوحي لنا ان المقصود من تلاوة آيات هذا الكتاب الكريم ـ هو العمل بمقتضاه والسير على ضوء هداه لانه كتاب تربية ودستور عمل ومنهج حياة ولم ينزل لمجرد التبرك بتلاوته وتحصيل الثواب بقراءته لينال القارىء هذه الفائدة بمجرد التلاوة وعلى ضوء معرفة الغاية الاساسية
ندرك ان القارىء لآياته المباركة بدون تدبر لمعانيه والتفات ولو اجمالا ـ لمراميه بمعنى ان القراءة كانت مطلوبة لذاتها كما هو شأن الكثيرين ممن يقرأون القرآن في شهر رمضان المبارك بسرعة خاطفة وكل همهم ان يقرأوا القرآن كله اكثر من مرة لينالوا بذلك الثواب الاكثر .
اجل : على ضوء معرفة الغاية الاساسية المقصودة من انزال القرآن الكريم وهي نفسها مقصودة من تلاوته ـ ندرك ان التلاوة المجردة عن التدبر الواعي يكون ثوابها قليلا ـ وربما فقد الثواب وحل مكانه استحقاق العقاب اذا كان لا يتمثل امرا بواجب ولا نهيا عن حرام فيترك الحج مع استطاعته والصلاة مع تلاوته الايات الامرة بها ـ كما يترك تأدية الفريضة المالية من الخمس والزكاة مع تعلقها بمالها وبعضهم يلتزم بالصلاة في خصوص شهر رمضان ويتركها في غيره نتيجة جهله بالغاية الاساسية التي شرع الصوم من اجلها وهي التقوى كما سبق ـ وهي لا تتحقق الا بفعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات في جيمع الاوقات كما هو واضح ـ فمثل هذا الشخص يكون صومه ناقصا وكذلك من لا يتورع بترك المحرمات وخصوصا الغيبة والنميمة والكذب ونحو ذلك من المحرمات الكبائر وهو المقصود بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : رب صائم ليس له من صومه الا الجوع والعطش وكذلك من يصلي ويقتصر على صورة الصلاة من دون ان يعرف فلسفتها ويدرك غايتها وهي الانتهاء عن الفحشاء والمنكر وهو المعنى بقول الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد عن الله الا بعدا ـ ونفس الشيء يمكن ان يقال بالنسبة الى من يكتفي بتلاوة آيات القرآن الكريم ولا يتدبر معناها ولا يعمل بمقتضاها لانه يكون شبيها بالشخص الذي يحمل المصباح بيده ولا يفتح عينيه على نوره ليستفيد منه ويسلم من العثور هذا كله بالنسبة الى تلاوة القرآن الكريم وخصوصا في الشهر المبارك وعلى الاخص في ليالي القدر وايامه ـ واما الصلاة المستحبة
( واذا سألك عبادي عني فإني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون * ) (1) .
فإنه يفهم من قوله تعالى ان الايمان به واستجابة دعوته للعمل بهذا الايمان هو شرط لاستجابته دعاء من يدعوه وقد عبرت بالشروط مع ان المذكور في الآية المذكوره شرطان لاستجابة دعاء الداعي ـ وهما الايمان بالله والعمل بهذا الايمان الذي عبر الله عنه بالاستجابة ـ وذلك بلحاظ الشروط الاخرى المذكورة في محلها لاستجابة الدعاء .
ويسرني في ختام الحديث عن ليلة القدر ان اختمه بالمقطوعة الشعرية التي نظمتها مؤخرا بوحي من مناسبتها المباركة وهي كما يلي :
| ليلة القدر سمو وارتـقاء | * | ومعان ترفع القدر وضـاء |
| وصلاة ننتهي عن منكـر | * | بهداها وزكـاة وعطــاء |
| وصيام يثمر التقوى لـنا | * | مثلما يبغي الهي ويــشاء |
| وجهاد اكبر يطوي بــه | * | عن سماء النفس حقد وعداء |
| ذلك القدر الذي نصبو له | * | موقف حر وصدق ووفـاء |
| لنعيش القدر حبـا صادقا | * | يتسامى بــعلاه النــبلاء |
واخر دعوانا ان الحمد لله مع طلب الدعاء بالتوفيق وحسن العاقبة من اخواني في الله ـ والسلام عليهم وعلى كل من يلتقي بي فكراً وخطاً وهدفاً على صفحات هذا الكتاب ـ ورحمة الله وبركاته
حسن طراد