مفاهيم القرآن ـ جلد الأول ::: 551 ـ 560
(551)
    وبينما ينسب الشفاء إلى غيره كالقرآن والعسل ، والجواب انّه ليس هنا في الحقيقة إلاّ فعل واحد وهو الإشفاء ينسب تارة إلى اللّه على وجه التسبيب ، وإلى غيره من الأسباب العادية كالعسل والأدوية وغيرها على وجه المباشرة.
    فهو الذي وهب أنبياءه وأولياءه القدرة على الإشفاء والمعافاة والإبراء ، وهو الذي أذن لهم بأن يستخدموا هذه القدرة الموهوبة ضمن شروط خاصة.
    فهذا القرآن إذ يصف اللّه تعالى بأنّه هو الشافي الحقيقي (كما في آية 80 الشعراء) يصف العسل بأنّه الشافي أيضاً عندما يقول : ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ). (1)
    أو ينسب الشفاء إلى القرآن عندما يقول : ( وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ ) (2).
    وطريق الجمع الذي ذكرناه وارد هنا وجار في هذا المقام كذلك ، وهو بأن نقول :
    إنّ الإبراء والإشفاء ـ على نحو الاستقلال ـ من فعل اللّه لا غير.
    وعلى نحو التبعية واللااستقلال من فعل هذه الأُمور والأسباب ، فهو الذي خلقها ، وأودع فيها ما أودع من الآثار ، فهي تعمل بإذنه وتؤثر بمشيئته.
    ففي هذه الصورة إذا طلب أحد الشفاء من أولياء اللّه وهو ملتفت إلى هذا الأصل (3) كان عمله جائزاً ومشروعاً وموافقاً للتوحيد المطلوب تماماً.
    1 ـ النحل : 69.
    2 ـ الإسراء : 82.
    3 ـ نعني كونهم يؤثرون بإذن اللّه وقدرته ومشيئته.


(552)
    لأنّ الهدف من طلب الشفاء من الأولياء هو تماماً مثل الهدف من طلب الشفاء من العسل والعقاقير الطبية ، غاية ما في الباب أنّ العسل والعقاقير تعطي آثارها بلا إرادة وإدراك منها ، بينما يفعل ما يفعله النبيُّ والولي عن إرادة واختيار ، فلا يكون الهدف من الاستشفاء من الولي إلاّ مطالبته بأن يستخدم تلك القدرة الموهوبة له ويشفي المريض بإذن اللّه ، كما كان يفعل السيد المسيح ( عليه السَّلام ) ، إذ كان يبرئُ من استعصى علاجه من الأمراض بإذن اللّه والقدرة الموهوبة له من اللّه.
    وواضح أنّ مثل هذا العمل لا يعد شركاً ، إذ لا ينطبق على ذلك معايير الشرك ، أو قل المعيار الواحد الحقيقي.
    نعم يمكن المناقشة في أنّهم هل يقدرون على ذلك أو لا؟ وهل أُعطيت لهم تلك المقدرة أو لا؟ غير أنّ البحث مركز على كونه طلباً توحيدياً أو غير توحيدي.
    ومما يوضح ذلك أنّ الفراعنة كانوا يطلبون من موسى كشف الرجز ، كما في قوله سبحانه قالوا : ( يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ لَنُؤْمِننَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) . (1)
    ولا نريد أن نستدل بطلب فرعون أو قومه ، بل الاستدلال إنّما هو بسكوت موسى أمام مثل هذا الطلب.
2. هل طلب الشفاعة من غيره سبحانه شرك؟
    لا مرية في أنّ الشفاعة حق خاص باللّه سبحانه ، فالآيات القرآنية ـ مضافة
    1 ـ الأعراف : 134.

(553)
إلى البراهين العقلية ـ تدل على ذلك ، مثل آية : ( قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ). (1)
    إلاّ أنّ في جانب ذلك دلت آيات كثيرة أُخرى على أنّ اللّه أذن لفريق من عباده أن يستخدموا هذا الحق ، ويشفعوا ـ في ظروف وضمن شروط خاصة ـ حتى أنّ بعض هذه الآيات صرحت بخصوصيات وأسماء طائفة من هؤلاء الشفعاء ، كقوله تعالى : ( وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّموَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ) . (2)
    كما أنّ القرآن أثبت لنبيِّ الإسلام « المقام المحمود » ، إذ يقول : ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ). (3)
    وقد قال المفسرون : إنّ المقصود بالمقام المحمود هو : مقام الشفاعة ، بحكم الأحاديث المتضافرة التي وردت في هذا الشأن.
    كل هذا مما اتفق عليه المسلمون ، إنّما الكلام في أنّ طلب الشفاعة ممن أُعطي له حق الشفاعة كأن يقول : « يا رسول اللّه اشفع لنا » هل هو شرك أو لا ؟
    وليس البحث في المقام ـ كما ألمعنا إلى ذلك غير مرّة ـ في كون هذا الطلب مجدياً أو لا ، إنّما الكلام في أنّ هذا الطلب هل هو عبادة أو لا ؟
    فنقول : قد ظهر الجواب مما أوضحناه في الأبحاث السابقة ، فلو اعتقدنا بأنّ من نطلب منهم الشفاعة ، لهم أن يشفعوا لمن أرادوا ومتى أرادوا وكيفما ارتأوا ، دون
    1 ـ الزمر : 44.
    2 ـ النجم : 26.
    3 ـ الإسراء : 79.


(554)
رجوع إلى الإذن الإلهي أو حاجة إلى ذلك ، فإنّ من المحتّم أنّ هذا الطلب والاستشفاع عبادة وإنّ الطالب يكون مشركاً حائداً عن طريق التوحيد ، لأنّه طلب الفعل الإلهي وما هو من شؤونه من غيره.
    وأمّا لو استشفعنا بأحد هؤلاء الشفعاء ونحن نعتقد بأنّه محدود مخلوق للّه لا يمكنه الشفاعة لأحد إلاّ بإذنه ، فهذا الطلب لا يختلف عن طلب الأمر العادي ماهية ، ولا يكون خارجاً عن نطاق التوحيد.
    وإنّ تصوّر أحد أنّ هذا العمل ، أعني : طلب الشفاعة من أولياء اللّه ، يشب هـ في ظاهر هـ عمل المشركين ، واستشفاعهم بأصنامهم ، فهو تصوّر باطل بعيد عن الحقيقة.
    لأنّ التشابه الظاهري لا يكون أبداً معياراً للحكم ، بل المعيار الحقيقي للحكم إنّما هو : قصد الطالب ، وكيفية اعتقاده في حق الشافع ، ومن الواضح جداً أنّ المعيار هو النيّات والضمائر ، لا الأشكال والظواهر ، هذا مع أنّ الفرق بين العملين واضح من وجوه :
    أوّلاً : أنّه لامرية في أنّ اعتقاد الموحّد في حق أولياء اللّه يختلف ـ تماماً ـ عن اعتقاد المشرك في حق الأصنام.
    فإنّ الأصنام والأوثان كانت ـ في اعتقاد المشركين ـ آلهة صغاراً تملك شيئاً من شؤون المقام الإلوهي من الشفاعة والمغفرة ، بخلاف أهل التوحيد فإنّهم يعتقدون بأنّ من يستشفعون بهم : عباد مكرمون لا يعصون اللّه وهم بأمره يعملون ، وأنّهم لا يملكون من الشفاعة شيئاً ، ولا يشفعون إلاّ إذا أذن اللّه لهم أن يشفعوا في حق من ارتضاه.


(555)
    وبالجملة فإنّ تحقق الشفاعة منهم يحتاج إلى وجود أمرين :
    1. أن يكون الشفيع مأذوناً في الشفاعة.
    2. أن يكون المشفوع له مرضياً عند اللّه.
    فلو قال مسلم لصالح من الصالحين : (اشفع لي عند اللّه) ، فإنّه لا يفعل ذلك إلاّ مع التوجّه إلى كونه مشروطاً بالشرطين المذكورين.
    ثانياً : أنّ المشركين كانوا يعبدون الأصنام مضافاً إلى استشفاعهم بها ، بحيث كانوا يجعلون استجابة دعوتهم واستشفاعهم عوضاً عما كانوا يقومون به من عبادة لها ، بخلاف أهل التوحيد فإنّهم لا يعبدون غير اللّه طرفة عين أبداً.
    وأمّا استشفاعهم بأُولئك الشفعاء فليس إلاّ بمعنى الاستفادة من المقام المحمود الذي أعطاه اللّه سبحانه لنبيّه في المورد الذي يأذن فيه اللّه ، فقياس استشفاع المؤمنين بما يفعله المشركون ليس إلاّ مغالطة. وقد مر غير مرّة أنّه لو كان الملاك التشابه الظاهري للزم أن نعتبر الطواف بالكعبة المشرفة ، واستلام الحجر ، والسعي بين الصفا والمروة ، موجباً للشرك وعبادة للحجر.
الوهابيون وطلب الشفاعة
    إنّ الوهابيّين يعتبرون مطلق طلب الشفاعة شركاً وعبادة ، ويظنون أنّ القرآن لم يصف الوثنيين بالشرك إلاّ لطلبهم الشفاعة من أصنامهم كما يقول سبحانه : ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَ لاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَاللّهِ ). (1).
    1 ـ يونس : 18.

(556)
    وعلى هذا فالشفاعة وإن كانت حقاً ثابتاً للشفعاء الحقيقيين ، إلاّ أنّه لا يجوز طلبه منهم ، لأنّه عبادة لهم ، قال محمد بن عبد الوهاب :
    إن قال قائل : الصالحون ليس لهم من الأمر شيء ولكن أقصدهم وأرجو من اللّه شفاعتهم ، فالجواب أنّ هذا قول الكفار سواء بسواء ، واقرأ عليهم قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى ) (1) وقوله : ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ ) (2). (3)
    وإن قال : إنّ النبي أُعطي الشفاعة ، وأنا أطلبه ممّن أعطاه اللّه ، فالجواب أنّ اللّه أعطاه الشفاعة ونهاك عن طلبها منه ، فقال تعالى : ( فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَدَاً ) (4) وأيضاً فإنّ الشفاعة أُعطيها غير النبي فصح أنّ الملائكة يشفعون والأفراد يشفعون والأولياء يشفعون ، أتقول إنّ اللّه أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها اللّه في كتابه. (5)
    استدل ابن عبد الوهاب على حرمة طلب الشفاعة بآيات ثلاث :
    الأُولى : قوله سبحانه : ( ويعبدون من دون اللّه ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه ) إذ قال بأنّ عبادة المشركين للأوثان كانت متحققة بطلب الشفاعة منهم لا بأمر آخر.
    الثانية : قوله سبحانه : ( وَالَّذِينَ اتّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ
    1 ـ الزمر : 3.
    2 ـ يونس : 18.
    3 ـ كشف الشبهات : 7 ـ 9 طبعة القاهرة.
    4 ـ الجن : 18.
    5 ـ كشف الشبهات : 7 ـ 9 طبعة القاهرة.


(557)
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى ) (1) قائلاً بأنّ عبادة المشركين للأصنام كانت متحققة بطلب شفاعتهم منها.
    الثالثة : قوله سبحانه : ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً ). (2)
    ولابد من البحث حول الآيات التي استدل بها القائل على أنّ طلب الشفاعة ممّن له حق الشفاعة عبادة له فنقول :
    أمّا الاستدلال بالآية الأُولى فالإجابة عنه بوجهين :
    1. ليس في قوله سبحانه : ( ويعبدون من دون اللّه ما لا يضرهم ) إلى آخر الآية ، أيّة دلالة على مقصودهم ، وإذا ما رأينا القرآن يصف هؤلاء بالشرك فليس ذلك لأجل استشفاعهم بالأوثان ، بل لأجل أنّهم كانوا يعبدونها لتشفع لهم بالم آل.
    وحيث إنّ هذه الأصنام لم تكن قادرة على تلبية حاجات الوثنيين ، لذلك كان عملهم عملاً سفهياً ، لا أنّه كان شركاً.
    فالإمعان في معنى الآية وملاحظة أنّ هؤلاء المشركين كانوا يقومون بعملين : (العبادة ، وطلب الشفاعة كما يدل عليه قوله : ( ويعبدون ) و ( ويقولون ) ) يكشف عن أنّ علّة اتّصافهم بالشرك واستحقاقهم لهذا الوصف كانت عبادتهم لتلك الأصنام وليس استشفاعهم بها ، كما لا يخفى.
    ولو كان الاستشفاع بالأصنام عبادة لها في الحقيقة لما كان هناك مبرر للإتيان بجملة أُخرى ، أعني : قوله « ويقولون هؤلاء شفعاؤنا » بعد قوله « ويعبدون » إذ كان حينئذ تكراراً.
    1 ـ الزمر : 3.
    2 ـ الجن : 18.


(558)
    إنّ عطف الجملة الثانية على الأُولى يدل على المغايرة بينهما ، إذن لا دلالة لهذه الآية على أنّ الاستشفاع بالأصنام كان عبادة ، فضلاً عن كون : الاستشفاع بالأولياء المقربين عبادة لهم ، نعم قد ثبت أنّ الاستشفاع بالأصنام كان عبادة لهم بأدلّة أُخر.
    2. أنّ هناك فرقاً بين الاستشفاعين ، فالوثني يعتبر الصنم ربّاً مالكاً للشفاعة يمكنه أن يشفع لمن يريد وكيفما يريد ، والاستشفاع بهذه العقيدة شرك ، ولأجل ذلك يقول سبحانه نقداً لهذه العقيدة : ( قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ) (1) والحال أنّ المسلمين لا يعتقدون بأنّ أولياءهم يملكون هذا المقام ، فهم يتلون آناء الليل وأطراف النهار قوله سبحانه : ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) (2).
    ومع هذا التفاوت البيّن ، والفارق الواضح ، كيف يصح قياس هذا بذلك؟
    والدليل على أنّ المشركين كانوا معتقدين بكون أصنامهم مالكة للشفاعة أمران :
    الأوّل : تأكيد القرآن في آياته بأنّ شفاعة الشافع مشروطة بإذنه سبحانه و ارتضائه.
    قال سبحانه : ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) (3).
    وقال : ( مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ) (4).
    1 ـ الزمر : 44.
    2 ـ البقرة : 255.
    3 ـ البقرة : 255.
    4 ـ يونس : 3.


(559)
    وقال : ( يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ) . (1).
    وقال : ( لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأذَنَ اللّهُ لِمَنْ يَشَاءُ ) . (2).
    وقال : ( وَلا يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى ). (3).
    الثاني : تأكيد القرآن على أنّ الأصنام لا تملك الشفاعة ، بل هي لمن يملكها :
    قال سبحانه : ( وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ ) . (4).
    وقال سبحانه : ( لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ) . (5).
    فالشفاعة محض حق لمالكها ، وليس هو إلاّ اللّه ، كما تصرّح بذلك الآيات السابقة ، وأمّا المشركون فكانوا يعتقدون أنّ أصنامهم تملك هذا الحق ، ولذلك كانوا يعبدونها أوّلاً ، ويطلبون منها الشفاعة عند اللّه ثانياً.
    نعم : انّ الظاهر من قوله سبحانه : ( لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ). (6).
    وقوله سبحانه : ( وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ ) (7) هو : انّ المتخذين للعهد والشاهدين بالحق يملكون الشفاعة كما هو
    1 ـ طه : 109.
    2 ـ النجم : 26.
    3 ـ الأنبياء : 28.
    4 ـ الزخرف : 86.
    5 ـ مريم : 87.
    6 ـ مريم : 87.
    7 ـ الزخرف : 86.


(560)
مقتضى الاستثناء.
    لكن المراد من المالكية في هاتين الآيتين هو : المأذونية بقرينة سائر الآيات ، لا المالكية بمعنى التفويض ، وإلاّ لزم الاختلاف والتعارض بين مفاد الآيات ، وما ورد في السير والتواريخ من أنّ المشركين كانوا يقولون عند الإحرام والطواف : (الا شريك هو لك تملكه وما ملك) (1) يحتمل الأمرين.
    وبذلك يظهر ضعف الاستدلال بالآية الثانية : ( ما نعبدهم إلاّ ليقربونا ... ) إذ حمل ابن عبد الوهاب قوله سبحانه : ( ما نعبدهم ) على طلب الشفاعة ، مع أنّ الآية المتقدّمة صريحة في مغايرة العبادة لطلب الشفاعة.
    نعم إنّما يكون عبادة إذا اتخذ المستشفع المدعو إلهاً ، أو من صغار الآلهة ـ كما تقدم ـ .
    وأمّا ما اعترف به ابن عبد الوهاب (ضمن كلامه المنقول سلفاً) من أنّ اللّه أعطى الشفاعة لنبيّه ولكنَّه تعالى نهى الناس عن طلبها منه ، فغريب ، إذ لا آية ولا سنّة تدل على النهي عن طلبها ، مضافاً إلى غرابة هذا النهي من الناحية العقلية ، إذ مثله أن يُعطي للسقّاء ماء وينهى الناس عن طلب السقي منه ، أو يُعطي الكوثر لنبيّه وينهى الأُمّة عن طلبه.
    وأمّا قوله : ( فلا تدعوا مع اللّهِ أحَدَاً ) وهي ثالثة الآيات التي استدل بها ابن عبد الوهاب فسيوافيك مفادها عن قريب حيث نبيّن ـ هناك ـ انّ المراد من الدعوة في الآية المذكورة هو : العبادة ، فيكون معنى : فلا تدعوا هو : فلا تعبدوا مع اللّه أحداً ، فالحرام المنهي عنه عبادة غير اللّه ، لا مطلق دعوة غير اللّه ، وليس طلب الشفاعة إلاّ طلب الدعاء من الغير لا عبادة الغير ، وبين الأمرين بون شاسع.
    1 ـ الملل والنحل : 2/255.
مفاهيم القرآن ـ جلد الأول ::: فهرس