وقبل كلِّ شيءٍ نقدّم من القرآن الكريم ما جاء في يحيى وعيسى على نبيّنا وآله وعليهما الصلاة والسلام قال تعالى منوّهاً بيحيى :
( والسَّلامُ عَلَيهِ يَومَ وُلِدَ وَيَومَ يَموتُ وَيَومَ يُبعَثُ حَيّاً ) (1) . وعن لسان عيسى : ( وَالسّلامُ عَلىَّ يَومَ وُلِدتُ وَيَومَ أَمُوتُ وَيَومَ أُبعَثُ حَيّاً ) (2) .
في عيون الأخبار بإسناده إلى ياسر الخادم قال : سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول : إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن : يوم يولد ويخرج من بطن أمّه فيرى الدنيا ، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها ، ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا . وقد سلّم الله عزّ وجلّ على يحيى في هذه الثلاثة المواطن ، وآمن روعته ، فقال : ( وَسَلامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وَلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً ) وقد سلّم عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة المواطن : ( وَالسّلامُ عَلىَّ يَوْمَ وَلِدتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أَبعَثُ حَيّاً ) (3) .
أقول : دل السلام في الرضوي على الأمان من العذاب ، ومما يتبع الولادة ، والموت ، والبعث ، واحتمل بعض السلام في الآيتين بمعنى التحية ، أو الأمان ، أو هما جميعاً على الأشتراك أو غير ذلك . ( وسلام عليه يوم ولد ) أي أمان من الله تعالى عليه من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم ، ( ويوم يموت ) من وحشة فراق الدنيا ، وهول المطلع ، وعذاب القبر . وفيه دليل على أنه يقال للمقتول ميت ، بناء على أنّه عليه السلام قتل لبغيّ من بغايا بني إسرائيل ( ويوم يبعث حيّاً ) من هول القيامة وعذاب النار .
وجيء بالحال للتأكيد ، وقيل : للإشارة ، إلى أن البعث جسمانيّ لا روحانيّ ، وقيل : ـ والقائل الآلوسي ـ للتنبيه على أنّه عليه السلام من الشهداء . . وقيل : إنّ المراد بالسلام التحية المتعارفة ، والتشريف بها لكونها من الله تعالى في المواطن التي فيها العبد في غاية الضعف ، والحاجة ، وقلّة الحيلة ، والفقر إلى الله عزّ وجلّ ، وفي خبر . . إن عيسى ويحيى عليهما السلام التقيا وهما ابنا الخالة ، فقال يحيى لعيسى : أدع الله تعالى لي فأنت خير مني ، فقال عيسى : بل أنت ادع لي فأنت خير منّي ، سلّم الله تعالى عليك وأنا سلّمت على نفسي (1) .
وقيل ـ والقائل القرطبي :ـ تفسير السلام هنا بالتحية المتعارفة أشرف ، وأنبه من الأمان ، لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه (2) [ بالعصمة ] .
وقال السيد الطباطبائي : قوله تعالى : ( وسلامٌ عَليه يَومَ وُلد وَيَوم يَموت ويَوم يُبعثُ حيّاً ) السلام قريب المعنى من الأمن ، والذي يظهر من موارد استعمالها ، في الفرق بينهما ، أنّ الأمن خلّو المحلّ ممّا يكرهه الأنسان ، ويخاف منه ، والسلام كون المحلّ بحيث كلّ ما يلقاه الإنسان فيه فهو يلائمه من غير أن يكرهه ويخاف منه .
وقال طاب ثراه : وتنكير السلام لإفادة التفخيم ، أي سلام فخيم عليه
وقيل : إنّ تقييد البعث بقوله : ( حيّاً ) للدلالة على أنّه سيقتل شهيداً ، لقوله تعالى في الشهداء : ( بل أحياء عند ربّهم يرزقون ) [ آل عمران : 169 ] . واختلاف التعبير في قوله : ( وُلِدَ ) ، ( يَموتُ ) ، ( يُبعثُ ) لتمثيل أنّ التسليم في حال حياته عليه السلام (1) .
وقال رحمه الله : قوله تعالى : ( والسلامُ عَلَىَّ يَوم وُلدتُ وَيَومَ أَموتُ وَيَومَ أُبعثُ حيّاً ) تسليم منه على نفسه في المواطن الثلاثة الكلية ، التي تستقبله في كونه ، ووجوده ، وقد تقدم توضيحه في آخر قصّة يحيى المتقدّمة .
نعم بين التسليمتين فرق ، فالسلام في قصّة يحيى نكرة تدلّ على النوع ، وفي هذه القصّة محلّى بلام الجنس ، يقيد بإطلاقه الاستغراق ، وفرق آخر وهو أنّ المسلّم على يحيى هو الله سبحانه ، وعلى عيسى هو نفسه (2) .
وقال الآلوسي بعد الآية : تقدَّم الكلام في وجه تخصيص هذه المواطن بالذكر :
والأظهر بل الصحيح أن التعريف للجنس جيء به تعريضاً باللعنة على متّهمي مريم وأعدائها عليها السلام من اليهود ، فإنه إذا قال : جنس السلام عليّ خاصّة ، فقد عرّض بإنّ ضدّه عليكم ، ونظيره قوله تعالى : ( والسلامُ
قال صاحب الكشاف : ( والسلام على ) ، قيل : أدخل لام التعريف لتعرّفه بالذكر قبله ، كقولك : جاءنا رجل ، فكان من فعل الرجل كذا ، والمعنى ذلك السلام الموجّه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجّه إليّ . والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضاً باللعنة على متهمي مريم عليها السلام وأعدائها من اليهود ، وتحقيقه أنّ اللام للجنس ، فإذا قال : وجنس السلام عليّ خاصّة ، فقد عرّض بأنّ ضدّه عليكم (4) . . .
أقول : عبارة الآلوسي مع ما في الكشاف متقاربة في المعنى ، وهل أنّ السلام سواء قاله الله عزّ وجلّ كما في يحيى ، أو أن أحداً من الانبياء سلّم
لعل وجه التأمل أن سلام عيسى عليه السلام على نفسه لا يقرن بسلام الله عزّ وجلّ على يحيى ولا يقاس ذلك به .
والجواب : أنهما سيان بعد إقرار الله تعالى لسلام عيسى على نفسه.
أنّه عامّ ، وإنما خص يحيى وعيسى بالذكر للملابسات التي كانت لهما ، يعرف ذلك من درس حياتهما عليهما السلام ، والدليل على عموم السلام قوله تعالى : ( قيل يا نوح اهبط بسلام منّا وبركات عليك وعلى أمم ممّن معك . . . ) (1) .
والسلام بأي معنى كان يعمّ الذين ممّن مع نوح من المؤمنين به ، وبنفس الدليل شامل لغيرهم ، ممّن يأتي من بعد نوح إلى يوم القيامة ، والعقل السليم يسوّغ التسليم المذكور أيضاً .
ثم إن في القرآن الكريم خمس آيات نوّهت باسم يحيى وهي :
( إنّ الله يبشّرك بيحيى مصدّقاً بكلمة من الله وسيّداً وحصوراً ) (2) .
( وزكريّا ويحيى وإلياس كلٌّ من الصالحين ) (3) .
( يا زكريّا إنّا نبشّرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميّاً ) (4) .
( يايحيى خذ الكتاب بقوّة وءاتيناه الحكم صبيّاً ) (5) .
( فَاستَجَبنا لَه وَوَهَبْنا له يَحيى وَأَصلَحنا له زَوجَهُ ) (6) .
وهذه من فضائله الّتي صرّحت فيها ، وهي تستدعي السلام عليه من الله تعالى في الحالات كلّها ، ومنها المواطن الثلاثة ، ومعناه سلامته ،
وأمّا عيسى فقد تناوله القرآن الكريم في خمسة وعشرين موضعاً نذكر منها خمس آيات وهي :
( وءاتينا عيسى ابن مريم البينات وأيّدناه بروح القدس ) (1) .
( إنّ الله يبشّرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ) (2) .
( إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ) (3) .
( ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ) (4) .
( وقفينا بعيسى ابن مريم وءاتيناه الإنجيل ) (5) .
لهذه الخصائص وغيرها ، ممّا جاء فيه في بقيّة الآيات ، اقتضى تسليمه على نفسه ، ولعلّ الوجه في ذلك أنّه من الأنبياء الذين ليس كمثل يحيى في درجتهم ، وإن كان هو منهم ، كما صرّح في الآي المتقدّمة الذكر . وكيف كان فالسلام عليهما من الله ، أو من نفسهما من المكرمات التي خصّهما الله تعالى بها ، وليس معنى ذلك أنّ سواهما من نبيّ ، أو وصيّ ، أو مؤمن مرضيّ عند الله عزّ وجلّ ، ليس له من السلام في المواطن الثلاثة نصيب ، خاصّة السلام بمعنى الأمان من العذاب ، وقد قال تعالى : ( إنّ المتّقين في مقام أمين ) (6) .
والأمن والأمان لا ينفكّ عن كلّ متَّقٍ ، فضلاً عن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، ومنها زيارة الإمام الحسين عليه السلام في صحيح بيّاع السابري ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام وهو يقول : مَن أتى قبر الحسين عليه السلام كتب الله له حجّة ، وعمرة ، وعمرة ، وحجّة ، قال :
« السلام عليك يا أبا عبد الله ، السلام عليك يا بن رسول الله ، السلام عليك يوم وُلدتَ ، ويوم تموتُ ، ويَوم تُبعث حيّاً ، أشهد أنّك حيّ ، شهيد ترزق عند ربّك ، وأتوالى وليّك ، وأبرأ من عدوّك ، وأشهد أنّ الذين قاتلوك وانتهكوا حرمتك ملعونون على لسان النبيّ الأميّ ، وأشهد أنّك قد أقمت الصلاة ، وآتيت الزكاة ، وأمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ، وجاهدت في سبيل ربّك بالحكمة ، والموعظة الحسنة ، أسأل الله وليّك ووليّنا أن يجعل تحفتنا من زيارتك الصلاة على نبيّنا ، والمغفرة لذنوبنا ، اشفع لي يا بن رسول الله عند ربّك » (1) .
أقول : لعل قوله : « ويوم تموت » إشارة إلى رجعة الحسين عليه السلام وموته ، حيث إنّه قتل شهيداً سنة 61 في فاجعة كربلاء المؤلمة ، التي عمّ جمر مصابها العالمين ، من لدن آدم إلى انقراض العالم ، ولم يمت والأيّام الثلاثة مفروضة له ، ولجميع المعصومين من الأنبياء عليهم السلام وغيرهم .
التكلّم عن سلام الكائنات يقع في مقامين .
الأول : في صحّة سلامنا عليها .
الثاني : في إمكان سلامها علينا ووقوعه .
وقبل الشروع في ذلك يتّجه سؤال : وهو هل أن الكائنات ذات حياة وشعور ، لكي يتسنى لنا البحث عن السلام من الجانبين أم لا ؟ أو هل ما جاء من النوعين إنّما هو لأجل الأحياء ، وذوي الشعور من نبيّ أو وصيّ أو غيرهما ، من إنسان أو غير إنسان ؟ أو أنّ ذلك كان علي سبيل الإعجاز ، إذا قلنا إنّها فاقدة للشعور ؟ ؟ ويظهر جواب ذلك كله في غضون البحوث الآتية .
إليك بعض الآيات أو الروايات التي تدلّ على إنّ الكائنات شاعرة ومدركة وناطقة ، قال تعالى في مواضع من القرآن الكريم منها آية : ( وقالوا لجلودهم لِمَ شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كلّ شيءٍ ) (1) .
دلت الآية على تكلم جلود البشر ونطقها بإنطاق الله لها ولكلّ شيءٍ . وآية ( وإن من شيءٍ إلاّ يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً ) (1) .
نصّت على أنّ الكائنات تسبّح الله تعالى ، وتسبيحها دالّ بوضوح على تمتعها بنعمة الإدراك والشعور ، وعلى نوع من التعقل ، بدليل إرجاع ضمير ذوي العقول إليهم ، بقوله تعالى : ( تسبيحهم ) ولم يقل عزّ من قائِل ( تسبيحها ) . وفي آخر الآية بشارة ونذارة : أما البشارة فهي إمكان تعقّل البشر تسبيح الكائنات وتفقهه (1) ويتجلى ذلك بما فيها من التنذير بأنّ ترك تفقّه تسبيحها من السفاهة والذنب ؛ إذ لا حلم إلاّ عن سفه ، ولا غفران إلا عن ذنب ، فلولا أن تفقّه التسبيح مستطاع للبشر وميسور له ، لما كان ترك ذلك معدوداً من الذنوب ، وأنه عمل سفهي يغفره الله عزّ وجلّ ويحلم عنه ، وفي إنذار ذلك دلالة على البشارة المذكورة ، على سبيل الإشارة التي تكفي الحرّ المتدبّر في الآية ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ) (2) .
صرّحت الآية على أنّ السماء والأرض تقول كما نقول ، ولهما كلام ككلامنا ؛ والتأويل بأنّه ليس قولهما كالقول قول بلا دليل ، ويأتي مزيد توضيح له في المقام الثاني ، وإذا ثبت لهما ثبت لغيرهما للمشابهة في الجميع .
ومن الرواية الدعاء الخامس والأربعون من الصحيفة السجادية :
| ذنـوبـي وإن جـلّـت فـعـفـوك مـوئلـي | * | ومـا زال كـان العـفو لـلـذنـب ماحـيـا |
| أنـلـني مـنُـى قـلـبي رضـاك وبغـيـتي | * | لـقـاؤك فـيـه يـا مـنـاي شـفـائـيـا |
| لـعـلـك غـضـبـان ولـسـت بـعـالـم | * | سـلام عـلـى الـدارين إن كـنت راضيـا(3) |
| سـلام عـلـى أهـل الـقـبـور الـدوارس | * | كـأنـّهـم لـم يـجلـسـوا فـي المـجالـس |
| ولـم يـشـربـوا مـن بـارد الـمـاء شربةً | * | ومـل يـأكـلـوا مـن كـلّ رطـب ويـابس |
| سـلام عـلـى الـدنـيا وطـيب نعـيمـهـا | * | كـأن لـم يـكـن يـعقـوب فـيهـا بجـالس(4) |
الداران : الدنيا والآخرة وليست الدنيا إلا السماء والأرض وما بينهما وهي ليست إلا الكائنات فسلام الشاعر إنما هو عليها . وهكذا الآخرة وما خلق الله فيها من شيء .
ولشمس الدين محمد بن إبراهيم :| أوقـفـوا الـركـب نـسـأل الأخبارا | * | ونـحـيـّي الـرسـوم والآثــارا |
| كـيـف لا نـسـأل الركـائب عمّن | * | كـان عـشرين حـِجـّة لي جـارا |
| يـا خـليلـيّ عـرِّجـا بـي حتـى | * | نـسأل الـحيّ والحـمى والـديـارا |
| وارحـما مدنـفـاً حليـف شجـون | * | لـم يـرد بـالـفـراق إلاّ ادكـارا |
| كـلّ خـِلٍّ حـسبـتـُه لـي وفيـّاً | * | خـان عـهـدي وحال عنـه ودارا |
| أُفٍّ لـلـدّهـر إنـّه غـيـر وافٍ | * | عـهـد كسـرى وكيـقـباذ ودارا (1) |
ولآخـر :
| يـا عـرصـة الـوادي عليك سـلام | * | ما نـاح من فوق الغـصون حَمام |
| أيـن الـذيـن عـهـدتهـُمُ في سادةٍ | * | غـُرَرٍ وأيـن أولـئـك الأقـوام |
| أخـنـى عـلـيهم صَرف دهرٍ جائرٍ | * | لـم يُبـق فيهـم بهـجة تُسـتامُ (2) |
| حـيـّاك يـا أثـر الديار سـحـائب | * | وسقـاكَ في إثر الغـَمام غـَمامُ (3) |
هامش شدّ الأزار 390 .
ولأسعد بن نصر :
| عليك سلام الله يا خير منــزل | * | رحلنا وخلفنـاك غيــر ذميـم |
| فلا زلت معموراً ولا زلـت آهلاً | * | ونزّلك الرحمن كـلّ كريـم (1) |
وأسعد على ما ترجمه جُنيد الشيرازي (2) المتوفى 791 هـ ، هو عميد الملك أبو غانم أبو المظفّر أسعد بن نصر بن أبي غانم جهشيار بن أبي شجاع بن الحسين بن فرّخان الأنصاري الفالي ، وزير فارس ، وزّر لمظفّر الدين الأتابك (3) بشيراز ونواحيها ، ونكبه واعتقله بقلعة أشكنوان بفارس ، وهو صاحب القصيدة المعروفة الّتي أوّلها :
وكان في مبدأ تحصيله يسكن ( رباط دشت ) بفال ، فلمّا استدعي إلى الوزارة كتب على باب الرباط :
وللسيد قوام الدين محمد بن محمد مهدي النسفي قصيدة منها :| قـف بـالـسلام عـلى أرض الـغري وقـل | * | بـعـد الـسلام عـلى مـَن شرّف الحـرمـا |
| مـنّـي الـسلام عـلـى قـبر بحـضـرتـه | * | أهـمى عـليـه سحـاب الـرحـمة الديمـا (5) |
وهل السلام على الدنيا والآخرة ، أو الآثار والرسوم ، أو على عرصة الوادي أو خير المنازل ، أو أرض الغري أو غيرها ، لأجل أهلها الحالّين فيها ، ولو في حين من الأحيان ، فشرّفت لكرامتهم بالسلام ، وليست هي منها في شيءٍ ؟ .
أو يقال إنّ للكائنات كرامتها ؛ لأنّها من دلائل الصنع ، وآيات التوحيد ، فالسماء بسمكها وشمسها ، بضيائها وقمرها ، بنورها وكواكبها ، وأجوائها وأمطارها وطيورها ، وكلّ شيءٍ ممّا خلق الله فيه ، والأرض ورواسيها ، وبحارها ، وأشجاراها ، وترابها ، وما يدب عليها وبينها ، جديرة بالسلام . أو ما سمعت من الإمام السجاد عليه السلام سلامه على شهر رمضان (1) ؟ وهل سلامه عليه سلام على فاقد الشعور ؟ أو أنّه العالم به دوننا ؟ أو ليس يحسن السلام على ما يصح الخطاب معه ؟ وقد كان من دعائه عليه السلام إذا نظر إلى الهلال :
« أيّها الخلق المطيع الدائب السريع المتردد في منازل التقدير ، المتصرّف في فلك التدبير ، آمنت بمن نوّر بك الظُلَم ، وأوضح بك البُهَمَ وَجَعَلَكَ آية من آيات ملكه ، وعلامة من علامات سلطانه . . » (2) .
وفي صحيح سيف التمّار قال : « قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أتيت الحجر الأسود فوجدت عليه زحاماً ، فلم ألقَ إلاّ رجلاً من أصحابنا فسألته . فقال : لا بدّ من استلامه ، فقال : إن وجدته خالياً وإلاّ فسلّم من بعيد » (3) .
قال صاحب الجواهر عند تفسيرالاستلام : وعن الأزهري : أنه افتعال
أقـول : على هذا التفسير يحمل قوله عليه السلام في الحديث : « فسلّم من بعيد » على التحية القوليّة ، ولا يتنافى مع معنى الأستلام للحجر الأسود .
وروى الشيخ الصدوق عن الصادق عليه السلام قال : « لمَّا انتهى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى الركن الغربي فقال له الركن : يا رسول الله ألست قعيداً من قواعد بيت ربّك ، فما لي لا أستلم ؟ فدنا منه النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال له : اسكن عليك السلام غير مهجور » (2) .
لعلّ قوله : « عليك السلام » سلام التحية منه ، صلى الله عليه وآله ، ابتداءً ، أو كما هو الظاهر يكون السلام جواباً لشكوى الركن ، وتقديم
( وهو الذي جعل الليل والنهار خِلْفَةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً ) (2) عقيب قوله عز من قائل : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً ) (3) .
كلها آيات دالة على أنه تعالى جاعل الكائنات بهذا النظم العجيب ، الجدير بالسلام عليها ليلاً ونهاراً وفي كل وقت ، وإليه تعالى يعود السلام ، كما بدأ منه السلام .
يبقى سؤال : وهو أنه ماذا يقصد المسلّم عليها بسلامه ، وهل ينوي بالسلام الدعاء لها بأن تسلم دوماً من الآفات ؟ أو من وصول الشرّ إليها ، بأن تأمن من ؟ أو يروم بتحيته تبادل المحبة معها ؟ أو يكون سلامه عليها للتعاهد على استمرار ذكر اسم الله السلام ، وعلى الطاعة له تعالى ؟ وهكذا بقية
كل معاني السلام جائزة القصد ، وهل تأمن الكائنات من شرور معاصي بني آدم وذنوبهم ، هي التي تكدر البحار ، والأشجار ، وتفسد كلّ شيء ، وقد جاء في الحديث الذي رواه الشيخ الصدوق طاب ثراه قال : « قال رسول الله ، صلّى الله عليه وآله ، لامرآة سألته : إن لي زوجاً وبه غلظة عليّ وإني صنعت شيئاً لأعطفه عليّ . قال : أفّ لك كدرّت البحار ، وكدّرت الطين ، ولعنتك الملائكة الأخيار ، وملائكة السموات والأرض . . . » (2) .
ومن أعظمها الشرك بالله عزّ وجلّ الذي تتقطّر السموات منه وتهدّ الجبال كما قال تعالى : ( تكادُ السمواتُ يَتَفطَّرنَ مِنهُ وَتَنشَقّ الأرض وتخرّ الجبال هدًّا أَن دَعَوا لِلرحمن وَلداً ) (3) .
وإن من الذنوب ما يظلم الهواء ، ويمنع قطر السماء ، كما جاء ذلك في الدعاء الحسني : « . . . واغفر لي الذوب التي تمسك غيث السماء واغفر لي الذنوب التي تظلم الهواء . . . » (4) .
والزنا واليمين الكاذبة تدعان الديار بلاقع ، وتستدعيان الدمار ، في نبويّ : « الزنا يورث الفقر ويدع الديار بلاقع » (5) . وعلويّ : « إنّ اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم تذران الديار بلاقع من أهلها . . » (6) . ونبويّ : « إيّاكم واليمين الفاجرة ؛ فإنها تدع الديار من أهلها بلاقع » (7) .