في وصف جيش علي (ع)
« ونزوله البصرة »

كان الطابع الغالب على جيش علي تميزه عن غيره باشتماله على عدد كبير من المهاجرين والأنصار وأصحاب رسول الله (ص) ممن شهد بدراً واحداً والخندق وكثيراً من حروبه وغزواته (ص).
فكان يُخَيّل للناظر آنذاك أنه في مشهد من مشاهد الفتح إبان حياة الرسول الأعظم ، سيما وأن قادة الجيش وحملة الألوية هم جلّةُ الصحابة وعظماؤهم ، يقدِمُهم القائد المظفر خليفة رسول الله ووصيّه علي بن أبي طالب (ع).
ويصف المنذر بن الجارود ذلك فيقول : لما قِدم عليٌّ رضي الله عنه البصرة دخل مما يلي الطف ، فأتى الزاوية (1) فخرجت أنظر إليه ، فورد موكبٌ في نحو ألف فارس يتقدمهم فارس على فرسٍ أشهب عليه قلنسوة وثياب بيض ، متقلد سيفاً ومعه راية ، وإذا تيجان القوم الأغلب عليها البياض والصفرة مدججين في الحديد والسلاح ، فقلت : من هذا ؟ فقيل : هذا أبو الأنصاري صاحبُ رسول الله (ص) ، وهؤلاء الأنصار وغيرهم.
ثم تلاهم فارس آخر عليه عمامةٌ صفراء وثياب بيض ، متقلد سيفاً
____________
1 ـ اسم مكان.
(134)

متنكب قوساً ، مع راية ، على فرس أشقر ، فقلت : من هذا ؟ فقيل : هذا خزيمةُ بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين !
ثم مر بنا فارس آخر على فرسٍ كُمَيتٍ معتم بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء ، وعليه قباء أبيض مصقولٌ ، متقلد سيفاً متنكِّبٌ قوساً في نحو ألف فارس من الناس ومعه راية ، فقلت : من هذا ؟ فقيل لي : أبو قتادة بن ربعي.
ثم مر بنا فارسٌ آخر على فرس أشهبٍ عليه ثياب بيضٌ وعَمَامة سوداء قد سدَلَهَا من بين يديه ومن خلفه ، شديد الأدمة ، عليه سكينةٌ ووقار ، رافع صوته بقراءة القرآن ، متقلد سيفاً ، متنكبٌ قوساً ، معه راية بيضاء في ألف من الناس مختلفي التيجان ، حوله مشيخةٌ وكهولٌ وشباب كأنما قد أوقفوا للحساب ، أثرُ السجود قد أثرَ في جباههم ، فقلت من هذا ؟ فقيل عمار بن ياسر في عدة من الصحابة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم.
ثم مر بنا فارس على فرس أشقر ، عليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء ، متنكب قوساً متقلد سيفاً ، تخط رجلاه في الأرض في ألفٍ من الناس ، الغالب على تيجانهم الصفرة والبياض ، معه راية صفراء. قلت : من هذا ؟ قيل : هذا قيس بن سعد بن عبادة في عدةٍ من الأنصار وأبنائهم وغيرهم من قحطان.
ثم مر بنا فارس على فرسٍ أشهل ما رأينا أحسنَ منه ، عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدَلَهَا من بين يديه بلواء ، قلت : من هذا ؟ قيل : هو عبد الله بن العباس في وفدِهِ وعدةٍ من أصحاب رسول الله (ص).
ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأولين. قلت : من هذا ؟ قيل قثمُ بن العباس أو معبد بن العباس.
ثم أقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضاً ، واشتبكت الرماح.
ثم ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السلاح والحديد ، مختلفوا


(135)

الرايات في أوله راية كبيرةٌ ، يقدمهم رجل كأنما كُسِرَ وجُبِر (1) كأنما على رؤوسهم الطير ، وعن يمينه شاب حسن الوجه ، وعن يساره شاب حسن الوجه ، وبين يديه شاب مثلهما ، قلت : من هؤلاء ؟
قيل : هذا علي ابن أبي طالب ، وهذان الحسنُ والحسينُ عن يمينه وشماله وهذا محمد بن الحنفية بين يديه معه الراية العظمى ، وهذا الذي خلفه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وهؤلاء وِلدُ عقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم ، وهؤلاء المشائخ هم أهل بدر من المهاجرين والأنصار.
فساروا حتى نزلوا الموضع المعروف بالزاوية ، فصلى (ع) أربع ركعات ، وعفّرَ خديه على التراب وقد خالط ذلك دموعه ، ثم رفع يديه يدعو : اللهم ربَّ السموات وما أظلت ، والأرضين وما أقلت ، وربَّ العرش العظيم ، هذه البصرةُ أسألك من خيرها ، وأعوذ بك من شرها ، اللهم انزلنا فيها خير منزلٍ وأنت خير المنزلين ، اللهم ان هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي وبغوا علي ، ونكثوا بيعتي ، اللهم احقن دماء المسلمين (2).
____________
1 ـ صفة رجل شديد الساعدين. نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق.
2 ـ مروج الذهب 2 | 359 ـ 361.

(136)

جيش أهل البصرة

وكان عدد الجيش الذي قاده طلحة والزبير وعائشة ثلاثون ألف مقاتل ، فنزلوا في موقع يقال له « زابوقة ».
واستشار علي ( رضي الله عنه ) أصحابه حين بلغه تعبئة أهل البصرة لقتاله قائلاً ماذا عندكم من الرأي ؟ فقال له رفاعة بن شداد البجلي : يا أمير المؤمنين ، تعبيةٌ لتعبية ، وحق يدفع باطلاً ، هذا ما كنا نريد ، فأبشر وقر عيناً فسترى منا ما تحب.
ودنا عليٌّ في أصحابه من البصرة ، فقال طلحة بن عبيد الله لأصحابه : إعلموا أيها الناس ، إن علياً وأصحابه قد أضرَّ بهم السفر وتعب الطريق ، فهل لكم أن نأتيهم الليلة فنضع فيهم السيف ؟
فقال مروان بن الحكم : والله لقد استبطأت هذه منك أبا محمدٍ ! وليس الرأي إلا ما رأيت. فضحك الزبير من ذلك ثم قال : أمن علي تُصاب الفرصة وهو من قد عرفتم ؟ أما علمتم أنه رجل مالقيه أحد قط إلا ثكلته أمه ؟
وقام علي في الناس خطيباً فقال : إني قد مُنيتُ بثلاث مرجعهن على العباد من كتاب الله ، أحدهما : البغي ، ثم النكث والمكر ، قال الله تعالى : يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم. ثم قال فمن نكث فإنما ينكث على


(137)

نفسه ثم قال ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله .
والله لقد مُنيت بأربع لن يمنَ بمثلهن أحد بعد النبي (ص) ، منيتُ بأشجع الناس الزبير بن العوام ، وبأخدع الناس طلحة بن عبيد الله ، وبأطوع الناس في الناس ، عائشة بنت أبي بكر ، وبمن أعان عليَّ بأنواع الدنانير يعلي بن مُنية ، والله لئن أمكنني الله منه لأجعلنَّ ماله وولده فيئاً للمسلمين.
وزحف علي رضي الله عنه حتى نزل قبالة القوم ، وكان معه من أصحابه وأعوانه عشرون ألفاً.

« ما قبل القتال »
ولم يكن في نية عليٍّ مواجهة القوم وقتالهم على ما يبدو بل كان يتحين الفرص طمعاً في رجوعهم عما اجتمعوا عليه حقناً لدماء المسلمين ، لذلك راسل عائشة أكثر من مرة مستنكراً عليها خروجها وداعياً إياها إلى التوبة ، كما راسل طلحة والزبير في ذلك ، ولكن دون جدوى إذ كانت همتهم القضاء عليه أو نقض بيعته وتجريده من الخلافة.

« كتابه لعائشة »
جاء في كتاب علي لعائشة : « أما بعد ، فإنك قد خرجت من بيتك عاصيةً لله تعالى ولرسوله محمد (ص) تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً ، ثم تزعمينَ أنك تريدين الإصلاح بين المسلمين ، فأخبريني ما للنساء وقود العساكر والإصلاح بين الناس ، فطلبتِ ! زعمتِ بدم عثمان ، وعثمانُ رجل من بني أمية ، وأنتِ امرأة من بني تميم بن مرّة ، ولعمري أن الذي عرضك للبلاء وحملَكِ على المعصية لأعظم إليك ذنباً من قتلة عثمان ! وما غضبت حتى أغضبت ، ولا هجتِ حتى هيجتِ ، فاتق الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك ، واسبلي عليك سترِكِ والسلام.
ومرةً ثانية أرسل علي يزيد بن صوحان وعبد الله بن عباس إلى عائشة بأن يقولا لها : ألم يأمركِ اللهُ تبارك وتعالى أن تَقري في بيتك ؟ فخَدعتِ


(138)

وانخدعتِ ، واستنفرتِ فنفرتِ ، فاتقي الله الذي إليه مرجعك ومعادك وتوبي إليه فإنه يقبل التوبة عن عباده ، ولا يحملنكِ قرابةُ طلحة وحبَّ عبد الله بن الزبير على الأعمال التي تسعى بك إلى النار.
وكان جواب عائشة لهما : ما أنا برادّةٍ عليكم شيئاً ، فإني أعلم أني لا طاقة لي بحُجَج علي بن أبي طالب.

« كتابه إلى طلحة والزبير »
ثم كتب علي إلى طلحة والزبير : أما بعد ، فقد علمتم أني لم أردِ الناسَ حتى أرادوني ، ولم أبايعهم حتى أكرهوني ، وأنتم ممن أرادوا بيعتي ، ولم تبايعوا لسلطانٍ غالب ، ولا لغرضٍ حاضر ، فإن كنتم قد بايعتم مكرهين فقد جعلتم إليَّ السبيل عليكم بإظهاركم الطاعة وكتمانكم المعصية. وأنت يا زبير فارس قريش ، وأنت يا طلحة شيخ المهاجرين ، ودفعُكم هذا الأمر قبل أن تدخلوا فيه كان أوسع لكم من خروجكم منه بعد إقراركم ، وأما قولكم أني قتلت عثمان ، فبيني وبينكم من يحلفُ عني وعنكم من أهل المدينة. إلى أن قال : وبعدُ. فما أنتم وعثمان ، قُتل مظلوماً كما تقولان ؟ أنتما رجلان من المهاجرين وقد بايعتموني ونقضتم بيعتي وأخرجتم أمُكم من بيتها الذي أمرها الله تعالى أن تقرَّ فيه ، والله حسبكم والسلام.

« جواب طلحة والزبير »
كان جواب طلحة والزبير على كتاب عليّ : أن يا أبا الحسن ، قد سرتَ مسيراً له ما بعده ولستَ براجعٍ وفي نفسك منه حاجة ، ولست راضيا دون أن ندخل في طاعتك ، ونحن لا ندخل في طاعتك أبداً ، وأقضي ما أنت قاضٍ والسلام.

« كذِبٌ وبهتان »
ووثب عبد الله بن الزبير فقال : أيها الناس ، إن علي بن أبي طالب هو الذي قتل الخليفة عثمان بن عفان ، ثم إنه الآن قد جاءكم ليبين لكم أمركم


(139)

فاغضبوا لخليفتكم وامنعوا حريمكم وقاتلوا على أحسابكم.
فأمر علي (ع) ولده الحسن أن يرد عليه ، فقام وقال :
أيها الناس ، أنه قد بلغنا مقالة عبد الله بن الزبير ، فأما زعمه أن علياً قتل عثمان ، فقد علم المهاجرون والأنصار بأن أباه الزبير بن العوام لم يزل يجتني عليه الذنوب ويرميه بفضيحات العيوب ، وطلحة بن عبيد الله راكد ، رأيته على باب بيت ماله ، وهو حي.
وأما شتيمته لعلي فهذا ما لا يضيق به الحلقوم لمن أراده ، لو أردنا أن نقول لفعلنا. وأما قوله إن علياً أبتر الناس أمورهم ، فإن أعظم حجة أبيه الزبير أنه زعم أنه بايعه بيده دون قلبه ، فهذا إقرار بالبيعة ، وأما تورد أهل الكوفة على أهل البصرة ، فما يعجب من أهل حقٍ وردوا على أهل باطل.
ولعمري ما نقاتل أنصار عثمان ، ولعليٍّ أن يقاتل أتباع الجمل والسلام.

« خطبة عمار بن ياسر »
وقام عمار بن ياسر بين الصفين فقال : أيها الناس ، ما أنصفتم نبيكم حين كففتم عقائلكم في الخدور ، وأبرزتم عقيلته للسيوف.
هذا وعائشة على جمل في هودج من دفوف الخشب قد ألبسوه المسوح وجلود البقر وجعلوا دونه اللبود ، وقد غُشي على ذلك بالدروع.
فدنا عمار من موضعها ، فنادى : إلى ماذا تدعين ؟ قالت : إلى الطلب بدم عثمان. فقال : قاتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق. ثم قال : أيها الناس ، إنكم لتعلمون أينا الممالئ في قتل عثمان. ثم أنشأ يقول وقد رشقوه بالنبل :
فمنـكِ البكـاء ومنـك العـويـل * ومنـكِ الـريـاح ومنـكِ المـطـر
وأنـتِ أمـرتِ بـقـتـل الإمـام * وقـاتـلـه عـنـدنـا مـن أمَــر

وتواتر عليه الرمي واتصل ، فحرك فرسه وزال عن موضعه ، وأتى علياً فقال : ماذا تنتظر يا أمير المؤمنين ، وليس لك عند القوم إلا الحرب ؟ !


(140)

خطبة علي (ع) ودعاؤه على طلحة والزبير
ثم جمع علي رضي الله عنه الناس فخطبهم خطبةً بليغة وقال : أيها الناس ! إني قد ناشدت هؤلاء القوم كيما يرجعوا ويرتدعوا ، فلم يفعلوا ولم يستجيبوا ، وقد بعثوا إلي أن أبرز إلى الطعان وأثبت للجلاد ، وقد كنت وما أهدد بالحروب ولا أدعى إليها ، وقد انصف القارة من راماها ، ولعمري لئن أبرقوا وأرعدوا فقد عرفوني ورأوني ، ألا وان الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ، ومن لم يمت يقتل ، وإن أفضل الموت القتل ، والذي نفس علي بيده لألف ضربةٍ بالسيف أهون علي من موتةٍ على الفراش.
ثم رفع يده إلى السماء وهو يقول : اللهم ان طلحة بن عبيد الله أعطاني صفقةً بيمينه طائعاً ، ثم نكث بيعته ، اللهم فعاجله ولا تميّطه.
اللهم إن الزبير بن العوام قطع قرابتي ، ونكث عهدي ، وظاهر عدوي ونصب الحرب لي وهو يعلم أنه ظالم ، فاكفينيه كيف شئت وإنى شئت.

« رجوع الزبير ، ومقتله »
وخرج علي رضي الله عنه ، فوقف بين الصفين ، عليه قميص ورداء ، وعلى رأسه عمامة سوداء ، وهو يومئذٍ على بغلة رسول الله (ص) الشهباء التي يقال لها « دُلـدُل » ثم نادى بأعلى صوته : أين الزبير بن العوام ، فليخرج إلي ! فقال الناس : يا أمير المؤمنين ، أتخرج إلى الزبير وأنت حاسر ! وهو مدجج في الحديد ؟ ! فقال علي رضي الله عنه : ليس علي منه بأس ، فأمسكوا.
ثم نادى الثانية : أين الزبير بن العوام ؟ فليخرج إلي.
فخرج إليه الزبير ، ونظرت عائشة فقالت : واثكل أسماء ! فقيل لها يا أم المؤمنين ! ليس على الزبير بأس ، فإن علياً بلا سلاح.
ودنا الزبير من علي حتى واقفه ، فقال له علي رضي الله عنه : يا أبا عبد الله ما حملَكَ على ما صنعت ؟


(141)

فقال الزبير : حملني على ذلك الطلبُ بدم عثمان فقال له علي : أنت وأصحابك قتلتموه ، فيجب عليك أن تُقيد من نفسك ! ولكن أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو ، أما تذكر يوماً قال لك رسول الله (ص) : يا زبير أتحب علياً ! فقلت : يا رسول الله ، وما يمنعني من حبه وهو ابن خالي ؟ فقال لك : أما إنك ستخرج عليه يوماً وأنت ظالم ؟ فقال الزبير : اللهم بلى ، قد كان ذلك.
قال علي : فأنشدك بالله الذي أنزل الفرقان أما تذكر يوماً جاء رسول الله (ص) من عند بني عمرو بن عوف وأنت معه وهو آخذُ بيدك فاستقبلته أنا فسلّم عليَّ وضحكَ في وجهي ، وضحكتُ أنا إليه ، فقلت أنتَ : لا يدعُ ابن أبي طالب زهوه أبداً ! فقال لك النبي (ص) : مهلاً يا زبير ! فليس به زهوٌ ، ولتخرُجَنَّ عليه يوماً وأنت ظالمٌ له ؟
فقال الزبير : اللهم بلى ! ولكن أُنسِيت ، فأما إذ ذكرتني ذلك فوالله لأنصرفن عنك ! ولو ذكرت هذا لما خرجتُ عليك.
ثم رجع الزبير إلى عائشة وهي واقفة في هودجها ، فقالت : ما وراءك يا أبا عبد الله ؟ فقال الزبير : ورائي ؛ والله ما وقفتُ موقفاً قط ، ولا شهدت مشهداً من شِركٍ ولا إسلام إلا ولي فيه بصيرة ؛ وإني لعلى شكٍ من أمرك ، وما أكاد أبصر موضع قدمي !
فقالت عائشة : لا والله ! ولكنك خفتَ سيوف أبي طالب ، أما إنها طوال حِداد تحملها سواعد أنجاد ، ولئن خفتها ، لقد خافها الرجال من قبلك !
وأقبل عليه ابنه عبد الله فقال : لا والله ! ولكنك رأيت الموت الأحمر تحت رايات ابن أبي طالب !
فقال له الزبير : والله يا بني إنك لمشؤوم مذ عرفتك.
فقال عبد الله : ما أنا بمشؤوم ، ولكنك فضحتنا في العرب فضيحةً لا


(142)

تغسل منها رؤوسنا أبداً.
فغضب الزبير من ذلك ، ثم صاح بفرسه ، وحمل على أصحاب علي حملةً منكرة. فقال علي رضي الله عنه : إفرجوا له فإنه محرَّج ، فأوسعوا له حتى شق الصفوف وخرج منها ، ثم رجع فشقها ثانية ولم يطعن أحداً ولم يضرب ، ثم رجع إلى ابنه فقال : يا بني ؛ هذه حملة جبان ؟ ! فقال له ابنه عبد الله : فلم تنصرف عنا وقد التقت حلقتا البطان ؟
فقال الزبير : يا بني أرجع ـ والله ـ لأخبار قد كان النبي (ص) عهدها إلي فنسيتُها حتى أذكرنيها علي بن أبي طالب ، فعرفتها.
ثم خرج الزبير من معسكرهم تائباً مما كان منه وهو يقول ابياتاً مطلعها :
تـرك الأمـور التي تُخشـى عواقبـها * لله أجمـل في الـدنيـا وفي الـديـن

ثم مضى الزبير وتبعه خمسة فرسان فحمل عليهم وفرق جمعهم حتى صار إلى وادي السباع فنزل على قوم من بني تميم ، فقام إليه عمرو بن جرموز المجاشعي فقال : أبا عبد الله ، كيف تركت الناس ؟ فقال الزبير : تركتهم قد عزموا على القتال ، ولا شك قد التقوا.
فسكت عنه عمرو بن جرموز ، وأمر له بطعام وشيءٍ من لبن ، فأكل الزبير وشرب ، ثم قام فصلى وأخذ مضجعه ، فلما علم ابن جرموز أن الزبير قد نام وثب إليه وضربه بسيفه ضربةً على أم رأسه فقتله (1).

« خطبة علي ووصيته لجيشه »
وجعل علي (ع) يعبئ أصحابه ويوصيهم وهو يقول : أيها الناس ، غُضوا أبصاركم ، وأكثروا من ذِكِر ربكم ، وإياكم وكثرة الكلام فإنه فشل.
ونظرت إليه عائشة وهو يجول بين الصفوف فقالت : انظروا إليه كأن فعله فعل رسول الله (ص) يوم بدر ، أما والله ما ينتظر بكم إلا زوال الشمس.
____________
1 ـ الفتوح 2 | 312.
(143)

فقال علي رضي الله عنه : يا عائشة ! عما قليل ليصبحنَّ نادمين.
وقام عليٌّ رضي الله عنه في الناس خطيباً رافعاً صوته فقال : أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيراً ، ولا تتبعوا مولياً ، ولا تطلبوا مدبراً ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثلوا بقتيل ، ولا تهتكوا ستراً ، ولا تقربوا شيئاً من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع أو عبدٍ أو أمةٍ ، وما سوى ذلك فهو ميراثٌ لورثتهم على كتاب الله.
وجعل أهل البصرة يرمون أصحاب عليٍّ بالنبل حتى عقروا منهم جماعة ، فقال الناس : يا أمير المؤمنين ، إنهم قد عقرتنا نبالهم فما انتظارك ؟
فقال علي رضي الله عنه : اللهم إني قد أعذرت وأنذرت فكن لي عليهم من المساعدين.

التحاكم إلى كتاب الله ومقتل حامله
ثم دعا علي (ع) بالدرع فأفرغه عليه ، وتقلد بسيفه ، واعتجر بعمامته ، واستوى على بغلة رسول الله (ص) ثم دعا بالمصحف الشريف ، فأخذه بيده ثم قال : أيها الناس ، من يأخذ هذا المصحف فيدعوا هؤلاء القوم إلى ما فيه ! ؟ فوثب غلام من مجاشع يقال له : مسلم ، عليه قباءُ أبيض ، فقال : أنا آخذ يا أمير المؤمنين !
فقال له علي : يا فتى إن يدك اليمنى تُقطع ، فتأخذه باليسرى فتُقطع ، ثم تضرب عليه بالسيف حتى تقتل ؟
فقال الفتى لا صبر لي على ذلك.
ـ فنادى علي ثانيةً والمصحف في يده ، فقام إليه ذلك الفتى وقال : أنا آخذه يا أمير المؤمنين ، فهذا قليل في ذات الله.
ثم أخذ الفتى المصحف وانطلق به إليهم ، فقال : يا هؤلاء ! هذا كتاب الله عزَّ وجل بيننا وبينكم.
فضرب رجل من أصحاب الجمل يده اليمنى فقطعها ، فأخذ المصحف


(144)

بشماله ، فقطعها ، فاحتضن المصحف بصدره ، فضرب على صدره حتى قُتل. رحمه الله.
فنظرت إليه أمه وقد قتل ، فأنشأت تقول أبياتاً مطلعها.
يـا ربِّ إن مـسـلـمـاً أتـاهـم * بـمحكـم التنـزيـل إذ دعاهـمُ
فـخضـبـوا من دمـه لِـحاهـم * وأمّــهُ واقـفـة تــراهــم

« إلتحام الجيشين »
عند ذلك رفع علي (ع) رايته إلى ابنه محمّد بنِ الحنفية ، وقال تقدم يا بني فتقدم محمدٌّ ، ثم وقف بالراية لا يبرح. فصاح به علي (ع) اقتحم ، لا أم لك فحمل محمد الراية فطعن بها في أصحاب الجمل طعناً منكراً وعلي ينظر ، فأعجبه ما رأى من فعاله ، فجعل يقول :
إطعـن بهـا طعـنَ أبيـك تُحمـدِ * لا خيـر فـي الحـرب إذا لـم تُـوقـدِ بـالمشـرفي والقنـا المسـدّدِ

فقاتل محمد بن الحنفية ساعة بالراية ثم رجع ، وضرب علي (ع) بيده إلى سيفه فاستله ، ثم حمل على القوم فضرب فيهم يميناً وشمالاً ، ثم رجع وقد انحنى سيفه ، فجعل يسويه بركبته ، فقال له أصحابه : نحن نكفيك ذلك يا أمير المؤمنين ! فلم يجب أحداً حتى سواه. ثم حمل ثانية ً حتى اختلط بهم ، فجعل يضرب فيهم قِدماً حتى انحنى سيفه ، ثم رجع إلى أصحابه ووقف يُسوي السيف بركبته وهو يقول : واللهِ ما أريد بذلك إلا وجه الله والدار الآخرة ، ثم التفت إلى ابنه محمد بن الحنيفة وقال : هكذا إصنع يا بني !
ثم حملت ميمنةُ أهل البصرة على ميسرة أهل الكوفة كفشفوهم إلا قليلاً منهم ، وحملت ميمنة أهل الكوفة على ميسرة أهل البصرة فأزالوهم عن مواقفهم ، وثبت الناس بعضهم لبعض فاقتتلوا ساعةً من النهار وتقدم مخنف الأزدي من أصحاب علي وقاتل حتى جرح ، وتقدم أخوه الصعب بن سليم


(145)

فقاتل حتى قتل رحمه الله ثم خرج أخوه الثالث عبيد الله بن سليم فقُتل ، ثم تقدم زيد بن صوحان العبدي من أصحاب علي فقاتل حتى قتل فأخذ الراية أخوه صعصعة فقاتل فجرح ، وأخذها أبو عبيدة العبدي وكان من خيار أصحاب علي فقاتل فقُتل ، فأخذ الراية عبد الله بن الرقية فقتل ، فأخذها رشيد بن سميّ فقتل.
ثم تقدم رجل من أصحاب الجمل يقال له عبد الله بن سرّي ، فجعل يرتجز ويقول :
يـارب إنـي طـالـبٌ أبـا الحَسـن * ذاك الـذي يُـعـرف حقّـاً بـالفِتَـن
ذاك الـذي نـطلبـه عـلـى الإحـن * وبـغضـه شـريعـةٌ مـن الـسنـن

فخرج إليه علي رضي الله عنه وهو يرتجز ويقول :
قـد كنـتَ تـرميـه بـإيثـار الـفِتَـن * قِـدمـاً وتـطلـبـه بـأوتـار الأحـن
والـيـوم تلـقـاه مـليـاً فـأعـلمـن * بـالطعـن والضـرب عليهـا بالسنـن

ثم شدّ عليه عليٌّ بالسيف ، فضربه ضربةً هتك بها عاتقه ، فسقط قتيلاً ، فوقف علي رضي الله عنه ـ عليه ـ ثم قال : قد رأيت أبا الحسن ، فكيف وجدته ؟
ثم تقدمت بنو ضبّة فأحدقوا بالجمل وجعلوا يرتجزون بالأشعار من كل ناحية ورجل منهم قد أخذ بخطام الجمل وفي يده سيف كأنه مخراق ، وهو يرتجز ويقول :
نحـن بنـو ضبـة أصحـاب الـجمـل * نـنـازل المـوت إذا المـوتُ نـزل
ننعى ابـن عفـان بـأطـراف الأسـل * أضـرب بـالسيف إذا الرمح فصـَل
إن عليـاً يعد من خيـر البـدل


فبدر إليه زيد بن لقيط الشيباني من أصحاب عليّ وهو يقول :

يـا قائـل الزور من أصحـاب الجمـل * نـحـن قتـلنـا نعثـلاً فيمـن قتـل


(146)

إلى آخرها... ثم حمل عليه الشيباني فقتله ، وتقدم رجل من بني ضُبة يقال له عاصم بن الدّلف وأخذ بخطام الجمل ، وجعل يرتجز ويقول أبياتاً مطلعها.
نـحـن بـنـو ضبـة أعـداءُ عـلي * ذاك الـذي يُعـرف فيكم بـالوصـي

فخرج إليه المنذر بن حفصة التميمي من أصحاب علي رضي الله عنه وهو يقول :
نـحـن مـطيعـون جميعـاً لـعلـي * إذ أنت سـاعٍ في الوغـى سعي شقـي
إن الـغـوي تـابـع أمـر الـغـوي * قـد خـالفت أمـر النبـي زوجُ النبـي

ثم حمل على الضبي فقتله ، ثم جال في ميدان الحرب وهو يرتجز ويقول أبياتاً مطلعها :
أسـامـع أنـت مطيع أم عصـي * وتـاركٌ مـا أنـت فيـه أم غـوي

فخرج إليه وكيع بن المؤمل الضبي من أصحاب الجمل وهو يقول :
أسـامـع أنـت مـطيـع لـعلـي * وتـارك في الحـق أزواج الـنبـي
إنـي ولمـا ذقـت حـد المشـرفي * أعـرف يـومـاً ليس فيـه بغبـي

فحمل عليه صاحب عليٍّ فقتله ، وتقدم على وكيعٍ الأشتر حتى وقف بين الجمعين وهو يزأر كالأسد عند فريسته ، ويقول هو في ذلك شعراً ، فخرج إليه من أصحاب الجمل رجل يقال له عامر بن شداد الأزدي ، وأجابه على شعره ، فحمل عليه الأشتر فقتله ، ثم نادى فلم يجبه أحد ، فرجع.

محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر
ثم خرج محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر ، حتى وقفا قُدام الجمل ، وتبعهما الأشتر ووقف معهما ، فقال رجل من أصحاب الجمل : من أنتم ايها الرهط ؟ قال : نحن ممن لا تنكرونه ، وأعلنوا بأسمائهم ، ودعوا إلى البراز ، فخرج عثمان الضبي وهو ينشد شعراً ، فخرج إليه عمار بن ياسر فأجابه على شعره ، ثم حمل عليه عمار فقتله.


(147)

وذهب كعب بن سور الأزدي ليخرج إلى عمار ، فسبقه إلى ذلك غلام من الأزد أمرد ، فخرج وهو يرتجز ويقول شعراً ، فذهب عمار ليبرز إليه ، فسبقه إلى ذلك أبو زينب الأزدي فأجابه إلى شعره ، ثم حمل عليه أبو زينب فقتله ورجع حتى وقف بين يدي علي رضي الله عنه.
وخرج عمرو بن يثربي من أصحاب الجمل حتى وقف بين الصَفَيّن قريباً من الجمل ، ثم دعا إلى البراز وسأل النزال ، فخرج إليه علياء بن الهيثم من أصحاب علي رضي الله عنه فشدّ عليه عمرو فقتله ، ثم طلب المبارزة فلم يخرج إليه أحد ، فجعل يجول في ميدان الحرب وهو يرتجز ويقول شعراً ، ثم جال وطلب البراز فتحاماه الناس واتقوا بأسه ، فبدر إليه عمار بن ياسر وهو يجاوبه على شعره والتقوا بضربتين ، فبدره عمار بضربة فأرداه عن فرسه ، ثم نزل إليه عمار سريعاً فأخذ برجله وجعل يجره حتى ألقاه بين يدي علي رضي الله عنه ، فقال علي : اضرب عنقه ! فقال عمرو : يا أمير المؤمنين أستبقني حتى أقتل لك منهم كما قتلتُ منكم ، فقال علي : يا عدو الله ! أبعد ثلاثةٍ من خيار أصحابي أستبقيك ! لا كان ذلك أبداً ! قال : فأدنني حتى أكلمك في أذنك بشيء ، فقال علي : أنت رجل متمرد ، وقد أخبرني رسول الله (ص) بكل متمرد عليّ : وأنت أحدهم ، فقال عمرو بن يثربي : أما والله لو وصلتُ إليك لقطعتُ أذنك ـ أو قال أنفك. فقدمه عليٌّ فضرب عنقه بيده صبراً.
وخرج أخوه عمير فجعل يرتجز ويقول شعراً ، فخرج علي رضي الله عنه وأجابه إلى شعره ، ثم حمل عليه علي فضربه ضربةً على وجهه فرمى بنصف رأسه.
وانفرق علي يريد أصحابه ، فصاح به صائح من ورائه ، فالتفت وإذا بعبد الله بن خلف الخزاعي ـ وهو صاحب منزل عائشة بالبصرة ـ فلما رآه علي عرفه فناداه : ما تشاء يا بن خلف ؟ قال : هل لك في المبارزة ؟ قال علي (ع) : ما أكره ذلك ولكن ويحك يا ابن خلف ! ما راحتك في القتل ، وقد علمت من أنا ؟ فقال عبد الله بن خلف : دعني من مدحك يا ابن أبي


(148)

طالب وادن مني لترى أينا يقتل صاحبه ! ثم أنشد شعراً ، فأجابه علي (ع) والتقوا للضرب فبادره عبد الله بن خلف بضربة دفعها علي بجحفته ، ثم انحرف عنه علي فضربه ضربةً رمى بيمينه ، ثم ضربه أخرى فأطار قحف رأسه.
ثم رجع عليّ إلى أصحابه ، وخرج مبارز بن عوف الضبي من أصحاب الجمل وجعل يقول شعراً ، قال : فخرج إليه عبد الله بن نهشل من أصحاب علي مجيباً له على شعره ، ثم حمل على الضبي فقتله ، فخرج من بعد الضبي ابن عمه ثور بن عدي وهو ينشد شعراً فخرج إليه محمد بن أبي بكر مجيباً له وهو يقول شعراً. ثم شد عليه محمد بن أبي بكر فضربه ضربةً رمى بيمينه ، ثم ضربه ثانيةً فقتله.
قال : فغضبت عائشة وقالت : ناولوني كفاً من حصباء ، فناولوها فحصبت بها أصحاب علي وقالت : شاهت الوجوه. فصاح بها رجل من أصحاب علي رضي الله عنه ، وقال : يا عائشة ! وما رميت أذ رميت ولكن الشيطان رمى ، ثم جعل يقول شعراً :
قـد جئـت يـا عيـش لـتعـلـمينـا * وتـنـشـر الـبـرد لـتهـزميـنـا
وتقـذفـي الحصـبـاء جهـلاً فـينـا * فـعـن قلـيـل سـوف تعـلـمينـا

« مقتل طلحة بن عبيد الله »
وجعل طلحة ينادي بأعلى صوته : عباد الله الصبر الصبر ! إن بعد الصبر النصر والأجر قال : فنظر إليه مروان بن الحكم فقال لغلام له : ويلك يا غلام ! والله إني لأعلم أنه ما حرّض على قتل عثمان يوم الدار أحد كتحريض طلحة ولا قتله سواه ! ولكن استرني فأنت حر ؛ قال : فستره الغلام ، ورمى مروان بسهم مسموم لطلحة بن عبيد الله فأصابه به ، فسقط طلحة لما به وقد أُغمي عليه ، ثم أفاق فنظر إلى الدم يسيل منه فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، أظن والله أننا عُنينا بهذه الآية ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا


(149)

منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) ثم أقبل على غلامه وقد بلغ منه الجهد ، قال : ويحك يا غلام ؛ اطلب لي مكاناً أدخله فأكون فيه ، فقال الغلام : لا والله لا أدري أين أنطلق بك ! فقال طلحة يا سبحان الله ! والله ما رأيت كاليوم قط ! دم قرشي أضيع من دمي ، وما أظن هذا السهم إلا سهماً أرسله الله ، وكان أمر الله قدراً مقدوراً ، ولم يزل طلحة يقول ذلك حتى مات ، ودفن ، ثم وضع في مكان يقال له السبخة ، ودخل من ذلك على أهل البصرة غم عظيم ، وكذلك على عائشة لأنه ابن عمها ، وجاء الليل فحجز بين الفريقين.
فلما كان من الغد دنا القوم من بعضهم البعض ، وتقدمت عائشة على جملها عسكر حتى وقفت أمام الناس والناس من ورائها وعن يمينها وشمالها ، قال : وصف علي رضي الله عنه أصحابه وعبأهم كالتعبية الأولى ، وعزم القوم على المناجزة وتقدم كعب بن سور الأزدي حتى أخذ بخطام الجمل وجعل يرتجز ويقول :
يـا معشـر الـنـاس عليـكـم أمـكـم * فـإنـهـا صـلاتـكـم وصـومـكـم
والـرحمـة العـظمـى الـتي تعمـكـم * الخ..................

فحمل عليه الأشتر ، فقتله ، وخرج من بعده غلام من الأزد اسمه وائل بن كثير ، فجعل يقول شعراً ، فبرز إليه الأشتر مجيباً له ، ثم حمل عليه الأشتر فقتله ، وخرج من بعده عمرو بن خنفر من أصحاب الجمل وهو يقول شعراً ، ثم حمل عليه الأشتر فقتله وخرج من بعده عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ؛ فجعل يلعب بسيفه بين يدي عائشة وهو يقول شعراً قال : فبدر إليه الأشتر مجيباً ، ثم حمل عليه فضربه ضربة رمى بيمينه فسقط لما به ، وثناه الأشتر بضربةٍ أخرى فقتله ، ثم جال في ميدان الحرب وهو يقول شعراً ، ثم رجع الأشتر إلى موقفه.
وصاح رجل من أهل الكوفة : يا معشر المؤمنين ! إذا خرج إليكم رجل


(150)

من أنصار صاحبة الجمل وقال شيئاً من الشعر فلا تجيبوه بشيء ليستريح إلى إجابتكم له ، ولكن استعملوا فيمن خرج إليكم السيف فإنه أسرع للجواب ، قال : وإذا برجل من أصحاب الجمل يقال له الأسود البختري قد خرج وهو يقول شعراً ، فحمل عليه عمرو بن الحمق الخزاعي فقتله. وخرج من بعده جابر بن مزيد الأزدي ، فحمل عليه محمد بن أبي بكر فقتله ، وخرج من بعده مجاشع بن عمر التميمي وهو يقول شعراً ، فحمل عليه أصحاب علي حملة ، واستأمن إلى علي فكان من خيار أصحابه بعد ذلك. وخرج من بعده بشر بن عمرو الضبي وهو يقول شعراً ، فحمل عليه عمار بن ياسر فقتله ، وخرج من بعده حرسة بن ثعلبة الضبي في يده خطام الجمل وهو يقول شعراً ، ثم حمل فجعل يقاتل حتى قطعت يده على خطام الجمل وقتل ، وهكذا حتى قطع على الخطام يومئذٍ ثماني وتسعون يداً. ونادت عائشة بأعلى صوتها : أيها الناس عليكم بالصبر ، فإنما تصبر الأحرار.
واشتبكت الحرب بين الفريقين ، وصاح الحجاج بن عمرو الأنصاري : يا معاشر الأنصار انه لم ينزل موت قط في جاهلية ولا إسلام إلا مضيتم عليه ، ولست أراكم اليوم كما أريد وأنا أنشدكم بالله أن تحدثوا ما لم يكن ، إن أخوانكم اليوم قد أبلوا وقاتلوا ، وأن الموت قد نزل فصبراً صبراً حتى يفتح الله عزَّ وجل عليكم.
ثم تقدم الحجاج يضرب بسيفه قدماً ، وتقدم في أثره خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين وهو يقول شعراً. ثم تقدم في أثره شريح بن هاني الحارثي ثم تقدم في إثره هاني بن عروة ، ثم تقدم في أثره زياد بن كعب الهمداني ثم تقدم في أثره مالك بن الحارث الأشتر ، ثم تقدم في أثره عدي بن حاتم الطائي وهو يقول شعراً. ثم تقدم في أثره رفاعة بن شداد البجلي وهو يقول شعرا ثم تقدم في أثره هاني بن هانئ المذحجي ، ثم تقدم في أثره عمرو بن الحمق الخزاعي وكانوا كلهم ينشدون الشعر حين تقدمهم ، واقتتل القوم قتالاً شديداً لم يسمع بمثله ، وصار الهودج الذي فيه عائشة كأنه


(151)

القنفذ مما فيه من النبل والسهام ، قال : وجعلت بنو ضبة يأخذون بعر الجمل فيشمونه ويقول بعضهم لبعض : ألا ترون إلى بعر جمل أمنا كأنه المسك الأذفر.
وجعل الأشتر يجول في ميدان الحرب وينادي بأعلى صوته : يا أنصار الجمل ! من يبارزني منكم ؟ قال : فبرز إليه عبد الله بن الزبير وهو يقول : إلى أين يا عدو الله ؟ فأنا أبارزك ! قال : فحمل عليه الأشتر فطعنه طعنة صرعه عن فرسه ، ثم بادر وقعد على صدره ، فجعل عبد الله بن الزبير ينادي من تحت الأشتر في يومه ذلك : إقتلوني ومالكاً واقتلوا مالكاً معي. وكان الأشتر في يومه صائماً وقد طوى من قبل ذلك بيومين فأدركه الضعف ، فأفلت عبد الله من يده وهو يظن أنه غير ناج منه ، وفي ذلك يقول :
أعـائش لـولا أننـي كنـت طـاويـاً * ثـلاثـاً لألـفيـت ابن أختـك هـالـكـاً

« عقر الجمل »
قال : واحمرت الأرض بالدماء ، وعُقِر الجمل من ورائه فعج ورغا ، فقال علي (ع) : عرقبوه فإنه شيطان. ثم التفت إلى محمد بن أبي بكر رضي الله عنه وقال له : انظر إذا عرقب الجمل فأدرك أختك فوارها ، قال : وبادر عبد الرحمن بن صرد التنوخي إلى سيفه ، فلم يزل يقاتل حتى وصل إلى الجمل فعرقبه من رجليه جميعاً فوقع الجمل لجنبه وضرب بجرانه الأرض ، ورغا رغاءً شديداً ، وبادر عمار بن ياسر فقطع أنساع الهودج بسيفه.
وأقبل علي (ع) على بغلة رسول الله (ص) فقرع الهودج برمحه ، ثم قال : يا عائشة ! أهكذا أمرك رسول الله (ص) أن تفعلي ؟ فقالت عائشة : قد ظفرت فأحسن. فقال علي رضي الله عنه لمحمد بن أبي بكر : شأنك بأختك فلا يدنو منها أحد سواك. فأدخل محمد يده إلى عائشة فأحتضنها ثم قال أصابك شيء ؟ فقالت : لا ، ما أصابني شيء ، ولكن من أنت ويحك ! فقد مسست مني ما لا يحل لك ؟ فقال محمد : اسكتي فأنا أخوك محمد ، فعلتِ


(152)

بنفسك ما فعلتِ ، وعصيت ربك وهتكت سترك وابحت حرمتكِ وتعرضت للقتل.
ثم احتملها فأدخلها البصرة وأنزلها في دارعبد الله بن خلف الخزاعي ، فقالت عائشة لأخيها : يا أخي ، أنشدك بالله إلا طلبت لي ابن أختك عبد الله بن الزبير ، فقال لها محمد : ولم تسألين عن عبد الله ؟ فوالله ما سامك أحد سواه ! فقالت عائشة : مهلاً يا أخي فإنه ابن أختك ، وقد كان ما ليس إلى رده سبيل ؛ فأقبل محمد إلى موضع المعركة فإذا هو بعبد الله بن الزبير جريحاً لما به ـ فقال له محمد : اجلس يا مشؤوم أهل بيته ، اجلس لا أجلسك الله ! قال : فجلس ابن الزبير وحمله محمد بين يديه وركب من خلفه ، وجعل يمسكه وهو يميل من الجراح التي به حتى أدخله على عائشة ، فلما نظرت إليه على تلك الحالة بكت ثم قالت لأخيها محمد ! يا أخي ! استأمن له علياً وتمم إحسانك ، فقال لها محمد : لا بارك الله لك فيه ! ثم سار إلى علي وسأله ذلك ، فقال علي : قد آمنته وأمنت جميع الناس.

« بين ابن عباس وعائشة »
ودعا علي رضي الله عنه بعبد الله بن عباس فقال له : اذهب إلى عائشة فقل لها أن ترتحل إلى المدينة كما جاءت ولا تقيم بالبصرة ، فأقبل إلى عائشة فاستأذن عليها ، فأبت أن تأذن له ، فدخل عبد الله بغير إذن ، ثم التفت فإذا راحلةٌ عليها وسائد فأخذ منها وسادةً وطرحها ثم جلس عليها ؛ فقالت عائشة ، يا بن عباس أخطأت السنة ، دخلت منزلي بغير إذني ! فقال ابن عباس : لو كنت في منزلك الذي خلفك فيه رسول الله (ص) لما دخلت عليك إلا بإذنك ، وذلك المنزل الذي أمرك الله عزَّ وجل أن تقري فيه فخرجت منه عاصيةً لله عزَّ وجلّ ولرسوله محمد (ص) وبعد ، فهذا أمير المؤمنين يأمرك بالإرتحال إلى المدينة فارتحلي ولا تعصي ، فقالت عائشة : رحم الله أمير المؤمنين ! ذاك عمر بن الخطاب ! فقال ابن عباس : وهذا والله أمير المؤمنين وإن رغمت له الأنوف وأربدت له الوجوه ! فقالت عائشة : أبيت ذلك عليكم يا


(153)

ابن عباس ! فقال ابن عباس : لقد كانت أيامك قصيرة المدة ظاهرة الشؤم بينة النكد ، وما كنت في أيامك إلا كقدر حلب شاة حتى صرت ما تأخذين وما تعطين ولا تأمرين ولا تنهين ، وما كنت إلا كما قال أخو بني أسد :
مـا زال إهـداء القصـائـد بينـنـا * شتـم الـصديـق وكـثـرة الألقـاب
حتى تركـت كـأن قـولك عنـدهـم * فـي كـل محـتفـل طـنيـن ذبـاب

قال : فبكت عائشة بكاءً شديداً ، ثم قالت : نعم والله أرحل عنكم فما خلق الله بلداً هو أبغض إلي من بلد أنتم به يا بني هاشم. فقال ابن عباس : ولمَ ذلك ؟ فوالله ما هذا بلاؤنا عندك يا بنت أبي بكر ! فقالت عائشة : وما بلاؤكم عندي با بن عباس ؟ فقال : بلاؤنا عندك أننا جعلناك أم المؤمنين وأنت بنت أم رومان ، وجعلنا أباك صديقاً وهو ابن أبي قحافة ، وبنا سميت أم المؤمنين لا بتيم وعدي. فقالت عائشة : يا ابن عباس ! أتمنون علي برسول الله (ص) ؟ فقال : ولم لا نمن عليك برسول الله (ص) ولو كانت فيك شعرة منه أو ظفر لمننت علينا وعلى جميع العالمين بذلك ! بعد فإنما كنت تسع أحدى حشايا من حشاياه لست بأحسنهن وجهاً ولا بأكرمهن حسباً ، ولا بأرشحهن عرقاً ، وأنت الآن تريدين أن تقولي ولا تُعصين ، وتأمري ولا تخالفين ، ونحن لحم الرسول (ص) ودمه وفينا ميراثه وعلمه ، فقالت عائشة : يا ابن عباس ما باذل لك علي بن أبي طالب ؟ فقال ابن عباس : والله أقر له ، وهو أحق به مني وأولى ، لأنه أخوه وابن عمه ، وزوج الطاهرة إبنته وأبو سبطيه ، ومدينة علمه وكشاف الكرب عن وجهه ، وأما أنت ، فلا والله ما شكرت نعماءنا عليك وعلى أبيك من قبلك !
ثم خرج وسار إلى علي فأخبره بما جرى بينه وبينها من الكلام.

« دخول علي (ع) على عائشة وما جرى بينهما من الكلام »
فدعا علي ببغلة رسول الله (ص) ، فاستوى عليها ، وأقبل إلى منزل عائشة ثم استأذن ودخل ، فإذا عائشة جالسة وحولها نسوة من نساء أهل البصرة


(154)

وهي تبكي وهن يبكين معها ، قال : ونظرت صفية بنت الحارث الثقفية زوجة عبد الله بن خلف إلى علي ، فصاحت هي ومن كان معها هناك من النسوة وقلن بأجمعهن : يا قاتل الأحبة ، يا مفرق بين الجميع أيتم الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد الله بن خلف ! فنظر إليها علي فعرفها فقال : أما أني لا ألومك أن تبغضيني وقد قتلت جدك في يوم بدر ، وقتلت عمك يوم أحد ، وقتلت زوجك الآن ! ولو كنت قاتل الأحبة كما تقولين لقتلت من في هذا البيت ومن في هذه الدار ؟ وأقبل علي على عائشة فقال : ألا تنحين كلابك هؤلاء عني ، أما أنني قد هممت أن أفتح باب هذا البيت فأقتل من فيه ، وباب هذا البيت فأقتل من فيه ، ولولا حبي للعافية لأخرجتهم الساعة فضربت أعناقهم صبراً ، قال : فسكتت عائشة وسكتت النسوة فلم تنطق واحدة منهن.
ثم أقبل على عائشة فجعل يوبخها ويقول : أمرك الله أن تقري في بيتك ، وتحتجبي بسترك ولا تبرحي ، فعصيته وخضت الدماء تقاتليني ظالمةً وتحرضين علي الناس ، وبنا شرفك الله وشرف اباءك من قبلك وسماك أم المؤمنين وضرب عليك الحجاب ، قومي الآن فأرحلي واختفي في الموضع الذي خلفك فيه رسول الله (ص) إلى أن يأتيك فيه أجلك. ثم قام فخرج من عندها.
فلما كان من الغد بعث إليها ابنه الحسن ، فجاء فقال لها : يقول لك أمير المؤمنين ، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ! لئن لم ترحلي الساعة لأبعثن عليك بما تعلمين ـ وكان عائشة قد ضفرت قرنها الأيمن وهي تريد أن تضفر الأيسر ـ فلما قال لها الحسن ذلك وثبت من ساعتها وقالت : رحلوني ! فقالت لها امرأة من المهالبة : يا أم المؤمنين ! جاءك عبد الله بن عباس فسمعناك وأنت تجاوبيه حتى علا صوتك ثم خرج من عندك وهو مغضب ، ثم جاءك الآن هذا الغلام برسالة أبيه فأقلقك ، وقد كان أبوه جاءك فلم نر منك هذا القلق والجزع !
فقالت عائشة ، إنما أقلقني لأنه ابن بنت رسول الله (ص) فمن أحب


(155)

أن ينظر إلى رسول الله (ص) فلينظر إلى هذا الغلام ، وبعد ، فقد بعث إلي أبوه بما قد علمت ، ولا بد من الرحيل. فقالت لها المرأة : سألتك بالله وبمحمد (ص) إلا أخبرتني بماذا بعث إليك علي رضي الله عنه. فقالت عائشة : ويحك ! إن رسول الله (ص) أصاب من مغازيه نفلاً فجعل يقسم ذلك في أصحابه ، فسألناه أن يعطينا منه شيئاً وألححنا عليه في ذلك ، فلامنا علي رضي الله عنه وقال : حسبكن فقد أضجرتن رسول الله (ص) فتجهمناه وأغلظنا له في القول ، فقال : « عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن » فأغلظنا له أيضاً في القول وتجهمناه. فغضب النبي (ص) من ذلك وما استقبلنا به علياً ، فأقبل عليه ثم قال :
يا علي إني قد جعلت طلاقهن إليك ، فمن طلقتها منهن فهي بائنة ، ولم يوقت النبي (ص) في ذلك وقتاً في حياةٍ ولا موت ! فهي تلك الكلمة ، وأخاف أن أبين من رسول الله (ص).

« إنصراف عائشة إلى المدينة »
ثم دعا علي رضي الله عنه بنسوةٍ من نساء أهل البصرة فأمرهن أن يخرجن مع عائشة إلى المدينة ، فرحلت عائشة من البصرة في تلك النسوة ، وقد كان علي رضي الله عنه أوصاهن وأمرهن أن يتزيين بزي الرجال ، عليهن العمائم ، فجعلت عائشة تقول في طريقها : فعل بي علي وفعل ، ثم وجّه معي رجالاً يردوني إلى المدينة ! قال : فسمعتها امرأة منهن فحركت بعيرها حتى دنت منها ثم قالت : ويحك يا عائشة أما كفاك ما فعلتِ حتى أنك الآن تقولين في أبي الحسن ما تقولين ! ثم تقدمت النسوة وسفرن عن وجوههن ، فاسترجعت عائشة واستغفرت وقالت : هذا مالقيت من ابن أبي طالب.
ثم دخلت عائشة المدينة وصارت إلى منزلها نادمةً على ما كان منها ، وانصرفت النسوة إلى منازلهن بالبصرة.
وكانت عائشة إذا ذكرت يوم الجمل تبكي لذلك بكاءً شديداً ثم تقول :


(156)

يا ليتني لم أشهد ذلك المشهد ! يا ليتني مت قبل هذا بعشرين سنة. ثم قالت عائشة : ولو لم أشهد الجمل لكان أحب إليّ من أن أيكون لي من رسول الله (ص) مثل ولد عبد الرحمن بن الحارث ، فإنه كان له عشرة أولاد ذكور كل يركب.
ونظر رجل من بني تميم إلى عبد الرحمن بن صرد التنوخي عاقر الجمل ، فقال له : أنت الذي عرقبت الجمل يوم البصرة ؟ فقال التنوخي : أنا والله ذلك الرجل ! ولو لم أعرقبه لما بقي من أصحاب عائشة ذلك اليوم مخبر ، فإن شئت فاغضب ، وإن شئت فارض ، ثم أنشأ يقول شعراً :
عقـرت ولـم أعقـر بهـا لهـوانـهـا * عـلي ولـكـنـي رأيـت الـمهـالـكـا
ومـا زالـت الحـرب العـوان يحثـها * بنـوها بهـا حتى هـوى العـود بـاركـا

وأقام علي (ع) بالبصرة بعد حرب الجمل أياماً قلائل ، فلما أراد الرحيل عنها نصب في عسكره منبراً ، ثم نادى في الناس فجمعهم ، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (ص) وذكر من أمر القوم ما ذكر.
فوثب إليه المنذر بن الجاورد العبدي ، فسأل عن أمر الفتن وغيرها فأخذ علي في ذلك يخبره من يومه ذلك إلى أن تقوم الساعة ، فذكر الفتن في مدينةٍ مدينة وكيف تخرب ومن يتولى خرابها إلخ... ثم قال في آخر كلامه : يا منذر إنه لن تقوم الساعة إلا على أشرار خلق ربك ، وذلك في أول يوم من المحرم يوم الجمعة فافهم عني يا منذر ما نبأتك به ولم أكتمه عن غيرك والله ولي الإحسان. اللهم صلى على سيدنا محمدٍ الكريم في الحسب الرفيع في النسب سليل عبد المطلب وسيد العجم والعرب وسلم تسليماً كثيراً ، ثم نزل عن المنبر وأمر أصحابه بالرحيل وانصرف إلى الكوفة مؤيداً منصوراً.