في معسكر الإيمان


( 30 )


( 31 )

ويدلهم الخطب ويحمي الوطيس بين معسكر الإيمان الفتيّ ومعسكر الضلال بجبروته وكبريائه ، وقد فشل المعسكر الوثني في تنفيذ شعار الإبادة الذي حمل لواءه أبو جهل وأبو لهب ومن يدور في فلكهما بغية خنق الدّعوة في مهدها ، فالرّسول ( صلى الله عليه وآله ) وفقاً لتسديده من السّماء فوّت عليهم الفرصة بمخّطط جديد نفّذه بسرّية وفورية ، حيث أرسل حملة من أصحابه بقيادة جعفر بن أبي طالب إلى بلاد الحبشة التي يمتاز زعيمها ( النجاشي ) بحسن اخلاقه ، فضلاً عن اعتناقه دين النصرانية ، وقد بلغ المهاجرون إلى الحبشة نيفاً وثمانين مهاجراً ، وقد عاملهم النجاشي معاملة طيبة مما جعل قريشاً تهتم لهذا الأمر الذي أقضّ مضجعها ، فأرسلت عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد المخزومي يحملان الهدايا إلى النّجاشي ، وفور وصولهما أعلنا للنجاشي عمّا قدما عليه فقالا :
« سفهاء من قومنا خرجوا عن ديننا ، وظلّلوا أمواتنا ، وعابوا آلهتنا ، وإن تركناهم ورأيهم لم نأمن أن يفسدوا دينك ».
وبعث النجاشي وراء جعفر ليطّلع على حقيقة ما سمعه بل وفوجىء ، به فكان ردّ جعفر حاسماً ، ردّ كيدهم إلى نحورهم حيث صرّح بقوله :
« إنّ هؤلاء على شردين : يعبدون الحجارة ، ويصلُّون للأصنام ، ويقطعون الأرحام ، ويستعملون الظلم ، ويستحلون المحارم ، وإن الله قد بعث فينا نبياً من أعظمنا قدراً وأشرفنا سرراً وأصدقنا لهجة وأعزّنا بيتاً فأمر عن الله بترك عبادة الأوثان ، واجتناب المظالم ، والمحارم ، والعمل بالحق ؛ والعبادة له وحده ».
وبهذا الإعلان الصريح الذي كشف فيه جعفر عن سوءة قريش ، اهتزّت مشاعر النجاشي فردّ عليهم هديّتهم وعنّفهم بقوله :
« أأدفع إليكم قوماً في جواري على دين الحق ، وأنتم على دين الباطل ؟ ».
ولكن النجاشي لم يكتف بما سمعه من جعفر بن أبي طالب ( عليه السلام ) عن الدين الجديد ، فسأله أن يقرأ عليه شيئاً مما أُنزل على محمد ( صلى الله عليه وآله ) . وهنا تبرز الحكمة بكل ملامحها في شخصية الدّاعية جعفر حيث يتلو عليهم سورة مريم. نظراً لنصرانية النجاشي ، وما أن انتهى من تلاوة السورة حتى أبكى النجاشي ومن حضر عنده. ولما أحسّ عمرو وعمارة ـ مبعوثا قريش ـ بإفلات الزّمام من أيديهما حاولا


( 32 )

إغراء النجاشي بالمسلمين المهاجرين فقالا : « إن هؤلاء يزعمون : أن المسيح عبد مملوك » مما جعل النجاشي يشمئز لذلك ، فاتصل بجعفر المخلص لله ورسوله ليعلن له ما ادعاه وفد قريش ، فطمأنه جعفر بقوله : « إنّ المسيح عندنا روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم ». فيطمئنّ النجاشي بعدها وتنتهي المؤامرة التي دبّرها قادة المعسكر الوثني للفتك بالمسلمين وكانت عاقبة أمرهم خسراً.
واجتمع زعماء الشرك وأقرّوا مشروعاً جديداً ليتركز على صاحب الرسالة ذاته ، ولكنّه مشروع دعائي حيث كرّست قوى الشرك كلّ ما في جعبتها من وسائل وإمكانيات ماديّة ومعنوية ـ للحط من قيمة الرسالة بتوهين صاحب الرسالة نفسه عن طريق حملة دعائية عمّت أكثر الأحياء في الجزيرة العربية ، وكانت هذه الحملة تحمل نغماتٍ شتى ، فقد ادّعى مروّجوها : أنّ محمداً كذاب ، فشاعر ، فمجنون وساحر.
ولكن هذه النغمات ـ مع ما صحبها من رصيد دعائي ضخم ـ لم تؤد فاعليتها بل لم تحقق أيّ غرض على الإطلاق مما جعل دار الندوة تفتتح أبوابها لتتلقى اجتماعاً لأقطاب الشرك قرّروا بعد مداولات ومشاورات : أن يقتلوا محمداً ذاته ، ولكنهم فوجئوا بعقبة كأداء تحول دون تحقيقهم لهدفهم الدنيء ، إذ وقف المؤمن الوفيّ أبو طالب موقفه الصُّلب فأعلن أنهم غير قادرين على ذلك إطلاقاً ـ

والله لن يصلوا إليك بجمعهم*حتّى أوسّد في التـراب دفينـا

ولمّا بلغ قريش ردُّ الفعل الذي أصاب سيد العرب أبا طالب ، تنازلت عن رأيها ، وأقرّت مشروعاً جديداً يقضي بمقاطعة قريش لمحمد وبني هاشم ومن يدور في فلكهم ، وقد دوّنوا بنود المقاطعة التي تقضي بعدم مبايعة أو مناكحة أو معاملة بني هاشم على الإطلاق ، وختموا القرار بثمانين خاتماً وعلّقوها في الكعبة المشرفة وحوصر بنو هاشم في شعب أبي طالب ، وذاقوا لذلك كل عسر ومشقة وهوان.
وهنا يتجلّى دور خديجة التي أوقفت كلّ طاقاتها في سبيل الدعوة ، فأنفقت كلّ ثروتها في تلك الأيّام العصيبة التي مرّ بها محمد والإسلام ، واستمرت المقاطعة ثلاث سنين حيث أبطل مفعولها يوم أعلن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : أنّ الأرضة قد أكلت صحيفتهم ، وبعد أن أخبرهم أبو طالب بما نبّأ به ابن أخيه وقعت فتنة بين قوى الشرك كانت نتيجتها في صالح الرسالة المقدسة ، حيث أسلم عدد كبير من الناس ،


( 33 )

فضلاً عن أنّ المقاطعة أدت إلى تصلُّب عقيدة بني هاشم وأتباعهم من المؤمنين.
وفي هذه اللحظات العصيبة من حياة الإسلام ورسوله أعلن بيت الرسالة نبأ افتقاد المجاهدة أُمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد حيث اختطفها ريب المنون ، فتكدرت حياة محمد لموتها ، وبعد مضي ثلاثة أيّام على فقدها فوجىء الإسلام بفقد المحامي والمدافع الأول عنه في أقسى ظروفه أبي طالب الرجل المؤمن الصلب الذي وقف المواقف البطولية في وجه الشرك وأقطابه ، وبفقد أبي طالب استولى الحزن على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . ووقف على عمّه ليلقي نظرة الفراق ـ وهو يقول بقلب مزقة الألم :
« يا عم ربيت صغيراً ، وكفلت يتيماً ، ونصرت كبيراً ، فجزاك الله عنّي خيراً ».
ويستولي الحزن على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لفقد أبي طالب وخديجة مما جعله يقول :
« اجتمعت على هذه الأُمة في هذه الأيّام مصيبتان لا أدري بأيّهما أنا أشدُّ جزعاً ؟ ».
وهذه الكلمة ترينا أنّ وراءها قلباً قد هده الأسى وأخذ مأخذه فيه ، وقد تنجلي هذه الحقيقة إذا قلنا : أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد أطلق على العام الذي فقد فيه أبا طالب وخديجة ، « عام الحزن ».
ويزداد ألم محمد ( صلى الله عليه وآله ) ويتأصّل في نفسه عندما تتعلّق بضعته فاطمة بثيابه إذ استولى الأسى على مشاعرها فتتعلّق بأبيها باكية وهي تقول : « أبي ـ أبي ، أين أُمّي ، أين أُمّي ؟ ».
فيبكي الرسول الكريم لبكائها وينغص عيشه ، فتشترك السماء معه في المأساة وينزل جبريل ( عليه السلام ) فيقول : « يا محمّد ، قل لفاطمة : إن الله تعالى ـ بنى لأمّك بيتاً في الجنّة من قصب لا نصب فيه ولا صخب ». تلطيفاً لمشاعرها وتخفيفاً لعنفوان حزنها وآلامها.
ويشمت الأعداء ، بمحمد وتشتدُّ مؤامراتهم للنّيل منه بعد ما وثقوا من قلّة ناصره بعد أبي طالب ، الدرع الواقي للرسالة ، وأحسس بالخطر به وبرسالته ، فخرج من مكة يلتمس الأنصار لإيوائه وحمايته من القتل ، وراح يتصل بالقبائل خارج مكة يفاوض أهلها وأشرافها بغية منعه من القتل قائلاً : « لا أكره أحداً


( 34 )

منكم ، إنّما أُريد أن تمنعوني مما يراد بي من القتل حتى أُبلِّغ رسالات ربي ».
ولكنّ أحداً من قومه لم يجره ، ففكر في الخروج إلى الطائف حيث تقيم قبيلة ثقيف الكبيرة علّه يجد مجالاً لبث دعوته ، وقابل زعماء القبيلة ، ولكنهم ردّوه ردّاً قاسياً يتّسم بطابع السُخرية والجفاء ، ولم يكتف هؤلاء بالأسلوب السلمي الجاف ، بل عمدو إلى استعمال طريقة العنف لصاحب الدّعوة حيث هاجم صبيانهم محمداً ( صلى الله عليه وآله ) بالحجارة حتى أدموه فعجز حتى عن مواصلة سيره فاستند إلى جدار بستانٍ في خارج مدينة الطائف ، وقد وصف حالته بقوله : « ما كنت أرفع قدماً ولا أضعها إلاّ على حجر ... » ويعود محمد ( صلى الله عليه وآله ) إلى مكة في وقت كانت قريش قد اجتمعت في دار الندوة ، وهي تستعرض الظّرف الذي تعيشه الدّعوة بعد وفاة أبي طالب ...
وبعد مشاورات ومحاولات ومفاوضات وجدت قريش أنّ الظّرف ملائم لتنفيذ مشروع يقضي بقتل محمد ( صلى الله عليه وآله ) بعد أن خلا لهم الجو من معارض صُلب كأبي طالب ، ولكنّهم اختلفوا في الصّيغة التي سيتم بها مشروع القتل الدنيء.
وبعد مناقشة آراء عديدة طرحها المؤتمرون كان في طليعتها رأي يقضي باعتقال محمد ( صلى الله عليه وآله ) في بيته ويلقي إليه طعامه حتى يتفرّق عنه أتباعه بعد حين ثم يعجّل بقتله ، وقد نوقش هذا الرأي ولم يقرّه المؤتمرون في دار الندوة.
وأخيراً عرض أبو جهل ـ رأس الشرك يومذاك ـ رأياً يقضي بقتل محمد ولكن عن طريق فورية في التنفيذ أولاً ، وأن يجتمع على قتله من كل قبيلة شاب قوي ، لكي لا تقوى بنو هاشم ثمّ على مقاومة القبائل العربية جميعاً ، فينهالوا عليه بضربة رجل واحد مما يجعل دمه يذهب هدراً...
وصفق المؤتمرون لرأي قطب الشرك والظّلال أبي جهل وأقروه بالإجماع وأنبأت السماء محمداً ( صلى الله عليه وآله ) بمقرّرات دار الندوة ، وصدرت الإرادة الإلهية بهجرة محمد إلى يثرب ، شريطة أن يدع عليّاً ( عليه السلام ) على فراشه ليؤدي عنه أماناته ويلحق به بعد زمن ، حاملاً معه بضعة الرسول فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) وغيرها من النساء الهاشميّات. وخرج محمد ( صلى الله عليه وآله ) تحت جنح الظّلام وأسرع المتآمرون لإلقاء القبض عليه في بيته ولكنهم فوجئوا بعليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) يخرج إليهم وينبئهم أنّ محمداً ( صلى الله عليه وآله ) قد خرج عن مكة بعد أن رغبوا هم بخروجه عنها.


( 35 )

وما أن نبأهم عليّ بخروج محمد عن مكة إلا وقد خيم عليهم الوجوم والدّهشة فطلبوه في الجبال والوديان ولكنّهم لم يقعوا على خبره ، حتى بلغوا جبل ثور وقد أعياهم الطلب فوقفوا على باب غار فيه يتلاومون ، وظنّ بعضهم أن محمداً قد اختفى في الغار ذاته . وبعد قليل بحث وجدوا أن حمامةً قد باضت في عشها عند باب الغار ، فضلاً عن أن عنكبوتاً قد بنى بيته على باب الغار نفسه مما جعلهم يستسلمون لليأس ، فعادوا بعدها خائبين.
واختفى محمد ( صلى الله عليه وآله ) فترة في داخل الغار ، هاجر بعدها إلى يثرب وكانت هجرته ( صلى الله عليه وآله ) بعد مضي ثلاث عشرة سنة من مبعثه المبارك.
دخل محمد يثرب ، فاستقبلته عن بكرة أبيها ، تهتف بحياته وترتّل الأناشيد الترحيبية النديّة ـ :

طلع البـدرُ علينا*من ثنيّـات الوداع
وجبَ الشكرُ علينا*ما دعــا لله داع
أيُها المبعوث فينا*جئت بالأمر المُطاع

واحتضنت يثرب الدعوة ، لتكون مسرحاً ومنطلقاً لها لتشعّ على العالم نور الهداية والفضيلة ، وبهجرة الرسول القائد إلى يثرب دخلت الدعوة مرحلة جديدة من عمرها حيث أقام الرسول دولته الكريمة التي راحت تحمل القرآن في يد والسيف في بيد أخرى ، ذوداً عن الرّسالة ونشراً لتعليماتها المنقذة ، وقد آن للرسالة أن تمرّغ قوى الضّلال في الوحل ، وقد آن لهذا الدين أن يظهره الله ولو كره المشركون.


( 36 )


( 37 )
في الطريق الى يثرب


( 39 )

مركز القيادة الإسلامية المتمثّلة بالقائد محمد ( صلى الله عليه وآله ) قد حلّ في أرض جديدة هي يثرب ، وهي بدورها قد احتضنت محمداً ( صلى الله عليه وآله ) ، وهو كذلك قد وجد فيها المنطلق الحيويّ لبثّ تعاليم السّماء إلى الآفاق شرقاً وغرباً ، ومكّة ـ الآن ـ قد اختفى فيها صوت محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فهو لم ير في شارع يدعو ، ولا في وادٍ يعدو يبشر ، ولا في سوق يندّد بالأوثان ، ولا في نادٍ يوجّه أتباعه ويدلّهم على معالم رسالته المباركة ، ولا يرى محمد ( صلى الله عليه وآله ) حتى في بيته ، وقريش تأكدت من هجرته إلى يثرب بعد أن فشل المأجورون في قتله والوحي هو الآخر قد انتقل إلى يثرب ليواصل حلقات الرّسالة الإلهية المتسلسلة ، وقريش امتلأت حقداً يصحبه طابع من الخوف بعد أن رأت أن أحياء مكة قد اختفت عنها نشاطات الصّفوة المؤمنة ، وأنّها قد هاجرت إلى أرض جديدة أكثر قدرة على احتضان الدّعوة المباركة ، بعيدة عن ضغط قريش ومكائدها وسلطانها ولم يبق في مكّة إلا عليُّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ونفر من النساء في طليعتهنّ فاطمة الزهراء بنت محمد ( صلى الله عليه وآله ) وبعض من عجزة المؤمنين وشيوخهم ، وعليٌّ هو الآخر عازم على الرّحيل ليحمل بقايا الدعاة الصابرين إلى مركز قيادتهم ، ولكنّه غير فاعل ذلك ما لم يؤدّ أمانات أخيه محمد ( صلى الله عليه وآله ) الذي اعتاد الناس أن يودعوا حاجاتهم لديه ، وسمّوه بالأمين.
ويسرع عليٌّ ( عليه السلام ) بتنفيذ هذه المهمة ، وبعد مضي ثلاثة أيّام على هجرة القائد محمد ( صلى الله عليه وآله ) يعلن عليٌّ ( عليه السلام ) نبأ رحيله إلى يثرب ، ويهيىء هوادج لحمل النساء الهاشميات.
ويحمل : فاطمة الزّهراء ( عليها السلام ) وأُمه فاطمة بنت أسد ، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب وفاطمة بنت حمزة ، وغيرهنَّ ، ويودع مكّة المكرمة ، ونفسه ممتلئة عزّة وكبرياء على طواغيت وأوضار الجاهلية ، وهو غير آبهٍ بما وراءه من عصاة الخالق مهما دبّروا ومهما خطّطوا لإيقاف الزّحف المقدس والمسدد بقوة السماء.
ولكن قريشاً فزعت لهذا الحدث الجديد ، وحملها حنقها الشديد على مواجهة الموقف بعملية عسكرية لتدرك ثأرها من محمّد وأتباعه بقتلها عليّاً ( عليه السلام ) لأنّها رأت في خروج عليٌّ ( عليه السلام ) والتحاقه بابن عمه في يثرب على مسمع ومرأى منها تأكيداً لاهانتها ، وهي بالأمس قد ذاقت مرارة فشل ذريع بعد أن فشت المؤامرة الأثيمة التي صمّم أدوارها صناديدها وكبراؤها ، فلا بد ـ والحالة هذه ـ أن تقوم


( 40 )

بعملية صارمة لغسل العار الذي لحقها على يد محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، ولكن ما هو السبيل الناجع الذي تسلكه قريش لتدرك ثأرها من محمد ... ؟
ها هي قافلة عليّ والزهراء ( عليهما السلام ) ومن معهم تبدو من بعيد ، وهي تحت السير قاصدة يثرب...
وما هي إلاّ ساعاتٍ سوف تختفي القافلة المهاجرة ، تاركة خلفها عاراً وشناراً جديداً يلحق صناديد قريش وأسياد العرب ـ يومذاك ـ
كلُّ هذه الأوهام راحت تدور في ذهنية الزعماء من قريش ، فحملتهم على وضع حلّ حاسم للحادث الجديد قبل أن يفلت الزّمام من أيديهم ـ كليّاً ـ
واجتمعت الكلمة بعد مناقشات واجتماعات عاجلة فرضتها الحادثة الجديدة ، وانفضّ الجمع بإعلان قرار يقضي بإلقاء القبض على عليّ ( عليه السلام ) وقافلته ومنعها من الهجرة.
ويسرع ثمانية فرسان يقودهم مولى لأبي جهل ، وتسرع خيولهم لقافلة المجاهدين ، وبعد أن أدركوها واجه قائدهم عليّاً ( عليه السلام ) بكلمات نابية نابعة من صميم الحضارة الجاهلية العفنة ، ويسرع إلى ضرب عليًّ ( عليه السلام ) ولكنّ عليّاً يميل عن ضربته ويصدُّه بضربة لن يفلت منها فيفارق الحياة بعدها . وما أن يرى الغزاة المتآمرون هذا الحدث إلاّ ويعمهم الجزع والخوف ، فيلوذون بالفرار من الموقف الحاسم يجرّون خلفهم أذيال الهزيمة لقريش لتضيفها إلى سجلّ مخازيها وعارها كما اعتادت.
ويستولي على قريش الذُّهول وتعود إلى أصنامها الواهية تسألها النّصر على محمد ، ويقيني أنّ قريشاً ـ فضلاً عن حقدها على محمد وأتباعه ـ أرادت من محاولتها لصدّ عليًّ ( عليه السلام ) عن الهجرة : إخضاع محمد وإجباره على العودة بعد أن يحاط علماً بعمليّة إلقاء القبض على أعزّ الناس لديه ( عليًّ وفاطمة ) ولكن مساعيها أُحبطت بتسديد من الله على يد عليّ ( عليه السلام ) المعروف برباطة الجأش وصلابة اليقين...
وتستمر القافلة يحدوها النّصر ، ويهزُّها الشوق إلى قائدها محمد ( صلى الله عليه وآله ) وتتغنى بآيات الله الكريمة.
وما هي إلا أيام حتى يستقبل محمد ( صلى الله عليه وآله ) ومعسكره الفتي الوفد المهاجر بابتساماتٍ ملؤها الإكبار والإجلال ، والمودة.


( 41 )

ولم تكن الهجرة ـ هجرة عليًّ وفاطمة والوفد المرافق لهما ـ مجرّد هجرة ، وإنّما صحبتها عواطف كريمة ومواقف نبيلة كان في طليعتها اهتمام عليّ ( عليه السلام ) بالنّسوة اللائي رافقنه ، فكان يسير بهنّ سيراً وئيداً خشية تعريضهنّ لنوع من المشقة ، ويتفقدهنّ بين آونة وأُخرى للإطلاع على حاجاتهنّ ومتطلباتهنّ ، وإن شئن سبيلاً للرّاحة بذل لهن من وسائل الراحة من إيقاف للمسير أو تهيئة لطعام أو شراب .
وإن دلّت هذه المساعي الحميدة التي يزاولها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مع وفده المهاجر من النّسوة على شيء ، فإنّما تدلُّ على مدى اهتمام الإسلام الحنيف بالعنصر النسائي من المجموعة البشرية ، وكيف يسهر الرجل على راحتهنّ وتوفير السعادة لهنّ ، وعليُّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) أولى من غيره بتطبيق معالم الرّسالة الإسلامية المقدسة ، سيّما وهو قد نبت لحمه وشحمه على أساس منهج الله سبحانه ، بل إنّه بمثابة الصورة التجسيدية لكلّ معالم التشريع الإسلامي الرصين ، ولذا فقد دعاه الرّسول ( صلى الله عليه وآله ) بالقرآن الناطق لأنّه ـ لعمر الحق ـ صورة حيّة متحرّكة للقرآن الكريم.
وتصل قافلة المجاهدين ، وهي آخر موكب من مواكب النُّور المتّجهة صوب يثرب لتُطلّ على العالم ـ فيما بعد ـ دولة وحضارة تمد يدها لانتشال هذا الكوكب من ظلامات الجاهليّة وأدناسها.