لمواجهة الأزمات المجتمعية.. أدوار مختلفة للعتبة العباسية في بناء الأسرة

لعبت العتبة العباسية المقدسة، عبر أقسامها المختلفة بعد سقوط النظام الدكتاتوري دورًا مهمًّا في مجال بناء الأسرة وحماية أفرادها من الهجمات التي تحاول زراعة أفكار التفكك والانحلال، إذ عملت على صياغة برامج دينية وثقافية وعلمية لتأخذ دور الموجّه والداعم الإيجابي، إضافة إلى دورها في خدمة زائري كربلاء المقدسة، وعمدت عبر استقطاب الفئات المجتمعية، إلى زرع نواة الصدّ الفكري أمام محاولات التغيير السلبي التي تستهدفها بالاستناد إلى رسالة القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة أهل البيت (عليهم السلام).

أولّ الغرس
يبذل قسم الشؤون الدينيّة في العتبة العبّاسية جهودًا لتنوير المجتمع، بالمعارف والقيم الإسلامية، إذ يعمل على فضّ النزاعات التي قد تحدث بين الأشخاص، ومحاولة تقريب وجهات النظر والحرص على إذابة الأسباب المؤدّية لحدوث هكذا أمور؛ من أجل نشر السلم الأهليّ والابتعاد عن الاقتتال، وفي جانب آخر يقيم القسم فعاليات متعدّدة للاحتفاء بالفتيات اللاتي وصلن سنّ التكليف، وفقًا لرئيس القسم الشيخ صلاح الكربلائي.

فيما يقول مسؤول شعبة الإرشاد والدعم في القسم الشيخ حيدر العارضي، إنّ "احتفالات التتويج هي بمثابة دعوة للآباء والأمهات إلى التمسك بمبادئ الوعي والثقافة الإسلامية أكثر من أيّ وقتٍ مضى، إذ تقع على عاتقهم مسؤوليّة كبيرة بحثّ بناتهم على الالتزام بالعفّة والحجاب الصحيح، وأن تكون هذه المحطّة نقطة انطلاق لمرحلة عمريّة هامّة في حياة الفتاة من ناحية الواجبات الشرعيّة".

وبدأت العتبة المقدسة مشوارها في العمل المجتمعي عبر مشروعات متعدّدة بدأتها برعاية الفتيات والشباب الذين بلغوا سنّ التكليف الشرعي، إذ شرعت الأقسام والمراكز المختصة بالعمل الديني والتوجيهي بالاحتفاء بهذه الشريحة عبر تتويج الفتيات بالحجاب الشرعي وتنظيم تجمعات للشباب وتعريفهم بمتطلبات المرحلة العمرية التي وصلوا إليها، بينما أخذ كلّ من قسم الشؤون الدينية، وإذاعة الكفيل، واصدارات شعبة الطفولة والناشئة، ونشاطات مركز الثقافة الأسرية دورها في تقديم النصّح والإرشاد والتوعية للمجتمع بشرائحه كافّة.

عضو مجلس إدارة العتبة المقدسة الدكتور عباس رشيد الددة الموسوي أوضح قائلًا، إنّ "ثمّة فلسفة تربويّة تبنّتها العتبة العباسية وتضمنت رؤيتها ورسالتها المعلنتان، رسمت بها سياسة تربوية وتعليمية ترجمتها الكتب والرسالات السماويّة"، مبينًا أنّ "سنّ التكليف الشرعي مرحلة عمرية يجب على الجميع بدءًا من الأسرة ومرورًا بالبيئة المدرسية والمجتمعية وانتهاء بالمكلفة نفسها، أن يحضّروا لها عقليًا، ويمهدوا لها نفسيًا، بحيث يزرعوا ذلك الاستعداد العقلي والنفسي، كي تستشعر المكلّفة بلذّة التشرف بالتواصل بالذات الإلهية، والتعلق بساحة قدسه".



ويضيف أنّ "المحافل التي أقامتها العتبة العباسية تأتي تمجيدًا لهذه اللحظة التاريخيّة البهيجة في حياة الفتاة، ألا وهي دخولها سنّ التكليف الشرعيّ وعالم وجوب التقيّد بالأحكام الشرعيّة، التي ستكون المصدّ ضدّ الأفكار التي تعصف بها، خاصّةً في عصرنا الحالي وما يمتلك من وسائل تهديم وأساليب تحطيم تستهدف عفّتها وتؤول إلى إضعاف صلتها بالله سبحانه وتعالى ومن ثمّ بالمجتمع".

ولم يكن الاهتمام منصبًّا على الفتيات فقط، فقد كان للشباب برامج خاصة أيضًا أولتها العتبة المقدسة اهتمامًا أكبر، وبيّن الموسوي أنّ "العمل التربويّ والتعليميّ لا يقوم على قاعات الدرس فحسب، بل تعدّ قاعات الدرس جزئيّة من مجمل البرامج التي تحكم منظومة بناء المتعلمين على مختلف الصعد، وقد راعى قسم التربية والتعليم العالي ذلك ليبني منظومته التربوية والتعليمية على هدي هذا المنظور الإسلامي والنظريات العالمية، محاولًا رسم سياسته المستمدّة من توجيهات العتبة العبّاسية المقدّسة في برامج منظّمة ذات إجراءات واضحة ودقيقة".

ويضيف: أنّ "من بين البرامج التنمويّة التي عملت على بناء المتعلّمين بناءً روحيًّا هو برنامج (سنّ التكليف)، إذ نرشد المتعلّمين بهذا البرنامج عن طريق الفعاليات والأنشطة إلى التحوّل المفصليّ في حياتهم لإعدادهم إعدادًا نفسيًّا للدخول في مسار العمر التكليفيّ ليكونوا مشمولين في الخطاب الإلهيّ: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)".


حضور مع الأسرة عبر الأثير
إضافة إلى الفعاليات المتعدّدة، سخرت العتبة المقدسة إذاعة الكفيل التابعة للعتبة العباسية المقدسة التي تتخذ من "صوت المرأة المسلمة" شعارًا لها، لرفد الأثير العراقيّ بصوتٍ ينقل ‏هموم المرأة ‏والأسرة ‏المسلمة، ويحاول معالجتها وفق الرؤى الشرعيّة، ‏وللمساعدة في تربية ‏الأطفال وفق منهج سليم وصحي نفسيًّا ‏وجسميًّا.

وأطلقت الإذاعة (76) دورةً برامجية حتى الآن تضمنت برامج متعدّدة موجهة للأسرة، منها برنامج (الأمّ الواعية)، الذي يرشد المرأة إلى اتّباع العديد من الخطوات التي من شأنها أن تصنع منها مربّية وزوجة ناجحة، سواء في تربية أبنائها أو في طريقة تعاملها مع المجتمع المحيط بها، أمّا البرنامج الثاني فهو (المدرسة الأولى) ويهدف إلى تبيان جملة من الأمور والمقوّمات التي تتعلّق بالأسرة بعدِّها النواة والمدرسة الأولى في المجتمع، والوقوف على كلّ ما تواجهه الأسرة من تحدّيات وكلّ ما يقع عليها من مسؤوليات، والثالث هو (عبقٌ من رائحة الجنة) وهو برنامجٌ يبيّن أهمية الزواج وضرورته وفق تعاليم الإسلام البنّاءة كما يبيّن العقبات التي تعترض طريقه وتكدّر صفو الحياة الزوجية، كما يسلّط الضوء على أسس الحياة المشتركة وأهدافها والمشكلات التي يُعاني منها بعض الأزواج ووضع الحلول المناسبة لها.


أمّا البرنامج الثالث فهو (أربع وقفاتٍ في بيتك) ويسلط الضوء على جوانب مهمّة للمرأة وأطفالها وبيتها، ليعينها بالتغلّب على الصعوبات التي قد تواجهها وتجعل منها زوجة صالحة وتوصلها لبرّ الأمان.

خطاب للأطفال والشباب
اعتمدت العتبة العباسية المقدسة من خلال خطة وضعتها أقسامها وشعبها الإعلامية العاملة على منهجيةٍ يتمّ عبرها استهداف فئات المجتمع بدءًا من الطفولة وصولاً إلى الكهول، وبخطابٍ فكريّ ثقافيّ متّزن يهدف إلى تحصين ورُقيّ هذه الفئات، واستكمالًا لهذا المشروع أصدرت شعبة الطفولة والناشئة في قسم الإعلام عددًا من المجلات والإصدارات، منها الأئمة المعصومين، وسنّ التكليف للفتيان والفتيات، بصيغة تنموية واجتماعية ودينية لتكون رافدًا آخرَ للوعي وحماية الفئات الهشة في المجتمع من الغزو الفكري، كما انتجت العشرات من الإصدارات القصصيّة الساندة لمجلة الرياحين لتجعلها في متناول أيدي الأطفال بأحجام مختلفة وألوان برّاقة تتناسب مع ذائقة الأطفال، لتُسهم في صقل مواهب الطفل وتنشئته وفق رؤى العقيدة الإسلاميّة.

رئيسُ قسم الإعلام الأستاذ علي البدري يقول إنّ: "العتبة العباسية المقدسة دأبت على إيلاء شريحة الأطفال الاهتمام الكبير، لكونهم قادة البلد في المستقبل ولأنّ بناء المجتمع يبدأ من بناء الطفل، باعتباره يمتلك قدرة كبيرة على التغيير والتعلم، لذلك عملنا على إصدار سلسلةٍ قصصيّة متنوّعة على شكل كُتيّبات صغيرة"، مضيفًا "تتضمّن هذه الإصدارات قصصًا من القرآن الكريم، إضافة إلى كتب خاصّة عن أهل البيت (عليهم السلام) بشكلٍ مبسّط يتناسب مع عمر الأطفال، مع التركيز على الجوانب الإنسانيّة لدى الأئمّة (عليهم السلام)، وهناك قصص منوّعة تضمّ عشرات الكتب تتحدّث عن الأخلاقيّات العامّة وبعض الأمور التربويّة التي تمسّ حياة الطفل ونشأته نشأةً تربويّة سليمة".



نحو أسرة متماسكة
مركز الثقافة الأسرية أخذ على عاتقه تقديم الاستشارات للنساء في المناسبات المختلفة، فضلًا عن إقامة الندوات والورش التي تستضيف شرائح مختلفة، وتقول مسؤولة إعلام المركز السيدة أفياء الحسيني إنّ "سماحة المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة وجّه بفتح مركز إرشادٍ داخل الحرم المطهر لأبي الفضل العبّاس (عليه السلام) لتسهيل وصول أكبر عددٍ ممكنٍ من النساء الوافدات من جميع المحافظات للحصول على الاستشارة"، مشيرة إلى "كثرة المشكلات الأسريّة والأزمات النفسيّة التي تواجه النساء من الطفولة وحتى البالغات".
ويسعى المركز إلى تقديم المعالجات للأمراض النفسيّة وحلول للمشاكل الأسرية والنفسية، بحسب الحسيني التي أوضحت: أنّ المركز يقدم خدمة الاستشارة الأسرية والعلاج المعرفي والسلوكي للحفاظ على الأسرة وتماسكها.

مرحلة التخرج
لاحتفالات التخرج في العراق اتجاهات متشعبة، سارت بعضها بسبل لا تمثل طبيعة المجتمع العراقي، وهنا انبرت العتبة العباسية لتكون ساندةً لشريحة الطلبة في مواجهة أي تحول في المسيرة بما لا يمثل واقعهم.

يقول رئيس هيأة التربية والتعليم الأستاذ الدكتور عباس الددة الموسوي إنّ "المشهد الجامعي العراقي ضجّ بسلوكيات وممارسات ومستجدات غريبة عن قيمنا وغير مألوفة في تقاليدنا، تنشرها لنا التواصل الاجتماعي، لذلك ترجمت العتبة العباسية رؤيتها النابعة من طبيعة المجتمع بأن تتواصل مع شريحة الشباب والطلبة، لكونها تمثّل النخبة العلمية المثقّفة، القادرة على إحداث الفرق والمساهمة في الارتقاء بواقع العراق، لذا فإنّ العتبة العباسية قدمت لطلبة الجامعات أنموذجًا من حفلات التخرج يفتخرون به سواء بين عوائلهم أو في المستقبل بين ابنائهم، لأننا نتحدث عن لحظة فارقة من عمر الطالب وهي لحظة التخرّج وتتويج الحصاد العلمي.

فيما يقول عضو مجلس إدارة العتبة العباسية السيد جواد الحسناوي والمشرف على حفل التخرج، إنّ العتبة المقدسة تهدف إلى "توحيد طلبة الجامعات العراقية الحكومية والأهلية في مكان آمن يختمون به مسيرتهم العلمية بما يتلاءم وينسجم مع القيم والمبادئ الرصينة التي تمثل الفرحة الحقيقية للمتخرج، وبيان دوره وأهميته في المضيّ قدمًا نحو مستقبل واعد ومثمر وإيصال رسالة التخرج الهادفة إلى جميع الطلبة؛ ليستنّوا ويمضوا بفعاليات تترجم العنوان الحقيقي للطالب الجامعي الواعي والمثقف والمدرك للمسؤولية الملقاة على عاتقه، والعمل على ترك بصمة حفل تخرّج هادف لجميع الجامعات العراقية، وجعلها أنموذجًا يُحتذى به على مستوى حفلات التخرج المقامة في الجامعات العراقية في السنوات المقبلة، إضافة إلى إشعار الطلبة بأنّ المؤسسات الدينية، ولا سيّما العتبة العباسية المقدسة من الداعمين لمسيرتهم العلمية ومن الموجهين لهم بمشاريع توعوية وتثقيفية تبثّ فيهم روح الأمل الوطنية.

وحول حفل تخرج دفعة بنات الكفيل الخامسة الذي أقيم نهاية العام الدراسي الماضي، بيّن الحسناوي أنّ العتبة العبّاسية المقدّسة اهتمّت ببناء الإنسان والعمل على ترسيخ المفاهيم الأخلاقية النبيلة فيه، للإسهام ببناء هذا المجتمع وتجاوز ما يحيط به من مخاطر، وكان للمرأة نصيب من هذا الاهتمام من خلال عدد من مراكزها وشعبها النسوية العاملة فيها، التي عملت على ترجمة رؤية العتبة المقدسة في هذا المجال على أرض الواقع، ومن تلك الفعّاليات هي الاحتفاء بالطالبات المتخرّجات سنوياً، وإنّ الهدف من إقامة هذه التجمّعات إعادة مركز المرأة كقيمة مهمّة في المجتمع، واحتفاءً بالنجاح والعلم بطريقة تليق بحملة العلم ومكانتهم الثقافية في المجتمع، ووضعهم أمام مسؤوليّة بنائه وخدمته.



ثمار الجهد
يقول الدكتور عباس الددة الموسوي إنّ "هناك هجمات عنيفة تستهدف مجتمعنا وأسسه التربوية وأركانه الأخلاقية، وهنا يأتي دور المؤسّسات الدينية والاجتماعية والأسر الكريمة، للوقوف في وجه تلك الهجمات المناوئة والهادمة للأسس التربوية والأخلاقية للمجتمع".

يتضح أنّ للعتبة العباسية دورًا في العمل على بناء الأسرة الصالحة، وذلك من خلال الأنشطة التوعوية التي نظمتها، مثل المحاضرات والندوات والدورات التدريبية، التي تتناول مختلف القضايا الأسرية، مثل الزواج والطلاق والتربية والتنشئة الاجتماعية، إضافة إلى خدمات الإرشاد الأسري عبر مركز الثقافة الأسرية التابع لها، الذي يقدم الاستشارات الأسرية للأفراد والأسر من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، كما عمدت الى تنفيذ العديد من البرامج الوقائية التي تهدف إلى حماية الأسرة من المشكلات والمخاطر، ما أسهم بزيادة الوعي الأسري لدى الأفراد والأسر، وذلك من خلال تزويدهم بالمعلومات والمهارات اللازمة لبناء أسرة ناجحة، وتحسين العلاقات الأسرية.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أنّ بناء الأسرة الصالحة هي مسؤولية مشتركة بين الجميع، باعتبارها ركيزة المجتمع.