وقد تجلى هذا الدور بوضوح في طباعة (مصحف النجف الأشرف)، ليمثل محطة مفصلية في مسار الطباعة الدينية والعلمية في داخل العراق، إذ كان لدار الكفيل الدور المحوري في تحويل هذا المشروع من مخطوطة خطية دقيقة إلى مصحف مطبوع بأعلى المواصفات الفنية.
- اقتباس
بين المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلامة السيد أحمد الصافي في عدة مناسبات أهمية دار الكفيل، مبيّنا أنها صرح يهدف إلى دعم الإنتاج الوطني وخدمة العلم والمؤمنين.
وأوضح في كلمة له خلال افتتاح الدار من ضمن مهرجان ربيع الشهادة التاسع عام 2013، أن الدار تمثل جزءاً من مشاريع العتبة المقدسة، وتهدف إلى دعم حركة النشر الوطنية والحد من الطباعة في خارج العراق، مؤكداً أنها تمتلك تكنولوجيا متطورة تضاهي المطابع العالمية؛ لضمان مخرجات تليق بالمحتوى الفكري والديني، وأن طباعة الكلمة أمانة ومسؤولية فكرية.
وشدد السيد الصافي على ضرورة الدقة المتناهية، ولاسيما في المطبوعات الدينية مثل القرآن الكريم وكتب الأدعية، و يرى أن دار الكفيل ليست مجرد مشروع تجاري؛ بل هي رسالة ثقافية تهدف إلى إعادة إحياء دور العراق الريادي في مجال النشر والطباعة.
- دار الكفيل.. فاعلا تقنياً وطنياً
تكتسب دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع أهميتها بوساطة كونها جزءا من مشاريع العتبة العباسية المقدسة، ما منحها بعدا وطنيا ورساليا يتجاوز حدود العمل التجاري التقليدي؛ فقد جاء افتتاحها من ضمن مهرجان ربيع الشهادة التاسع عام 2013 استجابة للحاجة إلى مؤسسة طباعية عراقية قادرة على تنفيذ المشاريع الكبرى في داخل البلاد، بدلا من الاعتماد على الخارج، وهو ما أسهم في تعزيز مفهوم الاستقلال الطباعي في المشاريع الدينية والثقافية.
ومع تطورها، أصبحت الدار تمتلك منظومة إنتاج طباعي متكاملة تشمل مراحل التصميم، والإخراج الفني، والطباعة الرقمية والأوفست، وصولا إلى التجليد والتذهيب، هذا التكامل لم يكن تقنيا فقط، بل مؤسسيا أيضا، حيث ارتبط بوجود ملاكات فنية متخصصة وخبرات تراكمية مكنت الدار من التعامل مع مشاريع عالية الحساسية والدقة.
- منظومة إنتاج متقدمة ومعايير جودة صارمة
تتميز دار الكفيل بجملة من الخصائص التي جعلتها تتبوأ موقعا متقدما في قطاع الطباعة على المستويين الوطني والتقني، لتتحول خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أبرز المؤسسات الطباعية في العراق، فعلى صعيد البنية التحتية المتطورة تعتمد الدار على بنية تحتية حديثة تضم أحدث المكائن والتقنيات الطباعية العالمية، بدءا من مراحل التصميم والإخراج الفني، وصولا إلى التجليد والتذهيب، وتتكامل هذه المنظومة مع ملاكات فنية متخصصة تمتلك خبرات عالية، ما يمكّن الدار من تنفيذ الأعمال بدقة وكفاءة عالية، ولاسيما في المشاريع التي تتطلب مستويات متقدمة من الجودة.
وتُعرف دار الكفيل باعتمادها معايير صارمة في الجودة، سواء أكانت في اختيار المواد الأولية أم في مراحل الإنتاج المختلفة، إذ تستعمل الورق والأحبار ومواد التجليد من مناشئ عالمية، مع تطبيق أنظمة تدقيق ومراجعة في غاية الدقة تضمن خلو المنتجات من الأخطاء، هذا الالتزام بالجودة جعلها محل ثقة في تنفيذ المشاريع الحساسة، وفي مقدّمتها طباعة المصحف الشريف، والكتب العلمية.
نجحت الدار في ترسيخ مكانتها عن طريق سلسلة من المشاريع الطباعية الكبيرة التي عكست مستوى تطورها الفني والتنظيمي، فقد كان من أبرز هذه الإنجازات انتقال طباعة المناهج الدراسية إلى داخل العراق، بعد سنوات من اعتماد طباعتها في الخارج، وهو تحوّل مهم أسهم في تقليل الكلف وتسريع وتيرة الإنتاج والتوزيع، فضلا عن دعم القدرات الوطنية في هذا القطاع الحيوي.
ولم يقتصر نشاط الدار على هذه المشاريع فحسب، بل امتد ليشمل طباعة كثير من الإصدارات الدينية والثقافية والعلمية التابعة لمؤسسات العتبة العباسية المقدسة، حيث واصلت الدار من خلال هذه الأعمال تأكيد قدرتها على تلبية متطلبات المشاريع المتنوعة، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الجودة والدقة في مختلف مراحل الإنتاج.
وفي سياق المشاريع النوعية، برزت تجربة طباعة مصحف النجف الأشرف بوصفها واحدة من أهم المحطات في مسيرة دار الكفيل.
- مشروع مصحف النجف اختبارُ كفاءة طباعية
جاء اختيار دار الكفيل لتنفيذ مشروع طباعة مصحف النجف الأشرف نتيجة لتطور بنيتها التقنية وقدرتها التنظيمية؛ لكنّ أهمية المشروع لا تكمن في كونه إصدارا قرآنيا جديدا، بل في كونه اختبارا شاملا لمنظومة العمل الطباعي في داخل الدار، بدءا من التعامل مع النص القرآني المخطوط يدويا، وصولا إلى مراحل الإخراج الطباعي النهائي.
وقد تطلب المشروع تنسيقا مباشرا مع لجان علمية متخصصة في التدقيق والمراجعة، لضمان سلامة النص القرآني ودقته، وهو ما وضع الدار أمام مستوى عالٍ من المسؤولية الفنية، كما استدعى المشروع استعمال تقنيات طباعية متقدمة قادرة على نقل الخط اليدوي بدقة عالية دون فقدان خصائصه الجمالية أو تشويش بنيته البصرية.
إلى جانب ذلك، مثلت عمليات اختيار المواد تحديا مهما، إذ جرى اعتماد ورق فاخر وأحبار عالية الثبات ومواد تجليد متينة، بما يضمن الحفاظ على المصحف من الناحية الجمالية والوظيفية على المدى الطويل، فضلا عن امتداد العناية إلى تفاصيل الزخرفة والتذهيب، التي نُفذت بدقة فنية عالية أضافت بعدا جماليا دون التأثير على وضوح النص القرآني.
- الطبعة الأولى .. احتراف وإتقان
لم تكن جودة طباعة مصحف النجف الأشرف نتيجة عامل واحد، بل ثمرة تداخل دقيق بين الخبرة الفنية والتقنيات الحديثة والحرص الكبير على تقديم نسخة تليق بقدسية النص القرآني، إلى جانب ذلك، فإنّ الدار تبنت منهجية عمل قائمة على التكامل بين الجوانب الفنية والعلمية، إذ عملت بالتنسيق مع لجان متخصصة في التدقيق والمراجعة، لضمان تحقيق أعلى مستويات الدقة في المنتج النهائي.
وجرى منذ المراحل الأُوَل للإنتاج اختيار ورق فاخر، ليمنح القارئ وضوحا بصريا مريحا، ويضمن في الوقت نفسه عمرا طويلا للمصحف من أجل الحفاظ على رونقه مع كثرة الاستخدام.
وفي جانب الإخراج، ظهر الاهتمام واضحا في تفاصيل التجليد، إذ استُخدمت مواد عالية الجودة من الجلد والكارتون، لتوفير متانة تحمي الصفحات، وأناقة تعكس الهيبة الجمالية للمصحف الشريف، ولم تقتصر العناية على البنية الخارجية، بل امتدت إلى أدق تفاصيل الزخرفة والتذهيب، التي نفذت بدقة عالية، أضافت بعداً فنياً يعزّز من قيمة المصحف من دون أن يؤثر على وضوح النص.
أما الخط اليدوي، الذي يُمثل جوهر هذا العمل، فقد تم الحفاظ على نقائه وتفاصيله الدقيقة أثناء عملية الطباعة، بما يضمن نقل جمالية الخط بالصورة نفسها التي خطها صاحبها من دون فقدان أي من خصائصها الفنية.
وجاءت الألوان والأحبار بدرجة ثبات عالية، تمنع التلاشي أو التشويش مع مرور الزمن، ليبقى النص القرآني واضحاً ومقروءاً في مختلف الظروف.
وبهذه العناصر مجتمعة، قدمت دار الكفيل نموذجاً متكاملاً في طباعة المصحف الشريف، يجمع بين الجودة التقنية والذائقة الفنية، ويضع بين يدي القارئ نسخة تتسم بالجمال والدقة في آن واحد.
ولم تقتصر الجودة على الجانب الشكلي، بل شملت أيضا الالتزام الكامل بالمواصفات المعتمدة في رسم المصحف وضبطه ؛ ممّا جعل هذه الطبعة تحظى بمباركة المرجعية الدينية العليا، بوصفها مطابقة للمصحف المتداول بين المسلمين من دون زيادة أو نقصان.
7000 نسخة.. تجسد للقدرة الإنتاجية
أنجزت دار الكفيل الطبعة الأولى من مصحف النجف الأشرف بقياسين مختلفين هما (الرحلي والوزيري)، بعدد نسخ بلغت ألفي نسخة للقياس الرحلي وخمسة آلاف نسخة للقياس الوزيري، في خطوة تعكس الإمكانات الفنية والتنظيمية التي باتت تمتلكها الدار، وقدرتها على تنفيذ المشاريع الطباعية الكبرى في داخل العراق.
أما الخط اليدوي للمصحف، فقد تولى كتابته الخطاط العراقي عبد الحسين الركابي، الذي قدم عملاً فنياً اتسم بالدقة والجمالية العالية، محافظاً على أصالة الخط القرآني وروحه الفنية.
- دار الكفيل .. تعيد تعريف مفهوم إثبات الجدارة
إن تجربة دار الكفيل في طباعة مصحف النجف الأشرف تمثل أكثر من مجرد مشروع طباعي ناجح؛ فهي دليل عملي على تطور الصناعة الطباعية في العراق، وإثبات لقدرة المؤسسات الوطنية على الوصول إلى مستويات تنافس المعايير العالمية.
فالمصحف في هذا السياق لا يُنظر إليه بوصفه نتاجاً دينياً فقط، بل بوصفه دليل جودة طباعية تعكس تكامل الخبرة التقنية مع الإشراف العلمي والدقة الفنية؛ وبذلك استطاعت دار الكفيل أن تعيد تعريف مفهوم الطباعة الدينية، من كونها عملية إنتاج تقليدية إلى كونها مشروعا معرفيا وتقنيا متكاملا.
ومع استمرار تطوير بنيتها التحتية وتوسيع مشاريعها، تمضي دار الكفيل في ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز دور الطباعة في المنطقة، وإظهار قدرتها على الجمع بين الجودة العالمية والهوية المحلية، وخدمة المعرفة في المجالات كافة.