المصحف عبر العصور.. كيف أعاد مصحف النجف صياغة تأريخ الطباعة القرآنية برؤية عالمية؟

لم يكن الحاضرون في قاعة المجمع العلويّ بمحافظة النجف الأشرف وحدهم من ينتظرون الحدث الأهم والأبرز في تأريخ المسلمين الشيعة، بل كان العالم الإسلامي بأسره يتابع عبر الشاشات وقائع ذلك الحدث الذي جرى يوم الأربعاء 29 نيسان (أبريل) 2026م (الموافق 11 ذي القعدة 1447هـ)؛ حيث أُزيح الستار عن أول مصحف عراقي متكامل "مصحف النجف الأشرف"، الذي تجسد حُلماً وتخطيطاً وإنجازاً من رحاب عتبة المولى أبي الفضل العباس (عليه السلام) في كربلاء المقدسة و أُزيح الستار عنه في عاصمة خلافة أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).



  • التدوين الأول

تشير المصادر التأريخية إلى أنه منذ اللحظة الأولى التي نزل فيها الوحي، ظلّ تدوين النص القرآني الشغل الشاغل لضمير الأمة الإسلامية، لتبدأ رحلةٌ تأريخية كبرى انتقلت فيها المصاحف من الرق والخط اليدوي البديع إلى عصر المطابع الكبرى في العالم العربي والدولي. ومع تطور تقنيات الطباعة عالمياً، من مطبعة 'البندقية' في أوروبا وصولاً إلى مطبعة 'بولاق' في القاهرة، ظل التحدي قائماً في الموازنة بين جودة الطباعة الحديثة وبين الحفاظ على خصوصية الرسم العثماني وقدسية المخطوط.



  • أولى المخطوطات القرآنية

تُمثّل المخطوطات اليدوية للقرآن الكريم من أهم الكنوز التأريخية التي توثق دقة النص القرآني منذ بداية العصر الإسلامي .

وأقدم هذه المخطوطات القرآنية اليدوية في العالم، مخطوطة برمنغهام (المملكة المتحدة) ، و تُمثّل حالياً الأقدم في العالم، إذ أظهر فحص الكربون المشع أنها تعود للفترة ما بين 568م و645م؛ ممّا يعني أنها كُتبت في زمن النبي محمد ( صلى الله عليه وعلى آله وسلم ) أو بعد وفاته بمدة قصيرة جداً، كتبت بالخط الحجازي وتتضمن آيات من سورتي الكهف وطه. ومخطوطة صنعاء (اليمن) التي اكتُشفت عام 1972م في الجامع الكبير بصنعاء وتعود إلى النصف الأول من القرن الأول الهجري (القرن السابع الميلادي) و تتميز بأنها "طِرس" (نص مكتوب فوق نص ممسوح)، إذ يتطابق النص الظاهر مع المصحف العثماني الحالي.

ومخطوطة توبينغن (ألمانيا) والتي أعلنت عنها جامعة توبينغن عام 2015م وتعود إلى القرن السابع الميلادي (حوالي 649م)، أي بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وعلى اله وسلم ) بنحو 18 عاماً فقط، ومصحف عثمان (مخطوطة سمرقند - أوزبكستان) التي نُسبت إلى الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ومكتوبة بالخط الكوفي الضخم على رق الغزال، وتوجد حالياً في مكتبة "تلياشايخ" في طشقند ، ومخطوطة توبكابي (إسطنبول - تركيا)، المخطوطة شبه كاملة مكتوبة بالخط الكوفي، يُعتقد أنها تعود إلى أواخر القرن الأول أو بدايات القرن الثاني الهجري، وهي محفوظة في قصر توبكابي.

إن ما يميز هذه المخطوطات هو القِدَم فـ(مثل برمنغهام) كتبت بالخط الحجازي الذي يتميز بميلانه نحو اليمين وعدم وجود نقاط أو تشكيل، واستُخدم الرق (جلد الحيوانات المعالج) كمادة أساس للكتابة قبل انتشار الورق, ودقة النص من ميزات هذه المخطوطات أيضا، إذ أثبتت الدراسات تطابق النصوص في هذه المخطوطات مع المصاحف المتداولة اليوم؛ ممّا يؤكد سلامة نقل النص القرآني.



  • أولى الطبعات عالميا

إن أولى نسخ القرآن الكريم في العالم طُبعت بوساطة الآلات المطبعية ، وليست عن طريق الكتابة اليدوية وكانت في مدينة البندقية (فينيسيا) بإيطاليا ، وظهرت في المدة ما بين 1530م إلى 1538م، ونُسبت هذه الطبعة إلى الناشر الإيطالي "باجانينو باجانيني" وابنه، لكنها لم تلقَ رواجاً بسبب وجود أخطاء في الخط والضبط، وأمرت الكنيسة بإتلافها حينها.

فيما كانت الطبعة الأولى متكاملة ومتقنة كانت طبعة (هامبورغ - ألمانيا) التي طُبعت في عام 1694م على يد المستشرق الألماني "أبراهام هنكلمان".

وأولى الطبعات في بلاد المسلمين كانت طبعة (سانت بطرسبرغ - روسيا)، التي طُبعت في عام 1787م بأمر من الإمبراطورة كاترين الثانية لتوزيعها على المسلمين في روسيا (تحديداً في قازان)، وعدت طبعة دقيقة راعت قواعد الرسم العثماني.

أما عربياً فكانت طبعة مصر أولى الطبعات العربية ، إذ بدأت المحاولات الجادة في مطبعة بولاق عام 1828م، وتوجت بصدور "مصحف الملك فؤاد" الشهير في القاهرة عام 1924م، والذي يمثّل المصدر الأساس لأغلب المصاحف المطبوعة اليوم لالتزامه التام برواية حفص عن عاصم.



  • سداسية الاحتكار الطباعي في العالم الإسلامي

منذ قرون قريبة بقيت دول من دون غيرها تنفرد بخط وطباعة المصاحف التي يتداولها العراقيين وغيرهم. إذ تُخط وتُطبع بشكل أساس في ستة دول إسلامية .

المملكة العربية السعودية ، ويعود إليها طباعة " مصحف المدينة المنورة أو مكة المكرمة " عام 1369هـ (1949م) ، خطّه الشيخ محمد طاهر الكردي، وهو الأكثر انتشاراً في العراق بسبب دقة رسمه العثماني وضبطه العالي.

وفي جمهورية مصر العربية إذ بدأت مطبعة ( الشمرلي ) بطباعة المصحف الشريف ( مصحف الشمرلي ) في وقت مبكر من القرن العشرين والذي خُطَّ بيد الخطاط المصري محمد سعد إبراهيم في عام 1923م ، و( مصحف القاهرة) "المصحف الأميري" أو مصحف الملك فؤاد، خُطَّ بيد الخطاط محمد جعفر بك، وكان يعمل آنذاك خطاطاً في مصلحة المساحة المصرية ،و طُبع رسمياً لأول مرة في 10 يوليو 1924م (الموافق 1342هـ) في عهد الملك فؤاد الأول ، وكان لهذه المصاحف حضور تأريخي كبير في المساجد والبيوت العراقية.

وفي الجمهورية الإسلامية الإيرانية كانت تُستورد منها أعداد كبيرة من المصاحف، ولاسيما التي تمتاز بجمالية الخط الفارسي (مثل خط عثمان طه) أو الزخارف الملونة وأهمها ، " مصحف بايسنقر ميرزا" وهو من أضخم وأجمل المصاحف التأريخية، كتبه إبراهيم سلطان (أخو بايسنقر) في العهد التيموري (القرن 15 الميلادي). إذ يتميز بضخامة حجمه وفخامة تذهيبه ، و" مصحف المشهد الرضوي"، هو أحد أقدم النسخ المخطوطة بالخط الحجازي (تعود للنصف الأخير من القرن الأول الهجري)، وقد أزيح الستار عن نسخة كاملة منه في حرم الإمام الرضا عام 2023م ، وبدأت الطباعة في إيران مبكراً وتطورت لتشمل تقنيات حديثة ، فأول مصحف مطبوع (طباعة حجرية) طُبع في إيران بمدينة تبريز عام 1828م (1248هـ)، تلته طبعة أخرى في طهران عام 1832م ، و" مصحف الخطاط عثمان طه" وعلى الرغم من كونه سوريّا لكن طباعته المنتجة في إيران شائعة جداً، وتتميز بالضبط الإيراني الخاص ،و " مصحف محمد نعمتي"، والأستاذ محمد نعمتي (من مدينة شيراز) وهو من أشهر الخطاطين المعاصرين، وقد أنجز كتابة المصحف الشريف أكثر من 23 مرة ، و" مصحف عزيز الله آذرنك" وهو خطاط معاصر أهدى نسخة بخط يده إلى العتبة الحسينية عام 2023م، واستغرقت كتابتها 11 شهراً بخط النسخ المتميز.

وفي سوريا التي توصف بأنها الموطن الأم لأشهر خطاطي المصاحف في العصر الحديث، إذ امتازت بمشاريع عملاقة ، ومنها : " مصحف الشام " وهو من أضخم المصاحف في العالم وبدأ العمل عليه عام 2005م واستغرق 21عاماً ليُعرض رسمياً عام 2026م ، وأنجز بإشراف الخطاط محمد معتز عبيد، وبمشاركة 62 خطاطاً من 17 دولة،" و" المصحف الشامي " طُبعت أول نسخة منه عام 1970م ، خطّه الخطاط العالمي عثمان طه (سوري الجنسية)، وهو أول مصحف يخطه قبل انتقاله إلى المدينة المنورة.

وفي لبنان التي اشتهرت بأنها "مطبعة الشرق"، إذ ركزت في طباعة المصاحف على التقنيات التعليمية والنسخ المذهبة ، مثل " مصحف التجويد" وصدرت الطبعة الأولى عام 2012م ، خطّه الخطاط علي شوربا ، و" المصاحف المذهبة (المجمع العلمي الإسلامي) " أُعلن عن الانتهاء في عام 2017م، خطه الخطاط اللبناني محمود بعيون، فيما بدأت الطباعة بالحروف العربية في لبنان منذ عام 1731م في دير "مار يوحنا" بالخنشارة.

في تركيا أرسى الخطاطون الأتراك القواعد الجمالية لخط النسخ الذي تُكتب به المصاحف المخطوطة وأهمها " يأقوت المستعصمي (توفي 1298م)"،والشيخ حمد الله الأماسي(توفي 1520م)الملقب بـ"قبلة الخطاطين" ، والحافظ عثمان (توفي 1698م)، وأول مصحف مطبوع (طباعة حجرية) في إسطنبول عام 1871م (1288هـ) في عهد السلطان عبد العزيز،و" المصحف المطبوع الرسمي (1874م) للخطاط الحافظ عثمان"، يُعد الحافظ عثمان((1642-1698 وهو أحد أعظم الخطاطين في تأريخ الدولة العثمانية ، و"مصحف أحمد قره حصاري" في القرن 16م ، و" مصحف حامد الآمدي (توفي 1982م)، و" مصحف رئاسة الشؤون الدينية (ديانت)" ويُطبع حالياً بملايين النسخ، ويعتمد غالباً على خطوط كلاسيكية محسنة تتبع مدرسة الحافظ عثمان ، و"مصحف حسين كوتل" الذي أشرف مؤخراً على كتابة "مصحف إسطنبول" وما يميز المصاحف التركية أنها تتصف بالجودة العالية جداً من حيث الورق والتجليد الفاخر، والالتزام بجماليات التذهيب (الفن العثماني)، وفي الغالب تكون بخط النسخ الرصين الذي يسهل قراءته.



العراق يدشن أول مصحف عراقي بامتياز

اليوم، وفي قلب هذا السباق الحضاري، تبرز العتبة العباسية المقدسة كلاعبٍ محوري لم يكتفِ باستيراد التقنية، بل أسس لمدرسة تخصصية تجمع بين عبق المخطوطات القديمة وأحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الطباعة العالمية؛ لتقدم للعالم نسخة قرآنية عراقية خالصة كُتبت وطُبعت وحُققت بأيدي أبنائها، معلنةً بذلك فصلاً جديداً من فصول خدمة الثقلين .

ومصحف النجف الأشرف جاء تتويجاً لرحلة خط وطباعة المصحف الشريف التي بدأها مركز طباعة المصحف الشريف في المجمع العلمي للقرآن الكريم التابع للعتبة العباسية المقدسة والذي أُعلن عن طباعة النسخة الأولى منه في 21 أيار 2015م، بخط الخطاط العراقي حميد السعدي، ومن ثم جاء مشروع "مصحف ثمرة الأربعين بأنامل الزائرين"، فضلا عن طباعةمصحفٍ مترجمٍ بالكامل إلى الألمانية” في عام 2017 .

وحملت خطوة تبني العتبة العباسية المقدسة لمشروع "مصحف النجف الأشرف" جملة من الرسائل والأهداف التي جعلت منها الجهة الأجدر لتنفيذ هذا المشروع .

إذ سعت بوساطة "مركز طبع وتفسير وعلوم القرآن" إلى كسر الاعتماد على المصاحف المطبوعة في خارج العراق ، وإيجاد نسخة عراقية خالصة خطاً وتصميماً وطباعة تليق بالهوية الثقافية للبلاد ، فضلا عن إبراز مدرسة الخط العراقية وتكريم طاقات أبنائها.

ولامتلاك العتبة العباسية بنية تحتية متطورة، بما في ذلك دار الكفيل للطباعة والنشر، وهي من أحدث المطابع في المنطقة، سمح لها بإنتاج المصحف بمواصفات عالمية تتفوق على النسخ التجارية.

وبصفتها مؤسسة دينية تحظى بثقة المرجعية العليا في النجف، كان تبنيها للمشروع ضماناً للدقة المتناهية في المراجعة اللغوية والفنية، وضماناً لقبول النسخة واعتمادها في المساجد والمحافل الدولية.

ويمثل تبني هذا المصحف توثيقاً لمرحلة ازدهار الإعمار والنشاط الثقافي للعتبات المقدسة في العراق ، وتقديمه كـ "هدية" من كربلاء المقدسة والنجف الأشرف للعالم الإسلامي.



  • لماذا مصحف النجف الأشرف ؟

تميز "مصحف النجف الأشرف" بعدة خصائص تجعله علامة فارقة في تأريخ طباعة المصاحف في العراق والعالم الإسلامي، وأبرزها : الهوية الوطنية ؛ فهو أول مصحف يُخط ويُدقق ويُصمم ويُطبع بالكامل في داخل العراق بأيادي الخطاطين والفنانين العراقيين وفي مطابع عراقية، ؛ ممّا يكسر الحاجة إلى الاعتماد على المصاحف المستوردة ، وتميز بالخط اليدوي بخلاف المصاحف التي تعتمد الخطوط الحاسوبية، اذ كُتب هذا المصحف بخط اليد (خط النسخ) بوساطة الخطاط العراقي عبد الحسين الركابي ؛ ممّا يمنح الكلمات روحاً وفنية عالية ووضوحاً فائقاً يسهل القراءة لجميع الفئات العمرية، والتزم المصحف بأعلى معايير الرسم العثماني المعتمد، مع مراعاة دقيقة جداً لعلامات الضبط والوقف والابتداء، ؛ ممّا يجعله مرجعاً علمياً موثوقاً لطلاب العلوم القرآنية والمجوّدين.

وانفرد المصحف بزخارف نبوية وهندسية مستوحاة من نقوش الروضة الحيدرية المطهرة وعمارة مدينة النجف التأريخية ؛ ممّا أعطاه طابعاً بصرياً يربط القارئ بقدسية المكان الذي صدر منه ، واستُخدمت في طباعته (بدار الكفيل) أحدث التقنيات العالمية، مع اختيار ورق خاص غير عاكس للضوء وعالي التحمل؛ لضمان راحة العين أثناء القراءة الطويلة وبقاء المصحف لفترات زمنية طويلة دون تلف.

وهو من المصاحف القليلة التي حظيت بمباركة من المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف؛ ممّا منحه ثقة مطلقة لدى الجمهور والمؤسسات الدينية.



  • لجان متخصصة رسمت ملامح رحلة "الدقة والقداسة"

هذا المنجز لم يكن وليد الصدفة، بل مرّ بسلسلة معقدة من مراحل التدقيق والمراجعة التي أشرفت عليها لجانٌ حوزوية وتخصصية، حرصت على فحص كل حرف وحركة على وفق أدق المعايير العلمية ؛ ليخرج هذا المصحف بصبغة نجفية خالصة تزاوج بين دقة الرسم وجمال الخط وضمان السلامة من أي خطأ .

ومر مصحف النجف الأشرف بمراحل فنية وعلمية معقدة لضمان خروجه بأعلى درجات الدقة ، لم يُراجع مرة واحدة، بل مرّ بعشرات المراجعات الدقيقة التي استغرقت سنوات، وتشكلت له لجان علمية متخصصة في (الرسم، الضبط، والوقف والابتداء) أشرفت على كل حرف وحركة ، أمّا التدقيق فلم يعتمد على فرد واحد، بل كان جهداً جماعياً تشاركت فيه عقول خبيرة من الحوزة العلمية والمراكز القرآنية.

اللجنة المشرفة كانت تعمل برعاية وتوجيه مباشر من العتبة العباسية المقدسة لضمان الالتزام بالمعايير الإسلامية المعتمدة عالمياً ؛ وكانت "مؤتمنة" على كتاب الله، وأن أي ملاحظة مهما كانت صغيرة، كانت تؤخذ بعين الاعتبار وتُعالج قبل الانتقال للمرحلة الأخرى، فضلا عن أن دار الكفيل للطباعة لم تكن مجرد جهة طابعة، بل كانت جزءاً من منظومة التدقيق، إذ أُجري فحص جودة الورق، نوع الحبر، ووضوح الخط لضمان عدم وجود أي خطأ مطبعي ناتج عن الماكينات.

أولى هذه اللجان كانت " اللجنة العليا المشرفة"، وكانت برئاسة السيد محمد الموسوي البكّاء، وعضوية كلٍّ من السيد جواد الحسناوي، والسيد عدنان الموسوي، والمهندس جعفر سعيد جعفر، والمهندس عادل جعفر تقي، والدكتور مشتاق عباس معن العلي، والشيخ جواد النصراوي، ؛ وتولّت الإشراف العام والتنسيق مع المرجعية الدينية العليا

ومن ثمة انبثقت منها " لجنة التدقيق وضبط المصحف" ، وكانت برئاسة الشيخ عبد الرضا الهندي، وعضوية كلٍّ من السيد جواد الموسوي الغريفي، والسيد محمد الموسوي البكّاء، والشيخ جواد النصراوي، والدكتور حسن المعموري، والسيد فراس الأعرجي ، وشارك في الشهادة على رصانته أعضاء من لجنة دولية ضمت خبراء من المغرب، مصر، الأردن، السودان، وإيران.

و" لجنة الإخراج والتصميم الفنّي " وكانت برئاسة السيد منتظر الأمين، وعضوية كلٍّ من خطّاط المصحف الشريف السيد عبد الحسين الركابي، ومزخرف المصحف الشريف السيد محمد فالح، ومساعد المصمّم السيد مجتبى عبد الحسين الركابي؛ تولّت مهام الزخرفة المستوحاة من العمارة الإسلامية في العتبتين العلوية والعباسية.

و" لجنة طباعة المصحف الشريف " كانت برئاسة الشيخ جواد النصراوي، وعضوية كلٍّ من السيد فراس حاكم مدير دار الكفيل، والسيد علي جواد سلّوم رئيس القسم الفنّي، والسيد محمد فالح، والسيد منتظر الأمين، والسيد فراس الأعرجي، والسيد مرتضى مصطفى رضا، والسيد علي حمودي كاظم، والسيد محمد قاسم علي، والسيد أكرم محمد تقي، والسيد سلام سعيد محمد، والسيد منتظر علي جبر ، وقد أشرفت على العمليات التنفيذية في داخل دار الكفيل للطباعة .

ومرت رحلة المراجعة والتدقيق بمراحل متعددة من العمل المتواصل ، أولى هذه المراحل ، " مرحلة الكتابة اليدوية" والتي استغرقت قرابة 5 سنوات من العمل المتواصل للخطاط عبد الحسين الركابي لضمان هوية بصرية عراقية خالصة.

والمرحلة الثانية " التدقيق العلمي واللغوي" وشملت مراجعة الخط ومتابعة رسم القرآن بدقة متناهية "ورقة بورقة"، حيث تم نقل مكاتب اللجان إلى موقع الطباعة ( دار الكفيل للطباعة والتوزيع والنشر ) للمتابعة الميدانية المستمرة.

والمرحلة الثالثة " المراجعة الفنية والزخرفية" إذ تم تدقيق التصاميم والتذهيب لضمان ملاءمتها لقدسية النص وجمالية الفن الإسلامي المرتبط بمدينة النجف.

فيما كانت المرحلة الرابعة " التدقيق النهائي قبل الطباعة" وخضعت النسخ لعمليات تصحيح وتحرير مكثفة في داخل العراق لضمان المطابقة التامة للمصحف المتداول بين المسلمين.

فإن أهم ما يميز هذه اللجان هو "النفس النجفي الخالص"، إذ أُريد للمصحف أن يكون عراقياً في خطه، تدقيقه، مراجعته، وطباعته، ليكون وثيقة تأريخية تثبت قدرة الكفاءات المحلية على إنجاز أضخم المشاريع القرآنية.



  • المباركة والاعتماد

عُرضت النتائج النهائية على المرجعية الدينية العليا التي منحت مباركتها وشهادتها التأريخية بمطابقة المصحف وصحة ضبطه، وتطرزت النسخة الأولى بمباركة سماحة السيد علي الحسيني السيستاني ، وجاء في نص مباركته :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد، فقد تشرَّفت بالنظر في (مصحف النجف الأشرف) النسخة المباركة من القرآن الكريم كتاب الله العظيم الذي أنزله على رسوله المصطفى نورًا وهدىً وبصائرَ للناس ثم حَفِظه من أن يحرّف بزيادة أو نقصان ليبقى إلى قيام الساعة حجة بالغة ومنارًا يهتدى به، فإنّه «الناصحُ الذي لا يغشّ والهادي الذي لا يضلّ والمحدّث الذي لا يكذب وما جالسه أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدىً أو نقصان من عمى» كما ورد في كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا جميعًا لتلاوته والتدبر في آياته والاتّعاظ بمواعظه والعمل بأحكامه، إنّه ولي التوفيق.

حرر ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك لسنة ست وأربعين وأربعمائة بعد الألف للهجرة النبوية المباركة.



  • تحدي الجودة والتقنية في دار الكفيل

لم يكن اختيار "دار الكفيل" لطباعة مصحف النجف الأشرف عن طريق الصدفة، بل جاء تتويجاً لجاهزيتها التقنية العالية وقدراتها التنظيمية.

إذ يمثل هذا المشروع أكثر من مجرد إصدار قرآني جديد؛ إنه اختبار حقيقي شامل لكفاءة الدار التشغيلية، بدءاً من التعامل الدقيق مع المخطوط اليدوي، وصولاً إلى أدق تفاصيل الإخراج الفني النهائي.

مسؤولية فنية ودقة متناهية ، ولقد فرض المشروع أعلى درجات المسؤولية على الدار، حيث جرى العمل بالتنسيق المباشر مع لجان علمية متخصصة لتدقيق النص.

ولنقل جماليات الخط اليدوي بدقة، تم تسخير تقنيات طباعية متطورة تضمن إظهار النص بوضوح بصري فائق، مع الحفاظ على الخصائص الفنية والجمالية للخط الأصلي دون أي تشويه.

وتجاوزت الدار تحديات اختيار المواد باعتماد معايير استثنائية، شملت ، ورقاً فاخراً وأحباراً عالية الثبات لضمان ديمومة المصحف وجماله على المدى الطويل ، ومواد تجليد متينة تجمع بين المتانة الوظيفية والفخامة ، وزخارف وتذهيب نُفذت بدقة متناهية لتضفي بعداً جمالياً لا يطغى على وضوح النص القرآني، بل يبرزه.

هذا المزيج بين الخبرة الفنية والتقنية الحديثة هو ما جعل هذا المشروع منجزاً نوعياً يُشار إليه بالبنان.

إذ تم استيراد ورق خاص (غير عاكس للضوء) لراحة العين أثناء القراءة الطويلة، ويمتاز بمقاومته العالية للتمزق والاصفرار مع مرور الزمن ، واستُخدمت أحبار نباتية صديقة للبيئة وذات ثباتية عالية، لضمان وضوح الحركات والتشكيل بدقة متناهية ، واعتُمدت تقنيات "البروز الفني" في زخارف الغلاف، مع استخدام ورق ذهبي عالي الجودة (Foil) يُحفر حرارياً ليعطي ملمساً فاخراً ، فيما نُفذ التجليد بطريقة "الخياطة الفنية" اليدوية والآلية المزدوجة لضمان عدم تفكك المصحف مهما كثر استخدامه.

وبلغ عدد النسخ المطبوعة في الطبعة الأولى من مصحف النجف الأشرف (7000) نسخة ، إذ حرصت العتبة العباسية المقدسة على توفيره بأحجام ( قياسات ) متنوعة لتناسب مختلف احتياجات القراء والمؤسسات.

حجم الـ (Standard) أو الحجم الوزيري ، وهو الحجم الأكثر شيوعاً والمخصص للقراءة اليومية في المساجد والبيوت ، ويتميز بوزن مثالي يسهل حمله باليد أثناء القراءة الطويلة، مع وضوح عالٍ جداً للكلمات.

حجم الجيب (المصغر) ، وهي نسخة مخصصة للمسافرين والطلاب، وتمتاز بوزن خفيف وحجم صغير يسهل وضعه في الحقيبة أو الجيب، مع الحفاظ على دقة ووضوح الخط على الرغم من تصغير الحجم.

الحجم الرحلي (الكبير) ، والمخصص للمساجد والمحافل القرآنية، ويُوضع عادة على "الرحلة" (حامل المصحف) ، ويتميز بوزن أثقل وورق أكثر سماكة، وهو المفضل لكبار السن أو من يعانون من مشاكل في النظر لكبر حجم الخط والزخارف فيه ، وتمت طباعة المصحف بقياسين رسميين لضمان تنوع الاستخدام ، القياس الرحلي( 2000) نسخة ، والقياس الوزيري(5000)نسخة.



  • مصحف النجف الأشرف ردٌّ عمليّ على بعض الشبهات

جاء مصحف النجف الأشرف الذي أزيح الستار عن طبعته الأولى مؤخراً كرسالة رد ضد الشبهات التي يحاول بعضهم إلصاقها بأتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) .

إذ جاء مصحف النجف الأشرف بنسخة مطابقة تماماً للقرآن الذي يقرؤه جميع المسلمين في أنحاء العالم، بلا زيادة أو نقصان ؛ أو تحرٍّ، فقطع الطريق على المشككين الذين يزعمون بأن "المذهب الشيعي" قد يتبنى رسماً أو ترتيباً مغايراً.

ويُقصد بالرسم العثماني الطريقة المخصوصة التي كُتبت بها حروف الكلمات في المصاحف ونُسخت في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، وذلك لتوحيد قراءة القرآن وجمع المسلمين على رسم واحد يمنع الاختلاف والتنازع في النص القرآني.

ويختلف الرسم العثماني عن "الرسم القياسي" (الإملاء الحديث) ، بـ "هيكل الكلمة" وحروفها، بينما الضبط يتعلق بـ "العلامات التوضيحية" التي زيدت عليه لتسهيل القراءة.

فكانت الطبعة الرسمية له تحمل اسم "مدينة النجف الأشرف"، مراحله_ خطاً، تدقيقاً، وطباعة_ كافة في داخل العراق بأيادٍ محلية؛ ممّا يمنحه رمزية علمية عالية مرتبطة بالحوزة العلمية التي بارك زعيمها السيد علي السيستاني (دام ظله) هذا الإنجاز العظيم ؛ ممّا أعطاها صبغة شرعية رسمية تؤكد وحدة النص القرآني عند المسلمين كافة، وتدحض أي دعاوى للتحريف.



  • العراق هوية

بإنتاج هذا المصحف، استعاد العراق "ريادته القرآنية" وأثبت قدرته على إنتاج نسخة متكاملة من القرآن الكريم من دون الحاجة إلى خبرات خارجية ، إذ يهدف المشروع إلى إحياء هوية الخط العراقي (خط النسخ بلمسة بغدادية ونجفية)، تنافس الخطوط الشائعة عالمياً، إذ يمثل مصحف النجف الأشرف محطة احتفاء بالخطاط العراقي، وإبراز مواهبه ليأخذ دوره الريادي في المجالات كافة، فضلا عن إحياء دور مدرسة بغداد والنجف في الخط العربي التي عُرفت بتميزها وجماليتها؛ ممّا يعزز الفخر بالهوية الفنية الوطنية، وما كان اختيار الخطاط العراقي (عبد الحسين الركابي) عبر مسابقة وطنية إلا إثباتا لقدرة الطاقات المحلية على التفوق الفني في هذا المجال ، ويسهم مصحف النجف الأشرف في تمتين اللحمة الوطنية بين العراقيين بمختلف طوائفهم، التزاما بالنهج الذي أرساه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في عدم اعتماد أي قران غير المتداول بين المسلمين، إذ كان "القرآن الكريم" بالرسم العثماني هو الجامع المشترك الذي لا يختلف عليه اثنان في البلاد.

وعلى الرغم من أن المبادرة جاءت من العتبة العباسية المقدسة في كربلاء، وحملت اسم النجف ؛ لكنها تمثل هدية العراق للعالم الإسلامي، فالتدقيق العلمي والمشاركة الفنية شملت كفاءات من مختلف أطياف المجتمع العراقي؛ ممّا جعله منجزا وطنيا جامعا لا يقتصر على جهة دون أخرى وهوية ثقافية ضد الحملات الإعلامية التي تحاول تصويره كساحة للاختلاف المذهبي .

ومن المكتسبات الوطنية الكبرى الاعتماد على (دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع) في كربلاء، وهي من أحدث المطابع في المنطقة، فهذا البعد يعكس توجهًا نحو (توطين الإنتاج) وتقليل الاعتماد على الخارج، ودعم الاقتصاد والمؤسسات الوطنية؛ فهذا الأمر يبرهن على أن المطابع العراقية قد بلغت مستوى يضاهي نظيراتها العالمية من حيث جهة جودة الورق، وتقنيات التذهيب، واستخدام الجلود الطبيعية؛ ممّا يعزز التوجه نحو حصر طباعة المصاحف والمناهج الدراسية وغيرها في داخل البلاد بدلًا من طباعتها في خارجه.

ويحمل المصحف اسم "النجف الأشرف" ليكون سفيرا ثقافيا يمثل الحوزة العلمية والمكانة الدينية للمدينة في المحافل الدولية، وهو رسالة للعالم بأن النجف ليست مركزا للفقه والاجتهاد فحسب، بل هي منبع للعلوم القرآنية والضبط اللغوي الدقيق، فحقق المصحف مكتسبا يتمثل في إيجاد نسخة عراقية قياسية خالية تماما من الأخطاء الإملائية أو الفنية، بعد مراجعتها لسنوات عن طريق لجان متخصصة ؛ لتكون مرجعا يُعتمد عليه في القراءات والتحقيق في داخل العراق وخارجه.

ولهذا فإن مصحف النجف الأشرف يحمل رسالة فخر وطني تتمثل بقدرة العراقيين على كتابة ورعاية دستور المسلمين السماوي بأعلى المعايير العالمية.



  • وقائع الإعلان

في ليلةٍ تتوشح فيها السماء بولادة إمام الرأفة والإباء، الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)،أقامت اللجنة العليا المشرفة على خطّ وطباعة المصحف الشريف، بالتعاون مع العتبة العباسية المقدسة، حفل إزاحة الستار عن الطبعة الأولى لمصحف النجف الأشرف؛ وذلك في قاعة المجمع العلوي في مدينة النجف الأشرف، والذي شهد حضور شخصيات دينية ورسمية وحوزوية وأكاديمية واجتماعية، كان في مقدمتها المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلامة السيد أحمد الصافي.

على وقع أنفاسٍ يملؤها الشوق إلى كلام الخالق، وبجهودٍ أسندتها العناية الإلهية وباركتها المرجعية الدينية العليا، أعلنت العتبة العباسية المقدسة عن انطلاق هذا الحفل التأريخي.

أكّد سماحة العلامة السيد الصافي خلال كلمته في الحفل، أن "مصحف النجف الأشرف ثمرة جهودٍ علميّة دقيقة وعملٍ جماعيّ متواصل استمرّ لسنوات".

واستهل السيد الصافي كلمته بالقول: "منذ مئات من السنين مرّت على الدرس الحوزويّ في النجف الأشرف بجميع فنونه وعلومه، من الفقه والأصول واللغة والتفسير والنحو والشعر وغيرها، حيث أبدى أبطالُ العلم والفقاهة والتفسير قدرةً فائقة في الحفاظ على العلم، واكتشاف النظريّات العلمية والحفاظ على لبنة الإسلام، ومن جملة الاهتمام كان الاهتمام بالثقل الأكبر، وهو وديعة النبيّ المصطفى (صلّى الله عليه وآله) في هذه الأمّة".

وأضاف: "كما لا يخفى على الذي يسبر التأريخ، إذ خلّف فينا ثقلين، القرآن الكريم والعترة الطاهرة (عليهم السلام) وكان الاهتمام بهذا الذكر الأكبر حفظًا وتدريسًا وعلى وفق علوم مختلفة الشيء الكثير من الآثار العلميّة، حتّى أحصى بعض أجلّة العصر من المختصّين في ذلك، أكثر من 3 آلاف مخطوطةٍ تُعنى بشؤون القرآن الكريم".

وأشار سماحته إلى : " ورد الحثّ على أنّ القراءة في المصحف أفضل من القراءة عن ظهر قلب، ما شجّع ذلك على كتابة المصحف الشريف على مرور الأزمنة وصروف السنين، وقد حوت الخزائن المعروفة والمخطوطة على مئاتٍ من النسخ الخاصّة والفريدة للقرآن الكريم، حتّى أنّ بعض الخزائن تفتخر أنّها تحتوي على أقدم مخطوطةٍ لكتاب الله العزيز، وقد ظهرت خلال ذلك مجموعةٌ من الأسماء اللامعة في خطّ المصحف الشريف، ونحن لسنا بصدد تعداد ذلك، ولكن نقول هذا الفنّ قد أخذ جانبًا مهمًّا من حياة المسلمين".

وأوضح السيد الصافي: "وقد تميّزت بعض النسخ القرآنية بقيمتها المعنويّة كلّما كانت ضاربةً في عمق التأريخ؛ لذلك نرى الكثير ممّن تصدّى لكتابة المصحف الشريف، وهم يتنافسون على ذلك لما فيه من فوائد جمّة".

وبين : أنه "قبل أكثر من 17 عامًا طُرِحت فكرةٌ لكتابة مصحفٍ شريفٍ أيضًا على أيدي أحد الإخوة من الخطّاطين المَهَرة، وقد نال الطلب بعد أن عُرِض على مقام المرجعية الدينيّة العُليا، أنّ هذا العمل عملٌ مبارك، ثمّ بعد ذلك فإنّ الأمور مرهونة بأوقاتها، وقد حدثت بعض الأمور التي أعاقت هذه الخطوة، إلى أن سهّل الله تبارك وتعالى قبل خمس سنين، فتصدّى أحدُ الإخوة الأفاضل لكتابة المصحف، وهو الأخ الخطّاط الأستاذ عبد الحسين الركابي (سلّمه الله تعالى)، وقد قضى وقتًا مع هذه النسخة الخطّية قرابة الخمس سنين، ثم بعد ذلك شُكّلت لجان مختصّة سواء كانت في مراجعة الخطّ، ومتابعة رسم القرآن، ومتابعة الزخارف، حيث إنّ هذه اللجان نقلت مكتبها إلى مطبعة دار الكفيل للطباعة والنشر، ومع المتابعة ورقة بورقة، وبالمشاورة مع الإخوة في الدار تمّ الأمر".

‏وتابع سماحته: "حتّى انبرت عندنا فكرة، وإن شاء الله في هذا اليوم يوم ولادة الإمام الرضا (سلام الله عليه) نعلن عنها، وهي أن نؤسّس مطبعةً خاصّة فقط في قضية المصحف المبارك، مصحف النجف الأشرف، وستقوم هذه المطبعة على طباعة جميع أحجام المصحف الشريف، وكذلك تنويع ما يُمكن أن يُستفاد منه في طرح هذه النسخ في متناول يد الإخوة المؤمنين".

أقدّم شكري الخاصّ بدءًا من مقام المرجعيّة الدينية العُليا المتمثّلة بسماحة سيّدنا علي الحسيني السيستاني (أدام الله ظلّه الوارف)، ونجله الأغرّ سماحة سيدنا محمد الرضا (دامت بركاته)، لما بُذِل من جهدٍ ومتابعةٍ للمشروع، وحثّ على الإسراع بإنجاز هذا العمل، كذلك الإخوة الأعزّاء أخصّ منهم بالذكر فضيلة الحجّة الشيخ عبد الرضا الهندي، وفضيلة السيد البكّاء، وفضيلة السيد جواد الغريفي (سلّمهم الله) وكلّ الفريق الفنّي العامل.

فالعمل قطعًا لا ينهض به شخصٌ واحد، إنّما فريق، وكان الفريق منسجمًا يسعى دائمًا إلى بذل المزيد، حتّى أنّ بعض الأوراق كانت تراجع أكثر من سبع إلى عشر مرّات، وكلّ هؤلاء الذين يراجعونها، هم من أهل الفنّ والاختصاص، رعايةً لضبط هذا الكتاب العزيز، مصحف النجف الأشرف.

ولفت: "طبعًا هنالك مصاحف كثيرة نُسِبت إلى المدينة، مصحف واحد عند المسلمين، هو هذا المصحف الذي بين أيدينا، والذي يقرأه جميعُ المسلمين في كلّ أنحاء العالم، لكنّ الإضافة تبعًا للمدينة للمناسبة، فهناك مصحف المدينة المنورة، تبرّكًا بوجود النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وهذا أيضًا مصحفٌ موجود ومشهور، ومصحف أعتقد أنّه في تونس ومصحف في القاهرة، والآن أضيف هذا المصحف المبارك، مصحف النجف الأشرف".

"لما ذكرنا في البدء من ميزة النجف الأشرف وأهمّيتها بوصفها عاصمةٍ فكرية، حيث إنّنا بعد سنة إن شاء الله تعالى نحتفل بمرور ألف عام على عمر حوزة هذه المدينة العلميّة، والحاضرة المرموقة على مدار التأريخ، سائلين الله تبارك وتعالى أن يحظى هذا العمل بالقبول من إمام زماننا، الثقل الآخر، وهو الإمام المهديّ (صلوات الله وسلامه عليه)، ومن الذوات المحترمة ممّن يهمّنا أن نسمع آراءَهم سائلين الله تعالى التوفيق للجميع. "

واختتم قوله : "الإخوة جميعًا الحضور المميّز والكبير في هذا اليوم الذي جعلناه تيمّنًا بالمناسبة، طبعًا كانت فكرة الإعلان أن يكون في ليلة السابع عشر من شهر رمضان المنصرم، لكن الظروف التي حلّت بالمنطقة جعلتنا نؤجّل الأمر، والحمد لله على توفيقه، فلم نوفّق لإطلاق المُنجَز في مناسبة معركة بدر، ولا ليالي القدر، لكن اليوم وُفّقنا في ولادة الإمام الرضا (سلام الله عليه)، سائلين الله تعالى أن يرفع هذه الغمّة عن هذه الأمّة، وأن يطيل في أعمار علمائنا الأفاضل الأكارم، ويوفّق المشتغلين دائمًا للعلم والعمل وأن يحفظ بلادنا من كلّ سوء".

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.

أعقب كلمة سماحة العلامة السيد الصافي، كلمة اللجنة المشرفة التي ألقاها الشيخ عبد الرضا المناوري الهندي، والتي أكد فيها أن "المصحف الشريف يجسّد مكانة المدينة بوصفها مركزًا للعلوم الإسلامية والقرآنية".

وقال الهندي، إنَّ "محفل إزاحة الستار عن الطبعة الأولى من المصحف الشريف، مصحف النجف الأشرف، هو إنجازٌ مبارك يمثّل ثمرة جهودٍ متواصلة سعت إلى إخراجه بصورةٍ بهيّة بما يليق بكتاب الله الكريم"، مضيفًا أنه "يجسّد مكانة النجف الأشرف بوصفها مركزًا للعلوم الإسلاميّة والقرآنيّة".

وتابع "نتقدّم بالشكر الجزيل إلى مقام المرجعيّة الدينيّة العُليا سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه الوارف)، الذي شملنا بتوجيهاته ورعايته ومباركته الكريمة لما تمثّله من شهادةٍ تأريخية حيّة، على صون القرآن الكريم من التحريف والزيادة والنقصان".

وشهدت فعّالياتُ إزاحة الستار عن الطبعة الأولى من مصحف النجف الأشرف، عرض فيلمٍ وثائقيّ عن مراحل إنجازه.

وسلّط الفيلمُ _الذي أنتجته ملاكاتُ مركز الكفيل للإنتاج الفنّي والبثّ المباشر التابع لقسم الإعلام في العتبة العبّاسية المقدّسة_ الضوء على مكانة النجف الأشرف في احتضان القرآن الكريم وخدمته عبر مختلف الحقب.

واستعرض العمل تفاصيل المشروع منذ مراحله الأولى، ابتداءً من توجيهات المتولّي الشرعيّ للعتبة المقدّسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي بتشكيل لجانٍ متخصّصة، مرورًا بمراحل الكتابة والخطّ والتصميم، وصولًا إلى عمليّات الطباعة والتدقيق النهائية.

وتضمّن الفيلم مشاهد توثّق عمل الملاكات الفنّية والتقنيات المستخدمة في مختلف مراحل الإنتاج، التي أسهمت في تقديم مصحف بمواصفاتٍ فنّية عالية.

و تم عرض مقابلات مصوّرةً مع عددٍ من المسهمين في إنجاز المصحف الشريف، الذين تحدّثوا عن تجربتهم وجهودهم في هذا المشروع.



  • إشادات

حظي "مصحف النجف الأشرف" بإشادات واسعة من مستويات مختلفة (دينية، أكاديمية، وفنية) منذ لحظة إزاحة الستار عنه، وتركزت هذه الإشادات على دقة التنفيذ والرمزية التي يحملها.

وأشاد أساتيذ الحوزة العلمية بكون المصحف قد خضع لمراجعة دقيقة بوساطة "المجمع العلمي للقرآن الكريم"، واصفينه بأنه يمثل "هيبة النجف العلمية" ويعكس دقة التحقيق التي تميزت بها هذه المدينة عبر العصور.

وأثنت مراكز الإقراء على التزام المصحف التام بـ الرسم العثماني، وأكدوا أن وضوح الخط وعلامات الضبط يجعلانه من أفضل المصاحف التعليمية للمجودين والطلاب.

خبراء الخط العربي من جهتهم وصفوا عمل الخطاط عبد الحسين الركابي بأنه "إحياء لروح الخط اليدوي" في زمن طغت فيه الخطوط الحاسوبية الجامدة ، وأشادوا بقدرة حفاظه على توازن الكتلة والفراغ في كل صفحة، فيما نال التصميم والزخرفة إشادات واسعة لاستلهامها من عمارة الروضة الحيدرية ؛ ممّا جعله "تحفة فنية" تعبر عن الهوية العراقية الخالصة.

وأكدت مؤسسات الدولة العراقية بأن إنجاز مصحف متكامل (خطاً، وتدقيقاً، وطباعةً) في داخل العراق هو إنجاز للسيادة الثقافية، وخطوة كبيرة نحو الاكتفاء الذاتي في طباعة المصحف الشريف بدلاً من استيراده.

فيما تفاعل الجمهور العراقي والإسلامي عبر مواقع التواصل الاجتماعي بفخر كبير، مؤكدين أن ( مصحف النجف ) هو رد عملي على محاولات الإساءة للمصحف الشريف، وتأكيد مكانة العراق كراعٍ أول لكتاب الله.

أساتيذ في كليات الفنون الجميلة أكدوا أن المصحف أعاد "الاعتبار للمدرسة الخطية البغدادية والنجفية"، مشيرين إلى أن الاعتماد على خطاط عراقي هو انتصار للهوية البصرية المحلية ضد القوالب الجاهزة المستوردة.

فيما وصف أكاديميون مختصون في علوم القرآن مصحف النجف الأشرف بأنه "إنجاز معرفي" يوفر مادة دقيقة للباحثين في مجالات الرسم العثماني والضبط اللغوي، نظرًا لإشراف لجان علمية وطنية رفيعة المستوى على مراجعته.

ورأت وزارة الثقافة العراقية في هذا المنجز تعزيزًا لـ "القوة الناعمة للعراق"، إذ يمثل المصحف واجهة ثقافية وفنية تبرز وجه العراق الحضاري في المحافل الدولية والإسلامية.

وبيّن ديوان الوقف الشيعي أن إصدار مصحف متكامل باسم "النجف الأشرف" هو "سد لثغرة سيادية" كانت موجودة منذ عقود، حيث أصبح للعراق الآن "مصحفه الخاص" الذي يُهدى لزعماء الدول والوفود الرسمية.

فيما تركزت معظم ردود الأفعال الرسمية على الإشادة بـ "دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع"، مؤكدين أن نجاح مطبعة عراقية في إنتاج مصحف بهذه الجودة (من حيث الورق والتذهيب والتجليد) يمثل "مكتسبًا اقتصادياً" يثبت قدرة العراق على الاستغناء عن المطابع الخارجية في المشاريع الاستراتيجية.

واتفق مراقبون ومسؤولون على أن التعاون بين النجف بوصفها (أسماً وهوية) وكربلاء ( بوصفها جهة منفذة) يجسّد وحدة المنجز الوطني وتكامل المؤسسات الدينية والعلمية في العراق.