إنّ تسمية هذا النسخة من القرآن الكريم بمصحف النجف الأشرف لم تكن مجرد اختيار جغرافي بل هي إشارة عميقة إلى الدور التاريخي الذي أدَّته هذه المدينة في حفظ النصّ القرآني وتفسيره فمنذ أن حلّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في أرض الغري تحولت النجف إلى "مدينة القرآن". ففيها كُتبت أمهات التفاسير ومنها انطلقت علوم القرآن وفي رحابها تخرّج آلاف المفسرين وحفظة كتاب الله.
هذا المصحف الذي يأتي بجمالية الخطّ العربي وبدقة الطباعة الحديثة يمثل استمرارًا لنهج العترة الطاهرة التي قرنها الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) بالقرآن في حديث الثقلين. إنّها رسالة مفادها أنّ "القرآن الناطق" (الإمام علي) يُحتفى به عَبرَ "القرآن الصامت" (المصحف الشريف) في مدينة العلم.
لقد تميّزت طبعة (مصحف النجف الأشرف) بلمسات فنية وفنية فائقة تعكس التوقير العالي لكلام الله تعالى. فإنّ الخطاط العراقي الكبير عبد الحسين الركابي والمشرفين الذين راجعوا دقّة كلماته استلهموا روحانية المكان كل صفحة في هذا المصحف تنبض بجمال الخط وتترنم بعظمة التنزيل، ما يجعل القارئ يعيش حالة من التلذذ الروحي وكأنّه يقرأ القرآن في حضرة نجفية آمنة.
تأتي هذه الطباعة النوعية في إطار جهود العتبة العباسية المقدسة في طباعة كتاب الله ونشره، ولم تكتفِ العتبة بطباعة المصحف فحسب بل أرادت له أن يكون نسخة نجفية بامتياز تليق بمكانة النجف الأشرف العلمية والفقهية، إنّها خطوة رائدة تُضاف إلى سجل العتبة الحافل بالمشاريع القرآنية وتؤكّد على أنّ النجف ما زالت وستبقى قلبًا نابضًا بالثقافة القرآنية.
عندما نمسك بـ (مصحف النجف الأشرف)، ونقلب صفحاته نستشعر تلك الأرواح التي حلقت في سماء المدينة من مراجع ومفسّرين وأدباء أفنوا أعمارهم في خدمة هذا الكتاب، هذا المصحف بطبعته الفاخرة هو دعوة لكل مؤمن ليعيد ارتباطه بالكتاب من خلال نسخة صِيغت بحب وطُبعت بوفاء في مدينة لا تعرف إلا القرآن إمامًا وعليًّا (عليه السلام) نورًا.
- الكاتب نزار عبد الأمير السدخان