مصحف النجف الأشرف.. حلمٌ عانق التاريـخ وصاغته أناملُ الإبداع

لطالما ارتبط اسم مدينة النجف الأشرف بعبق التاريخ الإسلامي، فكانت وما تزال منارًا شاخصًا للعلم، وموئلًا للفقاهة، ومركزًا رئيسًا للعلوم القرآنية. واليوم، توّج هذا السجل الحافل بإنجازٍ قرآنيٍّ مبارك يضاف إلى رصيد الأمّة الإسلامية، وهو "مصحف النجف الأشرف"؛ الذي جاء ثمرة جهودٍ مخلصة سعت إلى إخراج كتاب الله (عزّ وجلّ) بأبهى صورةٍ تليق بمقامه الأسمى، وتؤكّد دور هذه المدينة المقدسة في رعاية الهوية الإيمانية.

ومن عمق هذه الحاضرة، انبثقت فكرة المصحف الشريف قبل نحو عقدين من الزمان، كمشروع حضاري تبنته العتبة العباسية المقدسة؛ ليكون مصحفًا يُخطّ ويُكتب بإيادٍ عراقيّة خالصة، وظلت الفكرة حاضرة في العقول والأفئدة، تترقب لحظة التحول من حلم نبيلٍ إلى حقيقة واقعة تليق بمكانة كتاب الله تعالى، وتعكس قدسية التنزيل المبارك. وخاصة، إنّنا نعيش في عصرٍ باتت فيه الآلةُ والذكاء الاصطناعي يهيمنان على ملامح الوجود، لذلك انبرى هذا المشروع لينتصر للأنامل البشرية ويعيد الاعتبار للإبداع اليدوي؛ إذ شقَّ هذا المنجزُ طريقه وسط تحدياتٍ جسام، متجسدًا في مسيرة إرادةٍ صلبة بدأت فعليًا عام 2009م، واستغرقت قرابة (17 عامًا) من الإعداد والتدقيق والبحث عن أدق المواصفات الفريدة. وبطبيعة الحال تهيّأت الأسباب حين تصدّى الخطاط العراقي الماهر الأستاذ عبد الحسين الركابي لمهمّة خطِّه بيده، باذلًا خمس سنوات من الدقّة والإتقان في تجسيد روعة الفن وضبط الرسم. إنّها رسالةٌ بليغة مفادها أنّ كتاب الله العزيز لا يمنح أسرار جماله إلّا لمن يبذل له من عمره وجهده؛ فهذا النفس الإنساني المتجلّي في الخطّ والزخرفة أضفى على المصحف روحًا وهيبةً تعجز المطابعُ الآلية الجافة عن ملامستهما.

هذا النفس الإنساني تكلّل بتظافر الجهود تحت إشراف ورعاية سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي (دام عزّه)، الذي حمل شرف المسؤولية في إنجاز هذا المشروع التاريخي، بتعينه لجان تخصصية دقيقة تابعت العمل ورقةً بورقة، مقدّمًا أقصى درجات المتابعة والعناية، حتى استوى المصحفُ على سوقه بصورة بهية تزاوج بعبقريةٍ بين أصالة الخط اليدوي وأحدث تقنيات الطباعة العالمية.

أسمى تجليات هذا المنجز تكمن في بُعده العقدي الراسخ؛ ففي عالمٍ تتقاذفه الشبهات وتكتنفه المزايدات، نال هذا المصحف شرفًا باذخًا بمباركة سماحة المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه). وتأتي هذه المباركة لتشكل شهادةً تاريخيةً حيّة وإقرارًا رصينًا يقطع دابر المغالطات، ويُخرس الألسن التي تحاول النيل من وحدة المصحف الشريف لدى المسلمين؛ فهي البرهانُ الجليُّ والدليل الملموس للعالم أجمع على أنّ مصحف النجف الأشرف هو ذاته الكتاب الذي يتلوه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، محفوظًا بعهدة الرعاية الإلهية من كل زيادةٍ أو نقصانٍ أو تحريف.

وعلى أعتاب الإتقان، وتحت سقف دار الكفيل للطباعة والنشر التابعة للعتبة العباسية المقدسة، نُفِّذت عمليات طباعة المصحف على وَفقِ أعلى المعايير العالمية؛ إذ استُحضرت له موادّ فاخرة من مناشئ رصينة، شملت أفخر أنواع الورق والجلود والتذهيب، ليكون المنتج النهائي عراقيًّا بامتياز، تشرّف بتوزيعه عالميًّا ليرسخ مكانة النجف الأشرف كمركز ثقل للعلوم القرآنية، ومنافسًا جنبًا إلى جنب مع مصاحف الحواضر الكبرى كـ "مصحف المدينة المنورة" و"مصحف القاهرة".

ولا بُدّ من الإشارة، ففي عصر يوم الأربعاء الحادي عشر من ذي القعدة 1447هـ (الموافق 29 نيسان 2026م)، وتيمنًا بأجواء ولادة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، عاش العراق لحظته التاريخية المنتظرة؛ إذ دشّن سماحة السيد أحمد الصافي برعايته حفل تداول مصحف النجف الأشرف. وأثبت هذا المنجز أنّ النجف الأشرف ستبقى الحارس الأمين على تراث النبوّة، والخادمة الوفية لكتاب الله تعالى، والمنبر الذي لا يكفُّ عن الصدح بالحق، مقدمةً للعالم أجمع درسًا في الإخلاص والعمل الدؤوب لحفظ أمانة الوحي الإلهي.

إنّ الرحلة الطويلة التي قطعها مصحف النجف الأشرف بكل تفاصيلها الدقيقة تعكس عزيمة رجالات العراق على صناعة تحفة حضارية لا مثيل لها؛ فهي تحفة إيمانية في إطار وطني خالص، تتوافق كليًا مع النهج القويم للمرجعية الدينية العليا في صون الأمانة وحفظها للأجيال، ليبقى هذا المصحفُ عهدًا موثقًا على أنَّ أرض الرافدين ستظلُّ دومًا هي الحاضنةَ لعلوم القرآن، والراعيةَ لجمال خطِّه، والأمينةَ على قدسية نصِّه.



  • الكاتب طارق صاحب الغانمي