ومن هذا المنطلق تبرز المسابقات المعرفية بوصفها أدوات تربوية فاعلة في تنمية روح البحث والتفاعل العلمي، خصوصا حين ترتبط ببيئة تعليمية تؤمن بأن العلم لا يكتمل إلا إذا اقترن بالبصيرة، وبأن المعرفة الحقيقية لا تقاس بكمية المعلومات فحسب، بل بقدرة الإنسان على توظيفها في بناء وعيه وسلوكه ورؤيته للحياة.
وفي هذا السياق، أطلقت النسخة الأولى من مسابقة (بصائر العلم) الحوزوية الوطنية النسوية، التي تنظمها شعبة مدارس الكفيل الدينية النسوية التابعة لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العباسية المقدسة، لتقدم نموذجا لمشروع تربوي ومعرفي متكامل، يسعى إلى ترسيخ ثقافة التنافس العلمي البنّاء داخل المدارس الدينية النسوية، عبر بيئة تجمع بين التأصيل العلمي، والتنمية الفكرية، والتربية القيمية.
اقتباس
دائماً ما يؤكد المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلامة السيد أحمد الصافي (دام عزه) على أهمية اقتران العلم الحوزوي بالبصيرة النافذة لدى طالبات العلوم الدينية.
ويشدد سماحته على أن تخرج الأنشطة العلمية والمسابقات عن إطار القراءة السطحية أو التلاوة والحفظ المجرد، لتتحول إلى برامج شاملة تركز عميقاً على الفقه، العقائد، والأخلاق بهدف بناء الشخصية وتكاملها الواعي.
ويرى السيد الصافي أن القيمة الحقيقية للدرس تكمن في "نقطة ما وراء الدرس"، أي قدرة الطالبة على استيعاب الأحكام الشرعية ومعالجة المسائل الابتلائية والواقعية في المجتمع بدقة وبصيرة.
ويبين سماحته أن النجاح والتميز الفكري يعتمد بشكل أساسي على توفير "البيئة الحاضنة" والمؤسسات التي تسمح للعقل العراقي والشبابي بالعمل والمثابرة وسعة الصدر في الحوار.
ودعا الى تقديم الدعم الكامل والرعاية لكافة مشاريع مكتب الشؤون النسوية وشعبة مدارس الكفيل لتطوير القدرات وتنمية روح العمل الجماعي والتشاور العلمي بين الطالبات.
المشاريع النسوية في العتبة المقدسة.. بيئةٌ حاضنة لصناعة الوعي
لم تأتِ مسابقة (بصائر العلم) بمعزل عن المشروع الثقافي والتربوي الذي تتبناه العتبة العباسية المقدسة، بل جاءت امتدادا لسلسلة من الفعاليات والمبادرات التي نقلت العمل النسوي من نطاقه التقليدي إلى فضاءات التأثير المجتمعي والثقافي الواسع.
وتُوجت هذه الجهود بتنظيم فعاليات كبرى هدفت إلى ترسيخ الهوية الدينية والقيم الأخلاقية بأساليب حضارية ومعرفية متنوعة، من أبرزها الحفل المركزي لتخرج طالبات الجامعات العراقية، الذي يُعد من أكبر الاحتفاليات النسوية في العراق، ويهدف إلى تكريم الخريجات وترسيخ قيم العفة والنجاح الأكاديمي تحت راية أبي الفضل العباس (عليه السلام).
كما نظمت العتبة العباسية المقدسة مهرجان (روح النبوة) الثقافي العالمي، بوصفه منصة فكرية تسلط الضوء على سيرة وفكر السيدة الزهراء (عليها السلام)، عبر بحوث علمية ومسابقات أدبية ومعارض فنية شهدت مشاركات نسوية من داخل العراق وخارجه.
وفي الجانب الثقافي وأحياء الشعائر الحسينية، برزت فعاليات مثل موكب عزاء بنات الكفيل، الذي جسد الحضور العقائدي المنظم للمرأة في إحياء الشعائر الحسينية، إلى جانب إطلاق مسابقات وطنية ودولية في حفظ القرآن الكريم والتلاوة والبحث العلمي، بهدف تعزيز روح التنافس المعرفي بين الفتيات والنساء.
وامتدت هذه المشاريع لتشمل احتفاليات سن التكليف الشرعي، والدورات القرآنية الصيفية، ومهرجان الورود الفاطمية، وملتقى مجلة رياض الزهراء (عليها السلام)، وملتقى بنات العقيدة، ومهرجان الصديقة الطاهرة، ومتطوعات بنات الكفيل، وحفل العباءة العراقية، وملتقى المبلغات النسوي، وملتقى غيث السماء القرآني، ومعارض الكتاب، والخيمة الثقافية، وبراعم الكفيل، وسفيرات السيدة زينب (عليها السلام)، في مشهد يعكس اتساع المشروع النسوي الذي ترعاه العتبة المقدسة وحرصه على صناعة بيئة ثقافية وتربوية فاعلة للمرأة العراقية.
انطلاق المسابقة بمشاركة 16 فريقاً من تسع محافظات
أطلقت العتبة العباسية المقدسة فعاليات المسابقة التي نظمتها شعبة مدارس الكفيل الدينية النسوية التابعة لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة المقدسة، تحت شعار (العلم نور إذا اقترن بالبصيرة)، بمشاركة 16 فريقا يمثلون مدارس الكفيل الدينية النسوية في تسع محافظات عراقية، وبمشاركة 120 طالبة.
وامتدت منافسات الفرق، التي يتكوّن كل فريق منها من خمس طالبات، على مدى يومين، وتوزعت فعالياتها بين مجمع الشيخ الكليني (قدس سره)، ومزرعة السدر النموذجية، والمركز الثقافي لمجموعة العميد التعليمية، في تجربة علمية جمعت بين الاختبار المعرفي والتفاعل التربوي والعمل الجماعي.
ولم تكن النسخة الأولى من المسابقة مجرد منافسة علمية بين طالبات مدارس دينية، بل بدت مشروعا تربويا ومعرفيا متكاملا، خُصصت له فترة إعداد امتدت لستة أشهر سبقت انطلاقه، خضعت خلالها المشاركات لدراسة المناهج المعتمدة والاستعداد العلمي للمنافسات.
وقالت، مسؤولة شعبة مدارس الكفيل الدينية النسوية السيدة بشرى الكناني: إنّ "المسابقة تهدف إلى إعداد جيل واعٍ ومثقف، متسلح بالعلم والمعرفة والأخلاق والإيمان"، مشيرة إلى أنّ "هدف المسابقة لا يقتصر على تحقيق الفوز أو نيل المراتب العليا، بل يتعداه إلى ترسيخ روح الثقافة وطلب العلم عبر البحث والاطلاع وتنمية المعرفة".
وأضافت، أنّ "المسابقة تسعى إلى تعزيز ارتباط الطالبات بالعلوم الدينية عبر أساليب تفاعلية، إلى جانب تحقيق أهداف تربوية تسهم في توطيد العلاقات الأخوية بين الطالبات، وترسيخ قيم الإيثار والثقة بالنفس".
وبيّنت الكناني، أنّ "الحوار والمناقشة يمثلان جزءًا مهمًّا من فعاليات المسابقة، بما يسهم في تنمية شخصية الطالبة وقدرتها على التعبير والتفاعل العلمي والمعرفي".
وأشارت إلى حجم الجهود التنظيمية التي تبذلها شعبة مدارس الكفيل الدينية النسوية، والتي شملت إعداد الأسئلة وتجهيز القاعات ومتابعة الفرق المشاركة والبرامج، فضلًا عن التنسيق الإداري واللوجستي، بالتعاون مع مكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية والأقسام الساندة في العتبة المقدسة.
أربعة محاور علمية تضمنتها مراحل التنافس
اعتمدت المسابقة برنامجا علميا قائما على جولات معرفية متدرجة، توزعت على أربعة محاور رئيسة شملت، العقائد، الفقه، الأخلاق، المحور المهدوي الذي يرتبط بقضية الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، لتعزيز الوعي الثقافي بفكرة الانتظار والتمهيد لظهوره المبارك.
وانطلقت الجولة الأولى بعد إجراء القرعة بين الفرق المشاركة، لتبدأ المنافسات بأسئلة وضعت وفقا لما يتمتعن به الطالبات من معرفة، واختبار قدرتهن على فهم المواد الدراسية وتوظيفها ضمن سياقات علمية وتطبيقية.
وشهدت المنافسات اعتماد آليات دقيقة في تنظيم الجولات، بدءاً من توزيع الفرق بالقرعة، وصولاً إلى نظام التأهل المرحلي الذي عزز أجواء التحدي العلمي والتنافس المتوازن بين المشاركات.
وبعد انتهاء الجولة الأولى، تأهلت ثماني فرق إلى المرحلة الثانية، قبل أن تتقلص دائرة المنافسة إلى أربعة فرق هي: أم السبطين، البتول، زينب بنت علي، دار العلم، لتنتهي المرحلة الثالثة بتأهل فريقي أم السبطين وزينب بنت علي (عليها السلام) إلى الجولة النهائية.
تأهل فريقين إلى الجولة النهائية وحسم النتائج
شهدت المرحلة الرابعة والأخيرة واحدة من أقوى جولات المنافسة، إذ التقى فريقا مدرستي أم السبطين وزينب بنت علي (عليهما السلام) في مواجهة علمية متعددة المحاور.
وتنوعت الأسئلة بين الجوانب العقائدية والفقهية والأخلاقية والمهدوية، وسط متابعة من اللجان التحكيمية والتنظيمية، وأجواء أظهرت مستوى الإعداد العلمي والتفاعل المعرفي لدى الطالبات.
وأسفرت النتائج النهائية عن فوز فريق مدرسة زينب بنت علي (عليها السلام) بالمركز الأول، بعد منافسة وصفت بالقوية والمتقاربة في الأداء.
فقرات تربوية وثقافية دعمت أهداف المسابقة
لم تقتصر فعاليات المسابقة على الاختبار العلمي التقليدي، بل تضمنت فقرات تربوية ومعرفية مكملة، كان من أبرزها عرض فيلم وثائقي تناول سيرة عدد من العلماء؛ لتعزيز عزيمة الطالبات وتحفيزهن على مواصلة مسيرة طلب العلم رغم التحديات، من خلال استحضار نماذج تاريخية ملهمة، من بينها سيرة الشيخ الطوسي (قدس سره) الذي واصل مشروعه العلمي على الرغم من فقدان مكتبته وحرقها.
هذا البعد التربوي منح المسابقة مساحة تتجاوز حدود التنافس الآني، لتتحول إلى منصة لإحياء روح البحث والتعلم والإصرار العلمي، مهما كانت التحديات.
مسك الختام بالتكريم.. تتويج الجهود العلمية في أجواء احتفائية شاملة
اختُتمت فعاليات مسابقة (بصائر العلم) بحفل تكريمي عكس حجم الجهود العلمية والتنظيمية التي رافقت مراحلها المختلفة،إذ حرصت العتبة العباسية المقدسة على أن يكون التكريم امتدادا لقيمة المسابقة ورسالتها التربوية، وليس مجرد ختام شكلي للفعالية.
وشهد الحفل تتويج الفرق الفائزة بالمركزين الأول والثاني عبر منحهما دروع التميز المعرفي، في تقدير يعكس مستوى الأداء العلمي الذي قدمته الفرق خلال جولات التنافس.
كما شمل التكريم تقديم مكافآت مالية وعينية للطالبات الفائزات في المراكز المتقدمة، إلى جانب هدايا تبركية من مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، في لفتة رمزية تجمع بين البعد المعرفي والروح الإيمانية للفعالية.
وامتد التقدير ليشمل جميع المشاركات، حيث وُزعت شهادات تقديرية على الطالبات الـ 120 المشاركات تثمينا لجهودهن ومستواهن العلمي، وإشادة بروح التنافس التي سادت أجواء المسابقة.
ولم يقتصر التكريم على الطالبات فحسب، بل شمل أيضا إدارات المدارس الـ 16 المشاركة، تقديرا لدورهن في الإشراف والمتابعة خلال فترة التحضير التي استمرت ستة أشهر، وما رافقها من جهود تنظيمية وتربوية أسهمت في إنجاح التجربة.
كما خُتم الحفل بتكريم اللجنة العلمية والتحكيمية المشرفة على إعداد المحاور وإدارة الجولات التنافسية، تثمينا لدورها في ضمان الشفافية والدقة في التقييم، وترسيخ مبدأ العدالة العلمية بين جميع المشاركات.
إشادات واسعة بمستوى التنظيم وروح التنافس العلمي
نالت مسابقة (بصائر العلم) الوطنية حزمة من الإشادات والثناء من قبل نخب حوزوية وأكاديمية ومؤسسات ثقافية وإدارات مدارس دينية نسوية في العراق، ركزت في مجملها على جودة التنظيم وحسن إدارة الفعاليات داخل مجمع الشيخ الكليني (قدس سره) وبقية مواقع العتبة العباسية المقدسة، معتبرة أن البيئة المهيأة أسهمت في توفير أجواء مناسبة مكنت الطالبات من التركيز والمنافسة العلمية الهادئة.
وأشادت الجهات الأكاديمية والتربوية بعمل اللجنة التحكيمية، لالتزامها بمعايير دقيقة وموضوعية في التقييم، واعتمادها أسئلة تقيس الفهم الاستنباطي والتطبيقي لدى المشاركات بعيدا عن أي انحياز، ما عزز من مصداقية النتائج ومستوى العدالة بين الفرق المتنافسة.
كما ثمنت مؤسسات دينية وتربوية فكرة المسابقة، لكونها أسهمت في نقل الدرس الحوزوي النسوي من نمطه التقليدي إلى فضاء أوسع يقوم على التنافس الجماعي والعمل بروح الفريق، وهو ما انعكس على مستوى التحضير خلال الأشهر الستة السابقة لانطلاق الفعالية.
وفي السياق ذاته، أشادت نخب ثقافية بدور مكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة المقدسة في إبراز الطاقات العلمية والفكرية للمرأة، وإتاحة المجال أمامها لمعالجة القضايا الفقهية والعقائدية بأسلوب علمي دقيق يعكس مستوى التأهيل المعرفي للمشاركات.
وأعربت وفود من المحافظات عن تقديرها الكبير لحسن الضيافة وجودة الخدمات المقدمة، من سكن وطعام وبرامج مرافقة، ما عزز الشعور بالانتماء والاعتزاز بالانخراط في مدارس الكفيل الدينية النسوية .
وأكد عدد من المتابعين أن أثر المسابقة لم يقتصر على أجواء المنافسة، بل امتد إلى البيئة الاجتماعية والتعليمية للمشاركات، بعد أن أسهمت في نقل المفاهيم التطبيقية، ولا سيما في مجالي الفقه والأخلاق، إلى محيطهن الأسري والمجتمعي، بما ينسجم مع شعار الفعالية: (العلم نور إذا اقترن بالبصيرة).
نبض الطالبات.. تجربة علمية تجاوزت حدود المنافسة
أعربت الطالبات المشاركات في المسابقة عن ارتياحهن الكبير للتجربة، مؤكدات أنها شكلت نقلة نوعية في مسيرتهن العلمية، وأسهمت في تطوير مهارات التفكير والحوار والعمل الجماعي، بعيدا عن أساليب الحفظ التقليدية.
وأشارت المشاركات إلى أن أجواء المنافسة اتسمت بالهدوء وروح التعاون، إذ ساعد نظام الفرق على تعزيز مهارة (التشاور العلمي)، من خلال تقسيم الأدوار وتبادل الآراء للوصول إلى إجابات دقيقة في المسائل المطروحة.
كما أوضحن أن خوض التجربة أمام لجان تحكيم مركزية وجمهور مباشر في مجمع الشيخ الكليني (قدس سره) عزز لديهن الثقة بالنفس والقدرة على التعبير والدفاع عن الرأي العلمي.
وأشرن الى أن تحويل المواد الدراسية إلى أسئلة تطبيقية مرتبطة بالواقع أسهم في ترسيخ المعلومات وجعل عملية التعلم أكثر تفاعلية وعمقاً.
المسابقة تعكس توجه العتبة المقدسة لدعم التعليم النسوي
تعكس مسابقة بصائر العلم توجها واضحا لدى العتبة العباسية المقدسة نحو بناء منظومة تعليمية حوزوية نسوية تجمع بين التأهيل العلمي، والتنمية الفكرية، والتربية القيمية.
فمن خلال منافسات معرفية متعددة المحاور، وبيئة تقوم على البحث والحوار والعمل الجماعي، تسعى التجربة إلى إعداد جيل نسوي يمتلك أدوات العلم والبصيرة معا، ويكون قادرا على المساهمة بفاعلية في محيطه العلمي والمجتمعي.
وفي نسختها الأولى، قدمت المسابقة أنموذجاً واعدا لمشروع قابل للتطوير والاستمرار، بما يعزز حضور التعليم الحوزوي النسوي، ويدعم بناء بيئة تعليمية محفزة على التفكير والتفاعل المعرفي وتنمية الطاقات العلمية الواعدة.
المسابقة تفتح آفاق تطوير التعليم الحوزوي النسوي
وفقا لما سبق تبدو المسابقة أكثر من فعالية تعليمية عابرة؛ فهي تمثل ملامح مشروع مستقبلي يسعى إلى إعادة صياغة دور التعليم الحوزوي النسوي بوصفه مساحة لصناعة الوعي، وبناء الإنسان القادر على الجمع بين العلم والبصيرة، والمعرفة والمسؤولية.
ومع نجاح نسختها الأولى، تفتح المسابقة أفقا واسعا لتطوير هذا النموذج التربوي ليغدو منصة وطنية مستدامة لاكتشاف الطاقات العلمية النسوية وصقلها، وتوسيع مساحة المبادرات التعليمية القائمة على البحث والحوار والإبداع المعرفي داخل المؤسسات التعليمية.
وبين التنافس المعرفي وبناء الوعي، تأتي مسابقة (بصائر العلم) جزءاً من رؤية تتبناها العتبة العباسية المقدسة لرسم ملامح تجربة تعليمية تسعى إلى صناعة جيل يمتلك العلم والبصيرة معا، ضمن مشروع تربوي يراهن على المعرفة بوصفها أداة لبناء الإنسان والمجتمع.