ملتقى الكوثر الثالث.. حين يُعاد ترميم الأسرة بالقرآن في زمن التحديات

وسط تحديات اجتماعية وفكرية باتت تؤثّر في بنية الأسرة واستقرارها، تبرز الحاجة إلى مبادرات توعوية تعيد ترسيخ المفاهيم الأصيلة للحياة الزوجية، وتبني وعيًا قائمًا على القيم الدينية والإنسانية الرصينة.

وفي هذا السياق، أطلقت شعبة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) للدراسات القرآنية التابعة لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العباسية المقدسة النسخة الثالثة من ملتقى الكوثر تحت شعار: (الكوثر.. بالقرآن تبنى السكينة)، بمشاركة واسعة من النساء والفتيات في محافظة كربلاء المقدسة، إذ تضمن الملتقى سلسلة من الورش التفاعلية والمشاهد الحوارية والمسابقات القرآنية والفكرية، التي هدفت إلى بناء وعي أسري متكامل لدى المشاركات، وإعدادهن نفسيًّا وفكريًّا لخوض حياة زوجيّة قائمة على الفهم والتوازن والاستقرار.

ويأتي ملتقى الكوثر الثالث امتدادًا لسلسلة من البرامج والأنشطة التوعوية التي دأبت العتبة العباسية المقدسة على تنظيمها في مجال بناء الوعي الأسري والتربوي، ضمن رؤية مستمرة تهدف إلى معالجة التحديات الاجتماعية والفكرية التي تواجه المرأة والأسرة.



أقتباس

أكّد المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي في أكثر من مناسبة مرتبطة بالملتقيات النسوية، ومنها ملتقى كوثر العصمة، على أنّ الاهتمام بالمرأة لا يُفهم بوصفه نشاطًا اجتماعيًّا عابرًا، بل هو جزء من مشروع إصلاحي وتربوي أوسع يستند إلى بناء الوعي الديني والأخلاقي داخل الأسرة والمجتمع.

ومن أبرز ما ركّز عليه في حديثه حول هذه الملتقيات:

  • - إنّ المرأة تمثّل “محورًا أساسيًّا في صناعة الوعي”، وأنّ أيّ مشروع ثقافي أو إصلاحي لا ينهض إلّا إذا شملها بشكل مباشر، بوصفها المربّية الأولى وصاحبة التأثير الأكبر في تشكيل الأجيال.



  • - شدّد على أهمية الملتقيات النسوية في تعزيز الهوية الدينية الرصينة، ومواجهة التحديات الفكرية والسلوكية عَبرَ المعرفة والتثقيف، وليس عَبرَ الشعارات فقط، معتبرًا أنّ هذه اللقاءات يجب أن تتحوّل إلى منصّات دائمة لبناء الوعي لا إلى فعاليات موسمية.



  • - أشار إلى أهمية الاستلهام من نموذج السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في العفّة والعلم والالتزام، بوصفها معيارًا تربويًّا وأخلاقيًّا يمكن أن يوجّه سلوك المرأة في المجتمع، ويعزّز دورها في بناء الأسرة والمجتمع على أسس واعية ومتزنة.


وبصورة عامّة، فإنّ خطاب السيد أحمد الصافي تجاه هذه الملتقيات يتركّز على ثلاثة محاور: بناء الوعي، وتعزيز الهوية، وترسيخ الدور التربوي للمرأة ضمن مشروع اجتماعي وثقافي طويل الأمد، لا يقتصر على الفعاليات بل يمتد إلى صناعة أثر مستدام.




الملتقيات النسوية.. رؤية تكاملية وإرادة فاعلة

لم يأتِ ملتقى الكوثر الثالث بمعزل عن المشروع الثقافي والتربوي الذي تتبناه العتبة العباسية المقدسة، بل جاء امتدادًا لسلسلة من الملتقيات والفعاليات التي أسهمت في نقل العمل النسوي إلى فضاءات أوسع من التأثير الثقافي والمجتمعي.

وفي هذا السياق، نظّمت العتبة المقدسة عددًا من الملتقيات البارزة، من بينها: ملتقى بنات العقيدة، وملتقى الصديقة الطاهرة، وملتقى رياض الزهراء (عليها السلام)، وملتقى المبلّغات النسوي، وملتقى غيث السماء القرآني، التي ركزت على تعزيز الوعي الديني والثقافي وترسيخ القيم الأخلاقية لدى النساء والفتيات عَبرَ برامج معرفية وتربوية متنوعة.

وتأتي هذه الملتقيات ضمن رؤية شاملة تهدف إلى بناء شخصية نسوية واعية وفاعلة، قادرة على الإسهام في صناعة الوعي المجتمعي على وَفقِ أسس قرآنية وتربوية رصينة.



انطلاق فعاليات الملتقى

أُطلقت فعاليات ملتقى الكوثر الثالث، الذي أُقيم في مركز الصديقة الطاهرة (عليها السلام)، بمشاركة واسعة بلغت سبعين مشاركة من مختلف مناطق محافظة كربلاء المقدسة، في إطار برنامج توعوي وتربوي يستهدف النساء والفتيات المقبلات على الزواج، ويهدف إلى ترسيخ مفاهيم الوعي الأسري المستند إلى القرآن الكريم وسيرة أهل البيت (عليهم السلام).

واستهلت فعاليات الملتقى بتلاوة مباركة من الذكر الحكيم، أعقبها تقديم مجموعة من الفقرات القرآنية والثقافية والتربوية التي سعت إلى معالجة قضايا الأسرة والزواج من منظور ديني ومعرفي، مع التركيز على أهمية بناء الشخصية الواعية القادرة على اتخاذ القرار الصحيح في اختيار شريك الحياة، بما يسهم في تأسيس أسرة مستقرّة قائمة على المودة والرحمة.

وقالت مسؤولةُ شعبةُ السيّدة فاطمة بنت أسد للدراسات القرآنية التابعة لمكتب المتولّي الشرعيّ للشؤون النسويّة في العتبة العبّاسية المقدّسة السيدة فاطمة الموسوي: إنّ "مُلتقى الكوثر الثالث، يستهدف الفتيات المقبلات على الزواج، ويتضمّن مسابقاتٍ قرآنيّة وورشة تفاعلية حول كتيّب (لم لا؟)، الذي أعدّته الشعبة، ويضمّ مجموعةً من الآيات القرآنية وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام)؛ بهدف تعزيز الوعي لدى المشاركات وتحصينهنّ من التحدّيات التي قد تواجههنّ في الحياة الأسرية والعمليّة".

وأضافت " يأتي تنظيم المُلتقى ضمن البرامج التربوية والثقافية التي تقيمها الشعبة، لتعزيز الثقافة القرآنية ونشر الوعي الديني لدى المشاركات، عَبرَ تقديم برامج إرشاديّة تُسهِمُ في بناء الأسرة على أسسٍ دينية وأخلاقية رصينة".



الملتقى يعزز الوعي الأسري وقيمه الأصيلة

شهد الملتقى الثالث حضورًا لافتًا عكس النجاح الذي حققته النسختان السابقتان، إذ جاء تنظيمه تزامنًا مع ذكرى زواج النورين الإمام علي والسيدة الزهراء (عليهما السلام)، ذلك النموذج الأسري العظيم في الإسلام بعد زواج النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من السيدة خديجة (عليها السلام).

وقد استلهم من هذه المناسبة التأكيد على أهمية بناء الأسرة على أسس رصينة من القيم والأخلاق والتفاهم، باعتبارها الركيزة الأساسية لاستقرار الحياة الزوجية واستمرارها.

كما ركّز الملتقى على ضرورة إعداد الشباب والفتيات إعدادًا واعيًا يؤهلهم لتأسيس حياة أسرية مستقرة، في ظلّ تطلع الكثير من العوائل إلى توفير بيئة صالحة لأبنائها، وأنّ هذا الطموح لا يمكن أن يتحقق من دون تعزيز الوعي والمعرفة المستندين إلى تعاليم القرآن الكريم ونهج أهل البيت (عليهم السلام)، خاصة في ظلّ ما تشهده المجتمعات من تحديات ومفاهيم دخيلة أسهمت في إضعاف بنية الأسرة وارتفاع المشكلات الاجتماعية؛ لذلك يدعو الملتقى إلى تبنّي مبادرات تربوية جادة تسهم في تحصين الشابات وتصحيح المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالحياة الزوجية والأسرة.



شريك العمر أم شريك الفكر؟

تضمّن الملتقى عرض مشهد حواري بعنوان: (شريك العمر أم شريك الفكر؟)، سلّط الضوء على قضية اختيار شريك الحياة، وأهمية التمييز بين الأسئلة الجوهرية والأسئلة الكمالية خلال مرحلة الخطوبة، وقد استند المشهد إلى مجموعة من التساؤلات التي جمعت مسبقًا عَبرَ رابط إلكتروني؛ بهدف مناقشتها وتحليلها بصورة واقعية تساعد النساء على فهم طبيعة الأسئلة التي تكشف شخصية الخاطب وطريقة تفكيره وسلوكه، مقابل الأسئلة الثانوية التي قد لا تمثل معيارًا حقيقيًّا لاستقرار الأسرة.

وسعى المشهد الحواري إلى تعزيز التفكير المنطقي لدى المشاركات، وتوجيههن نحو بناء رؤية متزنة في التعامل مع قرار الزواج، من خلال الابتعاد عن الأحكام السطحية والتركيز على المعايير الفكرية والأخلاقية والدينية التي تشكل الأساس الحقيقي للعلاقة الزوجية الناجحة، بما يسهم في بناء أسر أكثر وعيًا واستقرارًا.



ورشة (لِمَ لا؟).. مساحة لتعزيز الارتباط بالقرآن والعترة

شهد الملتقى إقامة ورشة تفاعلية تناولت كتيب (لم لا؟)، سعت إلى ترسيخ الوعي القرآني والمعرفي لدى النساء من خلال ربط المفاهيم المستقاة من القرآن الكريم والروايات الشريفة لأهل البيت (عليهم السلام) بالواقع التربوي والاجتماعي المعاصر. وتضمنت الورشة عرضًا مرئيًّا توضيحيًّا، إلى جانب شرح تفصيلي لأبرز المضامين الفكرية والسلوكية التي يتناولها الكتيب، بأسلوب تفاعليٍّ أتاح للمشاركات مساحة أوسع للنقاش والتأمل وتبادل الآراء، إذ إنّ اعتماد الأسلوب التفاعلي في الطرح يساعد على إيصال الأفكار بصورة أكثر تأثيرًا وعمقًا، وينمي التفكير المتوازن لدى الفتيات.



مسابقة (مرفأ النورين).. وعي أسري برؤية فكرية هادفة

تضمّنت فعاليات الملتقى إقامة مسابقة علمية بعنوان (مرفأ النورين) التي اشتملت على مجموعة من الأسئلة الفكرية والثقافية المرتبطة بسيرة أمير المؤمنين الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء (عليهما السلام)، ولا سيّما في الجوانب المتعلّقة ببناء الأسرة القائمة على القيم الإسلامية الأصيلة ومبادئ التفاهم والاستقرار الأسري.

وهدفت المسابقة إلى ترسيخ الوعي الثقافي والديني لدى المشاركات، وتعزيز روح الاقتداء بسيرة أهل البيت (عليهم السلام) في إدارة الحياة الزوجية بالحكمة والصبر والتفاهم، ضمن إطار يجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.

كما عكست المسابقة حرص الملتقى على تقديم برامجه بأسلوب علمي رصين يسهم في تنمية الوعي الأسري والفكري لدى الفتيات بأساليب تفاعلية هادفة.



مسابقة (أصعب الكلمات).. محطة للتدبر وتنمية المهارات

ضمّ ملتقى الكوثر الثالث مسابقة بعنوان (أصعب الكلمات) القرآنيّة، التي خُصِّصت للآيات المرتبطة بموضوع الزواج والأسرة، إذ عُرضت الآيات الكريمة على الشاشة من دون حركات، وطُلب من المشاركات قراءتها بصورة صحيحة، في اختبار جمع بيّن سلامة التلاوة ودقّة الفهم القرآني.

وتهدف المسابقة إلى تشجيع النساء على تلاوة القرآن الكريم بصورة صحيحة، وتنمية المهارات اللغوية والمعرفية لدى المشاركات، إلى جانب تعزيز التدبّر في الآيات القرآنية التي تتناول مفهوم الزواج وأسس بناء الأسرة.



إشادات متعددة بمضامين الملتقى

شهد الملتقى تفاعلًا لافتًا من الحاضرات مع مختلف الفعاليات، ولا سيّما الورش التخصصيّة والأنشطة الحوارية والمسابقات الفكرية والقرآنية، التي عالجت قضايا اجتماعية وسلوكية مرتبطة بالحياة الزوجيّة واتخاذ القرار الواعي.

وعكست الأجواء العامة حجم الاهتمام بالمضامين المطروحة، التي جمعت بين الطرح التربوي والأسلوب التطبيقي القريب من واقع النساء وتحدياتهن المعاصرة.

وأكّدت التدريسية في جامعة العميد السيدة نجلاء علي عبد أنّ المحاور التي تناولها الملتقى أسهمت في تقديم معالجات واقعيّة لقضايا أسرية وتربوية مهمّة، ورسّخت مفهوم الوعي الأسري لدى النساء، لا سيّما ما يتعلّق بمرحلة اختيار شريك الحياة وطبيعة الأسئلة التي ينبغي طرحها خلال اللقاء الشرعي.

وأشارت إلى أنّ الملتقى قدم هذه الموضوعات بأسلوب مبسط وهادف أتاح مساحة للتفكير الواعي والحوار البناء، وأسهم في تزويد المشاركات بأدوات معرفية تساعدهن على اتخاذ قرارات أكثر نضجًا واتزانًا في بناء الأسرة.

من جانبها، أوضحت المشاركة السيدة مريم حميد عناية أنّ الملتقى تميّز بأساليبه الجديدة في التعامل مع النساء المقبلات على الزواج، من خلال تهيئتهن نفسيًّا وسلوكيًّا وتقديم رؤية تربوية قائمة على تدبر الآيات القرآنية المتعلقة بالحياة الزوجية.

فيما أكّدت المشاركة كوثر صادق أنّ الفعاليات ساعدتها على إعادة النظر في العديد من المفاهيم والأحكام المسبقة، وشجعتها على التحلّي بمرونة أكبر في التفكير والتعامل مع الآخرين.

كما عبّرت الطالبة في جامعة الزهراء (عليها السلام) كوثر عبد الكريم عن إفادتها الكبيرة من ورشة (لِمَ لا؟)، مؤكدة أنّها أسهمت في تصحيح بعض المعايير الخاطئة المتعلقة باختيار شريك الحياة، وعزّزت أهمية الأسئلة الواعية في بناء علاقة زوجية متوازنة.



تكريم المشاركات في المسابقات

اختتمت فعاليات ملتقى الكوثر الثالث بتكريم المشاركات في مسابقتي (مرفأ النورين) و(أصعب الكلمات)، في أجواء تفاعلية عكست حجم الحضور والاهتمام بالمحاور القرآنية والتربوية التي تناولها الملتقى.

ويأتي الملتقى ضمن جهود العتبة العباسية المقدسة الهادفة إلى تعزيز الوعي الأسري لدى النساء، من خلال برامج تربوية ومعرفية مستندة إلى القرآن الكريم وسيرة أهل البيت (عليهم السلام)، بما يسهم في إعداد جيل واعٍ قادر على بناء أسرة مستقرة تقوم على المودة والرحمة والقيم الأخلاقية الأصيلة.

ويبدو أنّ ملتقى الكوثر، بما حمله من مضامين فكرية وتفاعلية، لا يقتصر أثره على فعالية آنية أو نشاط موسمي، بل يؤسّس لمسار معرفي طويل الأمد يسعى إلى إعداد جيل من النساء يمتلكن وعيًا أعمق بمفهوم الأسرة ومسؤولياتها.

ومع استمرار هذه المبادرات وتطوير أدواتها وأساليبها، تتجه الجهود نحو خلق بيئة مجتمعية أكثر استقرارًا وتماسكًا، يكون فيها القرآن الكريم وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) منطلقًا لبناء أسرة واعية قادرة على مواجهة تحديات العصر، وترسيخ قيم المودة والرحمة بوصفها أساسًا لحياة زوجية متوازنة ومستقرة.