أكثر من ١٬٣٦٥ طنًّا تعبر الحدود: كيف تحوّلت قوافل العتبة العباسية إلى جسرٍ إنساني لإنقاذ شعوبٍ تحت النار؟

في مشهدٍ يجسّد قيم التكافل الإنساني وروح التضامن الإسلامي، واصلت العتبة العباسية المقدسة جهودها الإغاثية لدعم الشعبين اللبناني والإيراني، عَبرَ إطلاق حملاتٍ إنسانية متتابعة استهدفت المناطق المتضرّرة، تأكيدًا لنهجها القائم على مساندة الشعوب في أوقات الأزمات والمحن.

وشكّلت هذه المبادرات امتدادًا للدور الإنساني الذي تضطلع به العتبة المقدسة في مختلف الظروف، عن طريق توفير المواد الغذائية والطبية والمستلزمات الضرورية، إلى جانب تسخير إمكاناتها اللوجستية والخدمية لإيصال المساعدات إلى مستحقّيها، بما يخفّف من معاناة المتضرّرين ويعزّز قيم التراحم والتكافل بين الشعوب.


اقتباس

أكّد المتولّي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي في أكثر من كلمة وموقف مرتبط بالحملات الإغاثية أنّ هذا النوع من الأعمال ليس نشاطًا طارئًا أو إعلاميًّا، بل هو امتداد مباشر للنهج الإنساني الذي تلتزمه العتبة بتوجيه من المرجعية الدينية العليا.

  • - إنّ العمل الإغاثي الخارجي يمثّل “واجبًا إنسانيًّا وأخلاقيًّا” لا يقتصر على حدود العراق، بل يشمل كل الشعوب المتضررة من الأزمات والكوارث؛ لأنّ “الإنسان هو محور الاهتمام” من دون تمييز.
  • - إنّ هذه الحملات تأتي استجابة مباشرة لتوجيهات المرجعية الدينية العليا، التي تدعو دوما إلى إغاثة الملهوف ومساندة المنكوبين، وأنّ العتبة تعمل في ضمن هذا الإطار بروح مؤسّساتية منظّمة وليست مبادرات فردية.
  • - إنّ نجاح هذه الحملات يعتمد على “التخطيط المسبق وسرعة الاستجابة وتعاون المكاتب الخارجية”، مع تأكيد أهمية إيصال المساعدات إلى مستحقيها عَبرَ قنوات موثوقة تضمن الكرامة والعدالة في التوزيع.

وبشكل عام، يمكن تلخيص موقف سماحته بأنّه ينظر إلى هذه الحملات باوصفها جزءًا من "الهوية الرسالية" للعتبة العباسية، التي تجمع بين الخدمة الدينية والعمل الإنساني على نطاق إقليمي واسع.



مبادراتٌ خالدةٌ حفظها التأريخ.

لم تكن الحملات الإغاثية الأخيرة الموجّهة إلى الشعب الإيراني هي الأولى في تأريخ العتبة العباسية المقدسة، إذ تحرص العتبة على تنفيذ مبادرات إنسانية متواصلة في داخل العراق وخارجه، انطلاقًا من مسؤوليتها الدينية والإنسانية، وتجسيدًا لتوجيهات المرجعية الدينية العليا في إغاثة المحتاجين والوقوف إلى جانب المتضرّرين أينما كانوا.

ويعتمد منهج العتبة العباسية المقدسة في حملاتها الإغاثية الخارجية على تسيير قوافل شاحنات محمّلة بأطنان من المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب الدعم اللوجستي، وتُطلق هذه الحملات على وَفقِ حجم الكوارث الطبيعية مثل الزلازل، أو الأزمات الإنسانية كالأوضاع الاقتصادية وحالات النزوح، فيما يُترك التنفيذ الميداني لمكاتب العتبة في تلك الدول أو عَبرَ قنوات محلية موثوقة في البلدان المستهدفة.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى وقوفها إلى جانب الشعب الفلسطيني عَبرَ مبادرات إغاثية وتضامنية متعددة، شملت إطلاق حملات تبرع شعبية لإيصال المساعدات عَبرَ قنوات إنسانية، أفاد منها آلاف المتضررين من الأزمات الإنسانية المتكررة.

وفي المدة ما بين (2020 – 2026)، لبّت العتبة نداء المرجعية لإغاثة الشعب اللبناني عن طريق حملات إغاثية متواصلة وليست دفعة واحدة، شملت توفير المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية، فضلًا عن دعم العوائل المتضررة من الأزمات الاقتصادية والكوارث، وقد وصلت هذه المساعدات إلى آلاف العوائل في الجنوب والضاحية ومناطق متفرقة من لبنان.

أمّا في عام 2023، فقد كانت العتبة حاضرة عقب الزلزال المدمر في شمال سوريا، في واحدة من أكبر الاستجابات الخارجية في السنوات الأخيرة، حيث تم إرسال مساعدات غذائية وطبية، إلى جانب دعم ميداني للمتضررين عَبرَ قوافل إغاثية متعددة، أفاد منها مئات الآلاف من المتضررين.

وتُظهر الحملات الإغاثية الخارجية للعتبة العباسية المقدسة أنّها تتحرك من ضمن منظومة إنسانية عابرة للحدود، تتداخل فيها الاستجابة السريعة مع الدعم المستمر، لتشمل دولًا عربية وإقليمية مثل لبنان وسوريا وإيران، مع توسّع مستمر في العمل الإغاثي بحسب حجم الأزمات الإنسانية.





وفاض الجود إلى لبنان وإيران.

في خطبة عيد الفطر المبارك في يوم الجمعة 20 آذار (مارس) 2026م، الموافق الأوّل من شهر شوال 1447هـ، أعلنت المرجعية الدينية العليا موقفها الداعم للشعبين الإيراني واللبناني في ظلّ الظروف الاستثنائية التي مرّ بها نتيجة تداعيات الحرب، ووجّهت بفتح مراكز تابعة للعتبات المقدسة لاستلام المساعدات العينية والمالية؛ بهدف إغاثة العوائل المتضررة وتخفيف معاناتها الإنسانية، وتأكيد أهمية التكافل والتضامن في مواجهة الأزمات.

وانسجامًا مع هذا التوجيه، بادرت العتبة العباسية المقدسة إلى إطلاق حملة إنسانية شاملة لفتح مراكز التبرع في داخل العراق وخارجه، دعمًا للشعبين الإيراني واللبناني، في خطوة تعبّر عن التزامها العملي بنهج المرجعية الدينية العليا في مساندة الشعوب المتضررة ومدّ يد العون للمحتاجين أينما كانوا، وقد شهدت هذه المراكز إقبالًا واسعًا من المواطنين العراقيين بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم، حيث سُجّل تزايد ملحوظ في حجم التبرعات منذ الساعات الأولى لإعلان التوجيهات، بما يعكس عمق الاستجابة الشعبية وروح التضامن الإنساني.

وفيما يخص الساحة اللبنانية؛ فإنّ الحملات الإغاثية لم تكن حملة واحدة منفردة، بل جاءت من ضمن سلسلة مستمرة امتدت من عام 2024 حتى 2026، اعتمدت على منظومة متكاملة من قوافل الشاحنات الإغاثية، والمطابخ المركزية، والدعم الصحي المباشر، وقد شملت هذه الجهود إرسال قوافل مساعدات غذائية وطبية عَبرَ الأراضي السورية باتجاه لبنان والنازحين اللبنانيين، تضمنت آلاف السلال الغذائية، إلى جانب أكثر من 500 طن من المواد الإغاثية في قوافل متعددة.

وتضمّنت الخطة تشغيل مطابخ ميدانية لتأمين ما يصل إلى 10,000 وجبة يوميًّا للنازحين، فضلًا عن توسيع نطاق الدعم ليشمل تقديم مساعدات مالية، وأدوية، ومستلزمات طبية، فضلًا عن توفير خدمات الإيواء للعوائل النازحة عَبرَ الفنادق والمؤسّسات التابعة للعتبة العباسية المقدسة، بما يعكس شمولية الاستجابة الإنسانية وتكامل أدواتها.

أمّا على صعيد الدعم الموجّه إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فقد انطلقت أولى القوافل الإغاثية في اليوم 5 من نيسان/أبريل 2026 من مدينة كربلاء المقدسة، بعدد 38 شاحنة محمّلة بنحو 690 طنًا من المساعدات الإنسانية، توزّعت بين 670 طنًّا من المواد الغذائية و20 طنًّا من المستلزمات الطبية.

تلتها الحملة الثانية بتأريخ 22 أيار/مايو 2026، وتألّفت من 10 شاحنات حملت ما يقرب من 175 طنًّا من المساعدات، شملت مواد غذائية إضافية، وأجهزة ومستلزمات طبية، ومعدات خدمية، من بينها أجهزة تخصصية لدعم المراكز الصحية، وقامت العتبة بتزويد المستشفيات الإيرانية بـ 20 جهازًا لغسيل الكلى (الديلزة)، إلى جانب أجهزة ومعدات طبية أخرى، فضلًا عن إرسال آلية ثقيلة واحدة (شفل) للإسهام في الأعمال الميدانية والخدمية.

وفي سياق تعزيز البعد المؤسّسي للعمل الإغاثي، فتحت العتبة العباسية المقدسة مراكز خاصة في داخل العراق وخارجه لاستقبال تبرعات المواطنين العراقيين وتنظيم العملية وتوجيهها على وَفقِ الأولويات الإنسانية.

وبذلك، بلغت الحصيلة الإجمالية للحملتين الموجهتين إلى إيران 48 شاحنة إغاثية محمّلة بأكثر من 865 طنًّا من المساعدات الإنسانية والغذائية والطبية، فضلًا عن معدات طبية وخدمية مساندة.

فيما بلغ إجمالي المواد التي عبرت الحدود إلى لبنان وإيران 1,365 طنًّا من المساعدات الإغاثية المتنوّعة، ما يعكس حجم الجهد الإنساني المنظَّم الذي تبنّته العتبة العباسية المقدسة ضمن استجابتها للأزمات الإقليمية، وترسيخًا لدورها في ميادين الإغاثة العابرة للحدود.





راية الكفيل (عليه السلام) كانت حاضرة هناك.

حمل وفد العتبة العباسية المقدسة راية مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) خلال جولته الميدانية، في مشهد حمل دلالات روحية ومعنوية عميقة، انعكست بشكل واضح على الأهالي والجهات المستقبِلة على امتداد الطرق المؤدية إلى المدن والمراكز الإغاثية، حيث شكّل حضور الراية المباركة رمزًا للتواصل الروحي وإحياء قيم التضامن والتكافل الإنساني في لحظات الشدّة.

وخلال الجولة، قام الوفد بتفقد الجرحى وعوائل الشهداء المتأثرين بالأحداث الأخيرة، مقدّمًا لهم واجب المواساة والدعم المباشر، في إطار الحرص على تعزيز البعد الإنساني في العمل الإغاثي، والوقوف إلى جانب المتضررين نفسيًّا ومعنويًّا إلى جانب الدعم المادي.

و جرى تسليم المساعدات الإنسانية بشكل مباشر إلى الهلال الأحمر الإيراني، وذلك بالتنسيق مع مكتب المرجعية الدينية العليا في مدينة قم، بما يضمن إيصال الدعم عَبرَ القنوات الرسمية والإنسانية المعتمدة.

وشمل البرنامج كذلك لقاءً مع وكيل المرجعية الدينية العليا العام، السيد جواد الشهرستاني، حيث تم بحث آليات إيصال المساعدات بدقة وفاعلية، بالاعتماد على قاعدة بيانات متكاملة تُحدّد أولويات المتضررين واحتياجاتهم الفعلية، بما يضمن عدالة التوزيع ووصول الدعم إلى مستحقيه بأعلى درجات التنظيم والشفافية.



خلاصة القول

تجسّد هذه الحملات الإغاثية المتواصلة التي أطلقتها العتبة العباسية المقدسة نموذجًا راسخًا للعمل الإنساني العابر للحدود، حيث امتزج فيها الواجب الديني بالمسؤولية الأخلاقية، وتحوّلت إلى منظومة دعم متكاملة استجابت بسرعة وفاعلية للأزمات المتلاحقة في لبنان وإيران وغيرها من المناطق المتضررة.

وقد عكست هذه الجهود حضورًا إنسانيًّا فاعلًا يقوم على التخطيط والتنظيم وتكامل الأدوار، بما أسهم في إيصال المساعدات إلى مستحقيها والتخفيف من معاناتهم.

وتواصل هذه المبادرات، يؤكّد أنّ العمل الإغاثي ليس حدثًا عابرًا، بل مسارًا مستمرًا يعكس رؤية إنسانية شاملة، عنوانها الوقوف إلى جانب الإنسان أينما كان، وترسيخ قيم التضامن والعطاء التي تحفظها الذاكرة الإنسانية وتدوّنها صفحات التأريخ.