برنامج التنمية المستدامة في العتبة العباسية المقدسة (1)

هذه هي المقالة الأولى في سلسلة من المقالات التي يؤمل أن تغطي أعمال العتبة العباسية المقدسة في مجال أهداف التنمية المستدامة.

اهتمت العتبة العباسية المقدسة بالعمل على تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة ضمن خطتها لتحقيق 17 هدفًا، وقد أقرت هذه الأهداف في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 أيلول سبتمبر2015، وفي 1 كانون الثاني يناير 2016، أُدرجت أهداف التنمية المستدامة الـ 17 في خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

وتُصنف الأهداف الـ 17 إلى ثلاثة أبعاد أساسية وهي:

  • - الأبعاد الاجتماعية: وهي مجموع الأهداف التي تعالج المشكلة الاجتماعية التي أفرزتها سياسات دول العالم وسلوكياتها المتمثلة بحالات الفقر، وغياب العدالة بالتوزيع، والطبقية، وتراجع التعليم والصحة، وضمان السلام، وبناء مجتمعات مستدامة.
  • - الأبعاد الاقتصادية: والمتمثلة بمعالجة مشكلات التمايز الاقتصادي في العالم، وعدم المساواة في فرص العمل، وغياب الفرص المستدامة للنمو الاقتصادي.
  • - الأبعاد البيئية: وتشمل مشكلة توفير مياه نظيفة وصرف صحي وطاقة نظيفة وبأسعار معقولة، والحفاظ على النظم الإيكولوجية واستدامتها، بما في ذلك الحياة تحت الماء وعلى الأرض، واتخاذ إجراءات عاجلة لمكافحة تغير المناخ وتأثيراته، فضلًا عن تعزيز الاستهلاك والإنتاج المسؤولَين للموارد.

وتأتي هذه الخطة بعد أن أساءت دول العالم، ولا سيّما المتحكمة منها في التعامل مع هذه الأبعاد، وبروز الغايات الربحية والاحتكارية والسيطرة، وغيرها من المفاهيم السلبية التي استغرقت في ممارستها هذه الدول لسنوات أدت إلى تخريب النظام الطبيعي لكوكب الأرض، وقال حينها السيد بان كيمون الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق في وصفه لخطة تحقيق الأهداف: إنّها خطة عمل من أجل الناس، والكوكب، والسلام، والازدهار.

وعلى الرغم من الأخطار الملموسة لسياسات الاستغلال الجائر لموارد الأرض وما تركه من آثار سلبية في الأبعاد الثلاثة (الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية) على سكان الكوكب، فإنّ الإجراءات المتخذة لمعالجة آثارها ظلت محدودة، وتقدر تقارير الأمم المتحدة عجزها عن تحقيق أهداف الخطة حتى عام 2030.



ويأتي اهتمام العتبة العباسية المقدسة بالعمل على تحقيق هذه الأهداف انطلاقًا من:

  • - موقفها الشرعي من الاهتمام بهذه الأبعاد (الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية)، فقد شرع الإسلام قواعد كفيلة بالحفاظ على التوازن الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، وانطلاقًا من هذا الإيمان، فإنّ العتبة المقدسة بشروعها في العمل على تحقيق هذه الأهداف هو واجب شرعي قبل أن يكون خيارًا عالميًّا للعمل على تحقيق هذه الأهداف، وقد يكون التفصيل في هذا الموضوع مادة لمقال آخر يكمل سلسلة هذا البرنامج في العتبة المقدسة.
  • - سعيها للمبادرة في تشجيع باقي المؤسسات المحلية والخارجية للإسهام في تحقيق مستويات التنمية في المجتمعات الإنسانية: فقد نحت العتبة المقدسة منحى أصيلاً بها ينطلق من اهتمامها بالمشروعات (الريادية) التي تشجع فئات المجتمع ومؤسساتها الأخرى على النحو باتجاهه، ولاسيما إذا كان يمثل أهدافًا كبرى واستراتيجية.

وعلى أساس هذين المنطلقين، فقد بادرت العتبة العباسية المقدسة بعقد مؤتمر هو الأول من نوعه بالتعاون مع وزارة التخطيط، وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن العمل على تحقيق هذه الأهداف في مؤسسات الدولة العراقية الحكومية منها وغير الحكومية تحت عنوان: (رفاهية المستقبل بحماية الحاضر) لعرض التجارب المحلية وقصص النجاح في تطبيق أجندة 2030، وذلك في رحاب العتبة المقدسة في نهاية عام 2022م، وقد كان من نتائج هذا المؤتمر أنّ العتبة المقدسة كانت هي المؤسسة الوحيدة المشاركة في المؤتمر التي أسهمت في العمل على تحقيق الأهداف الـ 17 جميعها، وقادت المشاركين في جولة ميدانية في حقول تحقيق هذه الأهداف؛ رغبةً منها في إلهامها وتشجيعها على الوصول إلى مؤشرات إيجابية على تحقيق هذه الأهداف.

كما أعد قسم التطوير والتنمية المستدامة -في هذا المجال- وهو القسم المعني بهذا البرنامج، (لوحة قيادة أهداف التنمية المستدامة) خاصة بها، وهو منجز نوعي خاص بها، وقد بلغ عدد الغايات في هذه اللوحة 57 غاية، فيما بلغ عدد المؤشرات فيها 167 مؤشرًا، وفي عام 2025م فقد عملت أقسام العتبة العباسية المقدسة بعد تدريب منسقين في أقسامها الإدارية وشركاتها ومواقعها الخارجية على تسجيل البيانات الخاصة بكل جهة، بما يسهم في تحقيق هذه الغايات والمؤشرات المرتبطة بها في كل ثلاثة أشهر، وتم تفريغ النتائج وصار لديها تقرير هو الأول من نوعه -حسب علمنا- ليكون هاديًا لقراراتها وإجراءاتها للأعوام القادمة، وتستعد العتبة المقدسة لعرض هذا التقرير في الأيام القادمة، وهو موضوع مقال آخر بإذنه تعالى.


د. محمد حسن جابر
رئيس قسم التطوير والتنمية المستدامة