مِنْ كَرْبَلاءَ إلى العالَم: كيفَ صَنَعَتْ واقعةُ الطَّفِّ إرثًا إنسانيًّا عابرًا للحدود؟

ببليوغرافيا عاشوراء حول العالم: كيف توحِّد ذاكرةُ الطفِّ شعوبًا وثقافاتٍ؟

ليست عاشوراء مناسبةً تعبر أيام التقويم ثم تنقضي، بل ذاكرةٌ حيّة تتنقّل مع المؤمنين أينَ ما ارتحلوا، فتغدو المدن محطاتٍ للرواية، والطرقات مسارح للولاء، والمجالس خزائن تحفظ الحكاية الأولى.

ومن الشرق إلى الغرب، تتبدّل اللغات والوجوه والأمكنة، لكن المشهد يبقى وفياً لجوهره؛ ذكرى تستعيد كربلاء كل عام، وتنسج من اختلاف البيئات وحدةً روحية تتجاوز الجغرافيا والحدود.

وعلى امتداد قارات العالم، تُحيى شعائر شهر محرّم وذكرى عاشوراء بعلى نحو متعدد، تفرضها طبيعة المجتمعات وأنظمتها ومساحات الحرية فيها.

ففي بعض البلدان تتجلى بمواكب مليونية تملأ الساحات والشوارع، وفي أخرى تنحصر في المجالس الحسينية واللقاءات المغلقة، لكنّ اختلاف الممارسة لا يمسّ وحدة الرسالة؛ فالشعائر، مهما تنوّعت أشكالها، تظل جسراً يصل الحاضر بذاكرة الطف، ويؤكد استمرار حضورها في وجدان الأجيال.



من كربلاء إلى العالم

لم تولد الشعائر العاشورائية بوصفها طقوسًا مكتملة الأركان، بل تشكلت عبر مسار تاريخي طويل بدأ بالحزن الفطري على فاجعة كربلاء، ثم تطور تدريجيًا إلى منظومة من المجالس والمواكب والشعائر التي انتشرت في أنحاء العالم الإسلامي، قبل أن تعبر إلى القارات الأخرى مع الهجرات وتشكّل الجاليات الشيعية.

وتعود البدايات إلى ما أعقب واقعة الطف عام 61 هـ، حين ارتبطت أولى مظاهر العزاء بما نُقل عن السيدة زينب بنت علي (عليهما السلام) والإمام علي بن الحسين السجاد (عليهما السلام) في إحياء ذكرى المأساة، سواء في الكوفة أو دمشق، عبر الخطب واستذكار أحداث كربلاء.

وبعد أعوام قليلة، شكّل خروج حركة التوابين إلى قبر الإمام الحسين (عليه السلام) عام 65 هـ إحدى أولى صور التجمع الجماعي المرتبط بإحياء الذكرى.

وخلال العهدين الأموي وبدايات العصر العباسي، اقتصرت المجالس على التجمعات الخاصة في بيوت أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، إذ كانت قصائد الرثاء تُتلى بعيدًا عن أعين السلطة، بسبب ظروف الملاحقة السياسية.

فيما شهد القرن الرابع الهجري نقطة تحول بارزة، عندما أُعلنت مراسم عاشوراء على نحوٍ رسمي في بغداد عام 352 هـ/963م في عهد الدولة البويهية، حينما أُغلقت الأسواق وخرجت مواكب العزاء في الشوارع للمرة الأولى برعاية السلطة، لتصبح المناسبة حدثًا عامًا بعد أن ظلت قرونًا محصورة في النطاق الخاص.

وفي مصر الفاطمية، اكتسبت عاشوراء طابعًا رسميًا ضمن شعائر الدولة، فأقيمت المجالس، وعُلقت مظاهر الحداد، ونُظمت موائد الطعام للفقراء، في واحدة من أوائل التجارب التي دمجت بين الطقوس الدينية والرعاية الاجتماعية.

أما في البحرين والقطيف، فقد اتسعت دائرة الشعائر ابتداءً من العصر الصفوي مع بناء المآتم والحسينيات، قبل أن تشهد تطورًا ملحوظًا في القرنين التاسع عشر والعشرين بظهور المنبر الحسيني بصورته الحديثة.

وفي جبل عامل بلبنان، أقيمت المجالس لأعوام طويلة على نحوٍ محدودة نتيجة الظروف السياسية، ثم بدأت بالظهور العلني تدريجيًا حتى استقرت المواكب الحسينية في مدن الجنوب اللبناني مطلع القرن العشرين.

ومع قيام الدولة الصفوية مطلع القرن السادس عشر، دخلت الشعائر في إيران مرحلة جديدة من التنظيم، فظهرت التكايا، وتطورت المجالس، ونشأت عروض التعزية التي جسدت أحداث كربلاء بأسلوب مسرحي، إلى جانب المواكب المنظمة.

وفي شبه القارة الهندية، انتقلت الشعائر عبر السلاطين الشيعة، قبل أن تزدهر على نحوٍ كبير في مدينة لكناو خلال القرن الثامن عشر، حينما شُيدت الحسينيات الكبرى، وظهرت تقاليد حمل "التعزية" التي أصبحت جزءًا من التراث العاشورائي المحلي.

ووصلت الشعائر إلى شرق أفريقيا خلال القرن التاسع عشر مع هجرة التجار والبحارة من الهند وعُمان، فتأسست الحسينيات في زنجبار وتنزانيا، وأصبحت مراكز لإحياء عاشوراء والعمل الخيري.

وفي نيجيريا، برزت مراسم عاشوراء بصورتها الواسعة منذ ثمانينيات القرن العشرين، مع توسع نشاط الحركة الإسلامية، لتتحول إلى مسيرات جماهيرية كبيرة.

أما في أوروبا والأمريكتين، فقد ارتبط انتشار الشعائر بموجات الهجرة بعد منتصف القرن العشرين، حيث أسست الجاليات العراقية واللبنانية والإيرانية الحسينيات والمراكز الإسلامية، ثم خرجت المواكب إلى الشوارع في عدد من العواصم الغربية بعد الحصول على التراخيص الرسمية، لتغدو عاشوراء مناسبة دينية وثقافية تحضر في المشهد العام، محتفظة برسالتها رغم اختلاف البيئات واللغات.



طقوس عاشوراء في الدول العربية

في العراق، لم تكن الشعائر الحسينية مجرد طقوس موسمية ارتبطت بيوم العاشر من محرّم، بل تشكلت عبر أربعة عشر قرنًا بوصفها ذاكرةً جمعية قاومت محاولات الطمس، وتحولت من دموع ذرفتها نساء آل البيت ( عليهم السلام ) بعد فاجعة كربلاء إلى واحدة من أوسع الظواهر الدينية والاجتماعية في العالم.

تبدأ الحكاية عام 61 للهجرة (680م)، عندما انتهت معركة الطف باستشهاد الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه.

لم يكن ذلك اليوم نهاية المعركة بقدر ما كان بداية لولادة الوعي العاشورائي؛ إذ تولت السيدة زينب بنت علي والإمام علي بن الحسين السجاد (عليهما السلام) مهمة نقل تفاصيل المأساة إلى الناس من خلال خطبتيهما في الكوفة ودمشق، فجرى التأسيس لأول خطاب يوثق الواقعة ويمنع تغييبها عن الذاكرة الإسلامية.

وبعد أربع أعوام ، شهد العراق أول تجلٍ جماهيري لهذه الذاكرة، عندما خرج التوابون بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي عام 65هـ إلى قبر الإمام الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء، معلنين ندمهم على عدم نصرته، في زيارة يصفها مؤرخون بأنها أول تجمع منظم ارتبط بإحياء ذكرى عاشوراء.

لكن هذا الحضور لم يدم طويلًا في الفضاء العام، فخلال العصرين الأموي والعباسي الأول، خضعت الشعائر لرقابة سياسية صارمة، وتحولت المجالس إلى لقاءات محدودة تقام داخل البيوت، بينما تولى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والشعراء مهمة إبقاء القضية حيّة في الوجدان من خلال الرثاء والحديث عن كربلاء، بعيدًا عن أعين السلطة التي كانت تنظر إلى أي تجمع يحمل اسم الحسين بوصفه فعلًا سياسيًا.

وظلت الشعائر حبيسة البيوت حتى جاء التحول الكبير عام 352هـ (963م)، حين أصدر الأمير البويهي معز الدولة أمرًا بإحياء عاشوراء علنًا في بغداد، فأغلقت الأسواق، وارتدى الناس السواد، وخرجت مواكب العزاء لأول مرة تحت حماية الدولة.

ويعد هذا الحدث نقطة الانطلاق الحقيقية للشعائر بصورتها الجماهيرية، ومنها انتقلت إلى مدن العراق ثم إلى بقية العالم الإسلامي.

وعلى الرغم من ذلك، لم تعرف الشعائر استقرارًا دائمًا، فقد تعاقبت على العراق سلطات تفاوتت مواقفها بين التسامح والتضييق، ولا سيما في بعض مراحل الحكم العثماني، حيث فُرضت قيود على المواكب والتجمعات في أوقات مختلفة، وإن بقيت كربلاء والنجف تحتفظان بدورهما في رعاية المجالس الدينية والمنبر الحسيني.

وفي العصر الحديث، دخلت الشعائر واحدة من أصعب مراحلها، فبعد وصول حزب البعث إلى السلطة، بدأت إجراءات الحد من المواكب الحسينية تتوسع تدريجيًا، حتى جاءت انتفاضة صفر عام 1977، حين خرج آلاف الزائرين سيرًا على الأقدام من النجف إلى كربلاء لإحياء أربعينية الإمام الحسين ( عليه السلام) ، فقوبلت المسيرة بالقوة، وأُعدم عدد من المشاركين وسُجن المئات، لتصبح تلك الحادثة واحدة من أبرز محطات الصدام بين السلطة والشعائر الحسينية.

ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، اتسعت دائرة المنع، فحُظرت المواكب الحسينية ومسيرات الأربعين، وأغلقت حسينيات، واعتُقل خطباء ورواديد، ومنعت ركضة طويريج التي كانت قد أصبحت من أبرز الشعائر الشعبية في كربلاء.

ولم يقتصر الأمر على المنع الإداري، بل امتد إلى الملاحقة الأمنية لكل نشاط ديني يُنظر إليه بوصفه تجمعًا جماهيريًا خارج سيطرة الدولة.

وعلى رغم من ذلك، استمرت المجالس داخل البيوت، وحافظت الأسر العراقية على إحياء عاشوراء سرًا، في مشهد يعكس قدرة الذاكرة الدينية على البقاء رغم القمع.

شكّل عام 2003 نقطة تحول تاريخية؛ إذ عادت الشعائر إلى الفضاء العام بعد أكثر من عقدين من القيود المشددة.

ففي عاشوراء الأولى بعد سقوط النظام، تدفق إلى كربلاء ما يقدَّر بنحو مليون زائر، وهو رقم لم يكن ممكنًا في العقود السابقة.

وخلال السنوات اللاحقة، شهدت الزيارة نموًا متسارعًا، إذ تجاوز عدد المشاركين مليوني زائر عام 2004، وارتفع إلى نحو ثلاثة ملايين عام 2005، ثم تجاوز خمسة ملايين في العقد التالي، فيما قُدِّر عدد زوار عاشوراء في السنوات الأخيرة بأكثر من ستة ملايين زائر، مع مشاركة آلاف المواكب العزائية والخدمية القادمة من مختلف المحافظات العراقية وعشرات الدول.

وأصبحت ركضة طويريج، التي تُقام ظهر العاشر من محرّم، أكبر تجمّع عزائي منظم في العالم، إذ يشارك فيها سنويًا ملايين المعزين الذين يقطعون المسافة بين منطقة قنطرة السلام ومرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، محاكين استجابة قبيلة بني أسد وأنصار الإمام لنداء "وا حسيناه" بحسب الموروث الشعبي.

ولا تقتصر الشعائر العراقية على المواكب واللطم، بل تمتد إلى منظومة اجتماعية متكاملة؛ فآلاف المواكب الخدمية تتولى توفير الطعام والشراب والإيواء والرعاية الصحية مجانًا للزائرين، فيما تتحول مدن كربلاء والنجف والكاظمية إلى ورش عمل تطوعية يشارك فيها مئات الآلاف من المتطوعين، لتغدو عاشوراء مناسبة تتداخل فيها القيم الدينية مع التكافل الاجتماعي والعمل الإنساني.

وهكذا، فإن رحلة الشعائر الحسينية في العراق لم تكن انتقالًا من الماضي إلى الحاضر فحسب، بل كانت مسيرةً طويلة من الصمود؛ بدأت بخطبة في مجلس يزيد، ثم بمجلس صغير في بيت، قبل أن تتحول، بعد أربعة عشر قرنًا، إلى أكبر حضور جماهيري سنوي يستحضر كربلاء بوصفها حدثًا تاريخيًا، وقيمة أخلاقية، وهويةً ثقافية ما تزال تتجدد مع كل عاشوراء.

وفي لبنان، ارتبطت الشعائر الحسينية بتاريخ الطائفة الشيعية في جبل عامل، حيث شكّلت المجالس العاشورائية، على مدى قرون، إحدى أبرز وسائل الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية في ظل التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة.

وتتركز التجمعات الكبرى لإحياء عاشوراء في الضاحية الجنوبية لبيروت، والنبطية، وصور، وبنت جبيل، ومرجعيون، وقرى الجنوب والبقاع.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن البدايات المنظمة للشعائر في جبل عامل تعود إلى القرن السابع عشر، عندما أقام العالم الشيعي الشيخ الحر العاملي مجالس العزاء في بلدته جباع نحو عام 1640م، في وقت كانت فيه الأوضاع السياسية والأمنية لا تسمح بإقامة المراسم على نطاق واسع.

ولهذا اقتصرت المجالس آنذاك على البيوت، والزوايا الدينية، وبعض الكهوف والمغارات في القرى الجبلية، حفاظًا على المشاركين من الملاحقة، في ظل ظروف شهدت فترات من التضييق خلال العهد العثماني، وإن اختلفت شدتها باختلاف الولاة والظروف المحلية.

ومع أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأت الشعائر تخرج تدريجيًا إلى الفضاء العام، مستفيدةً من تراجع القيود السياسية ونمو الحوزات العلمية في جبل عامل، لتشهد مدن الجنوب أولى المواكب المنظمة.

وكانت النبطية من أوائل المدن التي رسّخت تقليد المواكب العاشورائية العلنية، حتى أصبحت لاحقًا أحد أبرز مراكز إحياء عاشوراء في لبنان.

وخلال العقود اللاحقة، ولا سيما بعد استقلال لبنان عام 1943، توسعت المجالس الحسينية، وانتشرت الحسينيات في القرى والمدن، وأخذ المنبر الحسيني مكانته بوصفه مؤسسة دينية وثقافية، فيما أسهمت الهجرة الداخلية نحو بيروت في نقل الزخم العاشورائي إلى الضاحية الجنوبية، التي أصبحت اليوم تستضيف واحدة من أكبر التجمعات العزائية في البلاد.

وتتميّز الشعائر اللبنانية بطابعها المنظم، إذ تتصدرها المسيرات المركزية التي يشارك فيها عشرات الآلاف من المعزين، إلى جانب مجالس قراءة المقتل الحسيني والمحاضرات الدينية والأمسيات الشعرية.

كما تحتفظ مدينة النبطية بخصوصيتها من خلال التشابيه، وهو عرض مسرحي يجسّد أحداث واقعة الطف، ويُعد من أقدم أشكال التمثيل العاشورائي المستمر في المشرق العربي، وقد تحول إلى جزء من الذاكرة الثقافية للمدينة.

وخلال العقود الأخيرة، تطورت الشعائر في لبنان من مناسبات محلية إلى فعاليات ذات حضور وطني وإعلامي واسع، إذ تتكامل فيها المواكب، ومجالس العزاء، والأنشطة الثقافية والخدمية، لتغدو عاشوراء حدثًا سنويًا يجمع بين البعد الديني، واستحضار الذاكرة التاريخية، والعمل الاجتماعي، في مشهد يعكس استمرار الإرث الحسيني في الحياة اللبنانية.

في البحرين، تتمركز الشعائر في العاصمة المنامة، خصوصًا في أحياء رأس رمان والمخارقة، فضلاً عن السنابس والدراز والدير، وغيرها من القرى ذات الكثافة السكانية الشيعية.

هناك، لا تُختزل عاشوراء في يوم أو مناسبة، بل تتحول إلى موسم اجتماعي وديني ممتد داخل المآتم الحسينية التي تشكل البنية الأساسية للإحياء، حيث تُقام المجالس والخطب والمراثي، وتُتلى قصائد شعراء المآتم الذين أسسوا لمدرسة شعرية محلية مرتبطة بالمنبر الحسيني.

ومع حلول أيام عاشوراء، تتحول شوارع المنامة إلى مسارح مفتوحة للمواكب العزائية، إذ تخرج مواكب اللطم على نحوٍ متتابع ومتصل، في مشهد يدمج بين التنظيم الشعبي والبعد التعبوي للمناسبة، بينما تتداخل الأصوات والرايات والقصائد في نسيج واحد يعكس عمق الحضور العاشورائي في الوعي الاجتماعي البحريني.

ويُشار تاريخيًا إلى أن هذا الحضور تعزز تدريجيًا منذ القرن التاسع عشر مع ترسخ نظام “المآتم” بوصفه مؤسسة اجتماعية ودينية، ما أتاح للشعائر أن تأخذ طابعًا أكثر تنظيمًا واستمرارية داخل المجال العام.

أما في السعودية، فتتوزع الطقوس العاشورائية في المنطقة الشرقية، إذ تشكّل محافظتا القطيف والأحساء المركزين الأبرز لإحيائها.

هناك تُقام المجالس داخل الحسينيات والمراكز الدينية، فيما تُنظم مواكب عزاء شعبية في شوارع القرى والأحياء الداخلية، تترافق مع قراءة المقتل الحسيني وإلقاء المراثي وتوزيع الطعام على المشاركين، في مشهد يجمع بين البعد الروحي والاجتماعي.

وتشير الذاكرة المحلية إلى أن هذه الشعائر امتدت عبر قرون طويلة في المنطقة، إذ كانت تُمارس داخل البيوت في فترات سابقة، قبل أن تتوسع تدريجيًا إلى فضاءات أكثر تنظيمًا داخل الحسينيات خلال العقود الأخيرة، بما يعكس تحولًا في شكل الممارسة مع بقاء جوهرها مرتبطًا بإحياء ذكرى عاشوراء واستحضار واقعة الطف.

في الكويت، تتخذ الشعائر العاشورائية طابعًا يجمع بين الاستمرارية الاجتماعية والتنظيم المؤسسي الهادئ، ومن هنا يشكّل الشيعة ما يقارب 20 إلى 25 في المئة من المواطنين، وتتركز المجالس الحسينية في عدد من المناطق التي ارتبطت تاريخيًا بالحضور العائلي والتجاري للعوائل الشيعية، مثل بنيد القار، الرميثية، الدسمة، ومنطقة الشرق.

تُقام المراسم في الكويت داخل الحسينيات التي تُعد الامتداد الأبرز للتجمع الديني والاجتماعي، حيث تُقرأ السيرة الحسينية ومقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، وتُلقى الخطب والمراثي التي تحافظ على الطابع التقليدي للمنبر، إلى جانب مظاهر الضيافة التي تُعرف محليًا بـ (" بركة الحسين")، وهي امتداد لثقافة الإطعام والتكافل المرتبطة بالمناسبة.

وتتميز البيئة الكويتية أيضًا بدرجة عالية من التنظيم الأمني حول هذه الفعاليات، ما يجعلها تقام ضمن إطار منضبط يوازن بين خصوصية الطقس الديني ومتطلبات السلامة العامة، دون أن يؤثر ذلك على استمرارها السنوي وحضورها الاجتماعي الواسع داخل المجتمع المحلي.

وتعود البدايات المنظمة لهذه الشعائر في الكويت إلى مطلع القرن العشرين، حين أسهمت هجرات العائلات التجارية الشيعية في تأسيس أولى الحسينيات الثابتة، لتتحول تدريجيًا من تجمعات منزلية محدودة إلى مؤسسات دينية واجتماعية مستقرة.

ومع مرور الزمن، أصبحت هذه الحسينيات جزءًا من النسيج الحضري للكويت، تحافظ على طقوس عاشوراء بوصفها ممارسة دينية وثقافية ممتدة في الذاكرة المحلية، تتوارثها الأجيال في إطار من الاستمرارية والهدوء التنظيمي.

في اليمن، تتخذ عاشوراء مسارًا مختلفًا عن كثير من البيئات الإسلامية الأخرى، إذ يغلب عليها الطابع الفكري والوعظي، أكثر من كونها شعائر جماهيرية ذات طقوس حسية.

تقوم المراسم في جوهرها على المحاضرات الدينية والندوات الخطابية التي تستحضر ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفها أنموذجاً لمقاومة الظلم، مع إبراز بعدها السياسي والأخلاقي في الفكر الإسلامي.

وتُقدَّم هذه الفعاليات غالبًا داخل المساجد والمراكز الثقافية، دون حضور لمظاهر اللطم أو التطبير أو المواكب الشعبية بالمعنى الشائع في بلدان أخرى، ما يمنحها طابعًا تأمليًا يؤكّد على الفكرة أكثر من الشكل.

ويعود هذا النمط في الإحياء إلى الجذور التاريخية للفكر الزيدي، الذي ارتبط منذ وقت مبكر بفكرة القيام ضد الظلم، وهو ما انعكس في قرون لاحقة على طريقة استحضار واقعة كربلاء، بوصفها امتدادًا لثورات أهل البيت (عليهم السلام).

ومع تأسيس الدولة الهادوية في القرن الثالث الهجري، ترسخ هذا الفهم في البيئة اليمنية، ليصبح إحياء عاشوراء جزءًا من خطاب ديني–سياسي يربط الماضي بالحاضر.

ومع تطور الزمن، ظل هذا النمط قائمًا مع اختلاف السياقات السياسية والاجتماعية، لكنه حافظ على جوهره بوصفه مناسبة لاستحضار كربلاء رمزاً للعدالة ورفض الاستبداد، أكثر من كونه موسمًا للطقوس الاحتفالية أو الاستعراضية، ما يمنح التجربة اليمنية خصوصية واضحة داخل المشهد العاشورائي في العالم الإسلامي.

في مصر، لا تحضر عاشوراء بوصفها موسمًا شعائريًا جماهيريًا كما في بعض البلدان، بل تظهر في صورة رمزية هادئة، تتداخل فيها الزيارة الفردية، والبعد الروحي، والامتداد التاريخي لذاكرة طويلة تعود إلى قرون مضت.

يُعد مسجد الإمام الحسين ( عليه السلام ) في القاهرة، في قلب حي الجمالية، أبرز نقطة ارتكاز رمزية لذكرى عاشوراء، حينما تتوافد مجموعات صغيرة من الزائرين خلال شهر محرّم، لقراءة الفاتحة، والدعاء، واستحضار سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) في أجواء يغلب عليها الطابع الفردي أو العائلي، بعيدًا عن المظاهر الجماهيرية الواسعة.

كما تشارك بعض الطرق الصوفية في إحياء المناسبة عبر الأوراد والمدائح التي تستلهم البعد الروحي لشخصية الإمام الحسين ( عليه السلام ) بوصفه رمزًا للتضحية والزهد والعدل.

وتحمل الذاكرة التاريخية في مصر بُعدًا أكثر كثافة، إذ تعود أبرز صور الإحياء العلني إلى العصر الفاطمي، حين كانت القاهرة تشهد مظاهر حداد رسمية في يوم عاشوراء، تُغلق فيها الأسواق، وتُقام المواكب، وتُوزع الأطعمة على الفقراء، في واحدة من أوضح مراحل تحول المناسبة إلى طقس دولتي منظم في العالم الإسلامي.

ومع انتهاء العصر الفاطمي، تراجع الطابع السياسي والاحتفالي للمناسبة، ليحل محله نمط اجتماعي أكثر هدوءًا، تراكمت خلاله بعض العادات الشعبية، مثل ارتباط يوم عاشوراء بصناعة وتوزيع حلوى عاشوراء التي أصبحت جزءًا من الثقافة الغذائية الشعبية، منفصلة إلى حد كبير عن بعدها التاريخي الأصلي.

وهكذا، تبقى عاشوراء في مصر مساحة رمزية تتقاطع فيها الذاكرة التاريخية مع الممارسة الروحية المحدودة، حيث لا تغيب كربلاء عن الوعي الثقافي، لكنها تحضر بصوت منخفض، يتردد في المقامات والأدعية أكثر مما يتجسد في المواكب والشوارع.

وتتميز سلطنة عُمان ببيئة تسامح ديني وتشريعي عالية تحمي حرية العبادة لكافة المكونات، إذ يمارس الشيعة طقوسهم العاشورائية بحرية لافتة ودون أي قمع ممنهج؛ وتعد مدينة مسقط وخاصة حي اللواتية في منطقة مطرح، إلى جانب مناطق في محافظة الباطنة كصحار والخابورة، المحاضن الرئيسة لهذه المناسبة.

وتخرج في عاشوراء مواكب عزاء سيّارة ضخمة يشارك فيها الآلاف وسط تنسيق أمني مباشر مع الشرطة العُمانية التي تتولى تنظيم السير وإغلاق الطرق الفرعية المؤدية للمآتم الكبيرة مثل مأتم الجندول والمآتم الحسينية الكبيرة، وتقتصر القيود الحكومية هنا على الجوانب التنظيمية المرورية، وحظر الشعارات السياسية، ومنع المظاهر التي تؤثر على السكينة العامة خارج أسوار النطاق التقليدي للمناسبات الدينية.

فيما تنتهج دولة الإمارات العربية المتحدة سياسة أمنية وتفتيشية حازمة تجاه إحياء عاشوراء، وتتركز الفعاليات في الحسينيات المرخصة رسمياً بمدينتي دبي والشارقة مثل الحسينية الحيدرية في منطقة بر دبي.

ويشارك الآلاف في المجالس الخطابية والمحاضرات الداخلية، بينما تمنع السلطات الإماراتية تماماً تسيير أي مواكب عزاء أو مسيرات لطم في الطرقات والشوارع العامة، وتطبق نظاماً صارماً للتصاريح السنوية يمنع الخطباء الوافدين من التطرق للسياسة وتمنع إظهار معالم الحزن كالرايات السوداء على واجهات المباني الخارجية.

تتشابه دولة قطر مع جارتها الإمارات في حظر المظاهر الخارجية لعاشوراء، وتقتصر الأنشطة العزائية هناك على عدد محدود جداً من الحسينيات والمجالس الخاصة داخل العاصمة الدوحة مثل حسينية الرسول الأعظم.

وتفرض السلطات القطرية إقامة الطقوس حصراً داخل الأبنية المغلقة وبأصوات منخفضة لا تخرج إلى المحيط الخارجي، وتخضع هذه المقار لترخيص مشدد وتفتيش مستمر من الأجهزة الأمنية لضمان عدم خروج أي مسيرات في الشوارع، وضمان عدم تحول المناسبة الدينية إلى منبر للمواقف السياسية.

فيما كانت تحظى الطقوس العاشورائية في الجمهورية العربية السورية بدعم وحماية وتسهيلات رسمية كاملة سابقا ، وتعدّ دمشق ولاسيما محيط مقام السيدة زينب ( عليها السلام ) وحي الأمين بالشاغور، إلى جانب حلب وحمص وقريتي نبل والزهراء ( عليها السلام ) ، أهم مراكز العزاء.

وتخرج في هذه المناطق عشرات المواكب الضخمة بمشاركة عشرات الآلاف سنوياً إذ تُغطى أحياء كاملة بالسواد والرايات، ولا توجد أي قيود أو منع حكومي آنذاك بل توفر الأجهزة الأمنية الحماية للمواكب، وتقتصر التدابير على الجوانب الاحترازية خشية تعرض التجمعات لهجمات تفجيرية من جماعات مسلحة.

أما المملكة الأردنية الهاشمية فهي تفرض حظراً كلياً وصارماً على إقامة شعائر عاشوراء العلنية في الشوارع أو تأسيس حسينيات شيعية فوق أراضيها، وتقتصر الطقوس على مجالس عزاء منزلية ضيقة وخاصة جداً، وتفرض الأجهزة الأمنية الأردنية رقابة مشددة على منطقة مزارات الصحابة في محافظة الكرك لمنع تحويل زيارة مقام الصحابي جعفر بن أبي طالب ( رضوان الله تعالى عليه ) في بلدة المزار الجنوبي إلى مسيرات عزاء أو لطم، وتتخذ السلطات إجراءات حازمة تشمل الترحيل الفوري لأي زوار وافدين يحاولون ممارسة هذه الشعائر علناً بحجة الحفاظ على الهوية السنية والنسيج الاجتماعي للبلاد.

فيما تنعدم الطقوس العاشورائية تماماً في دولة فلسطين لعدم وجود بيئة ديموغرافية أو مذهبية تسمح بذلك، ، واستمرت محاولات جماعات شيعية صغيرة جداً في قطاع غزة -مثل حركة الصابرين سابقاً -لإحياء مجالس عزاء خاصة لسنوات محدودة قبل أن تقوم حركة حماس بحظر ومنع أي نشاط أو تجمع شيعي وملاحقة أفراده أمنياً لمنع التغلغل المذهبي؛ أما في الضفة الغربية، فلا تتوافر أي حسينيات أو مواكب علنية وترفض السلطة الفلسطينية والمجتمع المحلي أي مظهر عزائي.

كما حظرت جمهورية السودان كافة المظاهر الشيعية ومظاهر إحياء عاشوراء العزائية منذ عام 2014 ، بعد أن كانت هناك مجموعات صغيرة جداً من الشيعة بدأت بالظهور في التسعينات؛ وتحولت مناسبة عاشوراء في السودان كلياً إلى الصيام والذكر، وتُجابه الحكومة أي محاولة لإقامة عزاء حسيني علني أو سري بالملاحقة الأمنية بتهمة إثارة الفتنة الطائفية، وتزيد ظروف الحرب الداخلية الحالية من انعدام أي إمكانية لمثل هذه التجمعات.

فيما تخلو دولة ليبيا من أي وجود شيعي معلن وتكاد النسبة تكون معدومة تماماً، حيث يسيطر التوجه المالكي والصوفي والسلفي على المظاهر الدينية في البلاد؛ ويُمنع إقامة أي شعائر عاشورائية حزينة كاللطم أو المجالس منعاً باتاً بقرار من السلطات والأجهزة الأمنية في شرق البلاد وغربها، وتعدّ الأجهزة الاستخباراتية والأمنية الليبية أي ترويج للمذهب الشيعي أو محاولة إحياء عزاء حسيني تهديداً مباشراً للأمن القومي يتطلب الاعتقال والملاحقة الفورية، وتقتصر عاشوراء في الوعي الجمعي الليبي على الصيام والعادات الاجتماعية السنية ، باستثناء بعض العوائل الليبية التي دخلت حديثًا في التشيع ، وكانوا يقيمون مجالس العزاء في الحسينية التابعة للسفارة الايرانية في داخل السفارة مع بقية الجاليات في ليبيا.

كما تمنع الجمهورية التونسية إقامة أي مواكب عزاء في الشوارع أو إنشاء مآتم رسمية عاشورائية وتحتفظ بعض العائلات التونسية بعادات ثقافية فاطمية قديمة حزينة كالامتناع عن إقامة حفلات الزواج في عاشوراء ، بينما يقتصر الاحتفال الوطني بعاشوراء على الصيام ، وتخضع أي لقاءات أو مجالس عزاء خاصة في البيوت لرقابة أمنية مشددة وتتدخل السلطات التونسية فوراً لمنعها وتفكيكها إذا تحول النشاط الفردي إلى تنظيم ديني معلن خارج المرجعية السنية.

وفي الجزائر تتبنى وزارة الشؤون الدينية والأوقاف سياسة صارمة لحماية المرجعية الدينية الوطنية المالكية، مما يجعل طقوس عاشوراء الشيعية ممنوعة ومجرمة قانوناً، وتحتفل الجزائر بعاشوراء بوصفه عيداً دينياً رسمياً ويوم عطلة وطنية تُدفع فيه أموال الزكاة عبر صندوق الزكاة الحكومي ويصام فيه اليوم، وتمنع القوانين الجزائرية تماماً اللطم أو العزاء الميداني وترصد الأجهزة الأمنية أي تحركات على منصات التواصل وتداهم التجمعات الخاصة بتهمة تأسيس جمعية دينية وعقد اجتماعات دون ترخيص.

كما ويُجرم القانون المغربي كل ما يهدد الأمن الروحي للمغاربة القائم على المذهب المالكي وإمارة المؤمنين، وبناءً عليه يُمنع منعاً قاطعاً ممارسة أي طقوس شيعية لعاشوراء في الفضاء العام؛ وتقتصر أعداد الشيعة في المغرب على مجموعات محدودة ومشتتة جغرافياً من المستبصرين الجدد، وترتبط عاشوراء في الثقافة المغربية بعادات شعبية سنية وفلكلورية تسمى زمزم وتوزيع اللعب على الأطفال وشراء الحلوى، وتلاحق السلطات المغربية الخلايا الشيعية وتمنع دخول الكتب والمطبوعات المرتبطة بالطائفة الشيعية وتعدّ اللطم والعزاء الحزين خطاً أحمر يعرض أصحابه للمحاكمة القضائية الفورية.

وفي موريتانيا يخلو المجتمع من أي وجود شيعي أو طقوس حسينية إطلاقاً، إذ يتشكل المجتمع الموريتاني بالكامل من المذهب المالكي؛ وتمثل عاشوراء في موريتانيا يوماً تعبدياً خالصاً للصيام وقراءة القرآن والتوسعة الاقتصادية على العيال، وتمنع القوانين والمنظومة الأمنية الموريتانية السائدة أي نشاط أو طقوس تخالف المذهب السائد في البلاد، مما يجعل وجود الفعاليات العاشورائية الشيعية في هذا البلد منعدمة تماماً.



الإمام الحسين ( عليه السلام ) وثورته: إشكالية السلطة أمام خطاب الرفض

لم تكن كربلاء حدثًا عابرًا في سجل التاريخ الإسلامي، بل لحظةً فارقة أعادت تعريف العلاقة بين السلطة والقيم، بين الحكم والعدالة، وبين شرعية القوة وشرعية الموقف الأخلاقي.

فمنذ أن قال الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) كلمته الشهيرة في رفض بيعة الظلم، تشكّل في الوعي الإسلامي أنموذجٌ ثوريّ يقوم على مبدأ أن السلطة حين تنحرف عن العدل تفقد مشروعيتها الأخلاقية، مهما امتلكت من قوة أو نفوذ.

هذا المعنى الجوهري في الثورة الحسينية جعلها تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتصبح رمزًا دائم الحضور في الذاكرة الدينية والسياسية.

فالإمام الحسين ( عليه السلام ) لم يُقرأ بوصفه شخصية تاريخية فحسب، بل بوصفه موقفًا إنسانيًا مطلقًا من الاستبداد، يضع الإنسان أمام سؤال دائم: أين يقف حين يُطلب منه الصمت عن الباطل؟

ومن هنا، اكتسبت الشعائر العاشورائية امتدادها العميق، إذ لم تعد مجرد طقوس حداد، بل مساحة لاستعادة خطاب الرفض الأخلاقي للظلم، وإحياء فكرة " الامتناع عن المبايعة" كقيمة تتجاوز سياقها التاريخي.

وفي هذا الإطار، تتعامل بعض الأنظمة الحديثة بحساسية مع هذا البعد الرمزي، ليس من زاوية الشعائر في ذاتها، بل من زاوية قدرتها على إنتاج وعيٍ جماعي يستحضر مفاهيم المقاومة والاعتراض على الظلم السياسي أو الاجتماعي.

هذا التوتر لا يُقرأ بوصفه صدامًا دينيًا، بل بوصفه تداخلًا بين الذاكرة الدينية وبنية السلطة الحديثة؛ فكل خطاب ديني يحمل في داخله إمكانية التحول إلى خطاب اجتماعي عام حين يتصل بقضايا العدالة والحقوق.

وهنا يصبح استحضار كربلاء، في بعض السياقات، أكثر من مجرد استذكار تاريخي، بل إعادة فتحٍ لسؤال الشرعية في الوعي العام.

كما أن اختلاف المدارس الفقهية والتاريخية في قراءة أحداث صدر الإسلام أفرز تنوعًا في التأويل، انعكس على كيفية فهم واقعة كربلاء ودلالاتها ، فبينما ترى المدرسة المرتبطة بأهل البيت (عليهم السلام) فيها ذروة المواجهة بين الحق والباطل في سياقها التاريخي، تتعامل قراءات أخرى معها ضمن أطر مختلفة من الفهم السياسي والديني.

هذا التعدد في القراءة جعل من عاشوراء مساحةً فكرية مفتوحة، تتقاطع فيها الرؤى حول معنى السلطة، وحدود الطاعة، ومفهوم العدالة في الإسلام.

ومع مرور الزمن، لم تفقد كربلاء حضورها الرمزي، بل ازدادت رسوخًا كلما تجددت أسئلة الظلم في الواقع الإنساني.

ولهذا تبقى الثورة الحسينية، في جوهرها، دعوة مفتوحة لاختبار المواقف قبل اختبار الشعارات، وميزانًا أخلاقيًا يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والسلطة، بعيدًا عن التبرير أو التقديس الأعمى لأي قوة قائمة.

يمكن صياغة الخاتمة بطريقة فكرية متوازنة، تحافظ على المعنى دون تحويله إلى تعميمات صدامية أو اتهامية مباشرة:

ومن هنا، تنظر بعض الأنظمة إلى هذا البعد الرمزي بحذرٍ واضح، لا لكونه طقسًا دينيًا بحد ذاته، بل لما يحمله من قدرة على تحفيز الوعي الجماهيري وإعادة فتح النقاش حول ما يحق للسلطة وما لا يحق لها أن تمارسه.

وتتداخل اعتبارات التنظيم العام مع مخاوف سياسية وأمنية من اتساع أثر الخطاب الديني حين يلتقي مع الحس الجمعي، خصوصًا في المناسبات التي تستدعي رموزًا كبرى للرفض والاحتجاج على الظلم.

وهكذا تبقى عاشوراء، في بعض البيئات، نقطة التقاء دقيقة بين الذاكرة الدينية وقلق الدولة الحديثة من تحوّل الرموز إلى أسئلة حيّة في المجال العام، تعيد اختبار مفاهيم الطاعة، والشرعية، وحدود السلطة نفسها.



عاشوراء في آسيا: ذاكرة تتعدد أشكالها وتتوحد في المعنى

في الفضاء الآسيوي غير العربي، لا تظهر الطقوس العاشورائية بوصفها امتداداً جغرافي بسيط لذكرى كربلاء، بل تمثل تحولاً حضارياً واسعاً أعاد تشكيل الذاكرة الحسينية داخل بيئات ثقافية ودينية شديدة التنوع.

تتخذ الشعائر مسارات متعددة في الشكل، لكنها تلتقي في جوهر واحد يقوم على استحضار واقعة الطف بوصفها رمزًا أخلاقيًا للثبات في وجه الظلم، وتجديدًا دائمًا لسؤال العدالة في التاريخ الإنساني.

في إيران، حيث يشكّل الشيعة الغالبية الساحقة بنسبة تقارب 90 إلى 95% من السكان، تتداخل عاشوراء مع البنية الثقافية العامة، فتتحول إلى طقس جامع بين الديني والاجتماعي والفني.

في مدن مثل طهران ومشهد وقم ويزد وأصفهان، تتجاور المجالس التقليدية مع مشاهد الحزن الجماعي، وتبرز عروض “التعزية” بوصفها مسرحًا حيًا يستعيد واقعة كربلاء في الذاكرة الشعبية. كما تنتشر مواكب الزنجيل ومراسم " شام غريبان"، التي تُجسّد لحظة ما بعد الفاجعة في فضاء رمزي يغلب عليه الحزن الصامت، وقد تراكم هذا النمط عبر قرون طويلة منذ تشكل حضوره السياسي والديني واستقراره في العصر الصفوي وما بعده.

وفي باكستان، حيث تتراوح نسبة الشيعة بين 15 و20%، تتخذ الشعائر طابعًا شعبيًا كثيف الحضور في مدن مثل باراتشينار وكراتشي ولاهور وإسلام آباد. تتحول الشوارع إلى مسارات لمواكب تحمل مجسمات رمزية لضريح الإمام الحسين (عليه السلام)، في تعبير بصري عن الحضور الغائب، بينما تتخذ بعض الطقوس شكلًا أكثر كثافة رمزية مثل " عزاء الجمر"، في دلالة على عمق الارتباط العاطفي بالواقعة.

وقد تشكل هذا النمط تاريخيًا عبر انتقال الشعائر من سلطنة الدكن وحكام أود في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ما منحها طابعًا هنديًا–إسلاميًا مركبًا.

أما الهند، فيقدَّر عدد الشيعة بنحو 20 مليون نسمة، وفيها يُتخذ عاشوراء شكلًا يجمع بين الحزن والاحتفال ضمن سياق ثقافي شديد الخصوصية.

في لكناو، العاصمة الرمزية للعزاء، وفي حيدر آباد ومومباي، تُقام " العاشور خانات" بوصفها فضاءات كبرى للمجالس، بينما تجوب مجسمات " التعزية" المزخرفة بالذهب والفضة الشوارع في مواكب يشارك فيها مسلمون وهندوس معًا، في مشهد يعكس تداخل الذاكرة الدينية مع النسيج الاجتماعي.

وتعود جذور هذا الامتداد إلى سلطنة دلهي والدكن منذ القرن الرابع عشر، حين بدأت الشعائر تتخذ طابعًا مؤسسيًا داخل المجتمع الهندي.

وفي أذربيجان، حيث يشكّل الشيعة نحو 65 إلى 70% من السكان، تتخذ العاشوراء طابعًا أكثر انتظامًا وهدوءًا في مدن مثل باكو وكنجة وكرلان.

تُقام المجالس داخل المساجد والحسينيات، مع انتشار اللطم المنظم دون ممارسات عنيفة أو تطبير، انسجامًا مع التوجيهات الدينية المحلية. وقد تعزز هذا الحضور في العصر الصفوي، ثم عاد بقوة بعد الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي عام 1991، ليعيد ربط المجتمع بذاكرته الدينية بعد مرحلة انقطاع طويلة.

في الصين الشعبية، لا يظهر الحضور العاشورائي إلا في نطاقات ضيقة جدًا مرتبطة بتجمعات صغيرة من قومية الطاجيك في شينجيانغ أو جاليات وافدة، حيث تُمنع أي مظاهر علنية أو مسيرات، وتقتصر الممارسات على مجالس منزلية محدودة في ظل قيود صارمة على النشاط الديني غير الرسمي.

أما روسيا الاتحادية، فيمتد الحضور الشيعي عبر الجاليات الأذرية وبعض مناطق القوقاز، مع تنظيم مجالس داخل المساجد الكبرى مثل مسجد موسكو، بينما تُمنع المسيرات الواسعة في الشوارع لأسباب تنظيمية وأمنية، مع السماح بإقامة الشعائر داخل الأطر الدينية المرخصة.

وفي اليابان، نشأت الطقوس حديثًا مع موجات الهجرة في العقود الأخيرة، حيث تُقام داخل مراكز إسلامية في طوكيو وأوساكا وناغويا، وتقتصر على مجالس خطابة وتوزيع الطعام، مع تنظيم قانوني دقيق لأي نشاط خارجي محدود.

أما تركيا، فتجمع بين الحضور الجعفري والعلوي في مشهد واسع داخل إسطنبول، خصوصًا في منطقة هالكالي التي تشهد تجمعات كبرى سنوية، تُنظم بمشاركة رسمية وتحت حماية الدولة، في إطار يسمح بحرية دينية واضحة ضمن ضوابط تنظيمية.

هكذا تتشكل عاشوراء في آسيا وخارجها خريطةً ًمتعددة الطبقات، تتسع في بعض البلدان حتى تصبح جزءًا من المجال العام، وتنكمش في أخرى داخل الفضاء الخاص، لكنها في جميع حالاتها تبقى فكرة حيّة تعيد إنتاج نفسها باستمرار، بوصفها ذاكرةً أخلاقية تتجاوز حدود الجغرافيا، وتستقر في قلب سؤال الإنسان عن العدالة والمعنى.



عاشوراء في أوروبا: بين هندسة الفضاء العام وفلسفة الدولة تجاه الدين

في الفضاء الأوروبي، لا يمكن قراءة الطقوس العاشورائية بوصفها ممارسة دينية معزولة عن السياق السياسي والقانوني، بل باعتبارها جزءًا من " هندسة المجال العام" التي تعكس فلسفة كل دولة في إدارة التعدد الديني والثقافي.

فحضور عاشوراء هنا لا يتحدد فقط بالبعد العقائدي أو الوجداني، بل أيضًا بحدود ما يسمح به القانون، وما يتيحه النموذج الاجتماعي من ظهور أو انكفاء للرموز الدينية في الفضاء المشترك.

في ألمانيا، تتجسد عاشوراء داخل أنموذج تعددي يستند إلى حماية دستورية قوية لحرية التعبير والاجتماع.

هذا الإطار القانوني يسمح للجاليات الشيعية بتنظيم مسيرات علنية في مدن كبرى مثل برلين وهامبورغ، حيث تتحول المواكب إلى حدث حضري مرئي في قلب المدينة.

وغالبًا ما يتم التنسيق مع السلطات المحلية لضمان انسيابية الحركة وتنظيم الحشود، ما يجعل الطقس جزءًا من المشهد المدني العام دون أن يفقد طابعه الديني، في توازن بين الحرية الفردية ومتطلبات النظام العام.

أما في فرنسا، فتخضع الممارسة العاشورائية لمنظومة "العلمانية الصارمة"،التي تفصل الدين عن المجال العام على نحوٍ واضح وحاد.

ونتيجة لذلك، تنتقل الشعائر من الشارع إلى داخل المراكز الثقافية والدينية المغلقة، مثل جمعية الغدير وغيرها من المراكز المسجلة.

في هذا السياق، يُعاد تعريف الطقس بوصفه ممارسة داخلية محكومة بالحياد البصري في الفضاء العام، إذ تُحدّ الرموز الدينية من الظهور في المجال المشترك، ويُعاد تموضع العزاء داخل فضاءات تنظيمية خاصة أكثر من كونه حضورًا جماهيريًا مفتوحًا.

وفي إيطاليا وإسبانيا، تتشكل عاشوراء ضمن واقع ديموغرافي مهاجر محدود نسبيًا، تتوزع فيه الجاليات الشيعية ذات الأصول العراقية والباكستانية واللبنانية في مدن رئيسة دون كثافة عددية كبيرة.

إلى جانب الإجراءات الإدارية المرتبطة بتصاريح استخدام الشوارع، يجعل الطقوس تميل نحو الانغلاق داخل المراكز والجمعيات الثقافية ، وتقتصر الممارسة على المجالس والمحاضرات والأنشطة الداخلية، مع حضور ضعيف أو شبه غائب في الفضاءات العامة المفتوحة.

أن دولًا أوروبية أخرى مثل بريطانيا وألمانيا الشمالية وسويسرا تشهد نماذج أكثر مرونة نسبيًا، إذ تنظم الجاليات الشيعية فعاليات عاشورائية تجمع بين الطابع الديني والمجتمعي، أحيانًا داخل مساحات شبه مفتوحة أو في قاعات عامة كبيرة، مع تنسيق مسبق مع البلديات.

وفي بعض الحالات، برزت مبادرات ذات بعد إنساني موازٍ مثل حملات التبرع بالدم في يوم عاشوراء، بوصفها ترجمة حديثة لمعاني التضحية والإيثار خارج الإطار الشعائري التقليدي.

و تكشف التجربة الأوروبية أن الطقوس العاشورائية ليست مجرد امتداد ديني ثابت، بل ظاهرة يعاد تشكيلها باستمرار وفق فلسفة الدولة تجاه الدين في المجال العام.

فحينما تتسع التعددية يُمنح الطقس حضورًا علنيًا واضحًا، وحيث تغلب العلمانية الصارمة يُعاد احتواؤه داخل الفضاءات المغلقة، وحيث يكون الثقل الديموغرافي محدودًا ينكمش تلقائيًا إلى مستوى مؤسسي داخلي.

بهذه الصورة، تتحول عاشوراء في أوروبا إلى مرآة دقيقة لعلاقة الدين بالدولة، بقدر ما هي استمرار لذاكرة كربلاء في سياق حديث ومتغير.



عاشوراء في أفريقيا : ذاكرة كربلاء بين التكيف والصراع والاندماج

في القارة الأفريقية خارج العالم العربي، لا تظهر الطقوس العاشورائية بوصفها مجرد امتداد جغرافي لشرقها الأول، بل حالةً انتقال ثقافي حملت ذاكرة كربلاء إلى فضاءات جديدة، تشكلت فيها الشعائر داخل سياقات اجتماعية وسياسية متباينة، مع احتفاظها بجوهرها الرمزي القائم على استحضار معاني التضحية ومقاومة الظلم في الوجدان الديني.

في نيجيريا، تتخذ عاشوراء حضورًا جماهيريًا واسعًا في مدن مثل زاريا وكانو وكادونا، إذ تتحول الشوارع إلى مسارات لمواكب راجلة يرتدي المشاركون فيها السواد، وترتفع فيها الرايات والشعارات الحسينية في مشهد يجمع بين التعبير الديني والحشد الشعبي.

ويعود تشكل هذا الحضور الحديث إلى ثمانينيات القرن الماضي مع بروز الحركة الإسلامية في نيجيريا بقيادة الشيخ إبراهيم الزكزاكي.

وتُقدَّر أعداد أتباع المذهب الشيعي هناك بما يقارب 5% إلى 10% من المسلمين، أي ما يصل إلى نحو 5 إلى 10 ملايين نسمة.

يتسم المشهد الأمني بالحدة والتوتر، إذ شهدت السنوات الماضية مواجهات متكررة بين السلطات وبعض المسيرات العاشورائية، في سياق تصنيف حكومي للحركة بوصفه كياناً غير قانوني، ما جعل هذه الشعائر في بعض المناطق محاطة بإجراءات أمنية مشددة واحتكاكات متكررة، إلى جانب مخاطر إضافية مرتبطة بهجمات جماعات متطرفة مثل “بوكو حرام”.

أما في تنزانيا، بما فيها زنجبار وجزر القمر، حيث تُقدَّر نسبة الشيعة بنحو 2% إلى 3% من السكان، فتأخذ المراسم طابعًا أكثر هدوءًا وتنظيمًا داخل الحسينيات المحلية المعروفة باسم " الإمام بارا".

تُقام المجالس، وتُتلى المراثي، وتُوزع الأطعمة على المحتاجين، في امتداد لثقافة التكافل المرتبطة بالمناسبة.

ويعود هذا الحضور تاريخيًا إلى القرن التاسع عشر، حين حمل تجار الخوجة من الهند وباكستان هذه الشعائر إلى سواحل شرق أفريقيا، فاندمجت تدريجيًا في النسيج المحلي دون أن تفقد بنيتها الرمزية.

وفي موريشيوس، تتخذ عاشوراء صيغة اندماجية خاصة داخل مجتمع متعدد الديانات، حيث تُعرف محليًا باسم "مهرجان غون"، وتعود بداياتها إلى عام 1780م مع وصول العمال الهنود إلى الجزيرة. وتمتاز هذه التجربة بكونها أقل ارتباطًا بالهوية المذهبية الصرفة وأكثر انفتاحًا على المشاركة الاجتماعية، إذ تتحول إلى مسيرات رمزية في الفضاء العام تعكس تداخل البعد الديني مع الثقافة المحلية.

أما في جنوب أفريقيا، فتتشكل الطقوس العاشورائية ضمن سياق هجرة حديثة وتعدد ديني واضح، حيث تتركز الجاليات الشيعية ذات الأصول الباكستانية والهندية والإيرانية واللبنانية في مدن مثل كيب تاون وديربان وجوهانسبرغ، مع وجود محدود لتحول محلي في بعض الحالات.

وتقام المجالس داخل مراكز دينية معروفة مثل “مركز أهل البيت الإسلامي” في كيب تاون، وتشمل خطابات دينية وتوزيع الطعام ومجالس عزاء منظمة، إلى جانب تحركات رمزية محدودة في محيط المراكز.

ويُلاحظ أن البيئة الدستورية في جنوب أفريقيا تضمن حرية دينية واسعة، ما يجعل الممارسة العاشورائية محمية قانونيًا دون قيود تُذكر، مع اقتصار التنظيم على الجوانب البلدية مثل المرور والضوضاء.

وهكذا، تتراوح عاشوراء في أفريقيا خارج العالم العربي بين أنموذجين متباينين: أنموذج تصادميّ في بعض السياقات حيث تتداخل الشعائر مع تعقيدات سياسية وأمنية، أنموذج اندماجيّ في سياقات أخرى حيث تُستوعب داخل نظام اجتماعي تعددي يحفظ حرية الممارسة.



عاشوراء في الغرب: ذاكرة كربلاء بين المنفى والمدينة الحديثة

في الدول الغربية، من أوروبا إلى الأمريكيتين، لا تُقرأ الطقوس العاشورائية بوصفها امتدادًا تقليديًا لمشهدها في الشرق فحسب، بل بوصفها تحولاً ثقافياً حملته الجاليات المهاجرة خلال القرن العشرين، ثم أعادت صياغته داخل فضاءات مختلفة في قوانينها ومؤسساتها وطبيعتها الاجتماعية.

وقد توزعت هذه الجاليات بين العراقية والإيرانية واللبنانية والأفغانية والباكستانية، لتتشكل عاشوراء ضمن إطار مدني منظم يوازن بين الحرية الدينية ومتطلبات المجال العام، مع تقدير نسبة المسلمين الشيعة في هذه السياقات بنحو 1% إلى 2% من إجمالي المسلمين.

في بريطانيا، خصوصًا في لندن ومانشستر، يتجسد الحضور العاشورائي في قلب المدينة الحديثة عبر مسيرات سنوية كبرى تمر في شوارع رمزية مثل أكسفورد وهايد بارك، بعد الحصول على تراخيص رسمية تسمح بإغلاق الطرق وتنظيم الحشود.

وتتحول هذه المسيرات إلى فضاء بصري مفتوح تتداخل فيه الرايات السوداء ومجسمات العزاء مع حضور جماهيري يعكس تماسك الجاليات الشيعية داخل بيئة متعددة الثقافات، إذ تُقدَّم عاشوراء بوصفها مناسبة دينية وإنسانية في آنٍ واحد.

وفي الولايات المتحدة ، تبرز مدينة ديربورن في ولاية ميشيغان بوصفها أحد أهم مراكز الإحياء العاشورائي في الغرب، نظرًا للكثافة السكانية من أصول لبنانية وعراقية.

إذ تنتشر المراكز والحسينيات وتُقام مسيرات عزاء منظمة تُغلق خلالها شوارع رئيسية بالتنسيق مع السلطات المحلية، إلى جانب مجالس دينية وفعاليات اجتماعية تمتد خلال أيام محرم.

وفي أوروبا الغربية، تتخذ عاشوراء طابعًا أكثر مؤسساتية داخل المراكز الإسلامية، كما في ستوكهولم وبرلين، إذ تُقام المجالس داخل مساجد ومراكز مرخصة مثل مركز الإمام علي (عليه السلام) في ستوكهولم.

وإلى جانب الخطاب الديني والمراثي، برزت مبادرات ذات طابع إنساني، من بينها حملات التبرع بالدم في يوم عاشوراء، بوصفها ترجمة رمزية لمعاني التضحية والإيثار، في مقابل بعض الممارسات التقليدية الأخرى.

وفي قارتي أمريكا وأوقيانوسيا، لم تكن الطقوس العاشورائية امتدادًا مباشرًا لمشهدها في الشرق، بل نتيجة مسار تاريخي حديث تشكّل خلال القرن العشرين مع موجات الهجرة الواسعة التي حملت الجاليات اللبنانية والعراقية والباكستانية والإيرانية إلى فضاءات جديدة، بحثًا عن الاستقرار أو فرارًا من الاضطرابات السياسية والحروب.

وفي هذه البيئات البعيدة بدأت عاشوراء داخل نطاق عائلي محدود، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مؤسسات دينية منظمة ومراكز إسلامية وجمعيات جعفرية أعادت تشكيل حضورها في المجال العام.

في أمريكا الشمالية، يتوزع الحضور العاشورائي في مدن كبرى مثل ديربورن في ميشيغان، ونيويورك، ولوس أنجلوس، وهيوستن، حيث تنتشر مئات المراكز والحسينيات بوصفها فضاءات ثابتة للإحياء.

وتبرز مسيرة عاشوراء السنوية في مانهاتن بنيويورك منذ عقود، بمشاركة عشرات الآلاف، إذ تتحول الشوارع إلى مساحة تعبير ديني علني تُدار بتنسيق رسمي مع السلطات المحلية وبموجب قوانين حرية التعبير والتنظيم المدني.

وفي كندا، تتركز الجاليات الشيعية في تورونتو ومونتريال وفانكوفر ضمن بيئة قانونية تضمن حرية الممارسة الدينية، فتتحول عاشوراء إلى حدث سنوي واسع يشارك فيه آلاف الأشخاص داخل وخارج المراكز الإسلامية، مع تنظيم مواكب عزائية تمر عبر الشوارع الكبرى بالتنسيق مع البلديات، بما يعكس اندماج الشعيرة داخل نظام اجتماعي متعدد الثقافات دون أن تفقد طابعها الروحي أو الرمزي.

أما في المكسيك، حيث الوجود الشيعي محدود للغاية، فتقتصر الممارسات على مجالس داخلية في العاصمة مكسيكو سيتي داخل مراكز ثقافية صغيرة، دون حضور جماهيري واسع أو مسيرات في الشوارع، بما يعكس طبيعة الجاليات الصغيرة التي تحافظ على الطقس داخل نطاقها الخاص.

وفي منطقة الكاريبي وأمريكا الوسطى، تظهر عاشوراء بصورة أقل ارتباطًا بالبعد العقائدي المباشر وأكثر حضورًا في الذاكرة الثقافية التاريخية، كما في ترينيداد وتوباغو، إذ ارتبط طقس “هوساي” تاريخيًا بالعمال الهنود الذين حملوا معهم ذكرى الحسين، قبل أن يتراجع طابعه الديني لصالح البعد الاحتفالي الشعبي.

وفي أمريكا الجنوبية، يتوزع الحضور الشيعي بين جاليات صغيرة ذات أصول لبنانية وإيرانية وغيرها، كما في البرازيل والأرجنتين وكولومبيا وبيرو.

في ساو باولو تُقام المجالس داخل مساجد مرخصة مثل "مسجد محمد الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وعلى اله وسلم ) "، بينما تقتصر الأنشطة في الأرجنتين على محاضرات ومجالس داخلية في مراكز مثل "مسجد التوحيد" في بوينس آيرس، دون مسيرات واسعة، ضمن اندماج كامل في الأطر القانونية المحلية وغياب أي تضييق رسمي.

أما في أوقيانوسيا، فتبرز أستراليا بوصفها المركز الأهم للحضور العاشورائي، حيث تنشط الجاليات في سيدني وملبورن ضمن شبكة واسعة من المراكز، من بينها مركز الإمام الحسين ( عليه السلام ) في سيدني، مع تنظيم مسيرات سنوية في قلب المدينة يشارك فيها آلاف الأشخاص ضمن ضوابط بلدية تنظم استخدام الشوارع ومكبرات الصوت.

وفي نيوزيلندا، يتجلى الحضور داخل مراكز مثل مركز أهل البيت في أوكلاند، مع مسيرات رمزية مرخصة يشارك فيها مئات الأشخاص.

أما في جزر فيجي وساموا وبابوا غينيا الجديدة، فيغيب الحضور العاشورائي المنظم نتيجة قلة الوجود الشيعي أو غيابه، لتبقى الذكرى حاضرة في الوعي العام أكثر من كونها ممارسة اجتماعية قائمة.



عاشوراء في الأرقام: خرائط المشاركة والبنية العزائية عالميًا

تُشير التقديرات العامة إلى أن عدد المسلمين الشيعة في العالم يتراوح بين 200 و300 مليون نسمة، أي ما يقارب 10% إلى 15% من إجمالي المسلمين.

خلال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم، يُقدَّر عدد المشاركين في مختلف أشكال الإحياء العاشورائي—من المجالس إلى المواكب والطقوس الرمزية—بما يقارب 100 إلى 120 مليون مشارك على مستوى العالم، مع تباين كبير في الكثافة في دول العالم الـ195.

يتوزع هذا الحضور على نحوٍ رئيسي في عدد من الكتل الجغرافية الكبرى؛ إذ تستحوذ إيران على الحصة الأكبر من المشاركة، بما يُقدّر بنحو 60 إلى 70 مليون مشارك.

تليها شبه القارة الهندية (الهند وباكستان) بما يقارب 25 إلى 30 مليون مشارك، نظرًا للكثافة السكانية العالية والتنوع المذهبي الواسع.

أما العراق، فيسجل حضورًا محليًا يتراوح بين 10 إلى 12 مليون مشارك خلال أيام العشرة الأولى من محرم، مع ذروة استثنائية في زيارة الأربعين التي تتجاوز 20 مليون زائر.

في حين تتوزع بقية الأعداد على أفغانستان، أذربيجان، دول الخليج، ولبنان، بما يقارب 5 إلى 7 ملايين مشارك، إضافة إلى ما بين 500 ألف إلى مليون مشارك في دول الاغتراب بأوروبا وأمريكا وأستراليا.

وعلى مستوى البنية التنظيمية، تُقدَّر المواكب والهيئات العاشورائية عالميًا بما يتراوح بين 180 ألف إلى 200 ألف هيئة وموكب، تشمل الكيانات المسجلة وغير المسجلة.

وتحتل إيران المرتبة الأولى بأكثر من 90 ألف هيئة دينية مسجلة، فيما تشير البيانات العراقية إلى وجود نحو 12 ألف إلى 15 ألف موكب رسمي في كربلاء والمحافظات خلال موسم عاشوراء، إضافة إلى آلاف المواكب العفوية والخدمية.

وفي باكستان، يُقدَّر عدد الحسينيات والمواكب بما بين 15 ألف إلى 20 ألف هيئة، بينما تضم الهند نحو 10 آلاف تجمع وموكب في مدنها الرئيسية، أما بقية الدول، فتتوزع فيها آلاف الهيئات بين الخليج وبلاد الشام والغرب.