انتفاضات المحرّم وصفر بالعراق في قرن : عام 1935م وبدايات المواجهة مع الدولة المركزية - ( 2)

تُمثّل انتفاضة عام 1935م إحدى اللحظات التأسيسية في تأريخ الاحتكاك المبكر بين الدولة العراقية الحديثة، التي تشكّلت في أعقاب الاحتلال البريطاني، وبين البنى العشائرية الراسخة في الفرات الأوسط.

وقد جاءت هذه الانتفاضة في سياق مركّب تداخل فيه السياسي بالاجتماعي والديني، لتتحول فيما بعد إلى علامة فارقة في مسار تشكّل هوية الدولة وحدود سلطتها، وفي الذاكرة الجمعية للصراع حول معنى السلطة والشرعية في العراق الحديث.



مطلع الثلاثينات: دولة ناشئة تحت ظلّ النفوذ البريطاني

دخل العراق في بدايات ثلاثينات القرن العشرين مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، عقب تأسيس الدولة الملكية تحت الانتداب البريطاني، ثم نيله الاستقلال الشكلي عام 1932م.

وفي هذه المرحلة المفصلية، سعت الحكومات المتعاقبة، ومنها حكومة ياسين الهاشمي (1935م)، إلى تعزيز حضور الدولة المركزية وترسيخ سلطتها عبر حزمة من السياسات الإدارية والإصلاحية.

وكان في مقدمة هذه السياسات قانون التجنيد الإلزامي، الذي واجه رفضاً واسعاً بين الأوساط العشائرية، ولاسيما في الفرات الأوسط والجنوب.

ولم يُنظر إلى هذا القانون بوصفه إجراءً تنظيمياً فحسب، بل مثّل تدخلاً مباشراً في البنية الاجتماعية للعشيرة، التي كانت ترى في أبنائها قوة ذات استقلال نسبي عن سلطة الدولة المركزية.

ولعبت المرجعيات الدينية الشيعية في العراق دوراً مهماً في تشكيل الموقف الاجتماعي والسياسي تجاه سياسات الدولة منذ مرحلة الاحتلال البريطاني، ولا سيما في ما يتعلق بمسألة الخدمة الإلزامية، التي عدت واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين السلطة والمجتمع التقليدي.

ففي حقبة الاحتلال البريطاني وما أعقبها من تأسيس الدولة العراقية الحديثة، لم تكن مسألة التجنيد مجرد إجراء إداري أو تنظيمي، بل ارتبطت مباشرة بسؤال السيادة والشرعية السياسية، وبمدى استقلال القرار الوطني عن التأثير الأجنبي.

وفي مرحلة الاحتلال البريطاني، برز موقف ديني وسياسي واضح لدى عدد من المرجعيات الشيعية، التي ربطت بين مشروعية أي سلطة سياسية وبين مدى استقلالها عن السيطرة الأجنبية.

وقد تجسد هذا الموقف بوضوح في ثورة 1920م، التي لعبت فيها فتوى المرجع الديني الشيخ محمد تقي الشيرازي دوراً محورياً في تعبئة المجتمع ضد الاحتلال، وهو ما أسّس لوعي سياسي جمعي ربط بين الدين ومقاومة الهيمنة الخارجية.

هذا الإرث السياسي والديني انعكس فيما بعد على الموقف من مؤسسات الدولة الناشئة، ومنها مشروع الخدمة الإلزامية، الذي نظر إليه قطاع واسع من المجتمع الديني والعشائري بوصفه امتداداً لسلطة دولة لم تكتمل سيادتها بعد، أو ما زالت في نظر بعضهم محكومة بتوازنات الانتداب البريطاني.

وفي مرحلة ما بعد تأسيس الدولة الملكية، لم يكن موقف المرجعيات الشيعية واحداً أو موحداً، بل اتسم بتعدد في الرؤى والتقديرات:

فقد أبدت المرجعيات الشيعية تحفظاً واضحاً على الخدمة الإلزامية، انطلاقاً من خشية أن تتحول إلى أداة لفرض السيطرة المركزية على البنى العشائرية، وإضعاف استقلاليتها الاجتماعية والدينية.

في المقابل، رأت بعض الشخصيات الدينية أن قيام جيش وطني يمكن أن يكون مقبولاً من حيث المبدأ، شرط أن يكون بعيداً عن النفوذ الأجنبي، وأن يُدار من ضمن إطار دولة ذات سيادة حقيقية، لا دولة خاضعة للانتداب أو التأثير الخارجي.

و برزت مواقف وسطية لدى عدد من العلماء، حاولت التمييز بين فكرة "الدفاع الوطني" بوصفها مبدأ مشروعاً، وبين "إلزامية التجنيد" بوصفها إجراءً قسرياً قد يمسّ البنية الاجتماعية التقليدية من دون مراعاة خصوصيتها.

هذا التعدد في المواقف المرجعية والدينية انعكس بشكل غير مباشر على أحداث انتفاضة المحرّم 1935م، حيث لم يكن الموقف الديني أحادياً، بل تراوح بين الدعم الضمني للاحتجاجات ضد سياسات الدولة، وبين الدعوة إلى ضبط التصعيد وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

وقد أسهم هذا التداخل بين الموقف الديني والاجتماعي في جعل مجالس المحرّم فضاءات مفتوحة لتبادل الخطاب الاحتجاجي، وهو ما منح الانتفاضة فيما بعد بعداً مركباً يجمع بين السياسي والديني والاجتماعي في آن واحد.



من الاحتجاج الصامت إلى الغليان

مع تصاعد حدة الاحتقان السياسي والاجتماعي، بدأت مناطق الرميثة، الديوانية، الشطرة، وسوق الشيوخ تشهد موجات احتجاج متفرقة تمثلت في رفض التجنيد ورفض دفع الضرائب، في مؤشر واضح على اتساع فجوة الثقة بين الدولة ومجتمعها المحلي.

وفي الوقت نفسه، كانت البلاد تعيش حالة من القلق السياسي العام، ترافقت مع اتساع الهوة بين مركز القرار في بغداد ومراكز النفوذ الاجتماعي التقليدية في الريف والجنوب.

وفي خضم هذا المشهد، برزت المناسبات الدينية، ولا سيما مجالس عزاء المحرّم، كمساحات اجتماعية جامعة تلتقي فيها مختلف الشرائح، ما أتاح انتقال الخطاب الاحتجاجي من نطاقه العشائري الضيق إلى فضاءات أوسع ذات طابع جماهيري، الأمر الذي مهّد لمرحلة أكثر تصعيداً.





من شرارة الاعتراض إلى اتساع المواجهة الشعبية

في نوفمبر 1935م (المحرم 1354هـ)، بدأت ملامح التحول الجذري تتبلور في مناطق الفرات الأوسط، حيث استُثمرت التجمعات العاشورائية ومجالس العزاء في بعض المناطق كمنصات للتعبير عن رفض سياسات الحكومة، وعلى رأسها التجنيد الإلزامي والتهميش السياسي.

ومع تسارع الأحداث، تحولت الاحتجاجات المحلية إلى حالة عصيان واسعة امتدت جغرافياً واجتماعياً، شاركت فيها عشائر بارزة مثل آل فتلة وبني حجيم وغيرها من العشائر في المنطقة، مع وجود تنسيق غير مباشر مع شخصيات دينية واجتماعية، من بينها المرجع الديني الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء الذي كان له حضور مؤثر في المشهد الديني والسياسي آنذاك.

وبمرور الوقت، لم تبقَ مجالس العزاء مجرد طقوس دينية، بل تحولت في بعض المواقع إلى مسيرات احتجاجية ذات طابع سياسي واضح، وصلت في بعض الحالات إلى مواجهات مباشرة مع القوات الحكومية.



من ضبطِ الاحتجاج إلى منطق القمع العسكري

واجهت الحكومة الملكية بقيادة رئيس الوزراء آنذاك ياسين الهاشمي هذه التطورات بإجراءات أمنية صارمة، حيث مثل إعلان التمرد حالة تهديد مباشر للأمن العام والنظام السياسي.

وفي هذا السياق، تم استدعاء وحدات من الجيش العراقي بقيادة الفريق بكر صدقي، الذي سيصبح فيما بعد أحد أبرز الشخصيات في تأريخ الانقلابات العسكرية في العراق.

ومن التطورات اللافتة في هذه المرحلة أن الدولة لجأت إلى استخدام سلاح الجو الملكي العراقي في عمليات القصف، وهو تطور نوعي وغير مسبوق في أساليب التعامل مع الاضطرابات الداخلية آنذاك.

وقد شملت العمليات مناطق ريفية وقرى مرتبطة بالمنتفضين، فضلا عن استهداف تحركات العشائر والمواكب في بعض المواقع.



جراح مفتوحة وذاكرة مشحونة

انتهت الانتفاضة في مدة زمنية قصيرة نسبياً، إلا أن آثارها كانت عميقة وبعيدة المدى على مستوى العلاقة بين الدولة والمجتمع في الفرات الأوسط.

وقد شهدت هذه الأحداث أول استخدام فعلي للطيران الحربي (سلاح الجو الملكي) في قصف القرى والحسينيات والمواكب العشائرية في الفرات الأوسط.

وأسفرت العمليات العسكرية عن سقوط أكثر من 450 شهيداً من أبناء العشائر والزوار نتيجة القصف الجوي والمدفعي،فضلا عن اعتقال ونفي أكثر من 1200 شيخ من العشائر والوجهاء إلى شمال العراق، فضلاً عن تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بحق 12 شخصاً من قادة الحراك العشائري في الناصرية والديوانية.



الرفض المبكر: شرارة أولى مهدت لطريق الانتفاضات المستقبلية

لا يمكن قراءة انتفاضة 1935م بوصفها حدثاً معزولاً أو لحظة طارئة في التأريخ العراقي، بل هي جزء من مسار طويل من التوتر بين الدولة المركزية الناشئة والبنى الاجتماعية التقليدية التي سبقتها واستمرت في التأثير عليها.

و تكشف هذه الأحداث عن الدور المحوري الذي لعبته المناسبات الدينية، ومنها مجالس المحرّم، بوصفها فضاءات اجتماعية مفتوحة يمكن أن تتحول في لحظات الأزمات إلى ساحات للتعبير السياسي والاجتماعي.

ولذلك كله ؛ تمثل انتفاضة المحرّم 1935م إحدى البدايات المبكرة لتشكل نمط التداخل بين الديني والاجتماعي والسياسي في الحراك الشعبي العراقي، وهو نمط سيستمر ويتكرر بأشكال متعددة في عقود التأريخ العراق الحديث.



يـــــــتـــــبـــع