انتفاضات المحرّم وصفر بالعراق في قرن: انتفاضة صفر الخالدة 1977م وصدام كسر العظم مع البعث - ( 3 )

من رمال الفرات الأوسط في ثلاثينيات العراق، حين كانت الدولة الناشئة تختبر صلابتها على جسد المجتمع العشائري، انتهت انتفاضة محرّم 1935م كأول صرخة احتجاج واسعة على مشروع مركزي يتشكّل تحت ظلّ النفوذ البريطاني.
كانت تلك اللحظة افتتاحاً مبكراً لزمنٍ جديد، خرج فيه العزاء من فضائه الطقسي إلى أفق السياسة، وارتجّ فيه ميزان العلاقة بين الدولة والمجتمع.

ثم تمضي العقود، فلا تنطفئ الشرارة، بل تواصل رحلتها في الوعي الجمعي، تتبدّل أدواتها وتتغيّر خرائطها، غير أن جوهرها يبقى ثابتاً: سؤال الهوية والسلطة والحق في التعبير.

وكأن ملفات التاريخ لا تُغلق، بل يؤجلها إلى لحظة أخرى ، ففي سبعينيات القرن العشرين، يعود الصراع ذاته، لكن في صورة أكثر حدة وتنظيماً، حين تتحول طريق المشاية بين النجف وكربلاء في صفر 1977م إلى امتداد حيّ لذاكرةٍ لم تُطوَ، وإلى ساحة مواجهة مفتوحة مع دولةٍ باتت أكثر صلابة وأشد حضوراً.

هناك، إذ يلتقي دمع الزيارة بإرادة الاحتجاج، تتصل الحلقات بين محرّم 1935م وصفر 1977م، كأنهما زمنان في سياق واحد؛ يفصل بينهما التاريخ، لكنه لا يقطع بينهما المعنى.

من العزاء الذي تحوّل إلى احتجاج، إلى المسيرة التي انقلبت إلى انتفاضة، تتشكل حكاية طويلة عنوانها أن الذاكرة حين تُقمع لا تختفي، بل تعود في موسمٍ آخر، وبصوتٍ أعلى، وبثمنٍ أكبر.

ومن هذا الامتداد التاريخي المتصل، تنفتح صفحات انتفاضة صفر الخالدة 1977م، لا بوصفها حادثاً منفصلاً، بل كحلقة ثانية في سلسلة مواجهة طويلة بين المجتمع والدولة.



لماذا خشي حزب البعث من الإمام الحسين (عليه السلام)؟

لم يكن موقف حزب البعث من الإمام الحسين (عليه السلام) قائماً على خوف ديني مباشر، بل على إدراك سياسي عميق لثقل الرمزية التي يمثلها الإمام الحسين (عليه السلام) في الوعي الشيعي العراقي. فخطابه القائم على ثنائية الحق في مواجهة السلطة الجائرة ظل عبر التاريخ أنموذجاً مفتوحاً للتأويل والاستدعاء كلما برز صراع بين المجتمع والسلطة.

ومن هذا المنظور، لم تكن الإشكالية في الشخصية التاريخية ذاتها، بل في استمرار حضورها الرمزي داخل الذاكرة الجماعية، وما يرافق ذلك من قدرة على تعبئة الناس أخلاقياً وعاطفياً ضد أي سلطة تُتهم بالاستبداد أو الانحراف. وهذا ما جعل هذه الرمزية تتجاوز حدود التاريخ لتتحول إلى طاقة اجتماعية حيّة قابلة للتحرك في الواقع.

لذلك، نظرت الدولة البعثية إلى الشعائر الحسينية، مثل عاشوراء وزيارات الأربعين، بوصفها طقوساً دينية فحسب، بل فضاءات جماهيرية واسعة يصعب ضبطها أمنياً، ويمكن أن تتحول في لحظات معينة إلى بيئة لتشكل وعي جمعي معارض أو احتجاجي.

ومن هنا ارتبطت سياسات التضييق أحياناً بمحاولة الحد من تحول هذه الرمزية الدينية إلى فعل اجتماعي–سياسي، كما ظهر في محطات تاريخية لاحقة، دون أن يعني ذلك إمكانية فصل الإمام الحسين (عليه السلام) عن مكانته الدينية، بل محاولة التحكم في امتداد أثره الاجتماعي المتجدد داخل المجتمع.



انتفاضة صفر 1977م: يوم انقلبت المشاية إلى مواجهة

على امتداد المسافة الفاصلة بين النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، وفي قلب أحد أكثر الطرق الرمزية رسوخاً في الوجدان الشيعي، اندلعت انتفاضة صفر 1977م خلال الفترة الممتدة من 4 إلى 9 فبراير 1977م (14 إلى 19 صفر 1397هـ).

لم يكن طريق المشاية مجرد ممر جغرافي يربط مدينتين، بل كان تقليدياً امتداداً روحياً لموسم زيارة الإمام الحسين، إذ تتجدد فيه سنوياً طقوس الإيمان والحركة الجماعية.

لكن في تلك الأيام تحديداً، خرج الطريق من وظيفته الروحية المعتادة، ليتحوّل إلى ساحة اختبار سياسي وأمني مفتوح، انكشفت فيه حدود العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتجاوزت فيه الأحداث بعدها الديني لتدخل في قلب الصراع على الفضاء العام وحق التعبير.



قرار المنع وبداية كسر الصمت

في سياق سعيه لضبط المجال العام وتقليص التجمعات ذات الطابع الديني الشعبي، أصدر نظام البعث البائد آنذاك برئاسة أحمد حسن البكر وصدام حسين قراراً رسمياً يقضي بمنع مسيرة "المشاية" السنوية إلى كربلاء خلال شهر صفر، في محاولة للحد من هذا الحشد الجماهيري الواسع الذي كان يحمل في داخله امتداداً اجتماعياً ورمزياً كبيراً.

غير أنّ هذا القرار اصطدم مباشرة بالبنية الاجتماعية والدينية المتجذرة في المجتمع، فلم يمر بصمته المتوقع.

ففي أجواء مشحونة بالتوتر الأمني والسياسي التي سبقت أيام صفر عام 1977م، عُقد اجتماع في محافظة النجف الأشرف جمع بين محافظ النجف في حينها ممثلاً عن السلطة المحلية التابعة للنظام، وعدد من أصحاب المواكب الحسينية والمسؤولين عن تنظيم مسيرة المشاية المتجهة إلى كربلاء.

جاء الاجتماع في إطار تنفيذ القرار الحكومي الصادر عن قيادة نظام البعث والقاضي بمنع مسيرة المشاية السنوية خلال شهر صفر، حيث حاولت السلطات المحلية إيصال القرار وتثبيت آليات تنفيذه، مع التأكيد على منع أي تجمعات كبيرة أو تحرك جماعي باتجاه كربلاء.

وخلال الاجتماع، شدد ممثل السلطة على أن القرار "نهائي ومرتبط باعتبارات أمنية وتنظيمية"، مع التأكيد على ضرورة التزام أصحاب المواكب بعدم الخروج في مسيرة جماعية، واعتبار أي تحرك من هذا النوع مخالفة صريحة ستُواجه بإجراءات صارمة من الدولة.

في المقابل، عبّر عدد من أصحاب المواكب عن رفضهم العملي للقرار، مؤكدين أن مسيرة المشاية ليست فعلاً سياسياً طارئاً، بل امتداد سنوي لطقس ديني متجذر في الوجدان الشعبي، وأن منعها يمثل مساساً مباشراً بحق ديني واجتماعي راسخ.

وقد أشار بعضهم إلى أن السيطرة على حركة آلاف الزائرين أمر غير ممكن عملياً في ظل ارتباطها العاطفي والديني بالإمام الحسين (عليه السلام) .

كما طُرحت خلال الاجتماع محاولات للتهدئة من قبل بعض الوجهاء، عبر اقتراح تنظيم الحركة أو تقليصها،لكنّ التباين بين موقف السلطة الحازم وموقف أصحاب المواكب الرافض جعل مساحة التفاهم محدودة للغاية.

وانتهى الاجتماع دون الوصول إلى صيغة توافقية، مع بقاء القرار الحكومي نافذاً من جهة، وإصرار شعبي غير معلن من جهة أخرى على إحياء المسيرة في موعدها، وهو ما مهّد مباشرة للأحداث التي انفجرت لاحقاً في 15 صفر 1397هـ (1977م) عندما انطلقت المسيرة من مسجد الخضراء في النجف متحدية قرار المنع، لتتحول لاحقاً إلى انتفاضة واسعة على طريق النجف–كربلاء.



" يد الله فوق أيديهم" : راية الإيمان في قلب المواجهة

من مسجد الخضراء في النجف الاشرف ارتفعت راية الانتفاضة التي كُتبت عليها عبارة "يد الله فوق أيديهم" كأحد الرموز البصرية اللافتة التي رافقت المسيرة وتحولت لاحقاً إلى علامة دلالية على طبيعة الحدث ومعناه.

وقد رُفعت هذه الراية أثناء تقدم مسيرة المشاية من النجف الأشرف باتجاه كربلاء المقدسة، في اللحظات التي بدأت فيها المسيرة تتجاوز بعدها الديني التقليدي لتدخل في طور المواجهة والاحتجاج، إذ كانت تُحمل ضمن صفوف المشاركين كرمز ديني تعبوي يعكس الإحساس الجماعي بالقوة الروحية والشرعية المعنوية للحركة.

لم تكن الراية مجرد شعار مكتوب، بل كانت تحمل دلالة مركبة في سياقها التاريخي؛ فهي تستند إلى مضمون قرآني يوحي بحضور الدعم الإلهي للجماعة المؤمنة، وفي الوقت نفسه كانت تُقرأ اجتماعياً بوصفها إعلاناً رمزياً عن وحدة الصف في مواجهة سلطة الدولة، وإشارة إلى أن الفعل الجماعي ليس مجرد تحرك بشري معزول، بل يستمد شرعيته من بعد ديني أعلى في الوعي الجمعي للمشاركين.

ومع تصاعد الأحداث وتحول المسيرة إلى مواجهة مفتوحة، اكتسبت هذه الراية معنى إضافياً، إذ أصبحت رمزاً على تماسك الجماعة المنتفضة في لحظة مواجهة غير متكافئة مع الدولة، ورسالة ضمنية بأن القوة العددية والإيمانية للمشاركين تتجاوز أدوات الردع المادية التي استخدمتها السلطة لاحقاً.

وبهذا المعنى، لم تكن عبارة "يد الله فوق أيديهم" مجرد شعار ديني عابر، بل تحولت داخل سياق الانتفاضة إلى علامة رمزية مكثفة تختصر المزاج العام للحركة، الإيمان، والتحدي، والشعور الجماعي بالشرعية في مواجهة قرار المنع والتصعيد الأمني.



لحظة التحول الحاسم على طريق النجف–كربلاء

ومع امتداد المسيرة على طريق النجف– كربلاء، لم يبق الحدث في إطاره الأولي بوصفه حركة زائرين موسمية، بل بدأت ملامحه تتبدّل تدريجياً تحت ضغط التفاعل الجماهيري وتراكم التوتر الكامن في العلاقة مع السلطة.

فقد اتسعت دائرة المشاركة شيئاً فشيئاً لتشمل شرائح اجتماعية وعشائرية جديدة التحقت بالركب على طول الطريق، ما منح الحركة زخماً متصاعداً لم يعد بالإمكان احتواؤه ضمن الإطار التقليدي للمواكب.

وفي خضم هذا التحول، أخذ الخطاب المصاحب للمسيرة ينتقل من الطابع الديني التعبّدي إلى خطاب احتجاجي مباشر، اتسم بجرأة لافتة في سياق تلك المرحلة، إذ رُفعت شعارات عبّرت بوضوح عن تحول المزاج العام، ومن أبرزها ، ( صدام كُول للبكر.. تره حسين ما نعوفه) و( إشلون حكومة ياعلي بالرشاش يرمونه) .

هذه الهتافات لم تكن مجرد ردود فعل عابرة، بل شكلت علامة فارقة في مسار الحدث، إذ أسهمت في نقل المسيرة من كونها طقساً دينياً سنوياً راسخاً إلى حالة احتجاج سياسي مفتوح، يعكس توتراً عميقاً ومتصاعداً في العلاقة بين المجتمع والسلطة.

ومع اتساع هذا التحول، التحقت بالمسيرة عشائر من المناطق الواقعة على طريق كربلاء، الأمر الذي أدى إلى توسيع نطاق المشاركة بشكل ملحوظ، ومنح الحركة بعداً اجتماعياً أوسع، تجاوز حدود الانتماء الديني ليشمل البنية العشائرية والشارع الشعبي في آن واحد، في لحظة بدا فيها أن المسيرة لم تعد مجرد طريق للزيارة، بل مساراً لحراك جماهيري آخذ في التشكل.



ردّ الدولة: من الاحتواء إلى إطلاق النار على العزّل

تعامل النظام مع تطورات مسيرة صفر 1977م من جهة أنها تجاوزت حدود التجمع الديني إلى تهديد مباشر للاستقرار الأمني والسياسي، ما دفعه إلى الانتقال السريع من محاولات الاحتواء الإداري إلى خيار المواجهة العسكرية المباشرة.

وفي هذا السياق، شُكّلت غرفة عمليات عسكرية عليا لإدارة الموقف ميدانياً واتخاذ القرارات، وضمت في قيادتها كلاً من عزت الدوري وطه ياسين رمضان، في مؤشر على مستوى التصعيد وارتباط القرار بالدوائر الأمنية العليا في الدولة.

وبالتوازي مع ذلك، جرى تحريك وحدات عسكرية ثقيلة باتجاه طريق النجف–كربلاء، شملت اللواء المدرع العاشر واللواء المشاة الخامس، إضافة إلى مروحيات ميج القتالية، بما عكس حجم الاستعداد لاستخدام القوة المنظمة في مواجهة الحشود المتقدمة.

ومع استمرار تقدم المسيرة، بلغ التصعيد ذروته عند منطقة "خان النص" الواقعة في منتصف الطريق بين النجف وكربلاء، إذ تم تطويق الموكب على نحوٍ كامل، وفي يوم 17 صفر جرى فتح النار باستخدام الأسلحة الثقيلة والمدفعية باتجاه المتظاهرين العزّل، في لحظة مثّلت نقطة التحول الحاسمة في مجريات الأحداث، وانتقالها من مستوى الاحتواء والتضييق إلى منطق المواجهة العسكرية المفتوحة، بما ترك أثراً بالغاً في طبيعة العلاقة بين الدولة والحراك الشعبي في تلك المرحلة.





خان النص: لحظة الدم

بعد أن عجزت القوات المحلية في بداية الأمر عن وقف تدفق الحشود البشرية التي قاربت —— 100 ألف منتفض ، لجأ النظام إلى تصعيد عسكري مباشر عبر الدفع بتعزيزات من الجيش النظامي، تمثلت في اللواء المدرع العاشر واللواء المشاة الخامس، في خطوة عكست انتقال المواجهة من مستوى الضبط الأمني إلى الاستخدام الصريح للقوة العسكرية تجاه مسار مدني–ديني واسع.

وعند وصول الحشود إلى منطقة "خان النص" (منطقة الحيدرية حالياً، منتصف الطريق بين النجف الأشرف وكربلاء المقدسة)، جرى تنفيذ عملية تطويق عسكري كامل، حوّلت الموقع إلى ساحة مواجهة غير متكافئة بين مدنيين عزّل من جهة، وقوة عسكرية منظمة ومجهزة من جهة أخرى.

وفي لحظة الحسم، دخلت المروحيات العسكرية (ميج) على خط المواجهة عبر التحليق المنخفض، بهدف إثارة الذعر وإرباك حركة الحشود، فيما باشرت المدرعات والدبابات إطلاق النار على نحوٍ مباشر وعشوائي باتجاه المتظاهرين.

وقد أدت هذه العملية إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى، وانهيار تماسك المسيرة، إذ تشتت المشاركون في البساتين والصحراء المحيطة بالطريق تحت وابل النيران، وسط حالة من الفوضى والهلع، في واحدة من أكثر لحظات المواجهة دموية على طريق النجف–كربلاء خلال تلك الأحداث.



اعتقالات ما بعد المجزرة

في أعقاب تفكك المسيرة وتشتت الحشود على طريق النجف–كربلاء، انتقلت المواجهة سريعاً من ساحة الطريق إلى فضاء أمني مغلق،حينئذٍ فرضت القوات الأمنية طوقاً واسعاً امتد لعدة كيلومترات شمل طريق كربلاء ومحيطه، في محاولة لإغلاق كامل مسارات الانسحاب والحركة، ثم باشرت حملة اعتقالات شاملة اتسمت بالشمول والاتساع، طالت كل من وُجد في المنطقة دون تمييز دقيق بين من شارك فعلياً في المسيرة ومن كان مجرد مارّ أو متواجد في محيط الحدث في بعض الحالات.

وخلال مدة زمنية قصيرة لم تتجاوز 48 ساعة، ارتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 30,000 مواطن، إذ جرى نقلهم بشكل جماعي باستخدام شاحنات عسكرية إلى معسكر الشعيبة في محافظة البصرة، فضلاً عن عدد آخر من المعتقلات الأمنية السرية التي لم يُعلن عنها رسمياً في حينه.

وقد تحولت هذه المراكز لاحقاً إلى فضاءات احتجاز قاسية، ترافقت مع عمليات تعذيب مكثفة وإجراءات استجواب عنيفة، كان الهدف منها فرز المشاركين الفعليين عن القيادات الميدانية والمحرّكين الأساسيين للحراك، في إطار عملية أمنية واسعة هدفت إلى تفكيك البنية التنظيمية للانتفاضة وإعادة ضبط المشهد بالقوة.



كربلاء تحت النار

عندما وصلت طلائع انتفاضة صفر (المشاية) إلى مدينة كربلاء المقدسة في 18 صفر 1397هـ، وتحديداً إلى منطقة ما بين الحرمين وضريح الإمام الحسين (عليه السلام)، تحولت المدينة إلى ساحة مواجهة مفتوحة، تداخل فيها الديني بالسياسي، والجماهيري بالعسكري، في لحظة وُصفت بأنها الأخطر في مسار الانتفاضة، حيث بلغ الصدام ذروته داخل الفضاء المقدس نفسه.

إذ نجحت مجموعات كبيرة من الشباب والمشاية في اختراق الحواجز العسكرية التي أقامتها السلطة عند مداخل كربلاء، ولا سيما عند سيطرة طويريج والطريق القادم من النجف، لتصل أعداد منهم إلى قلب المدينة.

ومع وصولهم إلى منطقة الحرمين، التحموا مع أهالي كربلاء وأصحاب المواكب المحلية، ليتحول التجمع إلى كتلة بشرية ضخمة داخل الصحن الحسيني الشريف والساحات المحيطة به.

وفي تلك اللحظة، ارتفع من داخل الحرم خطاب احتجاجي حاد، تحوّل إلى هتافات سياسية صاخبة هزّت المشهد، تندد بـ أحمد حسن البكر وصدام حسين، ما نقل الحدث من طقس ديني إلى حالة مواجهة سياسية مباشرة داخل أقدس فضاء شعائري.

أمام خطورة التطور داخل كربلاء، غادر صدام حسين (نائب رئيس مجلس قيادة الثورة آنذاك) برفقة عزت الدوري بغداد بطائرة مروحية عسكرية متوجهين إلى المدينة لإدارة الموقف ميدانياً.

وقد اتخذ صدام من مبنى محافظة كربلاء القريب من الحرمين مقراً للقيادة، وأصدر أوامر مباشرة بإنهاء التجمع و"تطهير الحرمين بأي ثمن وبأقصى درجات العنف"، وفق السياق الأمني الذي ساد تلك اللحظة.

ومع بدء العملية العسكرية، تقدمت قوات من حرس الحدود واللواء المدرع العاشر مدعومة بعناصر من الأمن العام والمخابرات، واقتحمت منطقة ما بين الحرمين مستخدمة الهراوات وأعقاب البنادق والغازات المسيلة للدموع.

وبحسب مجريات الأحداث، لم تُراعَ حرمة المكان، إذ دخلت القوات بأسلحتها إلى داخل الصحن الحسيني الشريف، وجرى إطلاق النار على نحوٍعشوائي ومباشر على المتواجدين من الزوار والمعتصمين حول ضريح الإمام الحسين (عليه السلام). وقد أدى ذلك إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى، وتحوّل أرضية الصحن إلى مشهد دموي امتزج فيه الصراخ والاختناق والرصاص، وسط حالة حصار شديدة طالت النساء والأطفال داخل العتبة.

وفي ذروة الفوضى داخل الحرم، برز المشهد الأشد دلالة حين صعد الشاب النجفي الشهيد ناجح محمد كريم المشهدي وهو يحمل الراية الخضراء للانتفاضة داخل الصحن، واقفاً بثبات وهو يهتف باسم الإمام الحسين (عليه السلام) متحدياً القوات المنتشرة.

غير أن هذا المشهد انتهى باقتحام عنيف من قبل عناصر الأمن، إذ جرى الاعتداء عليه وإسقاطه أرضاً ومصادرة الراية، في لحظة اعتُبرت رمزياً نقطة كسر داخل كربلاء، قبل أن يُقتاد تحت الضرب المبرح إلى المعتقلات التي انتهت لاحقاً بإعدامه ضمن أحكام الانتفاضة .

وبعد فرض السيطرة على الصحن، جرى عزل النساء والأطفال، واعتقال كل من كان من الشباب والرجال داخل الحرمين أو في الفنادق والأسواق المحيطة بهما.

وتمت عمليات سحب جماعية للمعتقلين من منطقة ما بين الحرمين، فجرى تقييدهم ونقلهم في سيارات حمل عسكرية (لوريات) متمركزة عند باب القبلة وباب بغداد.

وفي أعقاب ذلك، أُعلنت كربلاء مدينة مغلقة عسكرياً، فُرض فيها حظر تجوال شامل لعدة أيام، كما مُنع الأذان وإقامة الصلاة لفترة مؤقتة في الحرمين، إلى حين إزالة آثار المواجهة وتنظيف الصحن من الدماء وبقايا الرصاص، في محاولة لاحتواء تداعيات الحدث وإخفاء معالمه عن الرأي العام.



انتقام السلطة من أهالي كربلاء

بعد انتهاء العمليات العسكرية واقتحام الصحن الحسيني الشريف، لم تتوقف تداعيات انتفاضة صفر 1977م عند حدود السيطرة الميدانية، بل انتقلت الأجهزة الأمنية التابعة لنظام البعث — ممثلة بـ الأمن العام والمخابرات وفصيل طه ياسين رمضان إلى مرحلة جديدة من العقاب الجماعي استهدفت البيئة الاجتماعية الحاضنة للانتفاضة في كربلاء، ولا سيما سكان المنطقة القديمة وأصحاب الفنادق والدور السكنية المحيطة بـ ما بين الحرمين، الذين شاركوا أو ساعدوا في إيواء وإخفاء "المشاية" الفارين من القمع.

إذ شهدت أحياء كربلاء القديمة، مثل العباسية وباب الخان وباب السلالمة، حملات تفتيش عنيفة جرت فيها مداهمة البيوت والفنادق زقاقاً بزقاق، وباستخدام الكلاب البوليسية.

وفي حال العثور على زوار مخبئين أو حتى مظاهر مرتبطة بالانتفاضة مثل الرايات الحسينية أو قدور الطعام الكبيرة التي كانت تُستخدم لإطعام المشاية، كان يتم سحب أصحاب الدور إلى الشارع وتنفيذ إعدامات ميدانية فورية بالرصاص أمام عائلاتهم وجيرانهم بهدف بث الرعب وإحكام السيطرة.

وفي موازاة العنف الميداني، صدر قرار من مجلس قيادة الثورة المنحل يقضي بمصادرة العقارات والفنادق والدور التي ثبت أنها آوت المنتفضين "المخربين" وفق التوصيف الرسمي للنظام آنذاك .

وجرى بموجبه طرد عوائل كربلائية كاملة من منازلها ومحلاتها التجارية المحيطة بالحرم دون السماح لهم بأخذ ممتلكاتهم، لتُنقل ملكية تلك العقارات لاحقاً إلى جهات رسمية مثل الاتحاد العام لنقابات العمال أو دوائر الأمن التابعة للحزب، في عملية تأميم قسري واسعة.

ولم تقتصر الحملة على المشاركين المباشرين، بل امتدت لتشمل عوائل بأكملها، إذ جرى اعتقال الأب والأم والأبناء البالغين بتهم "التستر على مجرمين هاربين والتواطؤ ضد أمن الدولة".

ونُقل كثيرٌ منهم إلى مديرية أمن كربلاء وسجن الرضوانية، إذ خضعوا لتحقيقات قاسية شملت التعذيب بالصعق الكهربائي والضرب المبرح، في محاولة لانتزاع اعترافات حول هويات الزوار والارتباطات التنظيمية للانتفاضة.

وامتدت سياسة العقاب إلى البنية العمرانية نفسها، إذ جرى استخدام الجرافات العسكرية (الشفلات) لهدم عدد من البيوت الفندقية القديمة والـ"خانات" في الأزقة الضيقة المحيطة بالعتبة الحسينية، تحت ذريعة "توسيع الممرات الأمنية" ومنع الاختباء مستقبلاً.

وقد شكل هذا الإجراء بداية تحول عمراني وديموغرافي عميق في البلدة القديمة في كربلاء.

وفي خطوة أخيرة ضمن سلسلة العقوبات، جرى تهجير ونفي عشرات العوائل الكربلائية التي ثبت دعمها أو احتضانها للمشاية، إذ أُجبرت على مغادرة المحافظة نحو مناطق في غرب وشمال العراق مثل الأنبار والموصل، مع فرض الإقامة الجبرية تحت رقابة أمنية مشددة، ومنعها من العودة إلى كربلاء أو الوصول إلى العتبات المقدسة نهائياً.

وبهذا المسار، تحولت مرحلة ما بعد اقتحام الحرم إلى عملية عقاب جماعي واسعة لم تقتصر على المشاركين في الانتفاضة، بل امتدت إلى المجتمع المحلي بأكمله، في محاولة لإعادة تشكيل كربلاء أمنياً واجتماعياً بعد أحداث صفر 1977م.



محكمة الثورة: قضاءٌ على مقاس السلطة

في مرحلة لاحقة من أحداث انتفاضة صفر 1977م، أصدر أحمد حسن البكر مرسوماً جمهورياً بتشكيل هيئة قضائية عسكرية خاصة عُرفت باسم "محكمة الثورة"، برئاسة طه ياسين رمضان، وعضوية كل من نعيم حداد وحسن علي العامري، وجاء هذا التشكيل في إطار مسعى رسمي لإضفاء غطاء قضائي على تداعيات الانتفاضة ضمن سياق أمني–سياسي أعقب المواجهات الميدانية.

وقد اتسمت هذه المحكمة بطابع استثنائي، إذ جرت المحاكمات على نحوٍ سريع وصوري، استمرت في بعض الحالات لساعات محدودة فقط، دون توفير ضمانات دفاع قانوني أو السماح بحضور محامين للمتهمين، واعتمدت الأحكام بشكل أساسي على تقارير الأجهزة الأمنية والمخابراتية، مما جعلها امتداداً مباشراً للمسار الأمني أكثر من كونها مؤسسة قضائية مستقلة.

وانتهت مجريات هذه المحاكمات بإصدار وتنفيذ أحكام قاسية في 24 فبراير 1977م، شملت الإعدام شنقاً حتى الموت بحق 8 من قادة وشباب الانتفاضة، وهم: الشهيد صاحب أبو كلل، الشهيد ناجح محمد كريم المشهدي، الشهيد جاسم إيراني، الشهيد عباس هادي عجينة والذي استشهد تحت التعذيب قبل تنفيذ حكم الإعدام، الشهيد محمد علي يوسف النصراوي، الشهيد يوسف عبد الستار الأسدي، الشهيد عبد الوهاب عبد الرزاق الطالقاني، والشهيد غازي جودة خضير، فضلاً عن صدور حكم بالسجن المؤبد (مدى الحياة) بحق 22 شخصية دينية وحركية، كان من أبرزهم السيد محمد محمد صادق الصدر (الصدر الثاني) والشيخ محمد مهدي الآصفي، إذ جرى نقلهم إلى سجن أبو غريب قبل الإفراج عنهم لاحقاً ضمن عفو عام.



من لحظة الانفجار إلى إعادة تشكيل الصراع

أدّت نهاية انتفاضة صفر 1977م على هذا النحو الدموي إلى تحوّل سياسي واجتماعي بالغ الأثر، تمثّل أولاً في توقف مسيرات المشاية بشكل كامل في العراق لمدة 26 عاماً، حتى سقوط النظام عام 2003، وهو ما دفع الشعائر الدينية إلى الدخول في مرحلة من العمل المحدود والسري، بعيداً عن طابعها الجماهيري العلني الذي كان يميّزها سابقاً.

غير أن هذه النهاية لم تُغلق جذور التوتر، بل أسهمت في تعميق الإحساس بالاصطدام بين المجتمع والدولة، وترسيخ ذاكرة جمعية قائمة على المواجهة، وفي المقابل عززت لدى السلطة البعثية قناعة مفادها أن البعد العقائدي والاجتماعي للجماهير يمثل أحد أخطر مصادر التحدي السياسي، وهو ما انعكس لاحقاً في تشدد أمني متصاعد بلغ ذروته في مراحل لاحقة من تاريخ النظام، وصولاً إلى استهداف رموز دينية بارزة ضمن سياق أوسع من إدارة الصراع مع المجتمع.

وفي العمق، لم تكن انتفاضة صفر 1977م حدثاً معزولاً، بل مثّلت لحظة كسر حاجز تاريخي بين الدولة والمجتمع، إذ واجه مشروع الدولة البعثية الساعي إلى إحكام السيطرة على المجال العام مجتمعاً دينياً وشعبياً كان يرى في الشعائر الدينية مساحة للهوية والوجود والتعبير الجمعي.

وقد كشفت الانتفاضة عن تحولات بنيوية في طبيعة الصراع داخل العراق، أبرزها انتقال المواجهة من الإطار الشعائري التقليدي إلى بنية عقائدية منظمة أكثر عمقاً واتساعاً، مع تصاعد اعتماد الدولة على القوة العسكرية الثقيلة في التعامل مع التجمعات المدنية ذات الطابع الديني، وتحول الشعائر من طقس اجتماعي إلى فضاءات احتجاج سياسي مفتوح تحمل دلالات مواجهة واضحة مع السلطة، لتتحول بذلك الانتفاضة إلى لحظة انكشاف لبنية صراع أعمق أعادت تعريف حدود الدولة وحدود الفعل الجماهيري في العراق آنذاك.



خلاصة القول

شكّلت انتفاضة صفر 1977م لحظة مفصلية في تاريخ العلاقة بين الدولة والمجتمع في العراق، إذ تكرّس فيها نمط جديد من الصدام يقوم على المواجهة المباشرة بين السلطة المركزية والفضاء الديني الشعبي، بما حمله من كثافة جماهيرية ورمزية دينية يصعب احتواؤها أو ضبطها بالأساليب التقليدية.

وبهذا المعنى، لم تكن الانتفاضة مجرد حدث عابر في سجل الاحتجاجات، بل مثّلت بداية مرحلة طويلة من التوتر المتصاعد الذي امتد في العقود اللاحقة، وأسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين الدين والسياسة والدولة في العراق، ضمن مسار تاريخي ظل مفتوحاً على التحول والتصعيد.