وجاء تنظيم الملتقى استجابةً للحاجة المتزايدة إلى معالجة التحديات النفسية والتربوية التي تواجه الأسرة في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، عبر تقديم رؤية علمية وإيمانية تستلهم قيم النهضة الحسينية، وتربط بين الموروث الديني ومتطلبات الواقع المعاصر، بما يسهم في بناء شخصية أكثر اتزانا وقدرة على مواجهة الضغوط والتحديات.
وشكل الملتقى مساحة علمية وثقافية جمعت بين المختصات في مجالات التربية وعلم النفس والعقيدة والعلوم الإنسانية، بهدف مناقشة أبرز القضايا التي تمس الأسرة والمرأة والمجتمع، والبحث عن معالجات تستند إلى المنهج الإسلامي وتستفيد في الوقت نفسه من المعارف الحديثة في مجالات الصحة النفسية والتربية.
إحياء واقعة الطفّ يجدّد في الإنسان معاني الإيمان والثبات
أكّد المتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، أن إحياء واقعة الطفّ يجدّد في الإنسان معاني الإيمان والثبات والصبر، ويعمّق أثرها العاطفيّ والفكري والنفسي مع مرور الزمن.
جاء ذلك في كلمته أثناء فعّاليات افتتاح الملتقى، التي دعا الله تبارك وتعالى فيها؛ أن يحظى جميع من حضر بمعلوماتٍ قيّمة تُسهِمُ في إثراء الوضع الفكريّ والثقافيّ عندهم.
وقال سماحته، إن قضيّة عاشوراء من القضايا التي تبيّن كيف ترك أغلب الأمّة المبادئ، وكيف نهض بها القلّةُ لإرجاعها، وكيف خلّف ذلك الترك بعد ذلك جراحاتٍ لا تندمل إلى يوم القيامة، مبيّنًا أن العقل هو أعظم ما أودعه الله في الإنسان، وبه يكون التكليف والتمييز، ولذلك حظي بمكانةٍ عظيمة في الروايات، وقد بعث الله الأنبياء، وخاتمهم النبيّ محمد (صلّى الله عليه واله) ليقودوا الناس بالحكمة وينمّوا عقولهم بما يناسب مستوياتهم.
وأوضح سماحته أنّ الأخذ بتعاليم الله سبحانه وتعالى، لا يكون إلّا من خلال الجهة التي عيّنها سبحانه وارتبطت به، وهذا أمرٌ ينسجم مع الفطرة، إذ لا يُمكن أن يتركَ اللهُ الناسَ بلا مصدرٍ موثوق بعد إرسال الرسل، مؤكّدًا أنّ قيمة الإنسان الحقيقية ليست في أحوال الدنيا، وإنّما في الالتزام بالمنهج الإلهيّ الذي يوصله إلى الجزاء في الآخرة.
وأضاف، أنّ تقسيم غني وفقير، صحيح، ومريض، زعيم، ومن عامّة الناس، موظّف وعامل، وهكذا، فهذه تقسيمات الدُنيا، أمّا تقسيمات الآخرة فلها علاقة بالإيمان وبمقدار ما نمتثل لما جاء به الله تبارك وتعالى على لسان أنبيائه ورسله وكتبه.
وأكّد أنّ هداية الأمّة لم تنقطع برحيل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، بل استمرّت من خلال أهل البيت (عليهم السلام) الذين تولّوا حفظ المنهج الإلهيّ وبيان تعاليمه، وقد أسهموا في ترسيخ المبادئ التي تنسجم مع القرآن الكريم وتفسّر أحكامه ومعارفه وتوضّحها للناس، ولذا فالسنة النبويّة لم تنقطع بموت النبيّ بل استمرّت حتى سنة 255هـ.
وذكر السيّد الصافي أنّ العقل الجمعيّ قد يحجبُ الإنسان أحياناً عن إدراك الحقيقة ويقوده إلى اتّباع الباطل دون بصيرةٍ، كما حدث مع جيش الأعداء في ملحمة كربلاء، الذي لم يستجبْ لنداءات الإمام الحسين (عليه السلام)، وفي المقابل، كان أصحاب الإمام يقاتلون عن وعيٍ وإيمانٍ بعد أن اختاروا نصرة الحقّ بإرادتهم.
وتطرّق سماحتُهُ إلى أنّ أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته بلغوا أعلى مراتب الصبر واليقين، بعد أن عرفوا حقيقة الموقف، واختاروا الثبات على الحقّ رغم التضحيات، موضّحًا أنّ موقف السيدة زينب (عليها السلام) جسّد هذا الصبر الإيمانيّ، إذ واجهت المصائب برضا وتسليمٍ لله.
ولفت إلى أنّ الصبر في نهضة عاشوراء هو طريقٌ للطاعة والقرب من الله، ومن خلاله ينال الإنسانُ الثبات ويجني ثمارَ الإيمان، مبيّنًا أنّ إحياء واقعة الطفّ يجدّد في الإنسانِ معاني الإيمان والثبات، ويعمّق أثرها العاطفيّ والفكريّ والنفسيّ مع مرور الزمن، لتبقى عاشوراء مدرسةً متجدّدةً يستلهمُ منها الإنسان القيم والمبادئ في مختلف جوانب حياته.
عاشوراء مدرسة متجددة لبناء الإنسان
انطلقت فعاليات الملتقى بالتأكيد على أن واقعة الطف ليست مجرد حدث تاريخي يستعاد في المناسبات، بل تمثل مدرسة متجددة في صناعة الإنسان الواعي، بما تحمله من قيم الإيمان والثبات والصبر والبصيرة وتحمل المسؤولية.
وركزت الرؤية الفكرية التي طرحها الملتقى على أن النهضة الحسينية ما زالت قادرة على تقديم حلول واقعية لكثير من التحديات التي يعيشها الإنسان المعاصر، وأن إحياء عاشوراء لا يقتصر على الجانب العاطفي، وإنما يمتد إلى ترسيخ منظومة فكرية وأخلاقية تسهم في إعادة بناء الشخصية الإنسانية وتعميق ارتباطها بالمبادئ الإلهية.
وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يمتلكه من مكانة اجتماعية أو إمكانات مادية، وإنما بمدى التزامه بالمنهج الإلهي، وأن الرسالات السماوية جاءت لتنمية العقل وترسيخ الوعي، وهو ما يجعل من العقل الركيزة الأساسية في عملية الاختيار وتحمل المسؤولية.
كما بين الطرح الفكري للملتقى أن استمرار الهداية الإلهية بعد الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله) تمثل في الامتداد الرسالي لأهل البيت (عليهم السلام)، الذين حفظوا معالم الدين وأسهموا في بيان تعاليم القرآن وترسيخ مبادئه في حياة الأمة.
الصبر بوصفه مهارة يمكن بناؤها
احتل مفهوم الصبر مساحة واسعة في محاور الملتقى، إذ جرى تقديمه بوصفه مهارة نفسية وتربوية قابلة للتدريب والتطوير، وليس مجرد حالة وجدانية مرتبطة بظروف معينة.
وانطلقت الرؤية المطروحة من أن الضغوط النفسية المتزايدة التي يعيشها الإنسان اليوم، ولا سيما فئة الشباب، تفرض الحاجة إلى إعادة بناء مفهوم الصبر، ليصبح وسيلة عملية تساعد الفرد على التكيف مع الأزمات، وإدارة الانفعالات، واستثمار التحديات بوصفها فرصا للنمو الشخصي.
وفي هذا الإطار، طُرح مفهوم (هندسة الصبر) بوصفه منهجا يقوم على بناء هذه القيمة بصورة تدريجية ومنظمة، من خلال التدريب المستمر على ضبط النفس، وتنمية القدرة على التحمل، والانتقال من حالة الاحتراق النفسي إلى مرحلة التسامي، بما يحقق السلام الداخلي والاستقرار النفسي.
كما ربط الملتقى بين هذا المفهوم وبين المواقف التي جسدها الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه في عاشوراء، بوصفها الأنموذج الأكمل في الثبات أمام المحن، وتحويل أصعب الظروف إلى مواقف خالدة في الصبر والإيمان.
المرأة محور صناعة الأسرة
أولى الملتقى اهتماما خاصا بالمرأة، انطلاقا من كونها الركيزة الأساسية في بناء الأسرة وصناعة الأجيال، إذ اكّدت محاوره على تنمية مهاراتها النفسية والتربوية، وتعزيز قدرتها على إدارة الضغوط اليومية، وبناء بيئة أسرية مستقرة.
وجرى التأكيد على أن تمكين المرأة لا يقتصر على الجانب المعرفي، بل يشمل إعدادها نفسيا وتربويا، بما يعزز قدرتها على تربية الأبناء وإدارة العلاقات الأسرية، والتعامل مع المتغيرات الاجتماعية والثقافية التي تشهدها المجتمعات الحديثة.
كما استحضر الملتقى شخصية السيدة زينب (عليها السلام) بوصفها (الأنموذج) الأسمى للصبر والثبات وتحمل المسؤولية، لما جسدته من قدرة استثنائية على حفظ الرسالة الإلهية ورعاية العيال في أقسى الظروف، لتتحول سيرتها إلى مدرسة تربوية وإنسانية يمكن استلهامها في إعداد المرأة المعاصرة.
ترميم الذات في مواجهة تحديات العصر
ناقشت جلسات الملتقى مفهوم (ترميم الذات) باعتباره أحد أهم المفاهيم التي يحتاجها الإنسان في ظل الضغوط النفسية والاجتماعية المتزايدة، إذ ربطت بين العلاج النفسي والبناء الإيماني، مؤكدة أن التعافي يبدأ من إعادة بناء الداخل الإنساني وترسيخ الثقة بالله وبالذات.
وتناولت الحوارات أبرز التحديات التي تواجه الأسرة، وفي مقدمتها الغزو الثقافي، والانفتاح الإعلامي، والتطور التكنولوجي، وما يرافقها من تغيرات في منظومة القيم، الأمر الذي يفرض اعتماد أساليب تربوية جديدة تحافظ على الهوية الدينية والثقافية، وتمنح الأبناء القدرة على التمييز بين ما ينسجم مع قيمهم وما يتعارض معها.
كما سلطت الجلسات الضوء على الفجوة المتزايدة بين الأجيال، مؤكدة أهمية تطوير أدوات الحوار داخل الأسرة، واعتماد التربية القائمة على الوعي والإقناع، بما يسهم في بناء علاقات أسرية أكثر تماسكا واستقرارا.
تعزيز المرونة النفسية
برزت المرونة النفسية بوصفها أحد المحاور الرئيسة التي تناولها الملتقى، إذ جرى تناولها بوصفها قدرة الإنسان على التكيف مع المتغيرات والضغوط دون أن يفقد توازنه النفسي أو منظومته القيمية.
وأكدت الأوراق العلمية التي طرحت أن المرونة النفسية لا تعني الاستسلام للواقع، وإنما تعني امتلاك القدرة على إدارة الأزمات، وتحويل التجارب الصعبة إلى خبرات تسهم في تطوير الشخصية، وهو ما يجعلها من أهم المهارات التي ينبغي غرسها داخل الأسرة والمؤسسات التعليمية.
وانطلاقا من هذا الفهم، دعا الملتقى إلى إدماج مفاهيم الصحة النفسية والمرونة الانفعالية في البرامج التربوية والثقافية، لتصبح جزءا من عملية بناء الإنسان، وليس مجرد استجابة ظرفية للأزمات.
صناعة الوعي تبدأ من الفئات المؤثرة
أكّد الملتقى على أهمية توجيه الخطاب الثقافي والتربوي إلى الفئات الأكثر تأثيرا في المجتمع، وفي مقدمتها الشابات والأكاديميات، بوصفهن يمتلكن قدرة كبيرة على نقل المعرفة وصناعة الوعي داخل الأسرة والمؤسسات التعليمية.
ورأى أن الاستثمار في هذه الفئات يمثل استثمارا في مستقبل المجتمع، لما تضطلع به من دور في إعداد الأجيال، وترسيخ ثقافة المسؤولية، وتعزيز قيم التضحية والانتماء والالتزام بالمبادئ.
كما شدد على أن بناء الوعي الحقيقي لا يتحقق من خلال المعلومات المجردة، وإنما عبر تحويل القيم إلى سلوك يومي وممارسة عملية تنعكس في أساليب التربية والعلاقات الاجتماعية.
توصيات ترسم خارطة عمل مستقبلية
اختتم الملتقى أعماله بإقرار مجموعة من التوصيات التي هدفت إلى تحويل مخرجاته الفكرية إلى برامج عملية مستدامة.
ودعت التوصيات إلى تعزيز حضور الثقافة النفسية والتربوية في مختلف البرامج المجتمعية، وإطلاق مبادرات مستمرة تُعنى بترميم الذات، وبناء التوازن النفسي، ونشر ثقافة الصبر والمرونة داخل الأسرة والمؤسسات التعليمية.
كما أوصت بإعداد برنامج إعلامي بعنوان (من القيم إلى الأثر)، يؤكّدعلى فئة الشباب، ويعمل على تنمية مهارات التفكير والتحليل، وتعزيز الحصانة الفكرية والعقائدية، وترجمة القيم المستمدة من النهضة الحسينية إلى سلوكيات عملية في الحياة اليومية.
وشملت التوصيات أيضا تبني برنامج (في ظلال القيم)، الذي يهدف إلى ترسيخ القيم النفسية والتربوية المستلهمة من عاشوراء، إلى جانب توسيع التعاون مع الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والتربوية لإطلاق مشاريع مشتركة تعزز الوعي الأسري وتسهم في بناء شخصية متوازنة.
رؤية متكاملة لمستقبل أكثر استقرارا
عكس ملتقى (رواسي) في نسخته الأولى رؤية متكاملة تتجاوز الطرح الوعظي التقليدي، لتقدم قراءة تجمع بين الفكر الإسلامي والعلوم النفسية والتربوية، في محاولة للإجابة عن أسئلة الإنسان المعاصر، وتقديم حلول تنطلق من القيم الدينية وتستفيد من المعارف العلمية الحديثة.
وأظهر الملتقى أن النهضة الحسينية ما تزال قادرة على إلهام مشاريع إصلاحية معاصرة، ليس فقط في الجوانب العقائدية، بل أيضا في ميادين التربية والصحة النفسية وبناء الأسرة وصناعة الوعي المجتمعي.
كما أكد أن استقرار المجتمع يبدأ من استقرار الأسرة، وأن تحقيق هذا الاستقرار يتطلب إعدادا علميا وروحيا متوازنا، يرسخ قيم الصبر والمرونة والبصيرة وتحمل المسؤولية، ويحولها إلى ممارسات يومية قادرة على مواجهة تحديات العصر.
واختتمت فعاليات الملتقى بتكريم المشاركات واللجان الساندة، تأكيدا على أهمية الشراكة العلمية والمجتمعية في إنجاح المبادرات الفكرية والتربوية، وتجديد الالتزام بمواصلة البرامج التي تعزز الوعي الأسري، وتدعم بناء الإنسان على أسس تجمع بين الإيمان والعلم، وتستلهم من عاشوراء قيمها الخالدة في صناعة الإنسان والمجتمع.