ماذا تعرف عن المشاريع الزراعية للعتبة العباسية المقدسة؟

لم تعد الزراعة في العراق أحد النشاطات الإنتاجية التي ترتبط بالأرض والموسم فحسب، بل أصبحت جزءا رئيسا من مواجهة التحديات المناخية وشح المياه وتراجع المساحات الزراعية والحاجة إلى تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة.

وفي محافظة كربلاء المقدسة، حيث تمتد مساحات واسعة من الأراضي غير المزروعة، برزت المشاريع الزراعية التي عملت على تحويل أجزاء من هذه الأراضي إلى مساحات منتجة، مستفيدة من تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية واستصلاح التربة وتنوع المحاصيل.

وفي هذا السياق، تبنت العتبة العباسية المقدسة سلسلة من المشاريع الزراعية التي تتوزع بين الأحزمة الخضراء والمزارع التخصصية والمشاريع الحقلية ومشاريع النخيل والمحاصيل والخضروات والمشاتل، لتمثّل بمجملها تجربة تجمع بين الإنتاج الزراعي والمحافظة على البيئة وتوسيع الغطاء النباتي ودعم السوق المحلي.



مشروع الساقي.. بوابة للإنتاج الزراعي

اتخذ مشروع الساقي الذي تبنته العتبة العباسية المقدسة مسارا تنمويا يتكامل فيه استثمار المياه الجوفية مع مشروع استصلاح الأراضي وتوسيع النشاط الزراعي، في استجابة عملية للتحديات التي فرضها تراجع مناسيب نهري دجلة والفرات، وما يرافق ذلك من مخاطر على مستقبل المياه والزراعة في العراق.

وقد بدأ المشروع بالتعاون مع دائرة آبار محافظة كربلاء، انطلاقا من الاعتماد على المياه الجوفية بوصفها خزينا استراتيجيا يمكن اللجوء إليه عند حدوث أزمات أو طوارئ مائية.

وفي مرحلته الأولى، تضمن المشروع حفر (50) بئرا ارتوازيا بعمق (200م)، على مساحة تبلغ خمسة آلاف دونم، وبمسافة 500م بين بئر وآخر، مع إنشاء محطة عملاقة لتصفية وتنقية المياه، وأخرى لتوليد الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل المشروع.

وعلى وفق الخطة الموضوعة، يمكن للآبار أن تغذي مترا مكعبا من الماء كل ثانية، مع إمكانية زيادة التغذية مستقبلا، بما يتيح للمشروع الإسهام في سد حاجة المحافظة من المياه عند وقوع أي طارئ.

وتخضع المياه للفحوصات المختبرية لتحديد طبيعة المعالجة المطلوبة، قبل نقلها عبر منظومات الضخ والأنابيب إلى المحطة الرئيسة ومنها إلى مناطق التوزيع.

ومع توفير مصدر المياه، انتقل المشروع من معالجة تحدي المياه إلى توظيفها في تنمية الأرض، إذ جرى استثمار المساحات الصحراوية في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها الحنطة ذات الرتب العالية.

وشهدت المساحات المزروعة توسعا تدريجيا مع إدخال منظومات الري الحديثة، ولا سيما المرشات المحورية، بما عزز القدرة على استثمار مساحات أكبر من الأراضي وتحقيق إنتاج زراعي ذي نوعية جيدة، وفي أحد مواسمه، بلغت المساحة المزروعة بالحنطة (1000) دونم، مع استخدام (11) مرشة محورية، منها (8) مرشات تغطي الواحدة منها مساحة (80) دونماً و (3) مرشات تغطي الواحدة منها مساحة (120) دونما، من ضمن توجه يربط بين وفرة المياه الجوفية والتقنيات الزراعية الحديثة.

ولم تتوقف تجربة الساقي عند زراعة الحنطة؛ بل اتسعت لتشمل إنشاء مزارع النخيل، مستفيدة من المساحات الواسعة للمشروع التي تقدر بـ 10.250 دونما خصصت منها (1000) دونم لزراعة أصناف عراقية نادرة من النخيل، بعضها من الأنواع التي تراجعت زراعتها وأصبح العراق يستوردها؛ لتتحول المزرعة بذلك إلى مشروع للحفاظ على التنوع الزراعي وإعادة إحياء أصناف ترتبط بالهوية الزراعية العراقية.

وقد بلغ عدد النخيل المزروع أكثر من 14 ألف نخلة، موزعة على أكثر من (95) صنفا، مع استثمار المساحات البينية لزراعة أشجار الفواكه والحمضيات.

وتواصل هذا المسار بزيادة 200 دونم من فسائل النخيل النسيجية ذات الأصناف النادرة، ومنها البرحي والصقعي، مع اعتماد أساليب حديثة في تهيئة التربة وتسويتها وتحديد مواقع الغرس واستخدام منظومة الري بالتنقيط.

وتمثل هذه الخطوة امتدادا لخطة تطوير مزارع الساقي كمجال لإكثار الأصناف النادرة، وزيادة المساحات المزروعة، ورفع القيمة الإنتاجية للأرض الصحراوية.

وبهذا التدرج، أخذ مشروع الساقي شكلا يتجاوز فكرة توفير المياه البديلة إلى بناء منظومة متكاملة تبدأ من استخراج المياه الجوفية ومعالجتها، ثم توظيفها في استصلاح الأرض، وصولا إلى إنتاج المحاصيل الاستراتيجية وإحياء أصناف النخيل العراقية النادرة.

وتسهم المزارع في تشكيل مصدات طبيعية للرياح والعواصف الترابية، وتوفير فرص عمل، ورفد السوق المحلي بالمنتجات الزراعية، وإدخال التقنيات الحديثة والخبرات الزراعية في استثمار الأراضي غير المزروعة.

ويكشف هذا المسار عن رؤية طويلة الأمد تجعل من المياه الجوفية ركيزة لخطة أوسع في التنمية الزراعية؛ لتتحول الأراضي التي كانت في خارج دائرة الإنتاج إلى مساحات خضراء منتجة، وتصبح مزارع الساقي نموذجا لإمكانية الجمع بين إدارة الموارد المائية واستثمار الصحراء وتعزيز الإنتاج الزراعي، مع إبقاء الخزين المائي المتحقق ليكون سندا استراتيجيا يمكن الاعتماد عليه في مواجهة أزمات شح المياه مستقبلا.



مشروع الحزام الأخضر

تشرف العتبة العباسية المقدسة على مشروع الحزام الأخضر لمدينة كربلاء المقدسة، بقسميه الجنوبي الأول والثاني، وهو مشروع يجمع بين البعد البيئي والإنتاج الزراعي والبعد الترفيهي.

ويبلغ طول الحزام الكلي 27 كيلومترا، وبمساحة تقدر بـ 2,700,000 م²، وعرض 100م، وهو مجهز بـ 49 منظومة رش مياه وسقي، ويضم أنواعا من الأشجار التي تمتاز بمقاومتها للظروف المناخية الصحراوية الصعبة، ومنها أشجار النخيل والزيتون والكالبتوز وأشجار زهرية دائمة الخضرة، فضلا عن 12 منظومة للطاقة الشمسية.

ويشتمل المشروع على واحات زراعية، بلغ عددها أكثر من 31 واحة، تنتج أكثر من 10 أطنان من الزيتون، إلى جانب محاصيل خضرية تُسوّق محليا، في حين تحولت هذه المساحات الخضراء إلى وجهة ترفيهية للعوائل الكربلائية على نحو خاص والعراقية على نحو عام؛ لما تضمه من منشآت وواحات ترفيهية.

وترد من ضمن بيانات المشروع كمية إنتاج للتمور تبلغ أكثر من 300 طن سنويا، إلى جانب الأرقام التفصيلية لأعداد الأشجار، إذ يضم المشروع أكثر من 8,000 شجرة من أشجار السدر، و17,343 شجرة نخيل، و35,031 فسيلة نخيل، وأكثر من 24,000 شجرة زيتون، و18,000 شجرة رمان، وأكثر من 8,000 شجرة من أشجار الكالبتوس، فضلا عن النباتات الموسمية، و1,287 شجرة من أشجار الحمضيات، و2,500 شجرة من أشجار البيزيا، و2,010 شجرات من أشجار التين، ونحو 4,000 شجرة من أنواع مختلفة .

ولا يقتصر النشاط الزراعي في الحزام الأخضر على الأشجار، إذ يتضمن زراعة محاصيل الخضروات كمحصول البامية العراقية والرقي والبطيخ والباقلاء من بذور مصرية المنشأ، واللهانة والخس من بذور هولندية، والكلم من البذور الهندية، والطماطم الأمريكية، والباذنجان الإسباني، في حين كانت المحاصيل الورقية والبامياء من البذور العراقية، فضلا عن إنتاج الشعير.

وبذلك يظهر الحزام الأخضر بوصفه مشروعًا يتجاوز صورته الأولى كمساحة خضراء أو متنفس للعوائل؛ فهو في الوقت نفسه مساحة للإنتاج الزراعي، ووسيلة لمواجهة التصحر، وميدان لتجارب زراعة الأشجار والمحاصيل، ووجهة ترفيهية تستقبل آلاف العوائل.



مشروع العوالي الزراعي

يمثل مشروع العوالي الزراعي تجربة لتحويل مساحات واسعة من الأراضي الصحراوية إلى أراض منتجة، ويقع على الطريق الرابط بين محافظة كربلاء المقدسة وقضاء عين التمر، على مساحة تصل إلى 50,000 دونم من الأراضي الصحراوية التي جرى تهيئتها للزراعة بعد سلسلة من الأعمال الهندسية والتقنية.

ويضم المشروع 11 بئرا ارتوازيا، جرى ربطها بشبكات ري حديثة تعتمد على نظام الري بالتقطير، بما يسهم في تقليل هدر المياه وضمان وصولها إلى جذور النباتات بكفاءة عالية.

وفي جانب الطاقة، جرى تجهيز كل بئر بمنظومة طاقة شمسية تحتوي على 112 خلية شمسية، بما يضمن استمرارية تشغيل المضخات من دون الاعتماد على الشبكة الكهربائية الوطنية.

ويضم المشروع محاصيل حقلية واستراتيجية متعددة، منها الحنطة والشعير بوصفهما من المحاصيل الرئيسة للحبوب، فضلا عن البطاطا وأشجار النخيل، إذ تمت زراعة حوالي 1200 نخلة من أصناف عراقية جيدة، إلى جانب إنشاء حزام أخضر من أشجار الكالبتوس والدفلة لحماية المزروعات من العواصف الرملية.

ويهدف مشروع العوالي إلى استصلاح الأراضي الصحراوية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من بعض المحاصيل الاستراتيجية، وتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد الزراعي، فضلا عن مكافحة التصحر والحفاظ على البيئة عن طريق إنشاء الأحزمة الخضراء، وتوفير فرص عمل دائمة وموسمية للأهالي.



مزرعة الفردوس.. تجربة زراعية فريدة

يمثل مشروع مزرعة الفردوس الذي تشرف عليه شركة اللواء العالمية تجربة زراعية تعتمد تقنيات الريّ الحديثة والمياه الجوفية والمكننة الزراعية، بما يسهم في دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على المحاصيل المستوردة.

وتمثل الزراعة الجزء الرئيس من مشروع الفردوس، إذ خُصّص لها (640) دونما من أصل مساحة المشروع البالغة (760) دونما، في حين خُصصت المساحات المتبقية لأغراض ترفيهية وخدمية وصناعية مستقبلية؛ لتجعل المشروع ذا أبعاد متعددة، مع إبقاء النشاط الزراعي كمحور رئيس.

وقد شهدت المزرعة تجارب زراعية متعددة شملت إنتاج محاصيل استراتيجية، في مقدمتها البطاطا والحنطة، مع اعتماد أساليب وتقنيات حديثة في عمليات الزراعة والسقي والتسميد، والإفادة من الخبرات المحلية والتقنيات المتطورة في إدارة الأراضي الصحراوية.

وفي محصول البطاطا، خاضت المزرعة تجربتين متعاقبتين؛ تمثلت الأولى بإنتاج (تقاوي البطاطا) التي تُستخدم بذورا لإنتاج البطاطا الغذائية، في حين اتجهت التجربة الثانية إلى إنتاج البطاطا الصناعية والاستهلاكية، وقد بلغت المساحة المحصودة في الوجبة الثانية (200) دونم.

وأسهمت هذه التجربة في اختبار قدرة الأراضي الصحراوية على إنتاج محصول ذي أهمية مباشرة للسوق المحلي، فضلا عن إمكان توفير مدخلات إنتاج محلية تسهم في دعم سلسلة إنتاج البطاطا.

ودخلت الحنطة من ضمن التجارب الزراعية المهمة في المزرعة، إذ أُنجز حصاد (400) دونم من الحنطة ذات الرتب العليا، بعد زراعتها وسقيها بوساطة المرشات المحورية والاعتماد على مياه الآبار، وقد رافق ذلك تطبيق برنامج تسميدي وغذائي متكامل، الأمر الذي انعكس على جودة المحصول ووفرة إنتاجه.

ولا تقتصر أهمية التجربة على إنتاج المحاصيل فحسب، بل تمتد إلى اختبار الزراعة الصحراوية وتطوير نماذج يمكن الإفادة منها في مناطق أخرى؛ فقد أصبحت المزرعة موقعا للمشاهدة الحقلية التي نظمتها دائرة الإرشاد والتدريب الزراعي في كربلاء، للاطلاع على تقنيات الري الحديثة وطرائق التسميد والمكننة واستثمار المياه الجوفية، الأمر الذي منح المشروع بعدا إرشاديا إلى جانب دوره الإنتاجي.

ويبرز في تجربة الفردوس كذلك استخدام الأسمدة والمبيدات الإحيائية المنتجة من شركة خير الجود، في إطار توجه نحو تقليل الهدر المائي وتحسين كفاءة الإنتاج وجودة المحاصيل، وتمثل هذه التقنيات جزءا رئيسا من محاولة جعل الزراعة في الأراضي الصحراوية أكثر كفاءة واستدامة، ولا سيما في البيئات التي تفرض تحديات تتعلق بالمياه والتربة.

وتكشف تجربة مزرعة الفردوس عن توجه يتجاوز استصلاح مساحة زراعية محددة إلى بناء نموذج متكامل للزراعة في البيئة الصحراوية، يجمع بين استثمار الأرض والمياه الجوفية والتقنيات الحديثة والخبرة الزراعية، مع إنتاج محاصيل ترتبط مباشرة بحاجات السوق المحلية.

وبذلك، تمثل مزرعة الفردوس حلقة من ضمن سلسلة المشاريع الزراعية التي تعمل العتبة العبّاسية المقدّسة على تطويرها، وتجربةً عملية في إمكانية تحويل الأراضي الصحراوية إلى حقول منتجة، مع التوسع في توظيف التقنيات الحديثة لتبتعد عن زيادة الإنتاج فقط ؛ بل تصل إلى بناء خبرة قابلة للتطوير والإفادة منها في مشاريع زراعية مستقبلية.



مشروع المعلى الزراعي

أُسّس مشروع المعلى في عام 2015، على مساحة أرض تبلغ 20 ألف دونم، أي ما يعادل 50 مليون متر مربع، وزُرعت فيه المحاصيل الاستراتيجية كالحنطة والشعير، فضلا عن زراعة أحزمة خضراء بطول 40 كيلومترا، في خطوة تجمع بين الإنتاج الزراعي والحماية البيئية.

وطُبقت في المشروع أساليب زراعية حديثة تسهم في زيادة الإنتاج وكفاءته ودعم الاقتصاد الوطني، واعتمدت المزرعة على أساليب ري حديثة من أجل ترشيد المياه، ومنها التقطير والمرشات المحورية للمحاصيل الحقلية باستخدام الطاقة البديلة.

ويقع مشروع المعلى في عمق صحراء كربلاء، وقد أسهم في توفير جزء من السلة الغذائية للمواطن العراقي، وزيادة رقعة الأراضي الزراعية عن طريق استخدام تقنيات حديثة ومتطورة في استصلاح التربة وطرائق الزراعة وأنظمة التسميد.

وللمشروع أبعاد اقتصادية وبيئية أيضا؛ فقد استقطب عددا من الأيدي العاملة للعناية بمنشآته ومرافقه، ووظف الإمكانات والخبرات الزراعية في عملية الإنتاج، فضلا عن إسهامه في توسيع مساحات الغطاء النباتي وتشكيل حاجز صد أمام اجتياح التصحر الذي بدأ يلتهم الأراضي العراقية.



مزرعة السدر النموذجية

تمثل مزرعة السدر النموذجية إحدى التجارب الزراعية التي أطلقتها العتبة العباسية المقدسة من ضمن توجه أوسع لاستثمار الأراضي الصحراوية وتحويلها إلى مساحات خضراء منتجة، بما يسهم في دعم الواقع الزراعي المحلي، وزيادة الرقعة الخضراء في محافظة كربلاء المقدسة، وفتح المجال أمام ادخال أصناف نباتية مميزة وتوطينها وإكثارها.

وجاء إنشاء المزرعة امتدادا لنجاح تجربة المزارع النموذجية، ولا سيما مزرعة النخيل، لتكون السدر محطة جديدة في مسار إنشاء مشاريع زراعية تخصصية يمكن أن تتوسع فيما بعد؛ لتشمل أنواعا أخرى من الفواكه والنباتات.

وأُنشئت المزرعة عام 2017 على أرض صحراوية تقع على طريق النجف - كربلاء، بمساحة تقدّر بـ (70) دونما، لتكون تجربة تطبيقية في كيفية تحويل الأرض الصحراوية إلى بيئة صالحة للإنتاج الزراعي.

ولم تبدأ أعمال الزراعة مباشرة، بل سبقتها دراسة طبيعة التربة والمياه وإجراء التحليلات اللازمة لتحديد نسبة الأملاح الكلسية وأنواعها، ثم اختيار أساليب الاستصلاح والزراعة التي تتلاءم مع خصائص الأرض، وجرى تصميم المزرعة وتحديد مواقع الأشجار، وتسوية الأرض على وفق المقاطع والمخططات المعدّة مسبقا، إلى جانب إنشاء شبكة ري حديثة تعتمد على المياه الجوفية، واستخدام الأسمدة والمبيدات التي تساعد على تحسين خصائص التربة وتسريع نمو الأشجار.

وبعد استكمال مراحل التهيئة، اتجه المشروع إلى اختيار أصناف السدر القادرة على التأقلم مع الظروف المناخية في وسط وجنوب العراق، مع التركيز على الأصناف النادرة ذات القيمة الإنتاجية والغذائية.

وضمّت المزرعة (5608) أشجار من السدر، توزعت على خمسة مقاطع، حمل كل منها اسم أحد أصحاب الكساء (عليهم السلام)؛ ليضفي على تقسيمها طابعا تنظيميا مميزا، فضلاً عن خصوصية الأسماء التي أطلقت على وحداتها الزراعية.

وضم القاطع الأول، مزرعة خاتم الرسل (صلّى الله عليه وآله)، بمساحة (11) دونماً وزُرع بالسدر الموريتاني أو التايلندي (Ziziphus mauritiana)، وهو من الأصناف التي أُدخلت حديثاً ولم تكن معروفة محلياً على نطاق واسع، ويتميز بسرعة نموه وكبر أوراقه وقلة أشواكه وكثافة تزهيره وغزارة رحيق أزهاره، إلى جانب جودة ثماره من صنفي التفاحي والزيتوني وكبر حجميهما وملاءمتهما لأجواء وسط وجنوب العراق، أما القاطع الثاني _ مزرعة علي بن أبي طالب (عليه السلام) _ فبلغت مساحته (8) دوانم، وزُرع بالسدر الصيني (Ziziphus jujube)، المعروف محلياً، والذي يمتاز بكبر أوراقه وقلة أشواكه وجودة ثماره وتحمله للظروف المناخية في وسط وجنوب العراق.

وفي المقاطع الثلاثة الأخرى، استمر حضور السدر الموريتاني؛ إذ خُصصت مساحة واسعة لزراعته فيها بدأت بـ (12) دونما في مزرعة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، و (13) دونما في مزرعة الإمام الحسن (عليه السلام)، و (12) دونما في مزرعة الإمام الحسين (عليه السلام)؛ لتكون المزرعة بهذه المساحات مختبرا للأصناف كافة، فضلا عن تمييز الملائمة للبيئة منها وكيفية الحفاظ عليها.

ولم يقتصر تصميم المزرعة على زراعة أشجار السدر في داخل حدودها؛ بل أُحيطت بأحزمة صد خضرية تعمل على حمايتها من تأثيرات الرياح والعوامل الصحراوية، وتتكون من حزام داخلي وآخر خارجي، يضمّان خطوطا من السدر المحلي وأشجار الزيتون، بواقع (230) شجرة، فضلا عن خطوط من أشجار اليوكالبتوز حول المقاطع، وخط آخر يحيط بالمزرعة ككل يضم (2000) شجرة، إلى جانب زراعة (50) شجرة من شوك الشام في الجهة الأمامية للمزرعة؛ وبذلك تحولت الأشجار المحيطة إلى جزء من منظومة الحماية والتشجير، لا مجرد مكونات إضافية للمزرعة.

واعتمد المشروع على تقنيات حديثة، في مقدمتها الري بالتنقيط، إلى جانب برنامج للتسميد والمكافحة يستند إلى منتجات شركة خير الجود لتكنولوجيا الزراعة الحديثة من الأسمدة والمبيدات الحيوية الصديقة للبيئة.

وهناك جزء كبير من الأشجار المزروعة جاء من إنتاج مجموعة مشاتل الكفيل، الأمر الذي يعكس توظيف الخبرات المتراكمة في مجال الإكثار والإنتاج النباتي وربطها بالمشاريع الزراعية التطبيقية.

وتتجاوز أهمية المزرعة إنتاج ثمار السدر إلى أهداف أوسع، من بينها إدخال أصناف مميزة إلى البيئة الزراعية العراقية، وجعل الأشجار المزروعة أمهات يمكن إكثارها ونشرها مستقبلا، بما يفتح المجال أمام توطينها وإدراجها من ضمن الفلورا العراقية، واختيرت أصناف السدر لملاءمتها للبيئة العراقية ووفرة إنتاجها ومقبوليتها لدى النحل، فضلا عن ارتباطها المباشر بأحد أهداف المشروع المتمثل في دعم مناحل الكفيل، ولا سيما مع محدودية هذه الأشجار في العراق.

ومن هذا المنطلق، أصبحت مزرعة السدر أكثر من مساحة مخصصة لزراعة الأشجار؛ فهي تجربة لاستصلاح الأرض الصحراوية، واختبار الأصناف، وتطوير تقنيات الزراعة، وإنتاج الأشجار القابلة للتوسع، وربط التشجير بالإنتاج الزراعي ودعم المناحل.

وتمثل نموذجا يمكن البناء عليه في مشاريع مماثلة، من ضمن خطط تستهدف توسيع الرقعة المزروعة وإدخال أصناف أخرى، بما يجعل المشروع جزءا من رؤية زراعية تراكمية تتجه إلى تحويل المساحات غير المستثمرة إلى بيئات خضراء قادرة على الإنتاج، وتعزيز حضور المشاريع النموذجية في دعم الاكتفاء الذاتي وتطوير القطاع الزراعي.



مزارع خيرات أبي الفضل العباس (عليه السلام)

تشرف على مزارع خيرات أبي الفضل العباس (عليه السلام) شركة الكفيل للاستثمارات العامة التابعة للعتبة العباسية المقدسة، وتبلغ مساحتها 900 دونم، وهي مخصصة لزراعة المحاصيل الحقلية ومنها الحنطة.

وتقوم عملية اختيار منتج الحنطة على وفق الإنتاجية العالية من أنواع عالمية وأخرى محلية مختلفة، ومنها: بحوث 22، وروفا، ونزار، وغيرها من الأصناف الأخرى التي نجحت الشركة بزراعتها، والتي تتحمل الظروف المناخية وتعطي محصولا ذا نوعية وجودة عالية.

وتعتمد الشركة في سقي الأرض على المرشات، منها المحورية والسيحية والثابتة، التي تغطي مساحات مختلفة من المزارع.

ولا تقتصر المزارع على المحاصيل الحقلية، إذ تضم بيوتا متعددة الفضاء وأخرى مفردة، مخصصة لإنتاج محاصيل متنوعة وصديقة للبيئة، مثل الطماطم والخيار والباذنجان والفلفل، فضلا عن الطماطم الكرزية والبصل بأنواعه والكلم.

وتعتمد الشركة على الأسمدة العضوية بدلا من المبيدات الكيميائية، بما يضمن إنتاج محاصيل نظيفة وصحية، وتسوّق هذه المحاصيل عبر مراكز الكفيل في محافظات كربلاء المقدسة والنجف الأشرف وبابل.

ونجحت في تجربة زراعة وإنتاج صنفين من المحاصيل الخضرية الصيفية، هما البطيخ نوع (كلاية) والخيار نوع (طرح)، أو ما يصطلح عليه شعبيا بـ(عطروزي)، وهما من المحاصيل التي تحتاجها العائلة العراقية ويزداد الطلب عليها في هذا الموسم، بما يسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي من دون الاعتماد على المستورد أو ما يرد من خارج المحافظة.

وتسهم هذه المشاريع في تشغيل الأيدي العاملة وتشجيع الزراعة العضوية، فيما تتجه الشركة إلى توسيع زراعة المحاصيل الخضرية في المواسم المقبلة بهدف تعزيز الإنتاج المحلي واستصلاح الأراضي الصحراوية واعتماد الزراعة المستدامة لتحقيق الأمن الغذائي.



مجموعة مشاتل الكفيل

أُنشئت (مجموعة مشاتل الكفيل) من ضمن خطط العتبة العباسية المقدسة لدعم القطاع الزراعي، وتعمل المجموعة على إنتاج أنواع متعددة من الشتلات والنباتات وتكثيرها.

وتنتج المشاتل سنويا أكثر من مليون شتلة ونبتة متنوعة، تشمل النباتات الموسمية والدائمة، والنباتات الظلية، والأشجار النفضية والحمضيات.

وأسهم هذا الإنتاج في تحقيق الاكتفاء الذاتي للعتبة المقدسة، ورفد السوق المحلي بمجموعة متنوعة من النباتات الزهرية والنباتية، بما يعزز التنمية الزراعية والاقتصادية.

وتندرج مجموعة مشاتل الكفيل من ضمن سلسلة المشاريع الزراعية التابعة للعتبة العباسية المقدسة، وقد شُيدت لتكون مركزا متكاملا لإنتاج مختلف أنواع النباتات والشتلات والأشجار؛ لسد حاجة العتبة المقدسة أولا، ثم رفد السوق المحلي بما يحتاجه من منتجات زراعية ثانيا.

وتضم المجموعة عددا من المشاتل المنتشرة على مساحات واسعة تصل إلى عشرات الدونمات، صممت على وفق أساليب زراعية حديثة تراعي متطلبات البيئة وتحديات المناخ.

وتولي المجموعة اهتماما خاصا بإنتاج أنواع نباتية مقاومة للظروف المناخية الصعبة، إلى جانب الإسهام في حملات التشجير التي تنفذها العتبة المقدسة، واعتماد طرائق حديثة في الري والتسميد والتكثير بما يضمن جودة الإنتاج والمحافظة على البيئة.

وتضم المجموعة أنواعا متعددة من أشجار النخيل ذات الأصناف والنوعيات النادرة، مثل المطوك والخستاوي والبرحي والبربن والمكتوم والعمراني والخضراوي، فضلا عن الزهدي وأنواع نادرة أخرى.

ولا يقتصر دور المشاتل على الإنتاج الزراعي؛ فهي توفر مساحات خضراء لتكون متنفسا ترفيهيا للعوائل والزائرين من مختلف محافظات العراق وخارجه، وأماكن مخصصة للأطفال تضم عددا من الألعاب.



الزراعة بوصفها مشروعا تنمويا

تكشف هذه المشاريع، عند النظر إليها مجتمعة، عن تعدد في الأهداف والوسائل؛ فهناك مشاريع تركز على النخيل والأشجار المثمرة، وأخرى على المحاصيل الاستراتيجية، وأخرى على الخضروات والبيوت البلاستيكية، فضلا عن المشاريع التي تتخصص في إنتاج الشتلات وتوطين الأصناف النباتية، إلى جانب الأحزمة الخضراء التي تجمع بين الوظيفة الزراعية والبيئية.

وتبرز كذلك أهمية اعتماد تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية في عدد من المشاريع، ولاسيما في الأراضي الصحراوية، حيث يمثل توفير المياه واستدامة تشغيل منظومات الري أحد التحديات الرئيسة أمام التوسع الزراعي.

وعن طريق تحويل الأراضي الصحراوية إلى مساحات منتجة، تتقاطع الأهداف الزراعية مع أهداف بيئية واقتصادية؛ إذ تسهم زيادة الغطاء النباتي في مواجهة التصحر والعواصف الرملية، بينما يتيح الإنتاج الزراعي توفير محاصيل للسوق المحلي، ويفتح المجال أمام تشغيل الأيدي العاملة والإفادة من الخبرات الزراعية.

وتنوع المشاريع بين الحبوب والنخيل والأشجار المثمرة والخضروات والشتلات يعزز فكرة بناء منظومة زراعية متعددة المسارات، بدل الاقتصار على محصول أو نشاط واحد.

وبناء على ذلك؛ فإن المشاريع الزراعية للعتبة العباسية المقدسة تصنع تجربةً تتجاوز استصلاح الأرض وزراعة المحاصيل إلى بناء نموذج متكامل لاستثمار الأراضي الصحراوية وتحويلها إلى بيئات منتجة وخضراء.

ومع استمرار التوسع في المزارع والأحزمة الخضراء والمشاتل والبيوت البلاستيكية؛ فإن المسار الذي ترسمه هذه المشاريع يفتح المجال أمام دور أكبر للزراعة في دعم الأمن الغذائي وتعزيز الإنتاج المحلي ومواجهة التصحر.

وفي المستقبل، يمكن لهذا التوجه أن يتحول إلى منظومة أكثر تكاملا، تتداخل فيها الزراعة مع البحث والتجريب وتوطين الأصناف النباتية وإكثارها، وتوسيع استخدام الطاقة البديلة وتقنيات الري الحديثة، وصولا إلى تعزيز القيمة الاقتصادية للمحاصيل وربط مراحل الإنتاج بالتسويق والتصنيع.

وهكذا؛ فإن تجربة العتبة العباسية المقدسة في المجال الزراعي لا تقف عند حدود إنتاج الحنطة والشعير والخضروات والتمور أو زراعة الأشجار، بل تعرض تصورا أوسع لتحويل الأرض الصحراوية من تحد بيئي إلى مورد إنتاجي، بما يجعل استمرار هذه المشاريع وتوسعها عاملا يمكن أن يسهم مستقبلا في دعم الزراعة العراقية، وتعزيز المساحات الخضراء، وتقليل الاعتماد على الخارج، وترسيخ مفهوم الزراعة المستدامة بوصفها أحد مسارات التنمية المحلية.