إذ يسعى المؤمنون من كل فج عميق، وبمختلف أعراقهم ومشاربهم في زيارة مليونية إلى كربلاء الأحرار، وهم لا يؤدون شعيرة فحسب، وإنما يعيشون تجربة تتكامل فيها العقيدة مع السلوك، فضلا عن الخدمة مع المسؤولية، والتطوع مع العمل المنظم.
ومع اتساع المشاركة وتراكم الخبرات، تطورت هذه التجربة إلى منظومة متكاملة تتضافر فيها الجهود الدينية والخدمية والثقافية والصحية والإعلامية، وفي مقدمتها جهود العتبة العباسية المقدسة، التي تعمل عاما بعد آخر على تطوير أساليب خدمة الزائرين والارتقاء بها.
ومن هنا، فإن قيمة زيارة الأربعين لا تختزل في حجم المشاركة أو عدد الخدمات المقدمة، بل تمتد إلى ما تتركه من قيم وخبرات وسلوكيات تتناقلها الأجيال، لتغدو الزيارة مدرسة حية في الإيمان والخدمة والتكافل والأخلاق والمعرفة والعمل المؤسسي.
البعد الديني.. العقيدة التي تصنع الخدمة
تبدأ رحلة زيارة الأربعين من الإيمان قبل أن تبدأ من الطريق، فالزائر الذي يقصد كربلاء المقدسة لا يبحث عن مكان يؤدي فيه شعيرة دينية فحسب، وإنما يسير وهو يحمل رسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، ويجدد العهد مع المبادئ التي خرج من أجلها، وفي مقدمتها الإصلاح والعدل والكرامة الإنسانية.
ومن هذا المنطلق، تنطلق جميع مفاصل الخدمة التي تقدمها العتبة العباسية المقدسة، إذ لا تنظر إلى أعمالها بوصفها واجبات تنظيمية أو خدمية مجردة، وإنما بوصفها امتدادا لرسالة أبي الفضل العباس (عليه السلام) في خدمة أخيه الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو ما يمنح هذه الجهود بعدا يتجاوز مفهوم الأداء الوظيفي التقليدي.
وقد تجسد هذا البعد في حضور واسع للبرامج الدينية والقرآنية والثقافية، إذ انتشرت239 محطة دينية على امتداد محاور الزيارة، لتقدم الإرشاد الديني، والإجابة عن الاستفتاءات الشرعية، وتعريف الزائرين بمعارف أهل البيت (عليهم السلام)، كما أسهمت181 محطة لتعليم القراءة الصحيحة للقرآن الكريم في تعزيز الارتباط بكتاب الله، فيما رافقت 406.607 من المطبوعات الدينية والثقافية الزائرين طوال رحلتهم، لتجعل من الطريق إلى كربلاء مسارا للتزود بالعلم والمعرفة إلى جانب أداء الشعائر.
ولذلك، فإن نجاح الخدمة الدينية لا يقاس بعدد المحطات أو المطبوعات فقط، بل بقدرتها على ترسيخ الهوية الإيمانية، وربط الإنسان بالقيم التي خرج الإمام الحسين (عليه السلام) من أجلها، لتبقى الزيارة مناسبة لبناء الإنسان قبل أي شيء آخر.
البعد الخدمي.. الإنسان في صدارة الأولويات
إذا كان الإيمان هو الدافع إلى المسير، فإن الخدمة هي اللغة التي تعبر بها الزيارة الأربعينية عن قيمها، فمنذ اللحظات الأولى لوصول الزائر إلى كربلاء المقدسة، يجد أمامه منظومة متكاملة تعمل بصمت لتوفير كل ما يحتاج إليه، وهو ما يعكس انتقال العمل الخدمي من المبادرات الفردية إلى التخطيط المؤسسي القائم على الخبرة والتخصص.
وقد سخرت العتبة العباسية المقدسة إمكاناتها البشرية والفنية واللوجستية لتوفير بيئة آمنة ومستقرة لملايين الزائرين، فامتدت خدماتها من الإطعام والسقاية إلى الرعاية الصحية والإسناد الفني، ومن تهيئة أماكن الراحة إلى توفير وسائل التبريد ومواجهة الظروف المناخية الصعبة.
وفي هذا السياق، قدمت9.997.062 وجبة غذائية رئيسة، إلى جانب 1.696.664 من الوجبات البينية، ووفرت 131.491 قالب ثلج و311.350 كيسا من الثلج البلوري مع إنشاء 4 برادات لخزن قوالب الثلج بما يضمن استمرارية تجهيز المواكب والمجمعات الخدمية.
ووفرت معامل المياه التابعة للعتبة المقدسة 120 مليون كأس من مياه الكفيل، و15.750.000 لتر من المياه النقية عبر محطات التحلية في داخل المدينة القديمة، فضلا عن توفير 82 عجلة حوضية لنقل المياه.
كما أولت العتبة اهتماما خاصا بتوفير بيئة مناسبة للحركة داخل المدينة القديمة والمجمعات الخدمية، عبر تغطية 61 ألف متر مربع من قماش الساران، فضلا عن تشغيل منظومات الرذاذ التي غطت مساحة بلغت 39.890 مترا مربعا، واستخدام 849 مبردة هواء في المواقع المختلفة؛ في خطوة هدفت إلى الحد من آثار ارتفاع درجات الحرارة، والمحافظة على سلامة الزائرين وانسيابية حركة الحشود.
ولا تعكس هذه الخدمات وفرة الإمكانات فحسب، وإنما تكشف عن وجود رؤية مؤسساتية متكاملة تقوم على التخطيط المسبق، وتوزيع الموارد، واستثمار الخبرات المتراكمة، بما يضمن استمرار الخدمة حتى في ذروة الزخم المليوني.
البعد الاجتماعي.. مجتمع يتجسد في صورة واحدة
من أبرز ما يميز زيارة الأربعين قدرتها على إذابة الفوارق الاجتماعية والثقافية والجغرافية، لتجمع الناس تحت راية واحدة، عنوانها خدمة الإمام الحسين (عليه السلام).
ففي هذه المسيرة لا مكان للفوارق الطبقية أو الانتماءات الضيقة، بل تتقدم قيم التعاون والتكافل والتراحم لتشكل المشهد العام.
وتجسد العتبة العباسية المقدسة هذا البعد من خلال اعتمادها على 18.129 من المتطوعين الذين يسهمون في مختلف مفاصل الخطة، إذ لا ينظر إليهم بوصفهم قوة مساندة مؤقتة، بل شركاء حقيقيين في إنجاح الزيارة، اذ يمتلك كثير منهم خبرات تراكمت عبر سنوات طويلة من المشاركة.
كما برز هذا البعد في الخدمات التي خصصت للفئات الأكثر احتياجا، من كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال، عبر توفير عربات النقل، وتوزيع الأساور التعريفية، وإنشاء مراكز لإرشاد التائهين، وهي إجراءات لم يكن هدفها التنظيم فحسب، بل ترسيخ شعور الزائر بالأمان والاهتمام والرعاية.
وتكشف هذه المشاهد أن الأربعين تقدم نموذجا لمجتمع متكاتف، تتحول فيه المسؤولية إلى ثقافة عامة، ويشعر كل فرد بأنه جزء من نجاح الآخرين، وهو ما يمنح الزيارة بعدها الاجتماعي العميق.
البعد الأخلاقي.. القيم حين تتحول إلى ممارسة
تقدم زيارة الأربعين درسا عمليا في الأخلاق الإسلامية، إذ تتحول القيم التي يدعو إليها الدين إلى سلوك يومي يعيشه الملايين، فالإيثار، والتواضع، والصبر، وخدمة الآخرين، واحترام النظام، ليست شعارات ترفع، وإنما ممارسات تتكرر في كل محطة من محطات الطريق.
وتبرز هذه القيم بوضوح في طبيعة العمل الذي تؤديه الملاكات والمتطوعون، الذين يواصلون أداء واجباتهم لساعات طويلة دون انتظار مقابل، مدفوعين بقناعة راسخة بأن خدمة الزائرين شرف ومسؤولية.
كما يظهر هذا البعد في الاهتمام بإجراءات السلامة العامة، وتوفير الخدمات الطبية، والحرص على حماية الأرواح، من خلال نشر المفارز الطبية، وتجهيزها بالملاكات والأدوية، إلى جانب منظومات الإنذار والإطفاء والاستجابة السريعة للطوارئ، بما يعكس قيمة الإنسان بوصفه محور جميع الخطط.
إن هذه الأخلاق العملية تمنح الأربعين خصوصية؛ لأنها تجعل من الخدمة سلوكا حضاريا يعبر عن جوهر الرسالة الحسينية، لا مجرد أداء لمهمة محددة.
البعد الثقافي.. المعرفة رفيقة الطريق
لا تنحصر رسالة الأربعين في إحياء الذكرى، بل تمتد إلى بناء الوعي ونشر الثقافة الإسلامية الأصيلة؛ ولذلك حرصت العتبة العباسية المقدسة على أن ترافق المعرفة الزائر في جميع مراحل رحلته، من خلال المحطات القرآنية، والبرامج الثقافية، والمطبوعات التوعوية، والأنشطة الإرشادية.
وتكتسب هذه الجهود أهمية مضاعفة في ظل مشاركة زائرين من مختلف البلدان والثقافات، إذ تتحول الزيارة إلى مساحة للحوار الحضاري، والتعريف برسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، وإبراز الصورة الحقيقية للإسلام بوصفه دينا يدعو إلى الرحمة والعدالة وخدمة الإنسان.
كما أدى الإعلام دورا بارزا في نقل هذه الرسالة إلى العالم، فقد منح قسم الإعلام في العتبة المقدسة 969 بطاقة تعريفية للمؤسسات الإعلامية والصحفيين وصناع المحتوى، وقدم خدمات البث المباشر لـ 120 قناة فضائية، فيما بلغ عدد القنوات والوكالات الإعلامية المستفيدة من خدماته 541 جهة، مع تهيئة خمس منصات إعلامية وعجلتين للبث المباشر؛ لتسهم هذه الجهود في إيصال صورة متكاملة عن القيم التي تحملها هذه المناسبة.
ومن خلال هذا الحضور الثقافي والإعلامي، لم تعد الأربعين حدثا محليا، وإنما أصبحت خطابا إنسانيا عالميا، يقدم أنموذجاً للتعايش والعمل الجماعي والانتماء إلى منظومة القيم.
رسالة تتجاوز الحاضر إلى المستقبل
لعل أبرز ما يميز تجربة الأربعين أنها لا تكتفي بالنجاح الآني، وإنما تعمل على بناء خبرات متراكمة تتطور عاما بعد آخر، وهو ما يجعلها تجربة قابلة للاستمرار والتجدد.
وقد أدركت العتبة العباسية المقدسة أن إدارة الزيارات المليونية تتطلب مواكبة التطور التقني والإداري، فاعتمدت منظومات إلكترونية لعد الزائرين، ومراقبة حركة المشاة والعجلات، وإدارة الحشود، ليوفر بيانات دقيقة أسهمت في اتخاذ القرارات الميدانية، وتوزيع الموارد بكفاءة أعلى.
ويمثل هذا التوجه خطوة مهمة نحو بناء أنموذج مؤسساتي حديث، يجمع بين الخبرة الميدانية والتقنيات المتطورة، ويؤكد أن نجاح الزيارة لا يعتمد على الجهد البشري وحده، وإنما على حسن التخطيط واستثمار المعرفة.
كما أن إشراك آلاف المتطوعين، وإعداد ملاكات متخصصة، وتطوير المؤسسات الإنتاجية والخدمية التابعة للعتبة، كلها عناصر تسهم في نقل الخبرة إلى الأجيال القادمة، لتصبح الأربعين مدرسة عملية في القيادة والإدارة والعمل الجماعي، قبل أن تكون مناسبة دينية سنوية.
ومن هنا، فإن الأثر الحقيقي لهذه الزيارة لا ينتهي بانتهاء الموسم، بل يمتد إلى المستقبل، عبر ما تغرسه في نفوس الشباب من قيم المسؤولية والانتماء والإيثار، وما تقدمه من نموذج ناجح في إدارة الموارد وخدمة الإنسان، وهو ما يجعلها تجربة حضارية تستحق الدراسة والاستفادة منها في مجالات متعددة.
كما تكشف زيارة الأربعين، بما تحمله من أبعاد دينية وخدمية واجتماعية وأخلاقية وثقافية، أنها ليست مجرد حدث سنوي يتكرر، بل مشروع حضاري متجدد يعيد إنتاج قيم النهضة الحسينية في واقع الناس. وما تقدمه العتبة العباسية المقدسة خلال هذا الموسم لا يقتصر على توفير الخدمات الأساسية لملايين الزائرين، بل يجسد رؤية متكاملة تجعل من الإنسان محورًا للاهتمام، ومن العقيدة منطلقًا للعمل، ومن التنظيم وسيلةً لحفظ الكرامة، ومن المعرفة طريقًا لبناء الوعي.
ولذلك، فإن خدمة الزائرين في الأربعين تعكس تجربة إنسانية استطاعت أن توحد ملايين البشر حول قيم الخدمة والتكافل والإيمان، وأن تقدم للعالم نموذجًا فريدًا في إدارة التجمعات البشرية الكبرى، وتؤكد أن الدرب الذي رسمه الإمام الحسين (عليه السلام) قبل قرون ما زال يصنع أجيالًا تؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من العقيدة، ويترجم بالخدمة، ويستمر بالعلم والأخلاق والعمل المؤسسي.