وعلى امتداد الطرق المؤدية إلى المرقد الشريف، تتوشح المدينة بمظاهر الحزن والولاء، فيما تنتشر المواكب والهيئات الخدمية لتقديم الطعام والشراب والخدمات المختلفة للزائرين، في مشهد يجسد ما تحمله الزيارة من قيم التكافل والعطاء وخدمة الزائرين.
وفي كل عام، تستعيد سامراء هذه الذكرى الأليمة بمشاركة واسعة من المؤمنين، الذين يجددون عهدهم بمحبة أهل البيت (عليهم السلام)، مستذكرين مسيرة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وما واجهه من تضييق ومظلومية، وصولًا إلى استشهاده ؛ لتبقى ذكراه حاضرةً في الوجدان الشيعي وممتدةً عبر الأجيال.
سيرةُ إمامٍ عاش تحت الرقابة ومهّد لمرحلة الغيبة
الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) هو الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، عاش حياة قصيرة لم تتجاوز 28 عامًا، لكنها كانت حافلة بالأحداث والضغوط السياسية والعلمية والعقائدية، وانتهت باستشهاده في مدينة سامراء سنة 260هـ.
هو الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وينتهي نسبه إلى أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة الزهراء (عليهما السلام).
وُلد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في الثامن من شهر ربيع الآخر في المدينة المنورة سنة 232هـ، وانتقل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مع والده إلى سامراء في العراق، بعد أن استدعاهما الخليفة العباسي إلى المدينة العسكرية التي اتخذها العباسيون مركزًا لهم.
وكان الإمام العسكري (عليه السلام) منذ سنوات شبابه يعيش في أجواء من الرقابة المشددة، إذ كانت السلطة العباسية تراقب الإمام الهادي (عليه السلام) وأهل بيته، وتضيّق على شيعتهم ؛ ومن هنا ارتبط لقب الإمام الحسن بـ «العسكري» نسبة إلى إقامته في سامراء، التي كانت تعرف بالمعسكر أو المدينة العسكرية.
بعد استشهاد والده الإمام علي الهادي (عليه السلام) سنة 254هـ، تولّى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مسؤولية الإمامة ، وهو في نحو 22 عامًا من عمره.
واستمرت إمامته قرابة 6 سنوات، من سنة 254هـ حتى 260هـ، وهي مدة اتسمت بتصاعد التضييق العباسي عليه وعلى أصحابه.
وفي هذه المرحلة، اضطلع الإمام بدور ديني وعلمي مهم، فكان يجيب عن أسئلة أصحابه، ويوجّههم في المسائل العقائدية والفقهية والأخلاقية، و عمل على تنظيم التواصل مع أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في ظل الظروف الأمنية الصعبة.
فيما شهدت سنوات إمامته تعاقب عدد من الخلفاء العباسيين، وكان الإمام يعيش تحت رقابة السلطة، وتعرض للاعتقال والاستدعاء والسجن في أزمان مختلفة.
وكانت السلطة العباسية تدرك، مكانة الإمام بين أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، و كانت تخشى من امتداد خط الإمامة إلى الجيل اللاحق.
واجه الإمام العسكري (عليه السلام) هذه الظروف بسياسة دقيقة قائمة على الحفاظ على أتباعه، والتقية، وتنظيم التواصل معهم، مع استمرار دوره العلمي والعقائدي.
ومن أبرز الأحداث في حياة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ولادة ابنه الإمام محمد بن الحسن المهدي (عجل الله فرجه الشريف) سنة 255هـ.
وجاءت ولادته في ظروف شديدة السرية، بسبب مراقبة السلطة العباسية لبيت الإمام العسكري(عليه السلام) ؛ فعرّف الإمام (عليه السلام) عددًا من خواص أصحابه بابنه بوصفه الإمام من بعده.
وفي السنوات الأخيرة من حياته، ازدادت الرقابة على الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، إذ كانت السلطات العباسية تتابع تحركاته واتصالاته بصورة مستمرة.
وعلى الرغم من قصر مدة إمامته ؛ لكنّه (عليه السلام) ترك تراثًا من الروايات والتوجيهات في العقيدة والأخلاق والعبادة.
ومن أقواله : إنكم في آجال منقوصة، وأيام معدودة، والموت يأتي بغتة.
وفي الثامن من شهر ربيع الأول سنة 260هـ، استشهد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في سامراء عن عمر ناهز 28 عامًا.
فقد قضى الإمام مسمومًا نتيجة مؤامرة دبرها الخليفة العباسي المعتمد ، ودُفن في داره بسامراء إلى جوار والده الإمام علي الهادي (عليه السلام)، في الموضع الذي أصبح فيما بعد من أبرز المزارات الشيعية في المدينة.
وهكذا، تختصر حياة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مسيرة إمامٍ عاش في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تأريخ الدولة العباسية؛ فبين الولادة في المدينة، والانتقال إلى سامراء، وتولي الإمامة، ومواجهة الرقابة والسجن، ورعاية أتباع أهل البيت، وتمهيد الأرضية لمرحلة الغيبة، انتهت حياته القصيرة بالاستشهاد سنة 260هـ ؛ لتبدأ بعده مرحلة جديدة في تأريخ الإمامة ، هي مرحلة غيبة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف).
العتبة العباسية تتوشح بالسواد
استحضرَت العتبة العباسية المقدسة ذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، في مشهدٍ غلبت عليه ملامح الحزن والوفاء، إذ توشّحت أروقة مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) ومداخله والساحات المحيطة به بالسواد، إيذانًا ببدء مراسم إحياء هذه المناسبة الأليمة.
وباشرت ملاكات قسم رعاية الصحن الشريف بنشر اللافتات والقطع السوداء في الطارمة المطلة على الصحن الشريف والأماكن المحيطة بها، فيما تولّت شعبة الخياطة والتطريز التابعة لقسم الهدايا والنذور إعداد وخياطة هذه القطع واللافتات على وفق آليات تتيح تثبيتها ورفعها بسهولة بما يحافظ على جمالية المكان وقدسيته.
وامتدت مظاهر الحزن إلى الساحة الوسطية في منطقة بين الحرمين الشريفين، حيث شرعت ملاكات قسم بين الحرمين الشريفين بنشر اللافتات السوداء، لتتوشح أرجاء المكان بمظاهر العزاء، وتستحضر في تفاصيلها سيرة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ومكانته في وجدان أتباع أهل البيت (عليهم السلام).
وتأتي هذه الاستعدادات من ضمن برنامج متكامل أعدته العتبة العباسية المقدسة لإحياء ذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، يتضمن إقامة مجالس العزاء والفعاليات والمحاضرات التثقيفية التي تتناول محطات من سيرته المباركة، وما تمثله هذه المناسبة من حضور ديني ووجداني لدى المؤمنين.
تتحول أروقة العتبة العباسية المقدسة وساحة بين الحرمين إلى لوحة من السواد والعزاء، تعكس عمق الارتباط بأهل البيت (عليهم السلام)، وتجدد في كل عام مشاهد الحزن والوفاء لإحياء ذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
مجالس العزاء
أحيت العتبة العباسية المقدسة ذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بإقامة مجالس عزائية في عدد من أروقتها وصحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، استحضرت عن طريقها سيرة الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ومواقفه المباركة وما واجهه من محن ومصائب في سبيل إحقاق الحق وصون الشريعة الإسلامية.
وشهدت المجالس التي أقامتها شعبة الخطابة للتبليغ الحسيني وقسم العلاقات العامة، حضورًا من المؤمنين والملاكات، وتضمنت تلاوة آيات من الذكر الحكيم ومحاضرات دينية تناولت جوانب من حياة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ومناقبه ومواقفه، وما تركته سيرته من دروس وقيم في الثبات على المبادئ والدفاع عن الحق وترسيخ تعاليم الإسلام.
وتناول خطباء المجالس، من بينهم الشيخ إبراهيم النصيراوي والشيخ علي شكر المنبر والشيخ أحمد الربيعي والسيد هادي الطويرجاوي، محطات من السيرة العطرة للإمام العسكري (عليه السلام)، مسلطين الضوء على الظروف الصعبة التي أحاطت بحياته، وما تعرض له من تضييق ومحن، إلى جانب استلهام العبر من نهجه في مواجهة التحديات والحفاظ على هوية الأمة وقيمها.
و شارك الرادود الحسيني ملا عمّار الكناني في أحد المجالس ؛ فصدح بقصائد ومراثٍ استحضرت مظلومية الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وأضفت على المجلس أجواءً من الحزن والأسى، وسط تفاعل المعزّين.
المواكب العزائية تجدد عهد الوفاء
من كربلاء المقدسة إلى سامراء، امتدت مواكب العزاء حاملةً مشاعر الحزن والولاء، لإحياء ذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، في مشهدٍ سنوي تتجدد فيه مظاهر الوفاء لأهل البيت (عليهم السلام)، بمشاركة واسعة من أهالي كربلاء والزائرين والمواكب والهيئات الحسينية.
وفي كربلاء المقدسة، شهدت العتبتان الحسينية والعباسية مراسم عزائية متعددة، كان أبرزها تشييع النعش الرمزي للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، في تقليد يحرص أهالي المدينة على إقامته سنويًا تعبيرًا عن الحزن والمواساة بهذه المناسبة الأليمة.
وانطلقت مراسم التشييع من منطقة باب بغداد، مرورًا بصحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، قبل أن يتوجه الموكب إلى مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، بمشاركة عدد من المواكب والهيئات الحسينية، وسط أجواء غلب عليها الحزن واستذكار سيرة الإمام العسكري (عليه السلام) ومظلوميته ومواقفه في حفظ الرسالة الإسلامية ونشر علوم أهل البيت (عليهم السلام).
وتولّى قسم الشعائر والمواكب والهيئات الحسينية في العتبة العباسية المقدسة تنظيم مشاركة المواكب العزائية، وتنظيم برامجها ومواعيد خروجها، بما يضمن انسيابية إحياء المناسبة وانتظام حركة المشاركين، فيما عمل قسم بين الحرمين الشريفين على تنظيم حركة المواكب في محيط العتبتين المقدستين والساحة الوسطية، ومتابعة دخولها وخروجها على وفق مسارات محددة، بما يحافظ على انسيابية حركة الزائرين.
ولم تتوقف مظاهر العزاء عند كربلاء، إذ توجه موكب أهالي كربلاء إلى مدينة سامراء لإحياء ذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عند مرقد الإمامين العسكريين (عليهما السلام)، مجسدًا تقليدًا سنويًا يحرص أهالي المدينة على إقامته في مناسبات أهل البيت (عليهم السلام)، بالتعاون مع العتبة العباسية المقدسة التي أسهمت في تقديم الدعم اللوجستي لإنجاح المشاركة.
العتبة العباسية تستنفر
اتخذت الخدمة في العتبة العباسية المقدسة لإحياء ذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وجهًا آخر من وجوه الوفاء؛ إذ استنفرت عددًا من أقسامها وملاكاتها لتوفير احتياجات الزائرين، وتحويل أيام الزيارة إلى مساحة متكاملة من العزاء والعطاء والرعاية، في مشهد امتدت خيوطه من كربلاء المقدسة إلى سامراء.
ولم تقتصر مشاركة العتبة العباسية المقدسة على إقامة مظاهر العزاء واستذكار سيرة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ؛ بل اتسعت لتشمل منظومة خدمية متكاملة، توزعت بين الإرشاد الديني، وتوفير الطعام والشراب، والإيواء، والرعاية الصحية، فضلًا عن إسناد المواكب الخدمية المنتشرة في محيط العتبة العسكرية المقدسة.
خدمات دينية وإرشادية للزائرين ،إذ قدّم قسم الشؤون الدينية في العتبة العباسية المقدسة جملة من الخدمات لزائري الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، عبر مركز شعبة الإرشاد والدعم المعنوي، الذي تولى الإجابة عن الاستفتاءات الشرعية وتقديم الإرشادات الدينية للزائرين.
وأوضح معاون رئيس القسم الشيخ عادل الوكيل أن مشاركة القسم تضمنت كذلك توزيع الرداء الشرعي على الفتيات المكلفات، إلى جانب تقديم الطعام والمشروبات الباردة والساخنة، فضلًا عن خدمات الإيواء، بما يسهم في توفير أجواء مناسبة للزائرين خلال مدة إقامتهم في سامراء.
وبيّن الوكيل أن هذه الجهود تنطلق من التأكيد المستمر للمتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، حول أهمية خدمة الزائرين، بوصفها وظيفة مقدسة ومسؤولية تستدعي بذل أقصى الجهود للوصول إلى رضا الزائر وتوفير ما يحتاجه.
وعلى صعيد الإسناد اللوجستي، كثفت العتبة العباسية المقدسة جهودها لتوفير المياه والمواد الرئيسة للمواكب الخدمية والزائرين، إذ أوضح رئيس وفد العتبة المقدسة في سامراء، السيد خليل مهدي هنون، أن العتبة نقلت أكثر من 4500 صندوق من ماء الكفيل، فضلا عن 2000 قالب من الثلج، وجرى توزيعها على مواكب العتبة العباسية المقدسة والمواكب الخدمية المشاركة في خدمة الزائرين.
ولم تتوقف الإسهامات عند توفير المياه والثلج، إذ أقامت العتبة العباسية المقدسة موكبين خدميين في مدينة سامراء؛ الأول عند باب القبلة، والثاني في الصحن الشمالي لمرقد الإمامين العسكريين (عليهما السلام)، من ضمن قاطع النساء.
ويواصل الموكبان تقديم وجبات الإفطار والغداء والعشاء، إلى جانب المشروبات الباردة والساخنة، والوجبات البينية والفواكه، لتلبية احتياجات الزائرين طوال ساعات الزيارة.
ووفرت العتبة المقدسة موادا متنوعة لعدد من المواكب الخدمية المحيطة بالعتبة العسكرية المقدسة، في خطوة تهدف إلى دعم جهود تلك المواكب وتعزيز قدرتها على تقديم الخدمات وتلبية احتياجات الأعداد المتوافدة إلى سامراء.
وأكد هنون أن هذه الجهود تأتي بتوجيه من المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، بهدف توفير مختلف الحاجات اللوجستية وإسناد جهود العتبة العسكرية المقدسة والمواكب الخدمية، بما يسهم في الارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للزائرين.
فيما تواصلت جهود قسم الشؤون الخدمية في العتبة العباسية المقدسة لتوفير مياه الشرب المبردة للزائرين، عبر موكبه الخدمي، ولا سيما في ليلة الجمعة الأولى من شهر ربيع الأول.
وقال معاون رئيس القسم السيد أوس طاهر (( إن القسم يواصل تقديم المياه المبردة عبر موكبه الخدمي، بهدف تلبية احتياجات الزائرين والتخفيف من وطأة ارتفاع درجات الحرارة))
وبيّن أن ملاكات شعبة السقاية تعمل على مدار 24 ساعة لتأمين المياه المبردة، إلى جانب نشر محطات التوزيع في المحاور الرئيسة لمدينة كربلاء القديمة ؛ وذلك من ضمن منظومة الخدمة التي ترافق الزائرين وتلبي احتياجاتهم.
ولأن خدمة الزائر لا تكتمل من دون توفير الرعاية الصحية، حضر قسم الشؤون الطبية في العتبة العباسية المقدسة في ضمن خطة الاستنفار الخدمي في سامراء، عبر إقامة مفرزتين طبيتين، إحداهما للرجال والأخرى للنساء، مجهزتين بالأدوية والأدوات والأجهزة الطبية اللازمة.
وأكدت رئيسة قسم الشؤون الطبية، الدكتورة هيفاء التميمي، تجهيز المفارز الطبية بنحو 6 أطنان من الأدوية والمستلزمات الطبية ؛ لتلبية مختلف الاحتياجات الصحية والعلاجية للزائرين القاصدين إلى مرقد الإمامين العسكريين (عليهما السلام)، على أن تستمر الخدمات حتى انتهاء مراسم الزيارة.
وشارك في تقديم هذه الخدمات ملاكات طبية وصحية من مركز أم البنين (عليها السلام) الطبي، إلى جانب متطوعي هيأة الجود الطبية القادمين من محافظات بغداد والديوانية والحلة.
ويضم الملاك الطبي 11 طبيبًا وصيدلانيًّا، فضلًا عن 30 من الملاكات التمريضية و10 من الملاكات الإدارية والخدمية، لتعمل هذه الطاقات بصورة متكاملة على توفير الرعاية الصحية للزائرين ومتابعة الحالات التي تحتاج إلى تدخل طبي أو علاجي.
وبينما تتوشح سامراء بمظاهر الحزن إحياءً لذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، تتكامل في أرجائها مشاهد أخرى من الخدمة؛ فهناك من يحمل الماء، وآخر يقدّم الطعام، وثالث يستقبل الزائر ويوجهه، فيما يقف الطبيب والممرض على أهبة الاستعداد لتقديم الرعاية الصحية.
إنها صورة تتجاوز مفهوم الخدمة المادية لتجسد، في المنظور الشيعي، معنى الوفاء لأهل البيت (عليهم السلام)، وتحويل إحياء مناسباتهم إلى ممارسة حية للقيم التي أرستها سيرتهم؛ من البذل والتكافل والإيثار وخدمة المؤمنين.
فرقة العباس (عليه السلام) كانت هناك
في سامراء، ، تتجسد الخدمة الحسينية في صور متعددة، من موائد الطعام وسقاية الزائرين إلى الرعاية الطبية والإسعاف، عبر موكب فرقة العباس (عليه السلام) الذي استنفر إمكاناته لمساندة الوافدين وخدمتهم طوال أيام الزيارة.
ويقدّم الموكب المركزي للفرقة وجبات الطعام الرئيسة والبينية بواقع ثلاث وجبات يوميًا، بإجمالي يصل إلى 20,000 ألف وجبة، فضلًا عن توفير المشروبات الباردة والساخنة بواقع 60,000 ألف وجبة، تشمل العصائر والمياه المبردة ؛ لتلبية احتياجات الزائرين والمواكب الخدمية المشاركة في إحياء المناسبة.
ولا تتوقف منظومة الإطعام عند إعداد الوجبات، إذ يضم الموكب أفرانًا مخصصة لإنتاج الصمون بطاقة تصل إلى 30,000 ألف رغيف يوميًا، تُوزع على موكب الفرقة والمواكب الخدمية المحيطة بالعتبة العسكرية المقدسة، بما يعزز قدرتها على مواصلة تقديم الخدمات للزائرين.
وقال مسؤول الموكب المركزي للفرقة، السيد حسين عامر، إن هذه الخدمات ستستمر على مدى ثلاثة أيام، حتى انتهاء مراسم الزيارة، بهدف توفير احتياجات الزائرين والمواكب الخدمية الوافدة إلى مدينة سامراء والإسهام في إنجاح مراسم إحياء ذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
وبالتزامن مع الخدمات الغذائية، تواصل طبابة فرقة العباس (عليه السلام) تقديم الرعاية الصحية عبر مفرزتها الطبية المتنقلة، التي استنفرت ملاكاتها لاستقبال الحالات المرضية بين صفوف الزائرين وتقديم العلاج والرعاية اللازمة.
وأوضح معاون مسؤول طبابة الفرقة، السيد علي نايف، أن المفرزة تستقبل الحالات المرضية وتتابع الحالات البسيطة والمتوسطة، حيث تُجرى لها الفحوصات والعلاجات اللازمة في المستشفى المتنقل التابع للفرقة.
أما الحالات الحرجة التي تستوجب تدخّلًا طبيًا متخصصًا، فتُنقل بوساطة سيارات الإسعاف إلى مستشفى سامراء لاستكمال الإجراءات العلاجية والرعاية الطبية المطلوبة.
جامعتا العميد والكفيل تستذكران
استذكرت جامعتا العميد والكفيل ذكرى استشهاد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، بإقامة مجلسي عزاء استحضرا سيرته المباركة ومواقفه العلمية والإيمانية، وما تحمله حياته من دروس في الثبات والصبر وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية.
وفي جامعة العميد، نظمت شعبة الإرشاد النفسي الجامعي مجلسًا للعزاء في قاعة الإمام المجتبى (عليه السلام)، بحضور ومشاركة جمع من الأساتيذ والطلبة والمنتسبين، واستُهل بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، أعقبتها محاضرة دينية قدّمها الخطيب الحسيني السيد هشام البطاط، عرض فيها محطات من حياة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وما حفلت به سيرته من مواقف علمية وتربوية وإيمانية، وصولًا إلى استشهاده (عليه السلام).
وفي سياق متصل، أحيت جامعة الكفيل المناسبة بإقامة مجلس عزاء حضره عدد من ملاكاتها التدريسية والإدارية، وتضمن تلاوة آيات من القرآن الكريم، أعقبتها محاضرة دينية عرضت سيرة الأنبياء والشخصيات التي خلّد القرآن الكريم مواقفها، وأهمية استلهام قيم الإيمان والثبات والصبر وطاعة الله (سبحانه وتعالى).
وبيّنت المحاضرة سيرة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، والظروف السياسية الصعبة التي أحاطت بإمامته، وما تعرض له من تضييق ومراقبة وحبس عن طريق السلطة العباسية، فضلًا عن الضغوط التي طالت والده الإمام علي الهادي (عليه السلام)، مشيرة إلى أن الإمام واصل أداء مسؤوليته الدينية والعلمية على الرغم من تلك الظروف، وترك أثرًا علميًا وروحيًا في أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
وتأتي إقامة المجلسين من ضمن البرامج الدينية والثقافية للجامعتين، بهدف إحياء مناسبات أهل البيت (عليهم السلام)، والتعريف بسيرتهم ومواقفهم، وتعزيز الوعي الديني والقيمي لدى الطلبة والملاكات، واستلهام الدروس والعبر من حياتهم المباركة.
العتبة العسكرية المقدسة تكرّم وفد العتبة العباسية المقدسة
كرّمت العتبة العسكرية المقدسة وفد العتبة العباسية المقدسة ؛ تثمينًا لمشاركته في تقديم الخدمات للزائرين الوافدين إلى مدينة سامراء لإحياء ذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
وقال نائب الأمين العام للعتبة العسكرية المقدسة، السيد كريم البياتي، إنّ العتبة العباسية المقدسة قدّمت جملةً من الخدمات للزائرين المعزّين القاصدين مرقد الإمامين العسكريين (عليهما السلام)، شملت توزيع وجبات الطعام الرئيسة والبينية، والمياه والعصائر المبردة، إلى جانب الخدمات الأمنية والصحية والتنظيمية، والإجابة عن الاستفتاءات الشرعية.
وزاد بقوله : إن تضافر الجهود بين العتبات المقدسة والمواكب والجهات الخدمية أسهم في توفير أجواء مناسبة للزائرين وتلبية احتياجاتهم ؛ لإحياء هذه الذكرى الأليمة، مشيدًا بالدور الذي أدّته العتبة العباسية المقدسة في خدمة الزائرين.